وهم (الوحدة الموضوعية) في السورة القرآنية.

إنضم
20 أبريل 2003
المشاركات
531
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
وهم (الوحدة الموضوعية) في السورة القرآنية

عندما يقول العربي المسلم قال العالم الأمريكي كذا ، أو قال الفيلسوف الألماني كذا ، فهو لا يقصد قطعا تعريف ذلك العالم بالنسبة إلى بلد ما ، خاصة وأن ذلك العالم قد يكون أعرف واشهر من الناقل عنه ، ولكنه يقصد الترويج لذلك القول وإغراء القارئ به ، لأنه صادر من أمريكا أو ألمانيا!

فيصبح الفكر "ماركة" مثل بقية المصنوعات المعروضات في الأسواق ...فالحذاء الذى كتب فيه (مصنوع في السويد) يتهافت عليه أكثر من الحذاء الذي كتب فيه (صنع في السودان) بل قد يلقيه بسرعة من يده ترفعا ، مع أن الحذاء السوداني أفضل وأجمل ولو كلف نفسه إدخال رجله في الحذائين على سبيل التجربة لوجد أن قدمه في الحذاء السوداني أكثر راحة واطمئنانا وملاءمة لكنه لن يجرب فلا مجال عنده للمقارنة بين بلد اسكندنافي وقبيلة افريقية!!

هذه مصيبة المسلمين في هذا العصر الرديء ، فالقول السفيه والأثيم البادي السفه والإثم مقبول لديه بل مقدم عنده ولا سلطان إلا أن قائله فرنسي أو ياباني ، فحجة "الماركة" أقوى بكثير من حجة "التجربة والعقل"...ومهما بحثت عن تعبير يصف هذه الآفة فلن تجد أقوى وأبلغ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: "حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"...نعم نتبعهم لاهثين دون أن نسأل وماذا سنفعل في جحر الضب!!!

زعموا أن علم الجمال قرر أن العمل الفني الشعري يكون أجمل إذا كان فيه وحدة الموضوع. تلقفوا هذا الزعم واستوردوه ماركة مسجلة وسرعان ما طبقوه على كلام الله.. قالوا في السورة القرآنية وحدة موضوعية فتجد فاضلا مثل عبد الله دراز يستهويه الزعم فيمضي باحثا عن وحدة موضوعية مفترضة في سورة البقرة وليته سكت!

وسنبين- بحول الله - تهافت قاعدة الوحدة الموضوعية بعد حين...
 
الوحدة الموضوعية المشروطة في العمل الفني( الشعري خاصة ) ليس له سند من المنطق والواقع ومعياره الوحيد هو الذوق أو العرف، وما كان للأعراف أو الأذواق أن يؤسس عليها علم حقيقي . إن ما يسمونه ( الاستيطيقا )أو (علم الجمال) ليس له من العلمية إلا الاسم ، فمرجعه الذوق الشخصي ، والأذواق مختلفة فلا يمكن تأسيس علم إلا على مرجع ثابت وموحد. فقد يسلم بعلمية المنطق لأن القوانين العقلية واحدة ، وقد يسلم بعلمية الفزياء لأن المرجع فيه هو الواقع والواقع ثابت موضوعي لا تغيره الأهواء، لكن الاستيطيقا ليست كذلك فما يراه زيد جميلا يحكم عليه عمرو بالقبح ومحال الفصل بينهما أو ترجيح رأي على رأي لأنهم هم أنفسهم قرروا المبدأ الشهير: "الأذواق والألوان لا تناقش"

فلماذا كانت الوحدة الموضوعية شرط جمال وعلى أي أساس بنيت ؟

إن مفهوم الوحدة الموضوعية لم تظهر عند الغربيين أنفسهم كمعيار إلا في زمن هيمنة الفكر الرومنطيقي خاصة عند( كانت) و(هيغل). وهذا الأخير روج لها في كتبه عن فلسفة الفن وليس ذلك بغريب عن فيلسوف يعتقد بوحدة الوجود !ولعل الشيخ عبد الله دراز قد أعجبته فكرة الوحدة الموضوعية – وهو الذي اشتغل كثيرا بكانت عندما بحث في فلسفة الأخلاق عند الفيلسوف الألماني وقارنها بنظرية الأخلاق في القرآن فلا بد أن يكون قد اطلع على النظرية الجمالية عند كانت وخلفه هيغل- ودراز رحمه الله وهوالمدافع عن القرآن رأى أن القرآن أولى من غيره في أن تكون فيه وحدة موضوعيه فمضى يبحث عنها في سورة البقرة على اعتبار طولها وتنوع مواضيعها فإن كان فيها وحدة موضوعية فأولى أن تكون في السور القصيرة!

