توقيعات على آيات

48-
وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [يوسف : 45]

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف : 46]

هذا من السرد المختزل العجيب:
فالجمل المتتالية في الآيتين قول واحد لمتكلم واحد هو صاحب السجن الناجي :
[أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا]
لاحظ فعلي الأمر "فَأَرْسِلُونِ" "أَفْتِنَا" جاءا في نسق خطاب واحد لكن شتان ما بينهما زمانا ومكانا ومخاطبا ومقصدا ومشهدا....ثمة ثغرة سردية واضحة يمكن سدها بقولنا- مثلا-
( فذهب إلى يوسف فقال يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا...)
لقد سدت الثغرة لكن سقطت البلاغة وشحب الإعجاز!

من عجيب سرد القرأن أن تقوم جملة واحدة مقام فصل من القصة...هذا ما اختزلته عبارة "فَأَرْسِلُونِ "
"أَرْسِلُونِ" لا بد أن تدل على جهة معهودة عند السامعين الحاضرين...وهذه الجهة لا بد أن يكونوا قد أخذوا علما عمن فيها وعما جرى فيها من أحداث...فيعلم من ذلك كله أن الفتى الناجي قد أخبرهم بما وقع له في السجن وظروف تعرفه على يوسف الصديق...
ولقائل أن يقول لم لا يرفع من درجة الاختزال بحذف جملة ( فَأَرْسِلُونِ) نفسها، والمتلقي قمين باستحضار المطوي من السرد والمحذوف منه..
نقول لا سواء فهذه دلالة المقام وتلك دلالة المقال...

ولقائل أن يقول ماذا لو صرح وما كنى، فقال مثلا:
وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ[ وروى لهم ما تذكر] فَأَرْسِلُونِ
نقول لقد سدت الثغرة لكن سقطت البلاغة وشحب الإعجاز!
ألا ترى أن المتلقي في هذه الحالة سيكون سلبيا فقد أخبر بكل شيء...والقرآن يحب المتلقي المتدبرالمكتشف.. واعلم أن متعة المشاركة في السرد عند المتلقي لا تكاد تعدلها متعة!


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف : 3]
 
48-
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة : 112]


هؤلاء الفائزون... ذكر فيهم المصلون مرتين: (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) كأنه قيل (المصلون المصلون) بالتوكيد اللفظي...

وكذلك النكتة في سورة المعارج عند سرد الناجين فذكر المصلين مرتين في المطلع والمقطع:

إِلَّا الْمُصَلِّينَ [22] الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج : 23]
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج : 34]

هذا الأسلوب في سورة المعارج يذكرنا بسورة الإسراء عندما سرد هناك زمرة من الأوامر والنواهي فنهى عن الشرك مرتين في المطلع والمقطع :

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء : 22] (لاحظ رقم الآيةَ)
وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء : 39]

فهل في هذا التوافق إشارة ما إلى خطورة أمر الصلاة؟




 
50-

عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر : 60]، رواه "أحمد" في "المسند" (18352)، و"البخاري" في "الأدب المفرد" (714)

استشهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآية ينبني على ما يعرف في بلاغة النص ب( التشاكل)، أي افتراض اتساق القول والتناسب فيه....فالآية في صدرها نصت على أمر، وفي عجزها نصت على جزاء أمر آخر ،وبموجب قانون التشاكل- أو التناسب - يتعين توحيد موضوع الأمر والجزاء ،فيكون قوله "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ " معناه "إن الذين يستكبرون عن دعائي...."

ثم وجدت في قصة إبراهيم - من سورة مريم - ما يشبه هذا :

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم : 48]

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم : 49]

في الآية الأولى وعد خليل الرحمان قولا..

وفي الأية الموالية إخبار من الله بتنفيذ الخليل لما وعد أباه وقومه فعلا..

وبموجب قانون التشاكل يلزم أن يكون الموعود بالقول هو نفسه المتحقق بالفعل...فيتحد – تبعا - ما يدعون مع ما يعبدون!

ولك في كل المواضع التي اقترن فيها ذكر الدعاء والعبادة أن توحد المفهومين ولا حرج:

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الأنعام : 56]

يصح : نهيت أن أعبد الذين تعبدون ( تذكر سورة الكافرون)

مثلما يصح: نهيت أن أدعو الذين تدعون...ألم يقل عليه السلام "إن الدعاء هو العبادة"!.
 
