كيف نقل القرآن باللسان العربي ما قيل بغير العربية!؟

أبو عبد المعز

Active member
إنضم
20/04/2003
المشاركات
732
مستوى التفاعل
43
النقاط
28
كيف نقل القرآن باللسان العربي ما قيل بغير العربية!؟

1-

الصدق في نقل الحدث ( أو الواقعة أو المشهد) لا إشكال فيه، فإذا تطابق القول السارد- الواصف مع الواقع بدون زيادة ولا نقصان فهو صادق، وتتفاوت درجة الصدق بحسب درجة المطابقة فيكون مؤرخ أصدق من مؤرخ وواصف أدق من واصف...لكن الإشكال – كل الإشكال- في نقل القول وترجمته من لغة إلى لغة أخرى، فمتى يكون المترجم صادقا ؟ فإذا قلت ينظر في معيار المطابقة - كما في نقل الحدث- قلنا للقول ثلاث مستويات على الأقل فعلى أي مستوى يختبر معيار المطابقة؟ فهل الصدق في المطابقة مع:

1- ما يريد المتكلم قوله

أو مع:

2- ما قاله المتكلم بالفعل

أو مع:

3- ما فهمه المتلقي مما قاله المتكلم بالفعل.

وهذه المستويات لا تتحد ولا تتماهى:

فقد يريد المتكلم أن يقول شيئا ف"يخونه التعبير"،

وقد يفهم المتلقي شيئا ف"يسيء الفهم"...

ومن ثم يستشكل الأمر الذي ينبغي أن ينسب للمتكلم : آلنية الباطنة ،أم التعبير الظاهر،أم ما يفهم من قوله الظاهر؟

2-

لقد نقل التنزيل باللسان العربي المبين أقوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم... وهي أقوال وقعت بغير اللسان العربي، فهل نقل التنزيل مراد المتكلم ،أم دلالات الملفوظ في لغة المتكلم، أم تأويل السامع ؟

فعندما نقل القرآن – مثلا- قول فرعون :" أنا ربكم الأعلى " فهل كانت نية الفرعون ادعاء الربوبية حقا ،أم المبالغة فقط ، وهل فهم عنه قومه الأول أم الثانية!!

وعندما سيمدح شاعر مسلم(!) (ابن هانئ الأندلسي) ولي أمره الفاطمي فقال:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ

فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

فهل يحكم على هذا المادح بالكفروالزندقة أم يعتذر له بأن قوله شعر، والشعراء يعتقدون ما لا يقولون ، ويقولون ما لا يفعلون ، ويبالغون في القول حتى أضحت المبالغة تقليدا شعريا لا يتصور الشعر بدونه فقالوا : أعذب الشعر أكذبه!

هل نتلقى قول هذا الشاعرعلى منهج البلغاء "الجمالي" فنقول هو مدح فقط وظف فيه الشاعرصورة جمالية من جنس ( الإيغال)!

أم نتلقاه على نهج الفقهاء" الأخلاقي" فنطالب بـتنفيذ حكم الردة على هذا الزنديق!

لاحظ ، إذن، كيف يُختلف في تلقي كلام في لغة واحدة ، فكيف لو كان الكلام مترجما إلى لغة أخرى مختلفة في نظام الترميز ورؤية العالم؟

لنعد إلى السؤال الأصلي:

أي مستوى من القول أورده التنزيل؟

لاشك -عندي- أن المنقول إلى قراء القرآن هو القول الأصلي أي قول القلب قبل أن يعبر عنه قول اللسان، ذلك لأن رب العالمين لا يؤاخذ الإنسان بلغو اللسان، ولكن يؤاخذه بما تجذر في قلبه:

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة : 225]

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة : 89]

وقول القلب أولى أن ينسب إلى المرء من قول اللسان ، لأن قول القلب مقصود لصاحبه بالضرورة ،أما قول اللسان فقد لا يقصد بعضه فيقول مثلا:" لم أعن هذا الذي فهمت ولكن عنيت شيئا آخر" أو يقول:" أردت هذا وخانني التعبير ففهم عني غيره "