كان على الشيخ أن يمحص مفهوم الوحدة الموضوعية أولا قبل أن يخضع القرآن لذوق كانت وهيغل....ولو فعل لربما اكتشف أن الوحدة الموضوعية هي أبعد عن الفطرة والجبلة البشرية كما سنبين بحول الله.
 
الإنسان مفطور على نشدان التنوع والاختلاف ، والمشهد الوحيد اللون سرعان ما يكون باعثا على الملل والسأم، فهؤلاء بنو إسرائيل ، قوم موسى، رزقهم الله من السماء منا وسلوى ، رزقا طيبا مجانا ، لا يكلفهم حرثا ولا جهدا، ومع ذلك رفضوه بسبب وحدته واعتبروه كأنه عقوبة تحتاج إلى صبر:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة : 61]

لا شك أن ما في السماء والنازل منها أشرف مما في الأرض والصاعد منها ، ومع ذلك فضلوا الأدنى المتنوع على الخيرغير المختلف...وهذا المسلك عند الإنسان لا يتعلق بالمأكول والمرئي فقط بل يشمل المسموع أيضا ، فمن ملذات الإنسان السمر، ولا يكون السمر متعة إلا إذا كان فيه "تجاذب أطراف الحديث" إي الانتقال من موضوع إلى موضوع آخر... وقد يتعجب المرء عندما يستعرض ما راج في مجلس السمر كيف بدأ الحديث بموضوع وكيف انتهى بموضوع لا يمت إلى الأول بأدنى صلة...هذه متعة السمر، ولو كان الموضوع واحدا في الليل كله لجاء الملل وخرج السمر عن طوره ليصبح مناظرة أو جدالا أو غير ذلك.

والقرآن المبين نزل وفق فطرة الإنسان فتجد في الصفحة الواحدة – فضلا عن السورة الواحدة- سياحة تنقل القاريء من التاريخ إلى الجغرافيا ومن الدنيا إلى الآخرة ومن الترغيب إلى الترهيب ومن التشريع إلى الحكاية...لكن أتباع الداخلين إلى مسكن الضب يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير!

للحديث بقية....
 
إن مسالة استجلاب نظريات الغرب والشرق وأذواقهم ومحاولة اسقاطها على الإسلام مسالة قديمة لم تبدأ في العصر الحديث ، بل بدأت منذ تجاوز دين الله حدود جزيرة العرب فاختلط الدين مع ذوي الثقافات والأديان والوثنية والنصرانية واليهودية فبدأ العبث وإدخال الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وعقائد الهندوس واليونان ونبتت من وراء ذلك مذاهب فقهية وعقائد لا يقبل من أحد اليوم أن ينتقدها ، فلا يوجد فرقة من الفرق المنتسبة للإسلام إلا وتجد في جذرها الفكري لمسة من عقيدة وثنية غربية أو شرقية ، وحتى من نافح لمواجهة تلك التيارات كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يسلم من محاكاتهم ف يمحاولة للوصول لنقطة متوسطة توازن بين تأصيلاتهم وحقيقة الإسلام وهذه مسالة يحتاج بسطها لمساحات كبيرة ليس محلها هنا..
واصل أعانك الله
 
ما أجمل هذا وفقك الله يا أبا عبدالمعز وليتك تفصل وتتوسع في هذه المسألة فهي في غاية الأهمية وكل الدراسات المعاصرة والبحوث تسير في هذا الاتجاه
 
إذا سلمنا جدلا أن (الوحدة الموضوعية) شرط من شروط جمال النص وبلاغته فإنه يلزم أن تكون في القرآن على أعلى صورة منها ، وما هذه الصورة العليا إلا ما يسمونه (الوحدة العضوية)...وهي درجة سامية في تماسك النص بحيث لا يمكن حذف مقطع أو نقله من مكانه تقديما أو تأخيرا، إذا كانت القصيدة ذات الوحدة الموضوعية يمكن التصرف فيها بحذف بيت شعري أو تغيير ترتيب المقاطع من غير أن يؤثر ذلك في وحدة الغرض والموضوع، فإن ذلك لا يتأتى في القصيدة ذات الوحدة العضوية.

