مدارسة قوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها"

إنضم
10 مايو 2012
المشاركات
1,356
مستوى التفاعل
37
النقاط
48
الإقامة
جدة
الموقع الالكتروني
tafaser.com
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يقول الحق تبارك وتعالى:
2-106.png

۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦ البقرة​

في هذا البحث سوف أطرح عدد من التساؤلات حول هذه الآية الكريمة، لنعمل فيها أفهامنا ونستقرئ عباراتها ومفرداتها في كتاب الله بمعزل عما قيل فيها سابقاً لعلنا نستجلي صورة من صورة الفهم المتسقة مع السياق القرآني والبلاغة العظيمة في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن هذه الآية الكريمة تشتمل على مفردتين من المشترك اللفظي فسنبدأ بفهمهما ونعرض مثائلها في كتاب الله ولا غنى عن إسهام ومشاركة إخواني الأعزاء واساتذتي الكرام وفقهم الله.

سيكون طريقنا في فهم الآية على النحو التالي:

أولاً: ما هو معنى قوله تعالى (ننسخ) وماهي المشتركات اللفظية لكلمة (نسخ) في القرآن الكريم وماهي مواضع تلك المشتركات؟؟

ثانياً: ماهي المشتركات اللفظية لكلمة (آية) في القرآن الكريم، وماهي مواضع تلك المشتركات؟

ثالثاً: لأي المشتركات اللفظية تنتمي هاتين المفردتين وكيف نحدد المشترك اللفظي لاي كلمة؟

رابعاً: ما هو دور السباق والسياق واللحاق في فهم هذه الآية بعد أن فهمنا مفرداتها وألفاظها وتركيبها؟



فنبدأ وبالله التوفيق ، ومن كان لديه مساهمة شريطة التقيد بالترتيب الموضوعي للبحث فأهلا وسهلا به ، فإن الفقرة "أولاً" ستكون في طليعة المواضيع التي تتاح للنقاش والمساهمة والله تعالى اسال ان يفتح علينا وعليكم من أنوار علمه إنه هو الفتاح العليم.
 
التعديل الأخير:
أولاً: ما هو معنى قوله تعالى (ننسخ) وماهي المشتركات اللفظية لكلمة (نسخ) في القرآن الكريم وماهي مواضع تلك المشتركات؟؟

الحمدلله رب العالمين وبعد
النسخ في القرآن الكريم أتى على معنيين ، الأول بمعنى التكرار ، فالاستنساخ إيجاد صورة مطابقة من الأصل ، ونسخ الكتاب إذا أوجد كتاباً مطابقاً مكرراً من الاصل ، والنسخة هي الصورة المطابقة للأصل ، والنسخ بمعنى التكرار جاء في كتاب الله في أكثر من موضع ، أما النسخ بمعنى الإزالة أتى في موضع واحد ، فكان النسخ بمعنى التكرار قوله تعالى:
هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29]

فكتاب الأعمال يحوي نسخة من أعمال المكلفين ، والملائكة تكتب أفعال من وُكِّلوا بهم كما هي طبق الأصل ، فكانت النسخة هنا دالة على التكرار على وجه المطابقة للأصل.

وكذلك يقول تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154]

ونسختها أي انها صورة مطابقة من نص آخر قيل أنه اللوح المحفوظ وقيل بل نسخ الالواح المكسورة الى نسخة أخرى ، جاء في تفسير البغوي "معالم التنزيل": قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ ﴾، أَيْ: سَكَنَ، ﴿ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ ﴾، الَّتِي كَانَ أَلْقَاهَا وَقَدْ ذَهَبَتْ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا، ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾، اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَلْوَاحَ لِأَنَّهَا نُسِخَتْ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ فَنَسَخَ نُسْخَةً أُخْرَى فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي نُسْخَتِها. وَقِيلَ: أَرَادَ وَفِيمَا نَسَخَ مِنْهَا.

وهكذا فالأصل في معنى "نسخ" أي أوجد صورة أخرى من الأصل ، ونستعملها اليوم على هذا النحو فيقال نسخت الكتاب أي طبعت منها نسخاً عديدة ، ونسخت الصورة اي كررتها بصورة أو مجموعة صور مطابقة للأصلية.


أما النسخ بمعنى الإزالة فما ذكر في القرآن إلا بمعنى واحد ، يقول تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]
فالنسخ في هذا الموضع يفيد الإزالة عن ابن عباس : أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان . وقال الضحاك : نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته .

ويتبع إن شاء الله لمتابعة بقية التساؤلات والله الموفق





 
التعديل الأخير:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك معنى آخر للنسخ لم تذكره ألا وهو التبديل
(( قال الشَّافِعِي رحمه الله: وفي كتاب الله دلالة عليه، قال - عز وجل -: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية.
فأخبر اللَّه أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله.
وقال - عز وجل -: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية، وهكذا سنة رسول الله - ﷺ - لا ينسخها إلا سنة ))
لهذا فإن الإمام الشافعي رحمة الله عليه يرى أن النسخ يأتي أيضاً بمعنى التبديل
 
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شكراً وبارك الله فيك اخي احمد ، وأود التنويه بأننا في السؤال الأول نتحدث عن المعنى اللغوي لكلمة "نسخ" في التعبير القرآني ، ولم اجد ان القرآن الكريم اشتمل على كلمة نسخ تساوي بدل ، بل أتت بمعنين لا ثالث لهما ، إما التكرار أو الإزالة ، والآية التي تفضلت بإيرادها لم تذكر مفردة "نسخ" ، وهنا قد تكون قفزت للأمام للمعنى الشرعي للنسخ وهو مالم نصل إليه في مدارستنا هذه بعد.
بارك الله فيكم وفتح علينا وعليكم وأتطلع إن رأيت في تحليل مفردة نسخ كما وردت في كتاب الله به خطأ أن تصوبني وأنا لك من الشاكرين والله يحفظكم
 
أخي الشافعي يساوي في المعنى بين الآيتين أي أنه يقول أن النسخ في الآية الأولى يساوي معنى التبديل في الآية الثانية ، ولهذا السبب أقول لك أن معنى النسخ جاء بمعنى التبديل في الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) وهذا حسب تفسير الشافعي .
فالآية التي جاء خير منها هذا نسخ بمعنى التبديل والآية المماثلة للآية التي قبلها هي نسخ بمعنى التكرار والمطابقة .
ولهذا السبب فإن المعنى الثالث للنسخ موجود في الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا))
 
التعديل الأخير:
اخي حفظك الله
انا انحدث عن مصدر "نسخ" في اللغة استنادا لمواضع ذكرها في القرآن الكريم ، واقصد المشترك اللفظي الذي يتساوى فيه تركيب الكلمة ويختلف معناها ، وهو غير ما تفضلت به ، ارجو ان يكون مرادي واضحا
 
أخي مرادك واضح ولكن أحببت أن أنبهك إلى أن معنى النسخ يشمل أيضاً معنى التبديل وقد أعطيتك الموضع الذي جاءت فيه بهذا المعنى في القرآن الكريم ، لكن لا أدري لماذا تتجاهل هذا المعنى في الآية وتعتبره غير موجود ؟
لفظ النسخ في الآية ((فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ )) بمعنى الإزالة مفهوم من سياق الآية ومع أنه موجود في آية واحدة فقد أخذته على أنه أحد المعاني المشتركة للفظ "نسخ" وبنفس الطريقة لفظ النسخ بمعنى التبديل مفهوم من سياق الآية ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا )) فلماذا تعتبره ليس أحد معاني كلمة النسخ في القرآن الكريم ؟
 
فلماذا تعتبره ليس أحد معاني كلمة النسخ في القرآن الكريم ؟
لأنه ليس موضع بحثي حالياً، وضعت تساؤلات مرتبة كان أولها المشترك اللفظي لكلمة نسخ، ومواضعها في القرآن الكريم ومفهوم كل موضع فحق لي أن أنا أن أسال لماذا تتجاهل موضع البحث؟ ،
هذا المعنى الذي تقوله غير موجود حالياً وليس موضع بحثنا أصلا، فالنسخ (ككلمة) أتى بمعنى التكرار والإزالة فقط ولم يأت بمعنى آخر ، لا أعلم هل ما اقوله غامض لهذه الدرجة ؟ هل اخي احمد تدرك ما هو المشترك اللفظي ؟؟ وما هو موضع البحث ؟ ، هل قرأت موضوعي جيداً حفظك الله ؟؟

نحن لم نتحدث عن مسالة نسخ القرآن بل عن مفهوم كلمة (نسخ) ونستقرئ مواضعها في كتاب الله ، فأنا في وادٍ وأنت في واد ، جزاك الله خيراً على تنبيهك وسآخذه في اعتباري ولكن ينبغي أن أتقيد بخطة البحث خطوة خطوة حتى أصل لما تفضلت به.
 
التعديل الأخير:
لأنه ليس موضع بحثي حالياً، وضعت تساؤلات مرتبة كان أولها المشترك اللفظي لكلمة نسخ، ومواضعها في القرآن الكريم ومفهوم كل موضع فحق لي أن أنا أن أسال لماذا تتجاهل موضع البحث؟ ،
هذا المعنى الذي تقوله غير موجود حالياً وليس موضع بحثنا أصلا، فالنسخ (ككلمة) أتى بمعنى التكرار والإزالة فقط ولم يأت بمعنى آخر ،
بعد مراجعة الموضوع تبين لي أن معاني الإزالة والتكرار تركز فقط على معنى الآية السابقة هل تم إلغاؤه أم تم تكراره ، لهذا السبب تم تجاهل معنى التبديل وتم ضمه إلى الإزالة لأن إستبدال المعنى يعني إزالة الحكم أو المعنى السابق بحكم ومعنى جديد ، لهذا السبب فأنا أظن أنه قد تم خلط معنى الإزالة مع معنى الإستبدال مع أن هناك فرق في المعنى .
 
التعديل الأخير:
لا يوجد خلط ، نحن لا نتحدث في هذا الجزء عن معنى الآية، بل نستقرئ معنى مفردة واحدة ، مفردة النسخ في كتاب الله ووجدنا بأن لها معنيبن ، إما التكرار أو الإزالة .
 
أخي أنا أيضاً أتحدث عن معنى كلمة النسخ وقد قلت لك أن النسخ بمعنى الإزالة له نوعين الإزالة بالإستبدال والإزالة بالإلغاء ، وهناك فرق كبير في المعنى بينهما وإذا كنت غير قادر على إستعياب ما أنا أتحدث عنه فتستطيع إكمال بحثك ولن أزعجك بعد الآن
 
أحسن الله إليك ، اخي أحمد ، النسخ لم تأتي بمعنى الاستبدال في كتاب الله ، أتت بمعنى الإزالة والتكرار فقط ، ولك أن تراجع الآيات التي وردت في هذا الشأن. ، واسلم لأخيك
 
ثانياً: ماهي المشتركات اللفظية لكلمة (آية) في القرآن الكريم، وماهي مواضع تلك المشتركات؟



بمقتضى سياقات النص القرآني فقد وردت مفردة آية بعدة معانٍ تشترك في لفظة واحدة، وتعتبر في مجملها تعني مفهوم الدلالة والبرهان وهي على النحو التالي:

أولا: معجزة أو عجيبة من العجائب ذات الدلالة ومن أدلتها/

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118]

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145]

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:211]

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:248]

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [آل عمران:13]

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران:41]

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:49]

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران:50]

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:114]​

ثانيا : فقرة قرآنية من فقرات السور ذوات الفاصلة:

وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل:101]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [البقرة:99]

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران:58]

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]​

ثالثاً: مخلوقات الله كالسماوات والأرض وخلقهما:

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [النحل:65]​

رابعاً: الأحكام الشرعية:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:219]

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة:221]

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:199]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118]

 
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ،،

مضى معنا إجابة للسؤالين الأُوَل بشأن مشتركات كلمتي (نسخ) و (آية) فكانت محصلتهما أن:
النسخ أتى في كتاب الله على وجهين إما بمعنى (التكرار) أو بمعنى (الإنساء) وليس ذلك ابتداعاً أو اجتهاداً، بل بنص شرعي ثابت وبيِّن كما سلف.
فالآية أتت في كتاب الله على أربعة أوجه :
(العلامات والمعجزات) ، (الآية القرآنية) ، (مخلوقات الله) ، (الأحكام الشرعية)
وهنا نكون قد وصلنا للسؤال الثالث في رحلتنا مع هذه الآية الكريمة والذي نصهُ :

ثالثاً: لأي المشتركات اللفظية تنتمي هاتين المفردتين وكيف نحدد المشترك اللفظي لاي كلمة؟
وهنا ننثر مفردات هذه الآية الكريمة في سبيل استكشاف أي المعاني في المشترك اللفظي تنتمي هاتين المفردتين؟
هل يراد بالنسخ : الإزالة أم التكرار ؟؟؟
هل يراد بالآية : الحكم الشرعي ؟ ، الآية القرآنية ، مخلوقات الله ، أم المعجزات والعجائب ؟


ونقول وبالله التوفيق:
أولاً: النسخ في هذا الموضع يراد به التكرار ، ودليل ذلك أن العطف مع الإنساء يقتضي المغايرة ، فيقول تعالى:
(ما ننسخ من آية أو ننسها) فدل العطف (أو) على المغايرة ، فلو كان النسخ يعني الإزالة والإنساء لكان مقتضى معنى الآية (ما نُنسي من آية أو ننسها) فلم تتحقق المغايرة فلزم أن يكون معنى النسخ المشترك اللفظي الأول وهو التكرار .

