مدارسة قوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها"

إنضم
10 مايو 2012
المشاركات
1,325
مستوى التفاعل
34
النقاط
48
الإقامة
جدة
الموقع الالكتروني
tafaser.com
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يقول الحق تبارك وتعالى:
2-106.png

۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦ البقرة​

في هذا البحث سوف أطرح عدد من التساؤلات حول هذه الآية الكريمة، لنعمل فيها أفهامنا ونستقرئ عباراتها ومفرداتها في كتاب الله بمعزل عما قيل فيها سابقاً لعلنا نستجلي صورة من صورة الفهم المتسقة مع السياق القرآني والبلاغة العظيمة في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن هذه الآية الكريمة تشتمل على مفردتين من المشترك اللفظي فسنبدأ بفهمهما ونعرض مثائلها في كتاب الله ولا غنى عن إسهام ومشاركة إخواني الأعزاء واساتذتي الكرام وفقهم الله.

سيكون طريقنا في فهم الآية على النحو التالي:

أولاً: ما هو معنى قوله تعالى (ننسخ) وماهي المشتركات اللفظية لكلمة (نسخ) في القرآن الكريم وماهي مواضع تلك المشتركات؟؟

ثانياً: ماهي المشتركات اللفظية لكلمة (آية) في القرآن الكريم، وماهي مواضع تلك المشتركات؟

ثالثاً: لأي المشتركات اللفظية تنتمي هاتين المفردتين وكيف نحدد المشترك اللفظي لاي كلمة؟

رابعاً: ما هو دور السباق والسياق واللحاق في فهم هذه الآية بعد أن فهمنا مفرداتها وألفاظها وتركيبها؟



فنبدأ وبالله التوفيق ، ومن كان لديه مساهمة شريطة التقيد بالترتيب الموضوعي للبحث فأهلا وسهلا به ، فإن الفقرة "أولاً" ستكون في طليعة المواضيع التي تتاح للنقاش والمساهمة والله تعالى اسال ان يفتح علينا وعليكم من أنوار علمه إنه هو الفتاح العليم.
 
التعديل الأخير:
أولاً: ما هو معنى قوله تعالى (ننسخ) وماهي المشتركات اللفظية لكلمة (نسخ) في القرآن الكريم وماهي مواضع تلك المشتركات؟؟

الحمدلله رب العالمين وبعد
النسخ في القرآن الكريم أتى على معنيين ، الأول بمعنى التكرار ، فالاستنساخ إيجاد صورة مطابقة من الأصل ، ونسخ الكتاب إذا أوجد كتاباً مطابقاً مكرراً من الاصل ، والنسخة هي الصورة المطابقة للأصل ، والنسخ بمعنى التكرار جاء في كتاب الله في أكثر من موضع ، أما النسخ بمعنى الإزالة أتى في موضع واحد ، فكان النسخ بمعنى التكرار قوله تعالى:
هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29]

فكتاب الأعمال يحوي نسخة من أعمال المكلفين ، والملائكة تكتب أفعال من وُكِّلوا بهم كما هي طبق الأصل ، فكانت النسخة هنا دالة على التكرار على وجه المطابقة للأصل.

وكذلك يقول تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154]

ونسختها أي انها صورة مطابقة من نص آخر قيل أنه اللوح المحفوظ وقيل بل نسخ الالواح المكسورة الى نسخة أخرى ، جاء في تفسير البغوي "معالم التنزيل": قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ ﴾، أَيْ: سَكَنَ، ﴿ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ ﴾، الَّتِي كَانَ أَلْقَاهَا وَقَدْ ذَهَبَتْ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا، ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾، اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَلْوَاحَ لِأَنَّهَا نُسِخَتْ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ فَنَسَخَ نُسْخَةً أُخْرَى فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي نُسْخَتِها. وَقِيلَ: أَرَادَ وَفِيمَا نَسَخَ مِنْهَا.

وهكذا فالأصل في معنى "نسخ" أي أوجد صورة أخرى من الأصل ، ونستعملها اليوم على هذا النحو فيقال نسخت الكتاب أي طبعت منها نسخاً عديدة ، ونسخت الصورة اي كررتها بصورة أو مجموعة صور مطابقة للأصلية.


أما النسخ بمعنى الإزالة فما ذكر في القرآن إلا بمعنى واحد ، يقول تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]
فالنسخ في هذا الموضع يفيد الإزالة عن ابن عباس : أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان . وقال الضحاك : نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته .

ويتبع إن شاء الله لمتابعة بقية التساؤلات والله الموفق





 
التعديل الأخير:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك معنى آخر للنسخ لم تذكره ألا وهو التبديل
(( قال الشَّافِعِي رحمه الله: وفي كتاب الله دلالة عليه، قال - عز وجل -: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية.
فأخبر اللَّه أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله.
وقال - عز وجل -: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية، وهكذا سنة رسول الله - ﷺ - لا ينسخها إلا سنة ))
لهذا فإن الإمام الشافعي رحمة الله عليه يرى أن النسخ يأتي أيضاً بمعنى التبديل
 
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شكراً وبارك الله فيك اخي احمد ، وأود التنويه بأننا في السؤال الأول نتحدث عن المعنى اللغوي لكلمة "نسخ" في التعبير القرآني ، ولم اجد ان القرآن الكريم اشتمل على كلمة نسخ تساوي بدل ، بل أتت بمعنين لا ثالث لهما ، إما التكرار أو الإزالة ، والآية التي تفضلت بإيرادها لم تذكر مفردة "نسخ" ، وهنا قد تكون قفزت للأمام للمعنى الشرعي للنسخ وهو مالم نصل إليه في مدارستنا هذه بعد.
بارك الله فيكم وفتح علينا وعليكم وأتطلع إن رأيت في تحليل مفردة نسخ كما وردت في كتاب الله به خطأ أن تصوبني وأنا لك من الشاكرين والله يحفظكم
 
أخي الشافعي يساوي في المعنى بين الآيتين أي أنه يقول أن النسخ في الآية الأولى يساوي معنى التبديل في الآية الثانية ، ولهذا السبب أقول لك أن معنى النسخ جاء بمعنى التبديل في الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) وهذا حسب تفسير الشافعي .
فالآية التي جاء خير منها هذا نسخ بمعنى التبديل والآية المماثلة للآية التي قبلها هي نسخ بمعنى التكرار والمطابقة .
ولهذا السبب فإن المعنى الثالث للنسخ موجود في الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا))
 
التعديل الأخير:
اخي حفظك الله
انا انحدث عن مصدر "نسخ" في اللغة استنادا لمواضع ذكرها في القرآن الكريم ، واقصد المشترك اللفظي الذي يتساوى فيه تركيب الكلمة ويختلف معناها ، وهو غير ما تفضلت به ، ارجو ان يكون مرادي واضحا
 
أخي مرادك واضح ولكن أحببت أن أنبهك إلى أن معنى النسخ يشمل أيضاً معنى التبديل وقد أعطيتك الموضع الذي جاءت فيه بهذا المعنى في القرآن الكريم ، لكن لا أدري لماذا تتجاهل هذا المعنى في الآية وتعتبره غير موجود ؟
لفظ النسخ في الآية ((فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ )) بمعنى الإزالة مفهوم من سياق الآية ومع أنه موجود في آية واحدة فقد أخذته على أنه أحد المعاني المشتركة للفظ "نسخ" وبنفس الطريقة لفظ النسخ بمعنى التبديل مفهوم من سياق الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا )) فلماذا تعتبره ليس أحد معاني كلمة النسخ في القرآن الكريم ؟
 
فلماذا تعتبره ليس أحد معاني كلمة النسخ في القرآن الكريم ؟
لأنه ليس موضع بحثي حالياً، وضعت تساؤلات مرتبة كان أولها المشترك اللفظي لكلمة نسخ، ومواضعها في القرآن الكريم ومفهوم كل موضع فحق لي أن أنا أن أسال لماذا تتجاهل موضع البحث؟ ،
هذا المعنى الذي تقوله غير موجود حالياً وليس موضع بحثنا أصلا، فالنسخ (ككلمة) أتى بمعنى التكرار والإزالة فقط ولم يأت بمعنى آخر ، لا أعلم هل ما اقوله غامض لهذه الدرجة ؟ هل اخي احمد تدرك ما هو المشترك اللفظي ؟؟ وما هو موضع البحث ؟ ، هل قرأت موضوعي جيداً حفظك الله ؟؟

نحن لم نتحدث عن مسالة نسخ القرآن بل عن مفهوم كلمة (نسخ) ونستقرئ مواضعها في كتاب الله ، فأنا في وادٍ وأنت في واد ، جزاك الله خيراً على تنبيهك وسآخذه في اعتباري ولكن ينبغي أن أتقيد بخطة البحث خطوة خطوة حتى أصل لما تفضلت به.
 
