د محمد الجبالي
Well-known member
مَيْلِ القرآن عَنْ الألفاظ الْمُسْتَقْبَحِ ذِكْرُها الْمُسْتَقْبَحِ سَمَاعُها إلى الكناية
من بديع القرآن الكريم انصرافه عن الألفاظ الْمُسْتَقْبَحَة ومَيْلِهِ عنها لِمَا تُسَبِّبُه مِنْ أَذًى في النفس أو حَرَجٍ، فَيَمِيلُ عنها القرآن، ويتركها، ويَنْصَرِفُ عن اللفظ غير اللائق الْمُسْتَقْبَحِ ذِكْرُه الْمُسْتَقْبَحِ سَمَاعُه، ويَكَنِّي عنها بألفاظٍ أُخْرَى لَطِيفَةِ الْمَأْخَذِ والأثر.
وذلك في القرآن كثير ومنه:
- تَرْكُ القرآن لِلَفْظِ [التَّبَرُّز] والكناية عنه بالغائط أو بالأكل:
- وقول الله تعالى عن مريم وابنها عليهما السلام: {[كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ}]. أكل الطعام هنا كناية عن التَّبَرُّز، أي: إنهما ليسا إلهين، كيف وهما يأكلان فَيَتَبَرَّزان؟
- ترك القرآن للفظ [الْجِماع] والكناية عنه باللَّمْس أو بالحرث أو بالرَّفَث، أو...:
- قال الله عز وجل: [{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ملامسة النساء] هنا كناية عن الجماع، فانصرف عن لفظ الجماع الْمُسْتَقَبَحِ سَمَاعُه وكَنَّى عنه بالْمُلامَسَة.
- قول الله تعالى: [{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}] الحرث هو مَوْضِع الزرع ومَنْبَتُ الولد، وكُنِّىَ به عَن مَوْضِعِ الْجِماع، الذي هو قُبُلُ الْمَرأة وليس دُبُرَهَا، {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} أي فَجَامِعُوهُنَّ في مَوْضِعِ الزرع ومَنْبَتِ الْوَلَد، {أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شِئْتُم: قِياما أو اِسْتِلْقَاء، مِن الأمام أو مِن الخلف شرط أن يكون في القُبُل مَوْضَعِ الحرث، وكَنَّى هنا عن [الجماع] لأنه لفظ مُسْتَقْبَحُ الذِّكْرِ مُسْتَقْبَحُ السَّمَاعِ بِلَفْظِ [الحرث].
- ويحضرني في ذلك كناية لطيفة لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه: جاء عمرُ إلى رسولِ اللهِ r فقال: يا رسولَ اللهِ هلكتُ. فقال وما أهلكَك؟ قال: حوَّلت رحلي البارحةَ. [يقصد جامع زوجته في قُبُلِها مِنَ الخلف] فلم يردَّ علَيّه شيئًا. قال: فأُوحِيَ إلى رسولِ اللهِ r هذه الآيةُ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال لعمر: "أقبلْ وأدبرْ واتقِ الحيضةَ والدبرَ".
- وقول الله عز وجل: [{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}] الرفث في اللغة: هو كل ما يريده الرجل من المرأة من تقبيل وضم ومباشرة وجماع وغيره، وكَنَّي هُنَا عن [الجماع] بالرفث كراهة ذكر لفظ الجماع، لأنه لفظ مُسْتَقْبَحُ.
- وتأملوا هذه الآية البديعة: [{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}].
وتأملوا هذه التعبيرات القرآنية؛ إنها كلها كنايات عن الجماع:
- {[وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ]} (النساء21)
- {[فَلَمَّا تَغَشَّاهَا]} (الأعراف189)
- {[فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ]} (البقرة 187)
- {[أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ]} (النساء43)
- {[دَخَلْتُمْ بِهِنَّ]} (النساء23)
- {[فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ]} (البقرة223)
- {[مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ]} (البقرة237)
- {[فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}] (النساء24)
- {[وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ}] (البقرة222).
وأخيرا:
لعلي قد آذيتكم بصراحة الألفاظ في المقال، فعذرا: لقد قصدت ذلك قصدا، حتى تلمسوا عفة كلام الله وجلاله، وحتى تروا جميل بيان قرآنه، وحتى تشعروا بلطيف معانيه وتقفوا على بعض أسراره.
والله أعلم
د. محمد الجبالي