ثانياً: قوله تعالى : (نأت بخير منها أو مثلها) وهنا تحققت المغايرة بين قبل وبعد حرف العطف وتقديرها :
ما نكرر من آية ، أو ننسها ، نأت بخير مما أنسينا أو مثل التي كررنا ونسخنا.

((فالإتيان بخير منها متعلق بالإنساء))
فإن أتيت بشيء خير من سواه دل ذلك على إزالة ماهو سواه واستبداله
((والإتيان بمثلها متعلق بالنسخ والتكرار.))
فإن أتيت بنسخة من الشيء فقد أتيت بمثله


بقي لنا أن نحدد إلى أي المشتركات اللفظية تنتمي كلمة (آية) هل هو حكم شرعي ؟ أم آية كونية ؟ أم هو نص قرآني ؟ أم يكون علامة أو معجزة دالة ؟
والحق بأن المراد بالآية هنا الحكم الشرعي وليس غيره كما قيل بأنه يراد به المعجزات ومن قال أنه يشير للآيات الكونية ، وذلك نفهمه مع فهم ما سبق ايضاً من خلال السياق والسباق واللحاق، وسمي الحكم الشرعي نسخة ، لانه مكرر من الأحكام المدونة في اللوح المحفوظ يقول تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154]

وسنفصل ذلك في إجابة السؤال التالي والله الموفق.
 
التعديل الأخير:
الحمدلله وحده ،، وبعد

وصلنا إلى السؤال الرابع :

رابعاً: ما هو دور السباق والسياق واللحاق في فهم هذه الآية بعد أن فهمنا مفرداتها وألفاظها وتركيبها؟



ونقول وبالله التوفيق ، أننا قد توصلنا لرهن معرفة الدلالة في المشترك اللفظي من خلال سياق الآيات وسباقها ولحاقها ، وسوى ذلك فلا يمكن معرفة المراد بالمفردة على وجه الدقة ، وفي هذا التطبيق سنشهد تتبع السياق الحاوي لآية النسخ لنستطيع التحقق من دلالة (الآية) هل هي حكم شرعي ، فاصلة قرآنية ، معجزة دالة ، أم خلق كوني ؟ وكذلك ندقق في مسالة مفهوم المشترك اللفظي لكلمة (نسخ) هل يراد بها التكرار ، أم المحو والإنساء ؟؟

ولا شك بأن النسخ قد مضى معنا أنه التكرار بدلالة السياق القصير للآية ذاتها ، فهو معطوف على الإنساء لذلك وجب أن يكون بمعنى مغاير للانساء والمحو وهو التكرار ، وقلنا بأن الإتيان بخير منها متعلق بالإنساء ، والعطف بمثلها متعلق بالتكرار.

ولكن هنا صورة أوسع لمفهوم النسخ والآية من خلال السباق والسياق واللحاق فنقول:

المقطع الأول : وهو مخاطبة بني إسرائيل وسرد تاريخهم منذ أن نجاهم من آل فرعون

ولقد بدأ السباق في أوله بالآية الكريمة التالية:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40​

وبعد أن عدد نعم الله عليهم منذ أن بعث فيهم موسى عليه السلام ومواضع كفرهم وتكذيبهم وإمهال الله لهم وعنايته بهم برغم سوء فعالهم ، وانتهى هذا المقطع عند قوله تعالى:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 74​



المقطع الثاني : بيان تأصل الخسة والكفر في قلوبهم تجاه المؤمنين في المدينة ويعيد تذكيرهم بسوء صنيعهم وتاريخهم المخزي في نبذهم لشريعة الله:

وقد بدأ المقطع من قوله تعالى:

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75​

وانتهى المقطع في قوله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 104​

والله تعالى ينهى الذين آمنوا أن يكونوا كالذين هادوا في أقوالهم وأفعالهم وفي ذلك إشارة لقوله تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) الآية ، فنهاهم أن يقولوا للنبي صلى الله عليهم وسلم راعِنا كما كان قول اليهود لموسى.



المقطع الثالث : بيان حسد أهل الكتاب والمشركين لأهل الإسلام لنزول الشريعة على المؤمنين:


وفيه يقول تعالى :

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105​



ويبين تعالى بأن الأحكام التي ينزلها الله تعالى إنما هي بإرادته تعالى فإن شاء نسخ وكرر منها ما يشاء وإن أراد محى وأنسى الأحكام التي يشاء ولو استعرضنا الآية المقصودة وما قبلها وبعدها لاتضح المعنى قال تعالى :

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105 مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106 أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 107 أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ 108

فمؤدى هذا السياق الشريف هو للمؤمنين بأن الذين كفروا واهل الكتاب لا يتمنون أن ينزّل الله عليكم شريعة لكم دون شرائعهم ، وأحكاماً تهيمن على أحكام التوراة وتمحوها ، ويقرر ربنا جل وعلا بأن ما ينسخ ويكرر من حكم من الشريعة السابقة إلى الشريعة اللاحقة فإنه سيأتي بمثل الحكم الذي نسخه وكرره ، وإن أنساه ومحاه فإنه يأتي بخير منه ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن محو القبلة السابقة (بيت المقدس) واستبداله بالقبلة الجديدة (الكعبة المشرفة) هو استبدال حكم بحكم خير منه.

ومن السياق نعلم بأنهم تلقوا الخير من ربهم وهي الشرائع التي أمروا أن يتبعوها فنبذوها وراء ظهورهم وعصوا أنبيائهم واشتروا بها ثمناً قليلاً ، فإن نزل حكم من الله على المؤمنين ينقض أحكامهم وينسيها فإن ذلك يظهر بغضهم وحقدهم على المؤمنين ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم متبعاً للحق من الشريعة التي نزلت على موسى لأنها الشريعة المهيمنة فكان يصلي لبيت المقدس ويتبع الأحكام الأخرى حتى ينزل من القرآن ما ينسي تلك الأحكام فيثير ذلك غضب اليهود ، ولذلك يقول تعالى :

وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 120)​

ومرمى آية النسخ وسياقها ينتهي إلى مسالة القبلة التي هي جزء لا يتجزأ من السياق ، يقول الحق تبارك وتعالى:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 142 وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ 143 قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ 144 وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ 145 الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 146 الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 147 وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 148 وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 149 وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 150​





يتبع
 
التعديل الأخير:
وهكذا اتضح بأن النسخ هو التكرار والمحو هو الإنساء ، ويراد به ما نسخ أو محي من الاحكام في الشريعة السابقة إلى الشريعة الماثلة إن من أظهر الأدلة الكلية على نسخ الأحكام بمعنى تكرارها، وإنساء الأحكام بمعنى محوها واستبدالها هو قوله تعالى:

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 48 [المائدة]

فنجد الإشارة الواضحة البيِّنة على علاقة الشريعة السالفة بالشريعة التالية فيقول تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) والكتاب هو الشريعة النازلة التي كتبها الله تعالى على عباده، فالمصدق لما بين يديه يشير للمنسوخ منه (أي المكرر) وهي الأحكام التي انتقلت من التوراة الى القرآن كما هي فكان الكتاب النازل على النبي محمد ﷺ والموافق لما فيه التوراة وهي الشريعة المهيمنة قبل الشريعة المحمدية، أما قوله تعالى (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) كانت الهيمنة دلالة واضحة على المحو والإنساء فالله يثبت في كتابه ويكرر وينسخ من الأحكام ما شاء ، ويمحو وينسي من الأحكام ما شاء فالشريعة المحمدية مهيمنة فيما محته وأنسته ، ومصدقة لما نسخته من الأحكام والشرائع وكررته.

وفيما يلي سنبين صوراً من الأحكام المنسوخة والممحية بإذن الله تعالى مدعمة بالدليل القرآني والكتابي.
 
حياكم الله جزاكم الله خيرا وجعلنا من أهل القرآن الكريم
ولله در قتادة يقول في تفسيره قول ربنا تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم }

قال:
مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُبْطِلَ عَمَلًا صَالِحًا عَمِلَهُ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ فَلْيَفْعَل

وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

فَإِنَّ الْخَيْرَ يَنْسَخُ الشَّرَّ

وَإِنَّ الشَّرَّ يَنْسَخُ الْخَيْرَ

وَإِنَّ مِلَاكَ الْأَعْمَالِ خَوَاتِيمُهَا

[ تفسير الطبري / سورة محمد الآية ٣٣ ]

قال الزركشي في البرهان المجلد الأول :

الجمهور على أنه لا يقع النسخ الا في الأمر والنهي وزاد بعضهم على أنه في الاخبار والاطلاق.

شكر الله لكم
 
نماذج من الأحكام المنسوخة (المكررة)
لقد مرَّ معنا -فيما سبق - المفهوم الصحيح لقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106 ]البقرة [.

وقلنا بأن النسخ يحتمل التكرار ويحتمل الإزالة التي يستحيل صرفها للمعنى في هذا الموضع، وأن الأظهر في ظل السياق الشريف أن النسخ هنا هو التكرار أي أن الله تعالى كرر أحكاماً من الشريعة السابقة إلى الشريعة الماثلة، ومحى وأنسى أخرى، وفي هذا الفصل سنستعرض -على سبيل البيان والاستشهاد- بعضاً من الأحكام المكررة (المنسوخة) ذلك أن الدين عند الله الإسلام، والشرائع النازلة إنما هي من مشكاة واحدة ومن رب واحد ونزل القرآن مصدقاً لما نزل قبله من الشرائع وآخرها آنذاك شريعة الله المرسلة مع موسى لبني إسرائيل ، ودليل ذلك قوله تعالى:

يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]​

إن الإسلام واحد والشريعة واحدة (أم الكتاب) وإنما تنزل بما يوافق حال القوم التي نزلت فيهم فينزل من أم الكتاب ما شاء يمحو به ما شاء وينسخ ويكرر ما شاء، يقول تعالى:

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ 78 [الحج]

يقول تعالى في ذلك:

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ 30 [الأحقاف]

وفي الحديث عن أبي هريرة t أن النبي r قال: إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّينَ.[1]

فكان القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي موافقاً لما نزل قبله من الشرائع مؤيداً لها مثبتاً غير متعارضٍ معها، إلا أن الله e فرض شرائعه على بني إسرائيل وكانت غايتها متفقة مع حالهم ومجتمعاتهم، وكان تشريع كثيرٍ منها على سبيل التضييق والعقاب لهم على عصيانهم وعنادهم لربهم، فلما أَنزل f القرآن أنزله في شريعة ناسخة لأحكام التوراة مكررة لها، وأحكامٍ أخرى مُنسية ماحية للبعض الآخر تخفيفاً على الناس وتيسيراً بما يناسب البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وكما أن الله فرض على اليهود عشر وصايا تحكم علاقة الفرد بالله أولاً، ثم بذي القربى ثانياً، ثم ببقية الناس ثالثاً فقد فرض على المسلمين عشر وصايا أيضاً أتت في ثلاث آيات من سورة الأنعام في قوله جل وعلا:

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151 وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 152 وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153 ]الأنعام[

والله جل وعلا بيّن لعباده أنه يهديهم سنن من كان قبلهم، فما شرع لهم ليس بجديد، بل كان مما شرع قبل بعثة النبي فيما سبق من الشرائع فيقول جل جلاله:

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26]

أي يهديكم سنن من كان قبلكم فينسخ أحكامهم إليكم ، ويتوب عليكم (يمحو البعض الآخر وينسيه) وفيما يلي سنعدد نماذج مما نسخه الله وكرره من الشريعة السابقة إلى الشريعة المحمدية التي نزل بها كتاب الله.