ما السر في اقتران الدخول الى النار مع نفي الانتصار؟



وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [الجاثية : 34]

وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت : 25]

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [الأنبياء : 39]

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [القصص : 41]

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة : 86]



أعتقد أن أفضل وجه لتدبر القرآن هو معايشته وتمثله، فإذا وصف موقفا فلا يفهم حق فهمه إلا إذا استحضر المتدبر ذلك الموقف وتمثله وتخيله وعايشه عندئذ فقط يدرك سر كل كلمة..

فهذا محكوم عليه بالخلود في جهنم...

والإنسان بحكم الجبلة ينشد دائما نصيرا إذا كان في ورطة...والعثورعلى النصير هو أول ما يخطر بباله ...

فهل النصير الله ،هذا محال، فهم ينشدون نصيرا على الله...وعلى فرض رجوعهم إليه يصطدمون بقوله لهم من قبل:

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون : 108] (أرشح هذه الآية لتكون أشد آية في عذاب أهل النار.)

إذن فليكلموا الملائكة ،لكنهم غلاظ شداد فلا يطمعون أن يجدوا عنهم ذرة من شفقة فهل يكون الجلاد نصيرا:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم : 6]

لكن قد يكونوا وسطاء إلى ربهم:

وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر : 50]

وقول الملائكة ( فادعوا) بمثابة صب الزيت على النار، فقد قال لهم ربهم من قبل اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ...

فهل يجدون النصير في هذه الحشود حولهم من الإنس والجن والشياطين...

كأن يؤسسوا نقابات لحقوق الإنسان كما كانوا في الدنيا الفانية!

أو ينخرطوا في منظمات مختصة في استقبال التظلمات والشكاوى كما كانوا في الدنيا الفانية!

ولم لا ينظمون – بفضل كثرتهم- مسيرات مليونية حاشدة كل يوم كما كانوا في الدنيا الفانية!...



فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.....نعوذ بالله من عذاب الله.
 
52-


وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة : 284]

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [آل عمران : 29]

سبق أن بيننا سر التقديم والتأخيرفي الإبداء والإخفاء( ينظر التوقيع العاشر في السلسلة ) لكننا لم ننتبه حينئذ إلى الاختلاف بين (مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) و(مَا فِي صُدُورِكُمْ) وبعد تأمل ظهر لنا أن كل تعبير موافق لمقامه وسياقه...ففي آية آل عمران بيان لعلم الله بالمظهر والمخفي فناسبته كلمة الصدور التي هي عبارة عن "صندوق الأسرار" التي يخزن فيها المرء أشياءه ....وفي أية البقرة بيان للمحاسبة على الذنب والإثم ،ومن ثم جاء ذكر النفس النزاعة إلى الشهوات والأمارة بالسوء تغري وتغوي!!
 
53-

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام : 164]


العبارة تكررت خمس مرات في القرآن وفي ذلك تنبيه على الاهتمام بها وتدبرمحتواها حق التدبر.(ونقول بالمناسبة إن عبارة المفسرين بصدد تفسيرهم للآيات المتكررة والمتشابهة " لقد تقدم القول فيها" ليست عبارة حسنة فما تكررت الآية إلا لتكرر فيها النظر!)

واضح أن الآية تؤسس معيارا وقانونا في الدنيا والآخرة، معيارا خلقيا وقانونا جنائيا يجب لهما التطبيق في الدنيا، ورب العالمين في الآخرة سيحاسب الخلق بحسب هذا القانون العدل....

لكن للآ ية شأنا آخر فهي كفيلة بتدمير دين النصارى في مبتدئه ومنتهاه:

في البدء كانت عقيدة (الخطيئة الأصلية)،

وفي النهاية كانت عقيدة (الفداء).

وعبارة "لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" - بمفردها - دامغة للعقيدتين !

زعم الضالون أن بني آدم ورثوا عن أبيهم الخطيئة الأولى: فما من وليد يخرج إلى الدنيا إلا وهو ملطخ بما اقترفه أبوه آدم قبل عشرات القرون...
فأبطلت قذيفة الحق هذا الزعم :

"لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"

وزعم الضالون أن الله أنزل ابنه الوحيد إلى الأرض ليهان ويصلب كي يفتدي البشر ويحمل عنهم أوزارهم -لاسيما وزر الخطيئة الأصلية-
فأبطلت قذيفة الحق هذا الزعم فلا أحد يحمل عن أحد وزره مهما كان هذا الوازر :

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر : 18]
 
عودة
أعلى