على كل حال كان القرآن بصدد الترجمة : فإما أن يترجم ما سمعه الناس من كلام المتكلم بلسانهم، أو ما وقر في قلب المتكلم قبل الكلام، وهذا لا سبيل لمعرفته ، أما رب العالمين فيعلم السر وأخفى وكلامه أصدق كلام لا يأتيه الباطل من أي جهة كانت ، ومن ثم كان الصدق أقوى في نسبة قول القلب للمتكلم من نسبة لفظ اللسان له...ومعلوم أن الصدق هو مطابقة القول للواقع ، وههنا واقعان: ما وقع في الخارج، وما وقع في القلب... ولعل الصدق في المطابقة مع القلب أولى لأولوية الوجود على الظهور.

وهكذا يكتسب التنزيل ميزة لا توجد في غيره قطعا...فنحن - قراء القرآن- حظنا من فهم قول فرعون الذي قاله بالمصرية للمصريين أعظم من حظ المصريين أنفسهم الذين حضروه وسمعوه، لأن الله أسمعنا ما تكلم به قلب فرعون في حين لم يسمع المصريون إلا ما نطق به لسانه!
 
قلنا إن ترجمة القرآن لتلك الأقوال غير العربية كانت مطابقة تماما للمعاني الأصلية ولنوايا المتكلمين، لكن ههنا سؤال : هل كان القرآن يراعي الخصوصية الأسلوبية لتلك اللغات فيلمح إليها في عبارته العربية؟

ما دعاني لهذا الافتراض هي ملاحظة سمة أسلوبية في سورة (الجن):

في الشق الأول من السورة نقل القرآن ما قاله الجن عند استماعهم للقرآن وكانت معاني أقوالهم متنوعة تتعلق بموضوعات مختلفة لكن تلك الأقوال جاءت كلها مسورة ب (إن) بحيث تشكل ثابتة أسلوبية في كل العبارات والفقرات:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا:

- إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)

- وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3)

- وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4)

- وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5)

- وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)

- وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)

- وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

- وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)

- وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)

- وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)

- وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12)

- وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)

- وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ

(هنا ينتهي كلام الجن والراجح أن خاتمة الآية 14 وما بعدها ليس حكاية عن كلامهم بقرينة ورود الفعل المسند إلى ضمير الجمع المعظم لله لَأَسْقَيْنَاهُمْ- لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ...)

هذه النمطية المطردة في التعبير (وإنا...وإنه..وأنهم....) هل جاء بها القرآن ليحاكي سمة أسلوبية في لغة الجن؟!
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله تعالى خيرا الموضوع جيد ويذكرنا
بتحدي الله تعالى جميع خلقه من يوم نزول كتابه إلى يوم القيامة أن يأتوا ب آية حياكم الله تعالى
 
السلام عليكم، الأخ عبد المعز أعزه الله دائما مبدع في طرحه كما عودنا سواء اتفقنا معه أم اختلفنا والموضوع شيق والأسلوب سلس وجذاب لكن العنوان غير مناسب فهو لا يفي الموضوع حقه. ولله الحمد الموضوع فتح لي آفاق بحثية جديدة ففهمت غير ما قلت أو بعبارة أكثر دقة فهمت أبصرت أبعد مما ذكرت فجزاكم الله عنا خير الجزاء، ولنعد لموضوعنا والعود أحمد طرحك مقنع لكن قلبي يأبى التسليم ويستحسن -على قولة الفقهاء- أن علام الغيوب يعزو القول لصاحبه عندما يتطابق اللفظ مع القصد، ويتصرف عند المخالفة هذا ما اطمئن له قلبي لكن حاليا ليس لدي دليل ولا وقت لي للبحث لكن أثير الموضوع لعل من يشاركني الرأي يكون أبلغ مني أو ربما المخالف يقيم الحجة علي فيطمئن القلب.
 