أولاً: عبادة الله بعد توحيده ونبذ الشرك به:

قال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا 131 [النساء]

وقد سماها ربنا جل وعلا في كتابه وصايا، وعند بني إسرائيل اسمها الوصايا العشر، وتضمنت الوصايا في حق الله ما نصه:

لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.

لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلَا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ.

لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلًا.

اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ.

ثانياً: الطهارة والوضوء:

يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 6 [المائدة]

وعن أنس بن مالك أن رسول الله r قال (هذا وُضُوئِي ووُضُوءُ الأنبياءِ قَبلي)[2] ، وقد جاء في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية ما نصه:

"تتشابه الاستعدادات للصلاة في اليهودية والإسلام حيث يتطلب من المصلي أن يكون طاهرا وان يكون نقيا سواء جسمه أو ملبسه وهذه هي الطهارة الصغرى التي تشابه الوضوء في الإسلام يقوم بها اليهودي قبيل الصلاة على النحو التالي:

يقوم اليهودي بغسل يديه 3 مرات قبل إدخالها في إناء من الماء النقي من مصدر طبيعي ثم يغسل كامل وجهه ويمضمض ثم يمسح وجهه بمنديل، تتلو هذه الطقوس سلسلة من الأدعية تحمد الله على توفير الماء للطهارة. غير أن الطهارة في اليهودية تعفي حاليا المصلي من غسل الأرجل باعتبار أن هذه العادة كانت ملزمة في السابق عندما كان المصلون يمشون حفاة الأرجل فيما ينتعل الرجال في عصرنا الحاضر الأحذية التي تقي الأرجل من القاذورات. أما إذا انعدم الماء فالطهارة الترابية البديلة مسموحة ما يشابه عملية التيمم في الإسلام.

أما الطهارة الكبرى فهي الغطس في بركة ماء من مصادر طبيعية وتواصيف محددة لا تزال سارية حتى أيامنا هذه.[3]

وهكذا فالطهارة مشروعة على من قبلنا من الأمم ونسخها الله في شريعتنا (أي كررها) فاتصلت وتتابعت مع غيرها من الشرائع.

ثالثاً: حرمة مكة

إن الله حرم مكة من قبل إبراهيم عليه السلام ونسخت حرمتها عبر العصور ولم تمحى أو تنُسى وفي ذلك يقول تعالى:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ 96 فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ 97 ]آل عمران[

فكانت حرمة مكة ثابتة قديمة منسوخة (مكررة) من شريعة إلى شريعة يقول تعالى:

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 91 [النمل]

وعن عبدالله بن عباس أن النبي r قال: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ، لا يُخْتَلى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها، إلّا لِمُعَرِّفٍ، وقالَ العَبّاسُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إلّا الإذْخِرَ، لِصاغَتِنا وقُبُورِنا؟ فَقالَ: إلّا الإذْخِرَ. وعَنْ خالِدٍ، عن عِكْرِمَةَ، قالَ: هلْ تَدْرِي ما لا يُنَفَّرُ صَيْدُها؟ هو أنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكانَهُ.[4]

رابعاً: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبر الوالدين:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ 83 [البقرة]

خامساً: الصيام:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183 [البقرة]

فتبين بأن الصيام قد فرض على من قبلنا من الأمم وكتبه الله علينا أيضاً فكانت عبادة منسوخة (مكررة) بين الرسالات.

وقد نسخت (تكررت) صور من الصيام كصوم الاثنين والخميس وهو صيام تطوع كما هو في الإسلام ويسمى شوفافيم ، كما سن النبي g صيام يوم عاشوراء وهو العاشر من الشهر الأول في السنة ، ويسمى عند اليهود الكيبور أو يوم الغفران ، وقد ارتبط الصيام بطلب المغفرة في اليهودية والإسلام، وهو في حين اثبت الصيام ونسخه الى شريعة محمد فقد محى بعض أحكامه وأبدلها بخير منها كالامتناع عن الجماع حيث أحله ليلة الصيام بعد أن كان محرماً في شريعة موسى ليلاً ونهاراً.

سادساً: القصاص.

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ 44 وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 45 ]المائدة[

وهذا مصدق لما جاء في الشريعة الموسوية:

جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج من التوراة أنّه:

(12) مَن ضرب إنساناً فمات يُقتل قتلًا (13) ولكنّ الذي لم يتعمّد، بل أوقع الله في يده، فأنا أجعل له مكاناً يهرب إليه (23) وإن حصلت أذية تعطي نفساً بنفس، وعيناً بعين، وسنّاً بسنّ، ويداً بيد، ورجلاً برجل، وكيّاً بكيّ، وجرحاً بجرح، ورضّاً برضّ.

وجاء في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر اللاويين أنّه:

وإذا أماتَ أحدٌ إنساناً فإنّه يُقتل، ومن أمات بهيمةً فإنّه يعوّض عنها نفساً بنفس، وإذا أحدث إنسانٌ في قرينه عيباً، فكما فعل كذلك يُفعل به، كسرٌ بكسر، وعينٌ بعين، وسنٌّ بسنّ، كما أحدث عيباً في الإنسان كذلك يُحدث فيه.

سابعاً: وحدة الوصايا والأوامر والنواهي:

لقد نسخت أحكام تحريم السرقة والقتل والزنا وتكررت في رسالة محمد r لأنها قواعد إنسانية عامة لا تتغير مضارها وتبعاتها بتغير الناس، ومسئولية العبد عن الأفعال خيرها وشرها، وتدوين الأعمال والجزاء بها، يقول تعالى:

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ 33 وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ 34 أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ 35 أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ 36 وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ 37 أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ 38 وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ 39 وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ 40 ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ 41 ]النجم[

ثامناً: الحج إلى بيت الله الحرام:

من المعلوم والثابت بأن حج المسلمين لبيت الله الحرام وشد الرحال إليه منسوخ (مكرر) مما سبقنا من الشرائع، وتحديداً ملة إبراهيم الخليل عليه السلام فهو من أقام قواعد البيت وأدى المناسك بصورتها التي نعرفها اليوم ولعلها كانت سابقة له وبالتالي فهي عبادة منسوخة ممن كان قبلنا، يقول تعالى:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ 125 [البقرة]

تاسعاً: حرمة الربا.

حرمة الربا هي حرمة ممتدة نسخت من شريعة إلى أخرى فكانت محرمة في شريعة موسى n ولم يمحَ أو يُنسى هذا التحريم فيخبرنا ربنا جل وعلا عن النهي الذي نزل فيهم عن أكل الربا فيقول تعالى في معرض بيان عصيانهم وكبائر أفعالهم فيقول تعالى:

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 161 [النساء]

ولكنهم كما علمنا يحرفون الكلم عن مواضعه فيحرمون الربا فيما بينهم ويحلونه من مال الأميين الأغيار (غير اليهود) ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل.

عاشراً: حرمة إتيان الحائض ورفع العبادات عنها.

جاءت الحرمة في سفر اللاويين:

"وَلاَ تَقْتَرِبْ إِلَى امْرَأَةٍ فِي نَجَاسَةِ طَمْثِهَا لِتَكْشِفَ عَوْرَتَهَا." (لا 18: 19)

وفي السفر ذاته يبين النص التوراتي أحكام غسل الجنابة وحرمة جماع الحائض:

"وَالْمَرْأَةُ الَّتِي يَضْطَجِعُ مَعَهَا رَجُلٌ اضْطِجَاعَ زَرْعٍ، يَسْتَحِمَّانِ بِمَاءٍ، وَيَكُونَانِ نَجِسَيْنِ إِلَى الْمَسَاءِ." (لا 15: 18).

"«وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِي لَحْمِهَا، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ." (لا 15: 19).


ونسخت حرمة جماع الحائض ورفع العبادات عنها لأنها على غير طُهر ولذا يقول الحق تبارك وتعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ 222 [البقرة]

الحادي عشر: حشمة النساء وغطاء الرأس.

إن الخمار أو النقاب أو البرقع هو من الشرائع المنسوخة التي فرضت في الشريعة الموسوية واستمر إقرارها في شريعة الإسلام ونستدل على فرضها من التوراة ما جاء في سفر التكوين:

64 وَرَفَعَتْ رِفْقَةُ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ إِسْحَاقَ فَنَزَلَتْ عَنِ ٱلْجَمَلِ. ٦٥ وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ: «مَنْ هَذَا ٱلرَّجُلُ ٱلْمَاشِي فِي ٱلْحَقْلِ لِلِقَائِنَا؟» فَقَالَ ٱلْعَبْدُ: «هُوَ سَيِّدِي». فَأَخَذَتِ ٱلْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ. (التكوين)

١٢ وَلَمَّا طَالَ ٱلزَّمَانُ مَاتَتِ ٱبْنَةُ شُوعٍ ٱمْرَأَةُ يَهُوذَا. ثُمَّ تَعَزَّى يَهُوذَا فَصَعِدَ إِلَى جُزَّازِ غَنَمِهِ إِلَى تِمْنَةَ، هُوَ وَحِيرَةُ صَاحِبُهُ ٱلْعَدُّلَامِيُّ. ١٣ فَأُخْبِرَتْ ثَامَارُ وَقِيلَ لَهَا: «هُوَذَا حَمُوكِ صَاعِدٌ إِلَى تِمْنَةَ لِيَجُزَّ غَنَمَهُ». ١٤ فَخَلَعَتْ عَنْهَا ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا، وَتَغَطَّتْ بِبُرْقُعٍ وَتَلَفَّفَتْ، وَجَلَسَتْ فِي مَدْخَلِ عَيْنَايِمَ ٱلَّتِي عَلَى طَرِيقِ تِمْنَةَ، لِأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ قَدْ كَبُرَ وَهِيَ لَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً.

والعديد من الأدلة على تغطية الوجه وستر العورة وإسبال الثياب على جسد المرأة وتغطية شعرها ورأسها، فكانت هذه من الشرائع (المنسوخة) أي المتكررة المنتقلة إلى شريعة الإسلام، إذ يقول تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 59 [الأحزاب]

وقال جل شأنه:

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 31 [النور]

الثاني عشر: ذكر الله على الذبائح والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه.

أولا لا يجوز الذبح لغير الله وهو من أعظم الكبائر فقد جاء في سفر الخروج : (مَنْ ذَبَحَ لآلِهَةٍ غَيْرِ الرَّبِّ وَحْدَهُ، يُهْلَكُ.) ونسخ ذلك لشريعة الإسلام فنهى الله عن الذبح لغير الله وحرم لحمه فيقول تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 3 [المائدة]

ولا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وما ذبحه الكفار:

15 اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ الأَرْضِ، فَيَزْنُونَ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ وَيَذْبَحُونَ لآلِهَتِهِمْ، فَتُدْعَى وَتَأْكُلُ مِنْ ذَبِيحَتِهِمْ

سفر الملوك الثاني 17: 35

وَقَطَعَ الرَّبُّ مَعَهُمْ عَهْدًا وَأَمَرَهُمْ قَائِلًا: «لاَ تَتَّقُوا آلِهَةً أُخْرَى، وَلاَ تَسْجُدُوا لَهَا وَلاَ تَعْبُدُوهَا وَلاَ تَذْبَحُوا لَهَا.

سفر المزامير 50: 14

اِذْبَحْ للهِ حَمْدًا، وَأَوْفِ الْعَلِيَّ نُذُورَكَ،

الثالث عشر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


المتسفوت (بالمفرد، مِتسفا) هي الوصايا. بحسب التلمود، بلغ عدد المتسفوت التي أمر بها الله في التوراه 613. تقسم هذه الوصايا لـ 248 وصية “إفعل” (“الأمر بالمعروف”) و- 365 وصية “لا تفعل” (“نهي عن المنكر”).[5]

يقول تعالى:

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 104 [آل عمران]

الرابع عشر: التوقيت ببدء اليوم ونهايته عند غروب الشمس.

إن الشرائع متصلة بالمواقيت، وقواعد حساب بدء اليوم ونهايته مما نسخ الى شريعة الإسلام، فكانت نهاية اليوم السابق وبداية اليوم الجديد مؤقتة بغروب الشمس، فعندنا نحن المسلمين عندما تغرب شمس اليوم الأخير من شوال فمن بعد المغرب ندخل في شهر رمضان فتؤدى صلوات القيام في تلك الليلة لكونها جزءاً من رمضان، وإذا شوهد هلال شوال فيعدّ غرة شوال قد بدأ بغروب شمس ذلك اليوم فتتوقف صلوات القيام وشعائر رمضان.

وكذلك الأمر عند اليهود، فالإسبات (عطلة السبت) تبدأ بغروب شمس يوم الجمعة حيث يعد ما بعد الغروب عند اليهود من السبت الذي تؤدى فيه طقوسهم وعباداتهم.

