ملاحظة

إنضم
16/11/2009
المشاركات
1,301
مستوى التفاعل
0
النقاط
36
العمر
74
الإقامة
تارودانت-المغرب
يقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ وَالَّذينَ عَقَدَت أَيمانُكُم فَآتوهُم نَصيبَهُم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدًا﴾ [النساء: 33]
جعل الله لكل مسلم ورثةً محدَّدين يرثون تركته من والديه وأقاربه، ولأن بعض العلاقات الاجتماعية لا تدخل في نظام الإرث، جاء قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ ليفتح باب الإحسان والوفاء عبر الوصية.
وفي نفس الموضوع يأتي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُم إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ بِالمَعروفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقينَ﴾ [البقرة: 180] وذلك في حالة اختلاف الوارث و الموروث في الدين أو كون الشخص غير وارث.
فالميراث محصور في الورثة، وما كان لغيرهم يكون من باب الوصية.
وبهذا يتبين أن الآيتين محكمتان ولا نسخ فيهما.
والله أعلم
 
دعوى نسخ آية الوصية بآية المواريث
دعوى نسخ قوله تعالى :
[ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ] - البقرة 180
نسخت بقوله تعالى :
[ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ] - النساء 11

مفهوم الآية الكريمة:
إن القول بنسخ وإبطال حكم هذه الآية الكريمة وتبديله لم يكن بنص نبوي ثابت صحيح ينقض الآية ويفيد بنسخها وإبطال حكمها ، إنما توهّم القائلون بالنسخ وجود التعارض بين الآيتين والتعارض لا وجود له فابطلوا وبدلوا مالا يحق لهم أن يبدلونه من بعد ما سمعوه ، ذلك أن الآية الكريمة لها توجيه قوي يعارض المدعى بأنها ناسخة البتة :
أن الآية المدعى أنها باطلة إنما هي عامة جرى تخصيصها بما ادُّعيَ أنها ناسخة ، فالوصية واجب على كل مسلم حين الاحتضار أو قبله (بالمعروف) أي وفق ما شرع الله من حق ونصيب لكل وارث (للوالدين والأقربين) في سورة النساء ، فللوالدين وصية بما فرض الله لهما من حق إن كانا ممن يستحق الميراث من شروطه ، فإن لم يكونا (كلاهما أو أحدهما) جاز للمورث أن يهب لهما شيئا غير ما نصت عليه آية الميراث وكانت هبته مما أمر الله به من معروف (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) إن منع الميراث عنهما مانع ككفر أو دم.
والأقربين من الموصي إن كانوا ممن يرث قُسِمَ لَهُم حَقهم ، وإن أراد المورث أن يهب لهم شيئاً ويوصي لهم مما ترك جاز له ذلك ، فالله تعالى عندما يقول (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) إنما كان يشير لهذا ، فإن قسمة الميراث إنما تحصل بعد إخراج الوصية والدين وليس قبله ، فإن ربُّ المال أولى بماله وقسمته بالمعروف وصية لمن شاء ، فإن مات ولم يوصِ قُسِم ميراثه بالمعروف بعد سداد دينه ، فإن كان قد أوصى لغيروارث ولم يراعي في ذلك معروفاً كان إثم ذلك عليه.
فكانت آية الوصية إجمالاً وآية المواريث تفصيلاً لها لا تعارض بينهما البتة ، ولعلنا في هذا الباب نورد ما جاء في تفسير المنار من احتجاج وجيه يقول فيه رحمه الله:
قال البيضاوي : وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله عليه السلام : ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ) وفيه نظر ; لأن آية المواريث لا تعارضه ، بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقا ، والحديث من الآحاد ، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر ا هـ . أي والظني من الحديث لا ينسخ القطعي منه فكيف ينسخ القرآن وكله قطعي ؟ وقد زاد الأستاذ الإمام عليه القول بأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا ، وبأن السياق ينافي النسخ ; فإن الله تعالى إذا شرع للناس حكما وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقا على المتقين ، ومن وعيد من بدله ، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في [ ص: 110 ] آية المواريث مخصوصة بغير الوارث ، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين ، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما ، وقد أوصى الله تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) ( 29 : 8 ) الآية ، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر لله ولهما ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ) ( 31 : 15 ) الآية .
أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير ( قال ) : وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيا والبعض الآخر فقيرا . مثال ذلك أن يطلق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيبها من التركة لا يكفيها ، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته - إن لم يكن له ولد - عاجزا عن الكسب فنحن نرى أن الحكيم الخبير اللطيف بعباده الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه لا يحتم أن يساوي الغني الفقير ، والقادر على الكسب من يعجز عنه ، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة ، كما أنهم سواء في القرابة ، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدما على أمر الإرث ، أو يجعل نفاذ هذا مشروطا بنفاذ ذلك قبله ، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم ; لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانا ، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) ( 4 : 12 ) فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .

أقول : ورأيت الألوسي نقل عن بعض فقهاء الحنفية أن آية الإرث نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق ، وأن الله تعالى رتب الميراث على وصية منكرة ، والوصية الأولى كانت معهودة ، فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبه على المعهود ، فلما لم يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة ; لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ ، كما أن التقييد بعد الإطلاق نسخ ا هـ .
فأما دعواه الاتفاق في التقدم والتأخر فلا دليل عليها ، وأما تأويله فظاهر البطلان ، وقاعدة الإطلاق والتقييد إن سلمت لا تؤخذ على إطلاقها ; لأن شرع الوصية على الإطلاق لا ينافي شرع الوصية لصنف مخصوص ، ونظير هذا الأمر بمواساة الفقراء مطلقا ، والأمر بمواساة الضعفاء والمرضى منهم لا يتعارضان ، ولا يصح أن يكون الثاني منهما مبطلا للأول ، إلا إذا وجد في العبارة ما ينفي ذلك ، وما في الآيتين ليس من قبيل تعارض [ ص: 111 ] المطلق والمقيد ، وإنما آية الوصية خاصة ، وذكر الوصية منكرة في آية الإرث يفيد الإطلاق الذي يشمل ذلك الخاص وغيره ، فإن سلمنا لذلك الحنفي أن آية الميراث متأخرة ، فلا نسلم له أنه كان يجب أن تذكر فيها الوصية بالتعريف لتدل على الوصية المعهودة ; إذ لو رتب الإرث على الوصية المعهودة لما جازت الوصية لغير الوالدين والأقربين ، ولو كان الأسلوب العربي يقتضي ما قاله لما قال علي وابن عباس وغيرهما من السلف بالوصية للوالدين والأقربين على ما تقدم ، وقد نقل ذلك الألوسي نفسه بعد ما تقدم عنه ، ولكنه سمى التخصيص نسخا ، فنقل عن ابن عباس أنها خاصة بمن لا يرث من الوالدين والأقربين ، كأن يكون الوالدان كافرين . قال وروي عن علي كرم الله وجهه : من لم يوص عند موته لذوي قرابته - ممن لم يرث - فقد ختم عمله بمعصيته . ثم ذكر أن الأكثرين قالوا بأن هذه الوصية مستحبة لا واجبة ، وسمى هذا كغيره نسخا للوجوب . ولنا أن نقول إن أكثر علماء الأمة وأئمة السلف يقولون إن هذه الوصية المذكورة في الآية مشروعة ، ولكن منهم من يقول بعمومها ، ومنهم من يقول إنها خاصة بغير الوارث ، فحكمها إذا لم يبطل . فما هذا الحرص على إثبات نسخها ، مع تأكيد الله تعالى إياها والوعيد على تبديلها ؟ إن هذا إلا تأثير التقليد .
فقد عُلم مما تقدم أن آية المواريث لا تعارض آية الوصية ، فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها . وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخا ، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندا ، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس . وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه ، وإنما حسنه الترمذي ; لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين ، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة . وحديث ابن عباس معلول ; إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخرساني ، وهو لم يسمع من ابن عباس ، وقيل عطاء بن أبي رباح ، فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه ، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس ، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه ، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة ، والذي صححها هو الترمذي ، وهو من المتساهلين في التصحيح ، وقد علمت أن البخاري ومسلما لم يرضياها ; فهل يقال إن حديثا كهذا تلقته الأمة بالقبول ؟ انتهى كلامه رحمه الله.
الآية التالية تتوعد المبطلين:
أقول إن إبطال الحكم يخبر عنه وجه لافت في الآية اللاحقة فيقول تعالى:
[ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ] - البقرة 181
فمن بدل بالوصية (كحكم) في الآية السابقة بعدما سمعه في كتاب الله فإنما إثمه على الذين يبدلونه ، فالناسخون مبطلون مبدلون لحكم الله ، فالضمير المتجه إلى الحكم أوجه من الإشارة للوصية ، إذ أن الإشارة للوصية تقتضي أن يرد في الآية التالية قوله ( فمن بدلها من بعد ما سمعها) أي الوصية ولكنه قال ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ) أي الحكم والأمر في هذه السورة ، والقائلون بالنسخ يبدلونه بآية النساء ويبطلون الحكم بغير وجه حق ولا دليل ولا هدىً ولا كتاب منير.
وأعجب من كل موضع يقال فيه بالنسخ والإبطال فلا بد أن تجد دلائل بطلان القول في نسق الآيات وسياقها في دلالة إيمانية إعجازية عظيمة ترد بذاتها لمن ألقى السمع ، وأما من أبى فنسأل الله له الهداية قبل أن يحرم من الانتفاع بِتوبةٍ ورجوع.
 
عودة
أعلى