(هذا استطراد خفيف بمناسبة مداخلة الأستاذين الكريمين نفع الله بهما)



اعلم أن الترجمة التامة الصادقة محال ، بل إن الترادف نفسه في اللغة الواحدة غير ممكن ، لأن لكل كلمة دلالات إيحائية لا توجد في الكلمة التي يفترض أنها مرادفة لها ، وهذه الدلالات الإيحائية الخاصة تكتسبها الكلمة تدريجيا من خلال جرسها ومن خلال استعمالها في ظروف وبيئات وطوائف معينة ، فتتشرب معاني إضافية تكون أجنبية عن مرادفها في الأصل . مثل ذلك كمثل مواليد بني آدم لا تكاد تجد اختلافا بين المولودين عند خروجهما توا من البطن لكن وتيرة الاختلاف ستتسارع مع النمو والتأقلم في البيئات المختلفة...

ولأمر ما كان أول نهي في القرآن للذين آمنوا يتعلق بمسألة الترادف:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة : 104]

المؤمنون المخاطبون يعتبرون بالعرف والسليقة أن "رَاعِنَا" مرادف ل"انْظُرْنَا"، فلا حرج من استعمال أحدهما مكان الآخر، لكن رب العالمين نبههم إلى الاختلاف الكبير في الدلالات الإيحائية التي قد تصل إلى درجة التضاد ، فتكون "انْظُرْنَا" عنوانا للإيمان و "رَاعِنَا" عنوانا الكفر:

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء : 46]

فجعلت الآية العلاقة بين (عصينا) و(أطعنا) - وهما متضادان في العرف اللغوي- كالعلاقة بين (راعنا) و(انظرنا) – وهما مترادفان في العرف نفسه- !!

إذا كان الترادف غير ممكن في مجال لغة واحدة فكيف يمكن أن يوجد بين لغتين مختلفتين تحت اسم الترجمة!

هذه الاستحالة أساسها اختصاص كل كلمة بدلالاتها الإيحائية ، وقد قسم علماء اللغة المحدثون الدلالة إلى نوعين : dénotation -connotation.

يريدون بالأولى (dénotation )الدلالة المعجمية المشتركة في الاستعمال ، وقد ترجمت الى العربية بمصطلحات منها : التعيين/ الدلالة الذاتية/ الدلالة الصريحة/ الدلالة العيْنيّة/ المعنى الحقيقي/ الخ...

ويريدون بالثانية (connotation ) مجموعة عناصرالدلالة الي تنضاف إلى المعنى الحرفي أو المعجمي وهي في الغالب معان نفسية حدسية تخييلية قد توجد في القاموس وقد لا توجد...وقد ترجم هذا المصطلح إلى العربية بمصطلحات كثيرة منها : دلالة إيحائية/ معاني متداعية/دلالة ضمنية/دلالة حافّة / دلالة مصاحبة مستقلة/ الخ...

وأكبر طموح للمترجم أن يقدم المعادل التقريبي في إطار المعنى المعجمي الحرفي أما المعاني الإيحائية فلا سبيل له إليها...وهذا مثال للبيان:

إذا ترجم الفرنسي كلمة "ظل" العربية فسيقترح الكلمة المتوقعة ombre"" لكن شتان بين الدلالة الإيحائية للكلمتين في اللغتين بل لو قلت هما متضادتان لما أبعدت!

فالعربي بحكم انتمائه للصحراء يستقبل كلمة "ظل" بكل انبساط وبكل ابتهاج فتجده يرتاح لسماعها ويستحضر التفيؤ ومتعة القيلولة تحت شجرة بعد رحلة في لهب الصحراء...والقرآن المعجز في البلاغة ذكر من نعيم أهل الجنة في كثيرمن المواضع الظل والظلال، مع أن الجنة لا شمس فيها ولا زمهرير، لكن القرآن يريد الدلالات الإيحائية التي يفهمها العربي من الكلمة ليشوقه إلى الجنة!

لكن كلمة "ombre" لا يستقبلها الفرنسي إلا بالانقباض والامتعاض، فهذه الكلمة -التي تخفف من حرارة الشمس عند العربي الصحراوي – تمنع الدفء من الوصول إلى الفرنسي ،ذلك الفرنسي الذي يحيا في بيئة باردة يشتاق فيها طوال السنة إلى شعاع الشمس، فلا يوحي له الظل إلا بالابتعاد عن المحبوب ،ومن ثم تجد في الفرنسية استعمال معنى الظل في أجواء منقبضة: فالظل هو السواد والكذب والاختفاء و"رجل الظل" عندهم لا يتفيؤ كالعربي بل يختفي ليمكر ويتآمر فلا يغبط بل يحذر منه!!