الخامس عشر: الزكاة.

وموضع ذكر أحكام الزكاة عند اليهود في التوراة تشمل ما يلي:

أولاً: ترك جزء من المحاصيل ولقط السنابل للغرباء واليتامى والأرامل، وهذا المعنى نجده في النص التوراتي: "إذا حَصَدتَ حصيدك في حقلك ونسيت حُزْمَةً من الحقل فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون لكي يباركك الربّ إلهك في كلّ عمل يديك" (التثنية 24: 19).

ثانياً عشور كل ثلاث سنوات لصالح الذين لا يملكون أرضًا تَخُصُّهم كاللاويين والغرباء والأيتام والأرامل، كما وَرَدَ: "وعندما تحصدون حصيد أرضكم لا تكمّل زوايا حقلك في الحصاد، ولقاط حصيدك لا تلتقط. وكرمك لا تُعلّله، ونثار كرمك لا تلتقط، للمسكين والغريب تتركه" (اللاويين 19: 9، 10).

وقد أخبرنا جل وعلا في القرآن الكريم بأن الزكاة من الشرائع المنسوخة المكررة من الشرائع السابقة، فيقول جل وعلا:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ 83 [البقرة]

والله جل وعلا نسخ الزكاة وكررها من الشريعة الموسوية إلى الشريعة المحمدية، ولكنه محى وأنسها قدرها الى ربع العشر بدلا من العشر فخفف على أمة محمد g ما كان إصراً على اليهود.

فأمر أمة محمد بالزكاة فقال جل وعلا:

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ110 [البقرة]

السادس عشر: تحريم لحم الخنزير.

لا يوجد دين من الأديان السائدة في الأرض يحرم الخنزير سوى دين الإسلام وعندما نقول (دين الإسلام) فنحن نشير لكافة الشرائع التي نزلت منذ آدم وحتى محمد g فكلهم رسل دين الإسلام.

وتحريم الخنزير فيما تبقى من الحق في الشريعة النازلة على موسى عليه السلام:

"كلم الرب موسى وهارون قائلاً لهما... هذه هي الحيوانات التي لا تأكلونها الخنزير... هو نجس لكم. من لحمها لا تأكلوا، وجثتها لا تلمسوا - سفر اللاويين 11: 1 - 8".

وأما الذين يأكلون لحم الخنزير فلهم العذاب والهلاك: "الرب بالنار يعاقب، وبسيفه على كل بشر... الذين يقدسون ويطهرون أنفسهم في الجنات. وراء واحد في الوسط آكلين لحم الخنزير والرجس والجرذ يفنون معًا، يقول الرب: وأنا أجازي أعمالهم وأفكارهم - سفر أشعياء 66: 16 - 18".

وقد نسخ الله هذا التحريم (أي كرره) في الشريعة النازلة على محمد g ، فقال تعالى:

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 173 [البقرة]


[1] البخاري (ت ٢٥٦)، صحيح البخاري ٣٥٣٥ • [صحيح] • شرح الحديث
[2] الألباني (ت ١٤٢٠)، السلسلة الصحيحة ٢٦١ • حسن أو صحيح • أخرجه ابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» (٢٣)، والبيهقي في «السنن الصغير» (١٠٩)، وابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١٣٥٠) مطولاً
[3] موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، ونلحظ العبث بشرع الله وإلغاء غسل الأرجل في الوضوء بدون نص شرعي.
[4] البخاري (ت ٢٥٦)، صحيح البخاري ١٨٣٣ • [صحيح] • شرح رواية أخرى
[5] rossingcenter.org/ar/judaisms/%d9%85%d9%90%d8%aa%d8%b3%d9%81%d8%a7
 
أخي عبدالرحمن السليمان حفظه الله:
الجمهور على أنه لا يقع النسخ الا في الأمر والنهي وزاد بعضهم على أنه في الاخبار والاطلاق.
يتضح من قول الزركشي أن هناك خلاف في المسألة ، وأنه ليس بقول رسول الله وإنما اجتهاد في مسألة ظنية أبطلت بها شريعة الله على ثلاثة عشر قولاً مختلفاً
 
النسخ والمشترك اللفظي في القرآن الكريم:

نعتقد بأن المشترك اللفظي في مفردة النسخ والخلل في إصابته في موضع آية النسخ هو ما أدى لظهور فرية الإبطال، والمشترك اللفظي كما قال عبدالعال مكرم "حدّد معناه السّيوطي ناقلا عن ابن فارس في «فقه اللغة» فقال: «وقد حدّه أهل الأصول بأنه اللفظ الواحد الدالّ على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السّواء عند أهل تلك اللغة» ومن هذا التعريف يتبين أن عمود المشترك اللفظي هو الدلالة، لأن اللفظ الواحد يدلّ على معنى أو اثنين أو أكثر."([1])

ولا شك بأن المشترك اللفظي شائع مشتهر في القرآن الكريم، فنجد مثلاً بأن مفردة كالكتاب لها عدة معانٍ تبعاً للسياق فتأتي بمعنى الشريعة وبمعنى التدوين بالقلم وبمعنى سجل أعمال الأمم والعباد ولكن يستدل في كل موضع بسياقه الشريف فيُعلم المراد عندئذٍ، ولا يتأتَّى قطع بمعنى مفردة عند ذكرها مجتزأة من سياقها، وأعتقد أن عدم فهم هذه المسألة بدقة قاد للضلال في فهم التنزيل الحكيم، فصرف مفردة لمعنى مختلف عن المعنى المناسب للسياق يبدو للمستمع الجاهل سلامة القول في حين أنه مخالف لحقيقة المراد من المفردة وبالتالي أخذ المعنى بكامله لمنحى آخر تماماً.

إن تمييز أيٍّ من معاني المفردة الواحدة بأنه هو المراد في النص يكون بمطالعة السياق، فبدونه لا يمكن معرفة أي المعاني يراد بها يقول عبدالعال مكرم بأن السياق هو محور المشترك اللفظي ويبين تحت هذا العنوان ما نصه " السياق هو علاقة الكلمة التي وقع فيها المشترك اللّفظي مع ما قبلها وما بعدها من كلمات الجملة، وذلك لأن الكلمات ليست أجساما بلا أرواح، ولكنها حيّة متحرّكة تعطي إشعات معينة للكلمات التي وقع فيها الاشتراك، وهي المفتاح الذي يفتح المغلق منها أو المصباح الذي يهتدي بضوئه على تحديد معاني الكلمة المشتركة."([2])

بيَّن ذلك الزرقاني في معرض تبيان حديث "نزل القرآن على سبعة أحرف" فقال: "إن هذا الحديث مشكل لا سبيل إلى معرفة معناه المقصود. وشبهته أن لفظ أحرف فيه جمع حرف والحرف مشترك لفظي بين معان كثيرة. والمشترك اللفظي لا يدري أي معانيه هو المقصود؟ ويدفع هذا الرأي بأنا لا نسلم ما قاله على إطلاقه من أن المشترك اللفظي لا يدري أي معانيه هو المقصود؟ بل المشترك اللفظي يدل على معناه المقصود متى قامت قرينة تعين ذلك المعنى تقول نظرت بالعين المجردة وشربت من عين زبيدة ومعناهما واضح غير مشكل مع أن لفظ العين فيهما مشترك لفظي، ولكن مدلوله يتعين في المثال الأول أن يكون جارحة الإنسان الباصرة ومدلوله في المثال الثاني يتعين أن يكون نابعة الماء الجارية وذلك بقرينة لفظ نظرت في المعنى الأول ولفظ شربت في الثاني."([3])

إن من الأمثلة القرآنية على المشترك اللفظي وتعدد معاني الكلمة الواحدة، مفردة العين فهي تدل على أداة البصر عند الكائن الحي، وتدل على ينبوع الماء، ولا يمكن تحديد المراد من اللفظ إلا بمطالعة السياق فيقول تعالى في سياق المراد به أداة الإبصار وفي ذلك يقول ربنا جل وعلا:

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ 13 [آل عمران]​

ولكنها تدل على ينبوع الماء في السياق التالي:

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ 66 [الرحمن]​

وكذلك مفردة القضاء فتأتي بمعنى سداد الدين وتأتي بمعنى الحكم، والخال هو الشامة السوداء وهو أخو الأم، والحرف يعني الجزء المكون للكلمة ويعني التطرف والانحراف.

المشترك اللفظي وألفاظ الأضداد

إن المتتبع لمفردة النسخ في القرآن الكريم يجد أنها من الأضداد، فقد ورد لفظ النسخ بمعنى الإزالة، وورد أيضاً بمعنى التكرار وهو أقوى وأظهر، ونقول بأن السياق حاكم في تمييز مفردات الأضداد المشتركة لفظياً.

ومن الشواهد على أهمية السياق أقوال كثيرة كقول ابن القيم r ": فائدة: إرشادات السياق: السياق يرشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغلط في مناظرته"

وقال ابن جزي الكلبي": من أوجه الترجيح: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله وما بعده"

وقال الشاطبي مبيناً كون السياق عمدة في فهم كلام الله تعالى": فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض"

وقال شيخ الإسلام": ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه، وما يبين معناه من القرائن والدلالات، فهذا أصل عظيم مهم نافع، في باب فهم الكتاب والسنة، والاستدلال بهما مطلقاً، ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد الدليل ونقضه.. وفي سائر أدلة الخلق"

كما قرر رحمه الله بأن النظر في السياق من أهم موارد حل مشكلات المتشابهات في القرآن فيقول: "من أعظم ما تظهر به أهمية السياق ومنزلته في التفسير أنه من أعظم القرائن في الترجيح، وحل المشكلات والمتشابه من الآيات هو السياق"

وصرف المعنى بخلاف السياق الذي أتى فيه لا شك أنه ممتنع وغير جائز فيقول في ذلك ابن جرير " فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول g تقوم به حجة، فأما الدعاوى، فلا تتعذر على أحد"

توجيه مفهوم النسخ

مما سبق فإننا نستنتج أن النسخ من المشترك اللفظي وهو من ألفاظ الأضداد فللنسخ دلالتين مختلفتين عن بعضهما، فيمكن استخدام مفردة النسخ للدلالة على (الإزالة) ويمكن استخدام اللفظة ذاتها للدلالة على (التكرار) وهذا الاستخدام هو الشائع والأظهر في الأصل، ومعنى الإزالة هو الأبعد والأغرب، وقد راجعت أهم كتب الوجوه والنظائر ووجدتهم إما يتجاهلون مفردة النسخ أو يذكرون خاصية الإزالة ويتجاهلون خاصية التكرار برغم أن كلا المفردتين مذكورتان في القرآن الكريم بوجهين مختلفين.

إن المشترك اللفظي في اللغة العربية من الخصائص المشهورة، ومثلها الأضداد، ومثل ذلك مفردة (عدل) تأتي بمعنى المساواة وتأتي بمعنى الانحراف والرجوع عن الأمر، وكذلك مفردة (قسط) وغيرها مما يحمل على أكثر من معنى، ويجري التفريق بين المعاني المختلفة للكلمة من خلال السياق.

إنَّ حقيقة مفهوم النسخ في أصلهِ التكرار، فالناسخ يكرر الشيء مع بقاء أصله ونعلم أن نساخ الكتب يقومون بتكرارها لإنتاج نسخ عديدة بدون إزالة النسخة الأصلية.

والشمس في الواقع لا تنسخ الظل بمعنى إزالته، بل تكرر صورة الشيء بفعل تكوين ظله فيظهر وكأن للشيء نسخة أخرى منه، فالظلام هو ما يزيل الظل وليست الشمس، بل إنها تنسخ الشيء حتى تراه ومثله معه نسخة مكررة منه على صورته فإذا غابت غاب بغيابها الظل واختفت نسخ الأشياء المكررة من صورتها.

وهذا المعنى متسق ومتفق مع قوله تعالى:

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106 [البقرة]​

فاللهe ينسخ (يكرر) الأحكام بين الشرائع فنجد أحكاما وردت في التوراة ونسخها الله وكررها في القرآن الكريم ، وهناك من الأحكام ما أنساها أي أبطلها وألغاها وعطل العمل بها، وهنا يتفق الفهم مع دخول حرف العطف (أو) في قوله (أَوْ نُنْسِهَا) حيث يتوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه فوجب أن يكون النسخ مناقض للإنساء وهذا لا غبار عليه فلا معنى للاختيار بين مفردتين تفيدان المعنى ذاته ، وحقيقة المراد يعني (ما نكرر ونثبت من حكم سابق أو نمحوه وننسيه ، نأت بخير منه أو مثله) فإن وقع الإنساء فسيأتي الله بخير مما أنساه وإن وقع النسخ فسيأتي الله بمثل ما كان في الشرائع السابقة أي نسخة مكررة منه ، وهنا نفهم أيضا المحو والإثبات في قوله جل وعلا:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ38 يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب 39 الرعد​

فالإثبات نسخ وتكرار، والمحو إنساء وإزالة، والمثبت والمزال كلاهما في أم الكتاب وهو أصل كل الشرائع عند الله تعالى، فالحكم المنسوخ والمتكرر أوجده الله تعالى في أم الكتاب، ثم نسخه (كرره) فيما أوحاه تعالى لرسول من رسله، ثم نسخه وكرره لمن أتى بعد ذلك الرسول كمثل موسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة والسلام.