التعديل الأخير:
لأنه ليس موضع بحثي حالياً، وضعت تساؤلات مرتبة كان أولها المشترك اللفظي لكلمة نسخ، ومواضعها في القرآن الكريم ومفهوم كل موضع فحق لي أن أنا أن أسال لماذا تتجاهل موضع البحث؟ ،
هذا المعنى الذي تقوله غير موجود حالياً وليس موضع بحثنا أصلا، فالنسخ (ككلمة) أتى بمعنى التكرار والإزالة فقط ولم يأت بمعنى آخر ،
بعد مراجعة الموضوع تبين لي أن معاني الإزالة والتكرار تركز فقط على معنى الآية السابقة هل تم إلغاؤه أم تم تكراره ، لهذا السبب تم تجاهل معنى التبديل وتم ضمه إلى الإزالة لأن إستبدال المعنى يعني إزالة الحكم أو المعنى السابق بحكم ومعنى جديد ، لهذا السبب فأنا أظن أنه قد تم خلط معنى الإزالة مع معنى الإستبدال مع أن هناك فرق في المعنى .
 
التعديل الأخير:
لا يوجد خلط ، نحن لا نتحدث في هذا الجزء عن معنى الآية، بل نستقرئ معنى مفردة واحدة ، مفردة النسخ في كتاب الله ووجدنا بأن لها معنيبن ، إما التكرار أو الإزالة .
 
أخي أنا أيضاً أتحدث عن معنى كلمة النسخ وقد قلت لك أن النسخ بمعنى الإزالة له نوعين الإزالة بالإستبدال والإزالة بالإلغاء ، وهناك فرق كبير في المعنى بينهما وإذا كنت غير قادر على إستعياب ما أنا أتحدث عنه فتستطيع إكمال بحثك ولن أزعجك بعد الآن
 
أحسن الله إليك ، اخي أحمد ، النسخ لم تأتي بمعنى الاستبدال في كتاب الله ، أتت بمعنى الإزالة والتكرار فقط ، ولك أن تراجع الآيات التي وردت في هذا الشأن. ، واسلم لأخيك
 
ثانياً: ماهي المشتركات اللفظية لكلمة (آية) في القرآن الكريم، وماهي مواضع تلك المشتركات؟



بمقتضى سياقات النص القرآني فقد وردت مفردة آية بعدة معانٍ تشترك في لفظة واحدة، وتعتبر في مجملها تعني مفهوم الدلالة والبرهان وهي على النحو التالي:

أولا: معجزة أو عجيبة من العجائب ذات الدلالة ومن أدلتها/

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118]

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145]

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:211]

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:248]

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [آل عمران:13]

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران:41]

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:49]

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران:50]

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:114]​

ثانيا : فقرة قرآنية من فقرات السور ذوات الفاصلة:

وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل:101]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [البقرة:99]

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران:58]

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]​

ثالثاً: مخلوقات الله كالسماوات والأرض وخلقهما:

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [النحل:65]​

رابعاً: الأحكام الشرعية:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:219]

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة:221]

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:199]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118]

 
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ،،

مضى معنا إجابة للسؤالين الأُوَل بشأن مشتركات كلمتي (نسخ) و (آية) فكانت محصلتهما أن:
النسخ أتى في كتاب الله على وجهين إما بمعنى (التكرار) أو بمعنى (الإنساء) وليس ذلك ابتداعاً أو اجتهاداً، بل بنص شرعي ثابت وبيِّن كما سلف.
فالآية أتت في كتاب الله على أربعة أوجه :
(العلامات والمعجزات) ، (الآية القرآنية) ، (مخلوقات الله) ، (الأحكام الشرعية)
وهنا نكون قد وصلنا للسؤال الثالث في رحلتنا مع هذه الآية الكريمة والذي نصهُ :

ثالثاً: لأي المشتركات اللفظية تنتمي هاتين المفردتين وكيف نحدد المشترك اللفظي لاي كلمة؟
وهنا ننثر مفردات هذه الآية الكريمة في سبيل استكشاف أي المعاني في المشترك اللفظي تنتمي هاتين المفردتين؟
هل يراد بالنسخ : الإزالة أم التكرار ؟؟؟
هل يراد بالآية : الحكم الشرعي ؟ ، الآية القرآنية ، مخلوقات الله ، أم المعجزات والعجائب ؟


ونقول وبالله التوفيق:
أولاً: النسخ في هذا الموضع يراد به التكرار ، ودليل ذلك أن العطف مع الإنساء يقتضي المغايرة ، فيقول تعالى:
(ما ننسخ من آية أو ننسها) فدل العطف (أو) على المغايرة ، فلو كان النسخ يعني الإزالة والإنساء لكان مقتضى معنى الآية (ما نُنسي من آية أو ننسها) فلم تتحقق المغايرة فلزم أن يكون معنى النسخ المشترك اللفظي الأول وهو التكرار .