فهل الظل العربي يرادف الظل الفرنسي أم يقابله!؟

ولصعوبة ترجمة الدلالات الإيحائية شاعت عندهم مقولة :" الترجمة خيانة" وهذه الخيانة ليست مقصودة بل هي لازمة للمترجم شاء أم لم يشأ...ومن الطريف أن المقولة أصلها إيطالي "Traduttore, traditore" فلوأننا أسمعنا الإيطالي ترجمتنا مقولتهم بالعبارة العربية: " الترجمة خيانة"... لقال هذا دليل إضافي على صدق مقولتنا ،ففي ترجمتكم خيانة ملموسة ، ألم تروا أنكم تجاهلتم الجناس والسجع الموجودين في عبارتنا، إن واضع العبارة باللغة الإيطالية كان عبقريا فقد كان يعلم حق اليقين أن الترجمة والخيانة متلازمتان ، ولذلك ابتكر مفردتين متجانستين في اللفظ ليشير إلى تجانسهما في المعنى ، فالجناس إن كان عندكم محسنا لفظيا فقط فهو عندنا – هنا- جوهري في الدلالة، لقد خنتم المتكلم الإيطالي عندما نبذتم في ترجمتكم جناسه!!!

هنا إذن ثلاث مستويات متدرجة في التشكيك - وربما في الاستحالة-:

- الترادف في اللغة الواحدة

- مستوى الترجمة العامة من لغة إلى لغة

- مستوى الترجمة الخاصة للقول الشخصي من لغة إلى لغة....

ولنا إضافات إلى الموضوع بحول الله....
 
جعلنا ترجمة القول في أعلى سلم الصعوبة وأدنى مراتب الصدق بسب عقبتين أو عقدتين:

- العقبة الأولى تتعلق بالمتكلم نسميها "عقدة الترميز" أي تحويل الحدس والإحساس والفكرة إلى ألفاظ، وهذه العقدة ندركها بالوجدان ( يجدها كل واحد منا في نفسه ) ولا تحتاج إلى استدلال أو بيان فكم قلنا في مناسبات شتى :"هذا يعجز اللسان عن التعبير عنه" أو لا أجد اللفظ المناسب" أو كنت أريد قول هذا لكنها زلة اللسان"...!!وغيرها من الخواطر والعبارات التي تدل على معاناة ابن آدم مع عقبة الترميز.

-العقبة الثانية تتعلق بالمتلقي ونسميها عقدة "فك الترميز" وهي عملية عكسية تحول اللفظ إلى الحدس والإحساس والفكرة ، وهذه أصعب من الأولى في تحقيق الصدق ...فلو قال لك المتكلم بابتهاج :"تفاحة"! بل لو صورها لك على ورقة أو شريط فستفهم معنى التفاحة بلا ريب ولكن كيف ستدرك أهم ما فيها وهو مذاقها الذي أبهج مخاطبك!!

هذا والقول في لغة واحدة مشتركة بين المتكلم والمخاطب ، أما عند الترجمة فستتضاعف العقبات بزيادة عقبة الترميز في اللغة الجديدة وعقبة فك الترميزعند متلقي ترجمة القول..

لهذه الاعتبارات كلها قلنا إن القرآن العظيم ينقل نوايا المتكلم بالترميز العربي وهذا يستجيب لثابتين من ثوابت القرآن :

1- القرآن لا ياتيه الباطل أبدا لا من بين يديه ولا من خلفه..

2- القرآن عربي أمرنا بتدبره ، ولا يفسر ولا يتدبر إلا بقوانين اللسان العربي فكل معنى لا تقبله العربية فهو ليس من القرآن...