للاستدلال على مفهوم النسخ بأنه التكرار وليس الإزالة فلنقرأ قوله تعالى:

هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 29 [الجاثية]​

فالله وكّل بكل مخلوق مكلف ملك ينسخ أفعاله ويكتبها ثم تنسخ الى كتاب أعمال العبد فكان معنى النسخ هو التكرار وليس الإزالة فعمل العبد محفوظ لدى أعضائه (أيديهم وأرجلهم وجلودهم) ومكتوب نسخة منه لدى كتاب الملكين، ومنسوخ في كتاب الأعمال الذي يقرأه العبد حال الحساب.

حتى لو طبقنا مفهوم النسخ بمعنى (النقل) فإنه لا ينطبق على ما قرر بشأن الإبطال المسمى بالنسخ، فالنقل يعني إزالته من موضعه ونقله لموضع آخر وهذا ليس وظيفة من وظائف الإبطال الذي يسمونه بالنسخ.

إننا إذا فهمنا النسخ على المعنى الذي يبينه السياق والذي يعد بكل وضوح الأقرب والأشهر وهو التكرار فإن فرية الإبطال كلها تزول بدون مزيد بحث وتقصي إلا أننا في هذا البحث لن تكتفي باتباع المعنى الحقيقي، بل حتى بالمعنى الذي عُسف عسفاً بتكلف بيِّن ليكون النسخ أبطالاً متهافتاً لا يصمدُ أمام دليل، ولكنا سنمضي في مسايرة القائلين بذلك حتى نثبت أنه برغم قبول مفهوم النسخ كإزالة فإنه لا يستقيم ولا يمكن أن يقبل فما بني على فهم باطل لا ينتج إلا مجموعة من التناقضات الواضحة.



([1]) ص9 - كتاب المشترك اللفظي في الحقل القرآني - معنى المشترك اللفظي.
([2]) ص23 - كتاب المشترك اللفظي في الحقل القرآني - السياق محور المشترك اللفظي.
([3]) ج1 ص172 - كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن
 
أعد فضيلة الدكتور عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري ملخصاً ثميناً يوضح فيه تعدد الأقوال في النسخ (بمعنى إبطال أحكام القرآن الكريم) قال فيه:

وقد تعددت دعاوى النسخ في الكتب التي تعرضت لمسائل النسخ، وقد رتبها الدكتور عبدالله الشنقيطي وفقه الله على النحو التالي مبتدأً بأكثرها:

1. الدكتور مصطفى زيد، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (293) آية.

2. ابن الجوزي رحمه الله، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (247) آية.

3. السكري، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (218) آية.

4. ابن حزم، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (214) آية.

5. ابن سلامة، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.

6. الأجهوري، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.

7. ابن بركات، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (210) آية.

8. مكي بن أبي طالب، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (200) آية.

9. النحاس، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (134) آية.

10. عبد القاهر، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (66) آية.

11. محمد عبد العظيم الزرقاني / عدد الآيات المدعى عليها النسخ (22) آية.

12. السيوطي، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (20) آية.

13. الدهلوي، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (5) آية.

فهذه هي جملة الدعاوى، مع التنبه إلى أن كل من هؤلاء المؤلفين رحمهم الله لا يقبل هذه الدعاوى، بل كثير منهم يذكرها ويفندها.

فالدكتور مصطفى زيد رحمه الله هو أكثر من تعرض لقضايا النسخ وناقشها، وقد قرر في النهاية أنها لا تزيد عن ست آيات، علماً بأنه عند البحث أتى بـ(293) آية قيل بنسخها.

وكذلك العلامة ابن الجوزي رحمه الله عند مناقشة القضية جاء بـ(247) آية، ولكن بعد البحث قبل منها (22) آية فقط، ورد النسخ في (205) آيات، وقال: إن الصحيح أنها محكمة، وتوقف في الباقي وهو (20) آية، لم يبين فيها حكماً ولم يصرح بالنسخ إلا في سبعة مواضع فقط.

أما الزرقاني – رحمه الله – فقد تعرض لـ(22) واقعة قبل النسخ في (12) منها.

وأقل من قبل النسخ الإمام الدهلوي رحمه الله حيث قبله في خمس آيات فقط، وهي آية الوصية في النساء، وآية المصابرة الواحد للعشرة في الأنفال، وآية الأحزاب: (لا يحل لك النساء من بعد)، وآية المجادلة: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) وآية المزمل: (قم الليل إلا قليلاً) الآية. انتهى كلامه.

ولن نفند الأقوال بنسخ مئات الآيات وإبطال أحكامها بل سنقصر على أشدها احتمالاً للإبطال وهو القول الثالث عشر قول الدهلوي بأن الآيات المدعى نسخها خمس آيات فقط والباقية فقد كفانا مئونة رد القول بإبطالها من رفض القول بوقوع النسخ فيها ، فإن رددنا دعوى النسخ في الخمس فقد بطل النسخ كله ، برغم أننا أبطلنا بفضل الله الدليل الوحيد الذي فهم خطا وأبطل بسببه عدد كبير من أحكام القرآن الكريم وهو قوله تعالى (ما ننسخ من آية.. الآية)، وسنأخذ الآيات المدعى إبطالها ونثبت عدم تحقق الإبطال وأنها آيات محكمة صريحة لا يتطرق إليها الشك ولا الباطل.

والله ولي التوفيق
 
سنبدأ في تفنيد دعوى إبطال أحكام القرآن الكريم بواحدة من خمس أقرها الدهلوي ويكفي مخالفة غيره في سواها ، وأول تلك الدعاوى الخمس دعوى نسخ قيام الليل في سورة المزمل فنقول وبالله التوفيق:

قال الحق جل وعلا:

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ1قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا2نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا 4 (المزمل)​

يُدَّعَى نسخها وأبطالها بقوله تعالى:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 20 (المزمل)

وهي دعوى مجانبةُ للصواب فالله تعالى لم يفترض على المؤمنينَ قيام الليل وبالتالي فلم ينسخ هذه الفريضة، وسأسوق من الدلائل والحجج في ثنايا هذا التفصيل ما يثبت ذلك ويدرأ القول بالإبطال بالنسخ تماماً في هذا الموضع بصورةٍ بيِّنة واضحة لا لبسَ فيها.

أمر خاص للنبي صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الأمرَ بقيامِ الليلِ مختصُّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يشمل المؤمنين وإثبات ذلك فيما يلي:

أولاً: طبيعة الخطاب، فالنداء موجهٌ حصراً للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله (يا أيها المزمل) ولم يتبعهُ توجيهٌ بفرضهِ على بقية المؤمنين كفرائض الله الأخرى التي وجه فيها النبي وأمره أن يأمر المؤمنين بمؤداها (يا أيها الذين آمنوا) (يا أيها الناس)، وهو مشابه لأمره في قوله يا أيها المدثر إذ كان الأمر كذلك مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم دون سواه.

ثانياً: اشتمل الأمر على علة قيام الليل:

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 5 إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا 6 فكان نزول الوحي هو علة اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو القول الثقيل الذي سينزل على النبي في هذه الفريضة مما يؤكد اختصاص النبيّ بالأمر دون سواه، فلا يتلقى الوحي سواه.

ثالثاً: لو كان الأمرَ بالقيام شاملاً عَاماً على المسلمين لقام كل المسلمين اللّيل مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عنه أحد، ولكن تأسَّى به طائفة من المؤمنين فقط وليس كل المؤمنين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) فكيف يكون فرضاً ويتقاعس عنه المسلمين؟؟ ولا يأتيه إلا طائفة من الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم؟؟ والسورة عرفت بأنها مكية حيث كان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أشد أحوالهم اتباعاً له تنفيذاً لأوامره والوحي الذي أتى به.

رابعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توقف الناس عن قيام الليل معه لم يتركها لأنها فريضة عليه بقوله تعالى (قم الليل إلا قليلاً) وبقي عليها حتى قبض عليه صلوات الله وسلامه ، جاء في سنن أبي داود حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن أبي إسحق الهمداني عن الأسود بن يزيد أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ثم قبض صلى الله عليه وسلم حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات وكان آخر صلاته من الليل الوتر)([1])

خامساً: هذه الفريضة التي اختص الله بها نبيه لم تكن كبقية الفرائض، بل كانت ركعاتها ومدتها ووقت إتيانها على سبيل التخيير (ثلثي الليل، ونصفه، وثلثه).

سادساً: نجد في سورة الإسراء بيان لهذا الفرض المخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو مفروض في الدنيا لما يلقيه الله عليه من القول الثقيل وهو الوحي، وأجره في الآخرة على ما اختصه الله به من طاعة وما كلفه من فريضة هو أن يبعثه الله المقام المحمود، فيقول في ذلك سبحانه:

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا 78 وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا 79 (الإسراء)​

فأمره جل وعلا بقيام الليل (التهجد) بالقرآن الكريم (نافلة لك) أي مخصوصة لك دون سواك، (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) وليس ذلك المقام إلا له صلى الله عليه وسلم وليس لبقية المؤمنين، فكان قيام الليل والتهجد نافلة مخصوصة وعطية منصوصة لم تفترض على الناس ولم تكن أبداً ضمن الصلوات المكتوبة لأن لها علة مخصوصة للنبي صلى الله عليه وسلم وبقي عليها حتى توفاه الله إليه.

سابعا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بالحديث الصحيح أن الله افترض خمس صلوات لم يكن قيام الليل من بينها:

عن أنس بن مالك أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ كم افترَض اللهُ على عبادِه مِن الصَّلاةِ؟ قال: (خمسَ صلواتٍ) قال: هل قبْلَهنَّ أو بعدَهنَّ شيءٌ؟ قال: (افترَض اللهُ على عبادِه خمسَ صلواتٍ) فقال: هل قبْلَهنَّ أو بعدَهنَّ شيءٌ؟ قال: (افترَض اللهُ على عبادِه خمسَ صلواتٍ) قال: فحلَف الرَّجلُ باللهِ لا يزيدُ عليهنَّ ولا ينقُصُ منهنَّ فقال النَّبيُّ ﷺ: (إنْ صدَق دخَل الجنَّةَ)([2])

وفي الحديث الصحيح عن مالك ابن صعصعة الأنصاري رضي الله عنه الذي يبين فرض الصلاة وهو حديث الإسراء والمعراج المشهور الطويل الذي في آخره يقول صلى الله عليه وسلم:

(... فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يومَ، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قُلْت: أمرت بخمس صلوات كل يومَ، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يومَ، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ).([3])

فأين الفريضة السادسة المدعى نسخها؟ ولكنَّ حقيقة الأمر أنهم تأولوا سورة المزمل على غير حقيقتها فظنوا أن القيام كان فريضة، وربما أدخلت يدٌ آثمة في شرع الله مالم يأمر به الله سعياً في الإيقاع والوضع في دين الله ما ليس منه، ووالله لا نملك أمام هذه الفواجع المتتالية والعبث بكتاب الله إلا أن نشك في دوافع المخترعين لتلك التفاسير والروايات والأكاذيب.

حقيقة الآية السادسة:

إن حقيقة الآية السادسة المدعى بأنها ناسخة مبطلة لأمر القيام هي أن طائفة من الذين آمنوا بدأوا يتأسّون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقومون الليل معه فأراد الله بالأسلوب القرآني المهذب أن يبين لهم بأن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وليس عاماً لبقية المسلمين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ، ثم يقرر تعالى أنه لم يفترضها عليهم لعلمه بحالهم (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي علم بأحوالكم فاستثناكم ، ثم فصَّل في أحوال المسلمين التي لا يستطيعون معها مجاراة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصه الله من طاقة تفوق بقية المؤمنين (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

وعِلْمُ اللهِ بِذلك لَم يكن متأخراً مفاجئاً بعد أن افترض القيام ثمَّ بدا له -تعالى عن ذلك- مشقة ذلك على المؤمنين، بل كان علمه سابق لذلك وإنما أتى بها هنا ليبين سبب اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام وسقوطه كفريضة من البدء وليس عند نزول الآية السادسة، فكأنه يقول : علمتُ في الأزل بتعذر قدرتكم فعفيت عنكم هذا الواجب وتبت عليكم منه فلم أفرضه عليكم في أصل الشريعة النازلة عليكم.