ولو نزل القرآن وفق أهواء "الجحريين" لاتخذه الناس مهجورا جزئيا ذلك لأنه ستكون فيه- مثلا- سورة خاصة بقواعد الإرث وسورة خاصة بأحكام الطلاق ومن الناس من لا يستهويه مجال الأحكام فلن يجد ميلا لتلاوة السور المتخصصة في الأحكام ويفضل عليها سور الأخبار والوقائع وللناس في هذا المجال ميول وأذواق فلا يمكن للنص الواحد أن يرضيهم جميعا...

وهذا التنوع في مواضيع السورة القرآنية لهو من دلائل إعجازه لو كان "الجحريون" يعلمون...(ونحن نقصد بالإعجاز هنا المعنى الحقيقي وليس المعنى المبتذل الذي شاع على الألسنة حيث يرون أية نكتة بلاغية إعجازا وأي حكمة في التشريع إعجازا وسيكون لنا موضوع بحول الله فيه تنقيح لمفهوم الإعجاز)

ففي الصفحة الواحدة من القرآن تجد انتقالا سريعا من موضوع إلى آخر دون أن يشعر القاريء بفجوة أو صدمة وهذا أمر وجداني يشعر به كل مرتل ولا يحتاج إلى استدلال ولو حاول الناس مجاراة التنزيل في ذلك لجاء خطابهم هذيانا أو شبيها بالهذيان!!
 
الانتقال الموضوعي بين مقاطع الآيات يثيرانتباه القارئ، لكنه أيضا يحفز على تأمل الصلة بين المقطعين (ترغيب ثم ترهيب. تذكير بنعمة المطر والنبات ثم ذكر إحياء الموتى كإحياء الأرض الموات، إلخ)
فالمناسبة موجودة، وخيطها أحيانا واضح وأحيانا يتطلب قدرا أكبر من التأمل.
لكن معك حق في مسألة الوحدة الموضوعية. فلا يمكن إجبار النص على مراعاة قواعد نضعها نحن من عندنا لم يلزم النص بها نفسه أصلا.
في الأدب المسرحي والقصصي قديما (قبل ما يعد الحداثة) كان النقاد يعيبون النصوص التي لا تلتزم بقواعد أرسطو عن وحدة الزمان والمكان! مع أن الإثارة والتشويق تتطلب التنويع.. وانتقال المشاهد من ساحة معركة مثلا إلى نقاش سياسي في بلاط ملك، مرورا ربما بفاصل قصير عن تأثر المدنيين بنتائج المعركة، يبدو أفضل من مسرحية فصل واحد تدور كل أحداثها بين شخصيتين فقط في غرفة واحدة.
في نقاشي مع الأجانب أحتاج أحيانا لاقتباس ترجمات قرآنية إنجليزية، فأجدهم مصدومين من الانتقال الموضوعي بين الآيات، لأنهم تعودوا على أسلوب التوراة القصصي والمتسلسل زمنيا: أولا قصة الخلق ثم آدم ثم نوح وهكذا. مترجمو معاني القرآن يعانون من صعوبة نقل الرابط الخفي - الموجود بين المقاطع - للإنجليزية، فيظن القارئ الأجنبي أن القرآن نص غير مترابط وأنه يقفز عشوائيا من موضوع لموضوع، في حين أن المناسبة بين المقاطع موجودة وإن خفيت.
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين أما بعد الموضوع مهم وجيد
لكن يا أخي الكريم ألا ترى معي أن العنوان فيه مشكلة؟
لإن حضرتكم ترفض فكرة الموضوعية لكن الكثير من العلماء والمفسرين يؤكدون وجودها وكتبت عنها رسائل وأطاريح في الدراسات العليا فليس من الصحيح أن تعنون
ب ( وهم ) والله تعالى أعلم .
 
عودة
أعلى