ثانياً: قوله تعالى : (نأت بخير منها أو مثلها) وهنا تحققت المغايرة بين قبل وبعد حرف العطف وتقديرها :
ما نكرر من آية ، أو ننسها ، نأت بخير مما أنسينا أو مثل التي كررنا ونسخنا.

((فالإتيان بخير منها متعلق بالإنساء))
فإن أتيت بشيء خير من سواه دل ذلك على إزالة ماهو سواه واستبداله
((والإتيان بمثلها متعلق بالنسخ والتكرار.))
فإن أتيت بنسخة من الشيء فقد أتيت بمثله


بقي لنا أن نحدد إلى أي المشتركات اللفظية تنتمي كلمة (آية) هل هو حكم شرعي ؟ أم آية كونية ؟ أم هو نص قرآني ؟ أم يكون علامة أو معجزة دالة ؟
والحق بأن المراد بالآية هنا الحكم الشرعي وليس غيره كما قيل بأنه يراد به المعجزات ومن قال أنه يشير للآيات الكونية ، وذلك نفهمه مع فهم ما سبق ايضاً من خلال السياق والسباق واللحاق، وسمي الحكم الشرعي نسخة ، لانه مكرر من الأحكام المدونة في اللوح المحفوظ يقول تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154]

وسنفصل ذلك في إجابة السؤال التالي والله الموفق.
 
التعديل الأخير:
الحمدلله وحده ،، وبعد

وصلنا إلى السؤال الرابع :

رابعاً: ما هو دور السباق والسياق واللحاق في فهم هذه الآية بعد أن فهمنا مفرداتها وألفاظها وتركيبها؟



ونقول وبالله التوفيق ، أننا قد توصلنا لرهن معرفة الدلالة في المشترك اللفظي من خلال سياق الآيات وسباقها ولحاقها ، وسوى ذلك فلا يمكن معرفة المراد بالمفردة على وجه الدقة ، وفي هذا التطبيق سنشهد تتبع السياق الحاوي لآية النسخ لنستطيع التحقق من دلالة (الآية) هل هي حكم شرعي ، فاصلة قرآنية ، معجزة دالة ، أم خلق كوني ؟ وكذلك ندقق في مسالة مفهوم المشترك اللفظي لكلمة (نسخ) هل يراد بها التكرار ، أم المحو والإنساء ؟؟

ولا شك بأن النسخ قد مضى معنا أنه التكرار بدلالة السياق القصير للآية ذاتها ، فهو معطوف على الإنساء لذلك وجب أن يكون بمعنى مغاير للانساء والمحو وهو التكرار ، وقلنا بأن الإتيان بخير منها متعلق بالإنساء ، والعطف بمثلها متعلق بالتكرار.

ولكن هنا صورة أوسع لمفهوم النسخ والآية من خلال السباق والسياق واللحاق فنقول:

المقطع الأول : وهو مخاطبة بني إسرائيل وسرد تاريخهم منذ أن نجاهم من آل فرعون

ولقد بدأ السباق في أوله بالآية الكريمة التالية:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40​

وبعد أن عدد نعم الله عليهم منذ أن بعث فيهم موسى عليه السلام ومواضع كفرهم وتكذيبهم وإمهال الله لهم وعنايته بهم برغم سوء فعالهم ، وانتهى هذا المقطع عند قوله تعالى:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 74​



المقطع الثاني : بيان تأصل الخسة والكفر في قلوبهم تجاه المؤمنين في المدينة ويعيد تذكيرهم بسوء صنيعهم وتاريخهم المخزي في نبذهم لشريعة الله:

وقد بدأ المقطع من قوله تعالى:

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75​

وانتهى المقطع في قوله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 104​

والله تعالى ينهى الذين آمنوا أن يكونوا كالذين هادوا في أقوالهم وأفعالهم وفي ذلك إشارة لقوله تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) الآية ، فنهاهم أن يقولوا للنبي صلى الله عليهم وسلم راعِنا كما كان قول اليهود لموسى.