القول بالنسخ في هذا الموضع مجازفة:

إن القول بأن الله افترض على الناس قيام الليل في أول السورة في حد ذاته مجازفة إذ أن الله تعالى يقول:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا 36 [الأحزاب]​

والقائمين مع النبي صلى الله عليه وسلم طائفة محدودة من المسلمين وبقية المسلمين - حسب هذا الفهم - تخلفت عن إتيان هذه الفريضة وهذا يشي بالبطلان والخلل فكيف يتخلف أصحاب النبي r عن فريضة كهذه ولا يتابعه فيها ويتأسى به إلا طائفة منهم ؟، ثم أن القول بتراجع ونسخ الحكم مجازفة أعظم ومقولة أخطر فالآية المدعى أنها ناسخة تضمنت أحوالاً عديدة للمسلمين في قوله تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالقول بالنسخ يوحي بأن الله تراجع عن افتراض ذلك بعد ما علم بأحوال المسلمين فرأف بحالهم ورفع الحكم عنهم ونسخه لدواعي عديدة كالمرض وكسب الرزق والقتال وحاشا لله أن يكون ذلك الانتقاص من الله واقع، ولكن أن الله e علم بذلك من الأزل إنما أراد أن يبين للصحابة أنه اختص النبي بذلك الأمر واستثناكم أيها المؤمنين لما يكتنف حياتكم من أحوال وحاجات ونوازل، وهذا أسلوب قرآني راقٍ ومهذب في تعريف الناس بمقاصد الشرع وأن الله يريد أن يخفف عنهم ويفترض عليهم ما يناسب طاقتهم ووسعهم لذلك لم يفترض عليهم غير ما فرض من خمس صلوات في اليوم والليلة.

وقد بقي هذا القيام للناس نافلة (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على تبيان ذلك في أكثر من موضع.

وهنا يثبت بأن إتيان جمع من الصحابة لهذه الطاعة كان بعلمهم أنها نافلة فسارع طائفة منهم لإتيانها، وتركها آخرون لعلمهم بأنها دون الفريضة.

جاء في صحيح الإمام مسلم حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها قال فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قال فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)([4]) أقول : ودل قوله صلى الله عليه وسلم بأنها لم تكن مكتوبة أبداً.
وحدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه ولو كتب عليكم ما قمتم به.([5])

فنرى كيف كانت مسارعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الخيرات وتتبعهم لمواقيت الصلوات ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في مقام تشريع فكان موقفه من ذلك واضحاً حتى لا يُفترض على أمتهِ ما لم يَفترضهُ الله عليهم ، وحتى لا يسيرون في ذلك حتى تصير فريضة عليهم ، فهذا ابن حبان في صحيحه في (حديث مرفوع) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا أبو الربيع الزهراني ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، قال : حدثنا عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر ، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن يخرج إلينا ، فلم نزل فيه حتى أصبحنا ، ثم دخلنا فقلنا : يا رسول الله ، اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن تصلي بنا ، فقال : " إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم الوتر"([6])

اختصاص النبي r بما يفوق طاقة أصحابه:

إن النبي r قد اختصه الله في مقام النبوة بأقصى مما كلف به أتباعه، فقد أعطي r ما يفوق قوة الرجال وإذا أوعك كانت وعكته شديدة بضعف ما يصيب الرجال، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.([7])

وعن المغيرة بن شعبة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه دما، قالوا : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " ، حدثنا الحسين ، قال : أخبرنا سفيان بإسناده ، إلا أنه قال : حتى تورمت قدماه.([8])

فكان صلى الله عليه وآله وسلم يتميز عن الناس بمزيدٍ من القوة ومزيد من العبادة ، والوحي (القول الثقيل) الذي يتطلب تحمله قوة فائقة وتحملاً يفوق ما يحمله الرجال يقول تعالى :

لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 21 [الحشر]​

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، - قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وقَالَ الْآخَرَانِ حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَجَلْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي. ([9])

فاختص الله نبيه بقيام الليل بصورته التي أمره به في سورة المزمل وفي سورة الإسراء بما يتفق ورسالته ووظيفته الجليلة وهي الرسالة الربانية وما يتبعها من أحمال لا يقوى على أدائها أي أحد، لذلك لم تكن هذه العبادة تناسب أصحابه وطبيعة وظيفتهم الدنيوية وحاجاتهم اليومية، وقد أدرك الصحابة الأجلاء اختصاص النبي r بعبادات مخصوصة منها قيام الليل فكانت فرضاً عليه مأموراً بها وكانت لهم نافلة فيها زيادة أجر ومن تركها فليس عليه شيء.

تحول الخطاب في الآية:

إن الادعاء بأن الأمر بالقيام موجه للمؤمنين في قوله تعالى ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) بخطاب فردي كان يُوجِبُ أن يكون النسخ (الإبطال) أيضاً بخطابٍ فردي ولكن الآية السادسة قررت علم الله بأن النبي أتى ما أُمِرَ به (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ولكنه حين رفع الحرج عن الطائفة الذين مع النبي حول الخطاب لهم فقال جل من قائل (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فكان هذا التحول في الخطاب من التوجه المفرد للنبي إلى التوجه الجمعي إلى المؤمنين تبياناً جلياً بأنكم أيها المؤمنون غير معنيين بهذا الأمر لما علم الله في الأزل من أحوالكم وما يلحقكم من مشقة ، ولو كان الخطاب الموجه للنبي في رأس السورة يعني بقية المؤمنين لكان النسخ (الإبطال) على نفس الصيغة ليرفع ما فُرِض ، ولذلك لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام حتى قبض لأنه أمرٌ وفرضٌ مخصوص عليه غير متعلق ببقية المسلمين، وأن الله حين أنزل أمره لم يكن عاماً ثم ظهر لله – حاشا لله- مشقة ذلك على الناس فرفع تلك المشقة، بل لم يكن مفروضاً عليهم أصلاً.



ملخصُ ردِّ شبهة النسخ في هذا الموضع:

أن الله تعالى اختص نبيه r بالأمر بقيام الليل بصيغ وصفاتٍ محددة في سورة المزمل معللاً ذلك بتلقي الوحي الذي سيلقى إليه، ثم أن طائفةٌ من أصحابهِ رضوان الله عليهم بدأوا يصلون معه قيام الليل فأراد الله أن ينبههم لخصوصية هذه الصلاة وأنها ليست مفروضة عليهم ولم تنزل في مبتدأها عامة عليهم، ذلك أنه e عالمٌ بأحوال النّاس وما يحيط بهم من مشقة ومرض وطلبٍ للرزق وقتالٍ وغيره فنبّههم بأنهم غير مشمولين بأمر القيام مع النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم لما يرفع الحرج عنهم.

أمَّا الصَّلوات المفروضة فخمسُ صلواتٍ لم يزدنَ ولم ينقصنْ وقد أمضاها الله خمساً مخففة من خمسين كما جاء في الحديث (فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، فلم يحصل نسخ (إبطال) في هذا الموضع، وقد علمَ اللهُ بأحوالِ الناسِ علماً سَابقاً لنزولِ السُّورة ولم يَظهر بَعد افتراض القيام - كما يزعم من يقول بذلك - وحَاشَا أنْ يتراجعِ اللهُ عنِ افتراضِ أمرٍ على عبادهِ فيبطلُ أمْرَهُ البتَّة، وإنما كانت الآية تبياناً موجهاً للطائفة الذين اعتادوا صلاة الليل خلف النبي خشية أن تفرض على المسلمين عامة.





([1]) ج2 ص46 - سنن أبي داود - باب في صلاة الليل
([2]) ص295 - صحيح ابن حبان مخرجا - باب فرض الصلاة | شعيب الأرناؤوط (١٤٣٨ هـ)، تخريج صحيح ابن حبان ١٤٤٧ • إسناده صحيح على شرط مسلم
([3]) البخاري (٢٥٦ هـ)، صحيح البخاري ٣٨٨٧ • [صحيح]
([4]) ج1 ص539 - صحيح مسلم - باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد
([5]) ج1 ص540 - صحيح مسلم - باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد
([6]) ج6 ص170 - صحيح ابن حبان محققا - ذكر الخبر الدال على أن الوتر ليس بفرض
([7]) ج1 ص54 - كتاب رياض الصالحين ت الفحل - باب في المجاهدة
([8]) ج1 ص35 - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد - باب ما جاء في فضل العبادة
([9]) ج3 ص1991 - صحيح مسلم - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد الاطلاع على ما تفضلتَ به في هذه الدراسة الغريبة نوعا ، أذكر هذه التعليقات المجملة ثم أقوم بتوضيحها:

  • تفسير ننسخ بنكرر لم يسبقك به أحد من العالِمين.
  • تكرار اللفظ لا يعني تكرار الحكم.
  • ابراهيم المؤسس ومحمد المجدد عليهما أفضل الصلاة وأتم السلام.
  • السباق والسياق واللحاق أدى الى الهيمنة وليس الى الإبطال.
  • الدين واحد والشرائع متعددة ، واذا كان النسخ الذي هو التكرار فيكون في الاخبار وليس في الشرائع.
  • الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية والمشترك اللفظي تائه بين الاثنين.
  • مسائل الناسخ والمنسوخ قد تتفاوت بين العلماء بالحجة ولكن لا تنمحي بالتكلف.
  • المفردة دعوى عريضة.
فأرجو أن ينشرح صدرك لمناقشة ما أشاركك به في هذه الدراسة.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.
 
بسم الله الرحمن الرحيم

لعل المدارسة بدأت حسب موضع البحث عن المشترك اللفظي لكلمة "نسخ" وانتهت المدارسة أو شبه انتهت ببحث كامل عن مسألة نسخ القرآن ، وهو ما دفعني للمشاركة ، لأن بحث المشترك اللفظي ذاته ليس عويصا لأي كلمة في القرآن الكريم ، ولكن أن نبني أحكام على المفهوم اللغوي دون الاعتبار الاصطلاحي فأرى أن فيها نظر يُبحث لاحقا اذا أذن الله عز وجل.

وكذلك لست بصدد اثبات النسخ أو نفيه ، ولكن طريقة الاستدلال لنفي النسخ في القرآن رأيتها غريبة حسب فهمي المتواضع وخلاف علمكم الوفير. فضلا عن تفسير أو تأويل لكلام الله تبارك وتعالى في غير محله.

أما مقالات أهل العلم عن هذه الكلمة لنحيط بها علما :

في قوله تعالى: " مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ " ١٠٦ البقرة



ففي معجم لسان العرب لابن منظور :

نسخ

نسخ الشيءَ ينسَخُه نَسْخاً وانتسَخَه واستنسَخَه: اكتتبه عن معارضه. التهذيب: النَّسْخ اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف، والأَصل نُسخةٌ، والمكتوب عنه نُسخة لأَنه قام مقامه، والكاتب ناسخ ومنتسخ.
والاستنساخ: كتب كتاب من كتاب؛ وفي التنزيل: إِنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون؛ أَي نستنسخ ما تكتب الحفظة فيثبت عند الله؛ وفي التهذيب: أَي نأْمر بنسخه وإِثباته.
والنَّسْخ: إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه؛ وفي التنزيل: ما نَنسخْ من آية أَو نُنسها نأْت بخير منها أَو مثلها؛ والآية الثانية ناسخة والأُولى منسوخة.
ابن الأَعرابي: النسخ تبديل الشيء من الشيء وهو غيره، ونَسْخ الآية بالآية: إِزالة مثل حكمها. والنسخ: نقل الشيء من مكان إِلى مكان وهو هو.
الفرّاء وأَبو سعيد: مَسَخه الله قرداً ونسخه قرداً بمعنى واحد. ونسخ الشيء بالشيء ينسَخه وانتسخه: أَزاله به وأَداله؛ والشيء ينسخ الشيء نَسْخاً أَي يزيله ويكون مكانه.
الليث: النسْخ أَن تزايل أَمراً كان من قبلُ يُعْمَل به ثم تنسخه بحادث غيره.
الفرّاء: النسخ أَن تعمل بالآية ثم تنزل آية أُخرى فتعمل بها وتترك الأُولى.
والأَشياء تَناسَخ: تَداوَل فيكون بعضها مكان بعض كالدوَل والمُلْك؛ وفي الحديث: لم تكن نبوّةٌ إِلاَّ تَناسَخَت أَي تحولت من حال إِلى حال؛ يعني أَمر الأُمة وتغاير أحوالها.
والعرب تقول: نسَخَت الشمسُ الظلّ وانتسخته أَزالته، والمعنى أَذهبت الظلّ وحلّت محله. ونسَخَت الريح آثار الديار: غيرتها.
والنُّسخة، بالضم: أَصل المنتسخ منه.
والتناسخ في الفرائض والميراث: أَن تموت ورثة بعد ورثة وأَصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الأَزمنة والقرن بعد القرن.اهـ

وفي تفسير معالم التنزيل ، حيث استرشدتَ به في بحثك:

قال البغوي:
[ والنسخ في اللغة شيئان:
أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب ، فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ.

والثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته. فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخاً وبعضه منسوخاً وهو المراد من الآية.] اهـ


ومن موقع الجمهرة لمفردات المحتوى الاسلامي:
النسخ:

التعريف اللغوي :

الإزالَةُ، تَقُولُ: نَسَخَتْ الرِّيحُ الأثَرَ أَيْ أَزَالَتْهُ، وَنَسَخَ اللهُ الآيَةَ إِذَا أَزَالَ حُكْمَهَا، وَيُطْلَقُ النَّسْخُ بِمَعْنَى: النَّقْلُ، كَقَوْلِكَ: نَسَخْتُ الكِتابَ إِذَا نَقَلْتَهُ حَرْفاً بِـَحرْفٍ، والنُّسخَةُ: الكِتابُ الـمَنقُولُ، وَالتَّنَاسُخُ: الانْتِقَالُ، وَالاسْتِنْسَاخُ: طَلَبُ النَّسْخِ، وَأَصْلُ النَّسْخِ: رَفْعُ شَيْءٍ وَإِثْبَاتُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، يُقَالُ: نَسَخَ الشَّيْءَ يَنْسَخُهُ نَسْخًا فَهُوَ نَاسِخٌ إِذَا رَفَعَهُ وَثَبَتَ مَكَانَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَفَ شَيْئًا فَقَدِ نَسَخَهُ وَانْتَسَخَهُ، وَيَأْتِي النَّسْخُ بِمَعْنَى: تَحْوِيلُ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَنَسْخُ العَسَلِ: تَحْوِيلُهُ مِنْ خَلِيَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْ مَعَانِي النَّسْخِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ والإِبْطَالُ والتَّثْبِيتُ. اهـ


ومن الكتب المعاصرة لمنكري النسخ قال عبد المتعال الجبري في كتابه الناسخ والمنسوخ بين الاثبات والنفي:

[ تعريف النسخ لغة:
يطلق لفظ النسخ على النقل ، كما يطلق على الازالة.
تقول نسخت المحاضرة أي نقلتها ، ونسخت الرياح التراب اذا أزالته.
والفرق بين الأمرين أن النقل هو اعدام صفة "الوجود" للشيء من مكانه مع وجود صفة "الوجود" للشيء في مكان أخر ، فهو اعدام للصفة لا للموصوف . . واعدام في حالة معينة.
أما الازالة : فهي مطلق الاعدام . فهي أعم من النقل.

ولهذا قال بعض العلماء: ان النسخ هو الازالة حقيقة ، واستعمل لمجرد النقل مجازا.
وعكس أخرون القول لكثرة استعمال لفظ النسخ في النقل ، ولهذا قالوا : ان النسخ يجب أن يكون حقيقة في النقل دون الازالة.

ثم قال:
ومهما يكن فان النسخ يستعمل للنقل كما يستعمل للازالة في الاطلاق اللغوي.

النسخ في اصطلاح الأصوليين:

قال صاحب الفصول البديعة في أصول الشريعة: النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب ، أو هو بيان انتهاء أمده.
وقال ابن كثير : النسخ هو رفع الحكم بدليل شرعي متأخر.
وقال الليث: النسخ أن تزيل أمرا كان من قبل معمولا به ثم تنسخه بحادث غيره.
وقال الفراء : النسخ أن يعمل بالآية ثم تنزل آية أخرى فيعمل بها وتترك الأولى.
وقال ابن الحاجب : النسخ هو رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متأخر.
وقال الفناري : النسخ هو أن يدل على خلاف حكم شرعي دليل شرعي متراخي ، والحكم الأول مقيد بالغاية - حتى في الشرائع المتقدمة – الى ظهور خاتم الأنبياء . وقال الغزالي مثل ذلك ، وكذلك الباقلاني.
وقال أبو اسحاق الاسفراييني : النسخ هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه.] انتهى كلام الجبري ص19

توضيح لغوي: المحاضرة مكتوبة على ورقة نسميها (الأصل) ،

نسختُ المحاضرة على ورقة أخرى أي نقلتُ كتابةً حروفها حرفا حرفا على ورقة أخرى نسميها (نسخة أصلية) ، ولا يعني أني اقتلعت الحروف من الورقة الأصل ولصقتها في الورقة الثانية ،

ويمكن تصوير الأصل فنسميها نسخة مصورة أو صورة
فإذا صورنا الأصل 10 صور فيمكن تسميتها صور مكررة

فيقال نسخت المحاضرة ولا يقال كررت المحاضرة ولا يمكن أن تكون الصورة تكرار للأصل لغويا وعمليا

أما كررت المحاضرة : فمعناها أو مفهومها أن المدرس كرر المحاضرة في مكان واحد أو في عددة أماكن ، ولا يقال نسخ المحاضرة في مكان أخر.

أما أزلت المحاضرة : فمفهومها مسحت أو محوت المكتوب على الورقة ، ولغويا يمكن أن يقال نسخت المحاضرة أي أزلتها.

يتبع ان شاء الله عز وجل
 
أخي aboabd ، أنت محق في محاولة إثبات الحق في مسألة النسخ وأنه حق ثابت بدليل الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة إلا من شذ (أقصد أبا مسلم الأصفهاني) الذي أنكر وجوده وحاول بعض أهل العلم التخفيف من ذلك وبيان أن الخلاف بينه وبين أهل الإجماع خلاف صوري فقط، لكن الإمام اليمني المفسر الأصولي الكبير الإمام الشوكاني بين أن الخلاف حقيقي لا صوري فقال رحمه الله تعالى:" وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمه للكتاب والسنة، ولأحكام العقل، فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله، وإن كان لا يعلم ذلك فهو جاهل بما هو من الضروريات الدينية، وإن كان مخالفا لكونها ناسخة للشرائع، فهو خلاف كفري1 لا يلتفت إلى قائله." اهــ من إرشاد الفحول.
لكن مهما حاولت أخي فأنا شبه متأكد أنك لن تجد محاولتك نفعا مع الأخ الغامدي، فهو ممن شذ بقوة عن إجماع الأمة، وقد سبق لي أن ناقشته في مسألة النسخ منذ سنين...ورغم كل ما بذلته من وسع بقي مصرا على إنكاره.
والجديد الذي أوحته إليه نفسه، أو إن شئت قلت زينه له هواه (اعتبار النسخ تكرارا)، وهذه جرءة منه تضاف إلى سجله من الأقوال أو الأحكام الخطيرة التي يخطها ببنانه ضاربا عرض الحائط السنة والقرآن وكلام أهل العرفان.
والله المستعان.
لكن كلمتي هاته لا أروم بها التثبيط أخي...بل استمر في بحثك لينتفع به المنتفعون، أما المبطلون، فلا تملك لهم إلا الدعاء بالهداية وأن يرفع الله عنهم الغشاوة، ويخرجهم من وكر العناد إلى طريق الرشاد.
 
جزاكم الله تعالى خيرا الاستاذ ناصر عبد الغفور فقد نصحت ودعوت وأنا معك أدعو اللهم أنعم على جميع أعضاء الملتقى
وعضواته وخاصة الأخ عدنان الغامدي بالهدى والنور المبين .
 

أما قولك : [ والنسخ بمعنى التكرار جاء في كتاب الله في أكثر من موضع ، أما النسخ بمعنى الإزالة أتى في موضع واحد ، فكان النسخ بمعنى التكرار قوله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)الجاثية
فكتاب الأعمال يحوي نسخة من أعمال المكلفين ، والملائكة تكتب أفعال من وُكِّلوا بهم كما هي طبق الأصل ، فكانت النسخة هنا دالة على التكرار على وجه المطابقة للأصل.]

تعريف التكرار لغة واصطلاحاً .
قال في لسان العرب:

كرر

كَرَّرَ الشيء: أَعاده مرة بعد أُخرى. والكَرّةُ: المَرَّةُ، والجمع الكَرَّات. ويقال: كَرَّرْتُ عليه الحديث إِذا ردّدته عليه. والكَرُّ: الرجوع على الشيء، ومنه التَّكْرارُ. الجوهري: كَرَّرْتُ الشيء تَكْرِيراً وتَكْراراً؛ قال أَبو سعيد الضرير: قلت لابي عمرو: ما بين تِفْعالٍ وتَفْعال فقال: تِفْعالٌ اسم، وتَفْعالٌ، بالفتح، مصدر.
وتَكَرْكَرَ الرجلُ في أَمره أَي تردّد. والمُكَرر من الحروف: الراء،
وذلك لأَنك إِذا وقفت عليه رأَيت طرف اللسان يتغير بما فيه من التكرير،
ولذلك احْتُسِبَ في الإِمالة بحرفين.
والكَرَّةُ: البَعْث وتَجْديدُ الخَلْق بعد الفَناء.

التكرار في الاصطلاح : تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعاني متعددة كالتوكيد ، والتهويل ، والتعظيم ، وغيرها .
مثل تكرار اللفظ : في قوله تعالى "هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ" المؤمنون 36 ، و قوله تعالى " وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ " في سورة " المرسلات " 10 مرات .
وتكرار المعنى : مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم.

توضيح لغوي : مثلا قصة سيدنا موسى تكررت في القرآن عدة مرات ، فماذا نقول ؟ نقول: الله عز وجل كرر هذه القصة للاستدلال والاعتبار ؟
أم نقول: الله عز وجل نسخ هذه القصة عدة مرات في القرآن للاستدلال والاعتبار ؟؟

حسب فهمي يقال : كرر وليس نسخ
وحسب فهمك كلاهما سواء ، أليس كذلك؟

ولإتمام الفائدة ، جانبا ، قال ابن تيمية : [وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن ، يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعاً غير النوع الآخر ، فيعبَّر عن القصة بجُمَل تدل على معانٍ فيها ، ثم يعبر عنها بجُمَل أخرى تدل على معانٍ أُخَر ، وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ، ففي كل جملة من الجُمَل معنًى ليس في الجُمَل الأُخَر.] اهـ

انتهينا من احاطة مختصرة عن " نسخ" و " كرر" ، يتبقى المشترك اللفظي
الذي أراك قد ذكرته في مشاركتك جيدا بحيث يحيط به علما من يقرأ المدارسة ، ولكن من أين لك به ؟
نقلت من عبد العال مكرم أو من السيوطي أو من الزرقاني فقرات مما كتبوه هم ، فيقال أنك نسخت من كتبهم فقرات أم يقال أنك كررت من كتبهم فقرات ؟؟
كذلك أنشأت أنت فقرات مثلهم وفقرات أخرى عن المشترك والضد ، وكنت أود أن أنسخ ما كتبتموه جميعا ولكنك كفيتنا .

وفعلا أشهر كلمة يستعملها مليارت البشر " نسخ ولصق " ، ولا أظن أي مجمع لغوي يمكن استبدالها ب " كرر وألصق " .

و في الحقيقة عند النظر السطحي للمسئلة نجد أن النسخ فعلا هو عملية تكرار سواء نقلت من كتاب أو صورته ... ، ولكن عند التدقيق كما يفعل الأصوليون ليردوا المصطلح الشرعي الى أصله فهم يذكرون جميع معاني النسخ دون ان يعتنوا عادة ببيان حقيقتها ومجازيها ، أو يقتصرون من هذه المعاني على ما يرون أنه الأصل للمصطلح الأصولي ، كما فعل أخونا الغامدي أن النسخ هو الإزالة و التكرار.

فأما الإزالة فلا خلاف فيها ، أما التكرار فأصله النقل أو التحويل ، فكيف يتم التكرار بدون نقل ، مثل نقل الكتاب أو نقل أعمال العباد ، فالنقل هو الأصل والنتيجة معناها التكرار وليس الكتاب نفسه يتكرر أو أعمال العباد تتكرر ، والنقل هو المعنى الحقيقي لكلمة النسخ وأما التكرار هو معنى إضافي غير حقيقي .

أرجو أن تكون الفكرة وصلت.

ويؤيد ذلك – ما تغافلت أنت عنه في قولك عاليه (فكانت النسخة هنا دالة على التكرار) وليست هي نفسها تكرار !

وقولك : [ أن النسخ من المشترك اللفظي وهو من ألفاظ الأضداد فللنسخ دلالتين مختلفتين عن بعضهما، فيمكن استخدام مفردة النسخ للدلالة على (الإزالة) ويمكن استخدام اللفظة ذاتها للدلالة على (التكرار) وهذا الاستخدام هو الشائع والأظهر في الأصل ].

فهو قول فيه نظر واجتهاد مرجوح ، فالازالة ليست ضد التكرار والتكرار ليس معنى أصلي للنسخ للاستدلال اللغوي أو الاصطلاحي.

أما قولك :
[ فالله عز وجل ينسخ (يكرر) الأحكام بين الشرائع فنجد أحكاما وردت في التوراة ونسخها الله وكررها في القرآن الكريم ، وهناك من الأحكام ما أنساها أي أبطلها وألغاها وعطل العمل بها،.....]

فلا أدري كيف ذلك الاستنباط ، فهذا انكار كامل للنسخ في الشرائع فضلا عن النسخ في القرآن ؟؟

يتبع بمشيئة الله عز وجل
 
جزاكم الله تعالى خيرا الاستاذ ناصر عبد الغفور فقد نصحت ودعوت وأنا معك أدعو اللهم أنعم على جميع أعضاء الملتقى
وعضواته وخاصة الأخ عدنان الغامدي بالهدى والنور المبين .
وجزاك أخي الكريم.
 
أعتذر لظروف السفر ، وسأكمل ان شاء الله عز وجل
 

مقدمة نسترشد بها :

قال د. مساعد الطيار في رسالة له عن التفسير بالرأي:

[ التفسير:
بيان لمراد الله -سبحانه- بكلامه. ولما كان كذلك، فإن المتصدِّي للتفسير عُرضة لأن يقول: معنى قول الله كذا. ثم قد يكون الأمر بخلاف ما قال؛ ولذا قال مسروق بن الأجدع (ت: 63هـ): «اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله -عزّ وجلّ-».
وقد اتخذ هذا العلم طابعًا خاصًّا من حيث توقِّي بعض السّلف وتحرّجهم من القول في التفسير، حتى كان بعضهم إذا سُئل عن الحلال والحرام أفتى، فإذا سئل عن آية من كتاب الله سكت كأنْ لم يسمع.
ومن هنا يمكن القول: إنّ السلف -من حيث التصدِّي للتفسير- فريقان: فريق تكلّم في التفسير واجتهد فيه رأيه، وفريق تورّع فقلّ أو نَدُرَ عنه القول في التفسير.

ثم قال:

ومن صور الرأي المذموم ما يلي:

مَن ناقض التفسير المنقول أو أعرض عنه:

يشمل التفسير المنقول: كلّ ما نُقل عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو أصحابه أو التابعين وأتباعهم، فمَن أقدمَ على التفسير دون الرجوع إلى التفسير المنقول فإنه سيقع في الرأي المذموم؛ لأنّ جُزءًا من التفسير لا يمكن معرفته إلا عن طريق النقل عنهم؛ كأسباب النزول، وقصص الآي، وناسخها... وغيرها.

مَن فسَّر بمجرد اللغة دون النظر في المصادر الأخرى:
إنّ التسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن وغيرها؛ مُوقِعٌ في الخطأ، فمَن لم يُحكِّم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كَثُر غلطه، ودخل في زمرة من قال برأيه المذموم.
واعتماد اللغة فقط دون غيرها من المصادر، هو أحد أسباب الخطأ الذي يقع في التفسير، كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

أن يكون له رأي فيتأوَّل القرآن على وفق رأيه:
حيث إنهم يعتقدون الرأي، ثم يبحثون عن دليله، وقد يحرِّفون الكلم عن مواضعه ليوافق آراءهم، ولو لم يكن لهؤلاء هذا الاعتقاد والرأي لَمَا فسّر القرآن بهذه التفسيرات ..

ويقع خطأ أولئك على أقسام:
الأول: الخطأ في الدليل والمدلول:
وذلك أن المفسر يستدلّ لرأيه بدليل، ويكون رأيه الذي استدل له باطلًا، فيستلزم بطلان دلالة الدليل على المستدلّ له.
ومثال ذلك: أن المعتزلة اعتقدوا أن الله -سبحانه- لا يُرى في الآخرة، وهذا باطل، ثم استدلوا لهذا بقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي}[الأعراف: 143]، فجعلوا {لَنْ} لتأبيد النفي، وهذا غير صحيح في هذا الموضع.
الثاني: الخطأ في الاستدلال لا في المدلول: وفي هذا يكون المدلول بذاته صحيحًا، ولكن حَمْل الآية عليه لا يصح.
ومثاله: ما فسر به بعضهم قوله تعالى: {إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}[البقرة: 249].
حيث قال: «هذه الآية مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، فشبهها الله بالنهر، والشارب منه بالمائل إليها المستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة».
فهذا الكلام من حيث هو في ذاته مجردًا عن الآية كلام صحيح، ولكنَّ جَعْلَهُ تفسيرًا للآية خطأٌ ظاهرٌ؛ ولذا قال القرطبي (ت: 671هـ) معلقًا على هذا القول: «ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل، والخروج عن الظاهر، ولكن معناه صحيح من غير هذا».] انتهى المراد منه.

وقال الشاطبي في الموافقات : "والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه : هذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى : من أين قلت عني هذا ؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد".

وقال ابن العربي في قانون التأويل : "والضابط لهذا كله، أن يكون الناظر في القرآن يلحظه بعين التقوى، ولا يميل به إلى رأي أحد للهوى، وإنما ينظر إليه من ذاته ابتغاء علم الله ومرضاته...".

و قال القرطبي في تفسيره : "...أن يكون له في الشيء رأي – وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتناول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى، لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى؛ وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية، ذلك، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه ؛ وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه...".

وقال النووي في التبيان:ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح ، أقسام :
منهم من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره مع أنه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية...
ومنهم من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة لما قاله.
ومنه من يفسر ألفاظه الغريبة من غير وقوف على معانيها عند أهلها...".

وقد بيَّن ابن تيمية شروط أربعة لصرف اللفظ عن ظاهره، فقال في الرسالة المدنية:
(الأول: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي.
الثاني: أن يكون معه دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجا زه.
الثالث: أنه لابد من أن يَسْلم ذلك الدليل الصارف عن معارض.
الرابع: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلابد أن يبين للأمة أنه لم يُرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه..)

أي أنَّ الأصل أن يحمل النص على ظاهره، وأن الظاهر هو ما يتبادر إلى الذهن من المعاني.
فلا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدليل، فإن عُدم الدليل كان الحمل على الظاهر متعيناً ، والحمل على خلافه تحريف.

اللهم الهمنا الصواب.
 

قوله تعالى : " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (29)الجاثية

فلو تتبعنا نظرية المشترك اللفظي والسباق والسياق واللحاق ، فسترى الآيات:

" وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ." (31) الجاثية

مفردة " نستنسخ" ، هذا الاستنساخ هل هو استنساخ خلايا جذعية أم استنساخ أرواح أم استنساخ نوايا أم استنساخ كتب وصحائف أم استنساخ أعمال أم استنساخ ألفاظ وأقوال ... ؟؟
فما يسبقها في الآية " كِتَابُنَا " وما يلحقها " تَعْمَلُونَ"
والمشترك اللفظي ل " كِتَابِهَا " و " كِتَابُنَا " ، ورد نحوه في مواضع متعددة في كتاب الله عز وجل :

قوله تعالى: " وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (62)المؤمنون
وقوله تعالى: " وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً "الإسراء: 13-14
وقوله تعالى: " قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ " يونس 21
وقوله تعالى: " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ " الزخرف 80
وقوله تعالى: " سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ " آل عمران 181
وقوله تعالى: " وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا " الكهف 49.
وقوله تعالى :"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ " يس (12)
وقوله تعالى: " كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ "الانفطار 9-12
.... وغيرها من الآيات

يتبين من سرد الآيات أن أظهر وأبين معنى لكلمة نستنسخ هي نكتب سواء قول أو فعل أو مكر أو أثر أو سر أو نجوى أو ... وسواء صغير أم كبير حتى الذرة ، لماذا نكتب ؟ ، لنحفظ أعمال العباد ولنُثبِتها عند حسابهم ، ولذلك ترى المفسرين يدندنون حول هذه المعاني ، فلنأخذ أحدهم مثال:

تفسير البغوي :

[ " هذا كتابنا " يعني ديوان الحفظة ، " ينطق عليكم بالحق " يشهد عليكم ببيان شاف ، فكأنه ينطق وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ .
" إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم .
وقيل: " نستنسخ " أي نأخذ نسخته ، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان ، فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب ، ويطرح منه اللغو نحو قولهم : هلم واذهب .
وقيل: الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم ، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل ، فينسخ كتاب من كتاب.
وقال الضحاك : نستنسخ أي نثبت .
وقال السدي : نكتب .
وقال الحسن : نحفظ ].اهـ

ومن السنة نجد أحاديث كثيرة تتناول هذا الموضوع

حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: "قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات، فقال: ((إن الله - عز وجل - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط ويَرْفَعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعملُ النهار قبل الليل...))؛ [رواه مسلم

وحديث : " تُعْرَضُ الأعمالُ على اللهِ يومَ الاثنينِ والخميسِ ، فأُحِبُّ أنْ يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ"
الراوي : أبو هريرة المصدر :البدر المنير
خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه الترمذي (747) باختلاف يسير، وابن ماجه (1740)، وأحمد (8343) بنحوه

وحديث : " يا رسولَ اللَّهِ ! لم ارك تَصومُ شَهْرًا منَ الشُّهورِ ما تصومُ من شعبانَ ؟ ! قالَ : ذلِكَ شَهْرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجبٍ ورمضانَ ، وَهوَ شَهْرٌ تُرفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ ، فأحبُّ أن يُرفَعَ عمَلي وأَنا صائمٌ "
الراوي : أسامة بن زيد المصدر :صحيح النسائي
خلاصة حكم المحدث : حسن
التخريج : أخرجه النسائي (2357) واللفظ له، وأحمد (21753)

فهذا الرفع والعرض اليومي والاسبوعي والسنوي ، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت صحف شخص واحد من مليارات البشر.
اللهم أحسن خاتمتنا.

والخلاصة : تفسير كلمة في كتاب الله أمر عظيم

تفسير " نستنسخ " بنكرر أراه غير موفق

تفسير هذه الآية علم كامل وبحر عميق ، والاستدلال اللغوي بمفردة فيها لا يتعدى مفهومها الى الحكم أن هذا ناسخ أو منسوخ أو الى نفي النسخ أو اثباته.

والله تعالى أعلم.

أما الوصايا العشر :
 
قولك في المشاركة رقم 18
( ذلك أن الدين عند الله الإسلام، والشرائع النازلة إنما هي من مشكاة واحدة ومن رب واحد ونزل القرآن مصدقاً لما نزل قبله من الشرائع وآخرها آنذاك شريعة الله المرسلة مع موسى لبني إسرائيل ، ودليل ذلك قوله تعالى:
يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]
إن الإسلام واحد والشريعة واحدة (أم الكتاب) وإنما تنزل بما يوافق حال القوم التي نزلت فيهم فينزل من أم الكتاب ما شاء يمحو به ما شاء وينسخ ويكرر ما شاء،) اهـ

فلفظ الشريعة ورد في القرآن ثلاثة مرات على النحو التالي:

  • بمعنى التوحيد : في قوله تعالى " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)الشورى.
  • وبمعنى الشريعة والمنهج : في قوله تعالى " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة.
  • وبمعنى الدين كله : في قوله تعالى " ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) الجاثية.
فيتبين من ذلك :
التوحيد شريعة كل الأنبياء.
الشرعة والمنهاج ( الأحكام والعبادات والمعاملات ) شريعة لكل أمة.
شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كاملة وتشمل التوحيد والمنهاج.

أما قوله تعالى : " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ "

ما فهمته من فحوى كلامك أن معنى " وَيُثْبِتُ " أي ( ويكرر ) ، هل ما فهمته أنا صحيح؟

فأرجو التوضيح ، لأستكمل ما بدأتُ فيه .

مشكور
 
عودة
أعلى