المقطع الثالث : بيان حسد أهل الكتاب والمشركين لأهل الإسلام لنزول الشريعة على المؤمنين:


وفيه يقول تعالى :

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105​



ويبين تعالى بأن الأحكام التي ينزلها الله تعالى إنما هي بإرادته تعالى فإن شاء نسخ وكرر منها ما يشاء وإن أراد محى وأنسى الأحكام التي يشاء ولو استعرضنا الآية المقصودة وما قبلها وبعدها لاتضح المعنى قال تعالى :

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105 مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106 أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 107 أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ 108

فمؤدى هذا السياق الشريف هو للمؤمنين بأن الذين كفروا واهل الكتاب لا يتمنون أن ينزّل الله عليكم شريعة لكم دون شرائعهم ، وأحكاماً تهيمن على أحكام التوراة وتمحوها ، ويقرر ربنا جل وعلا بأن ما ينسخ ويكرر من حكم من الشريعة السابقة إلى الشريعة اللاحقة فإنه سيأتي بمثل الحكم الذي نسخه وكرره ، وإن أنساه ومحاه فإنه يأتي بخير منه ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن محو القبلة السابقة (بيت المقدس) واستبداله بالقبلة الجديدة (الكعبة المشرفة) هو استبدال حكم بحكم خير منه.

ومن السياق نعلم بأنهم تلقوا الخير من ربهم وهي الشرائع التي أمروا أن يتبعوها فنبذوها وراء ظهورهم وعصوا أنبيائهم واشتروا بها ثمناً قليلاً ، فإن نزل حكم من الله على المؤمنين ينقض أحكامهم وينسيها فإن ذلك يظهر بغضهم وحقدهم على المؤمنين ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم متبعاً للحق من الشريعة التي نزلت على موسى لأنها الشريعة المهيمنة فكان يصلي لبيت المقدس ويتبع الأحكام الأخرى حتى ينزل من القرآن ما ينسي تلك الأحكام فيثير ذلك غضب اليهود ، ولذلك يقول تعالى :

وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 120)​

ومرمى آية النسخ وسياقها ينتهي إلى مسالة القبلة التي هي جزء لا يتجزأ من السياق ، يقول الحق تبارك وتعالى:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 142 وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ 143 قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ 144 وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ 145 الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 146 الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 147 وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 148 وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 149 وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 150​





يتبع
 
التعديل الأخير:
وهكذا اتضح بأن النسخ هو التكرار والمحو هو الإنساء ، ويراد به ما نسخ أو محي من الاحكام في الشريعة السابقة إلى الشريعة الماثلة إن من أظهر الأدلة الكلية على نسخ الأحكام بمعنى تكرارها، وإنساء الأحكام بمعنى محوها واستبدالها هو قوله تعالى:

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 48 [المائدة]

فنجد الإشارة الواضحة البيِّنة على علاقة الشريعة السالفة بالشريعة التالية فيقول تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) والكتاب هو الشريعة النازلة التي كتبها الله تعالى على عباده، فالمصدق لما بين يديه يشير للمنسوخ منه (أي المكرر) وهي الأحكام التي انتقلت من التوراة الى القرآن كما هي فكان الكتاب النازل على النبي محمد ﷺ والموافق لما فيه التوراة وهي الشريعة المهيمنة قبل الشريعة المحمدية، أما قوله تعالى (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) كانت الهيمنة دلالة واضحة على المحو والإنساء فالله يثبت في كتابه ويكرر وينسخ من الأحكام ما شاء ، ويمحو وينسي من الأحكام ما شاء فالشريعة المحمدية مهيمنة فيما محته وأنسته ، ومصدقة لما نسخته من الأحكام والشرائع وكررته.

وفيما يلي سنبين صوراً من الأحكام المنسوخة والممحية بإذن الله تعالى مدعمة بالدليل القرآني والكتابي.
 
حياكم الله جزاكم الله خيرا وجعلنا من أهل القرآن الكريم
ولله در قتادة يقول في تفسيره قول ربنا تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم }

قال:
مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُبْطِلَ عَمَلًا صَالِحًا عَمِلَهُ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ فَلْيَفْعَل

وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

فَإِنَّ الْخَيْرَ يَنْسَخُ الشَّرَّ

وَإِنَّ الشَّرَّ يَنْسَخُ الْخَيْرَ

وَإِنَّ مِلَاكَ الْأَعْمَالِ خَوَاتِيمُهَا

[ تفسير الطبري / سورة محمد الآية ٣٣ ]

قال الزركشي في البرهان المجلد الأول :

الجمهور على أنه لا يقع النسخ الا في الأمر والنهي وزاد بعضهم على أنه في الاخبار والاطلاق.

شكر الله لكم
 
عودة
أعلى