ولعل في هذا التوجيه ردا على ما قد يستشكله بعض الناس :فقد يقال قول فرعون" أنا ربكم الأعلى" هو قول لفرعون قطعا، وهو موجود في القرآن ، والقرآن كله كلام الله قطعا ليس فيه حرف واحد من كلام البشر، فكيف يكون القول الواحد منسوبا لفرعون ولله في وقت واحد...الجواب : المنسوب إلى فرعون هو القصد والمعنى النفسي أما الترميز العربي فهو لله وحده، فيكون قول واحد منظورا إليه باعتبارين...فمن المؤكد أن ما قاله فرعون كان قد قاله باللسان المصري وحكاه(أو حاكاه) القرآن باللفظ العربي ، فالمقولة كفرية لكن عبارتها قرآن عربي لا يجوز دوسها بالأقدام ،ولا القاؤها في مكان قذر، ولقارئها على كل حرف منها عشر حسنات! :

(من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ (الـم) حرفٌ ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ

الألباني | المصدر : صحيح الترمذي.)

ومن الطريف أن نلغز فنقول:

أي آية أو جزء آية يلعن قائلها ولقارئها عشرات الحسنات!!

فرعون قال كفره باللغة المصرية ، ونقله عالم الغيب والشهادة بالعربية ، فأصبح قرآنا يتلى ويتدبر، وكل الدلالات الصحيحة التي يلمحها المتدبر سواء الذاتية منها أوالإيحائية فهي مقصودة وصادقة ، فرب العالمين اطلع على قلب فرعون وقصده أولا، ثم بينه الله بالعربية ،وهو أعلم بكل دلالات الترجمة العربية ، فمن تدبر وأدرك بعضها فقد ازاد توغلا في معرفة الواقع أي قصد الفرعون.
 
لننظر الآن في نقل رب العلمين لكلام كليمه موسى -عليه السلام- في سورة (طه):

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)

كانت الفاصلة قبل كلام موسى مقصورة – والألف المقصورة هي الفاصلة المهيمنة في سورة طه - فآخر أية قبل كلام موسى هي:

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)

وبعد نهاية كلامه عادت الفاصلة المعتادة :

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)

أما كلام موسى فكانت فواصله مختلفة...

(ولنا هنا وقفة ننبه فيها على أمر غفل عنه المفسرون ، فجلهم اعتبروا الفاصلة في القرآن مجرد وجه صوتي إيقاعي غايته تحسين الجرس ، ونحن نرى أن فاصلة القرآن أجل من ذلك بكثير، فقد جعلها القرآن مؤشرا صوتيا ظاهرا يدركه العامة والخاصة ليكون موجها للأذهان في سبيل تدبر المعنى، لقد يسر الله الذكر للمتدبرين، ومن وجوه التيسير نصب علامات التوجيه الظاهرة، ومنها الفاصلة ، فإذا اشتركت سورتان مثلا في الفاصلة يجب السؤال: لماذا؟ وإذا تغيرت الفاصلة في السورة يجب السؤال: لماذا ؟وإذا عادت من جديد يجب السؤال: لماذا؟ وأنا زعيم أنه ستنفتح أمام المتدبر آفاق لم يكن لتخطر له ببال)

نقل القرآن كلام موسى في 11 آية ، ويلحظ فيه اختلافا بينا في الجرس والتركيب عن بقية آيات سورة (طه):

فواصل كلام موسى مختلفة ، وجملها خفيفة وقصيرة جدا ...فقد أحصيت (إحصاء تقريبيا) في كلام موسى 35 كلمة فقط وذلك في 11 آية، بينما في الآيات الإحدى عشرة قبلها أكثرمن 80 كلمة ، وفي الآيات الإحدى عشرة بعدها أكثر من مئة كلمة..

فهل يدل هذا على ما قاله أهل التفسيرمن أن موسى - عليه السلام- كان عنده ثقل لسان وعجمة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (طه:27) ، وبعض الآيات القرآنية الأخرى مثل قول الله تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (القصص: 34)

فيكون اختيار موسى للجمل القصيرة سبيلا لتفادي التلعثم في كلامه واحترازا من تكليف لسانه ما يعسر عليه...!

ويكون القرآن قد نقل بدقة اعجازية كلام موسى...!

فإذا نقل القرآن خاصية تلفظية لموسى فلعله نقل معها أيضا خصائص اللغة المصرية القديمة إذا كان موسى تكلم بها ، كما يمكن لمن تتبع كلام عيسى - عليه السلام-في القرآن وحلله بدقة أن يجد فيها خصائص اللغة الآرامية التي تكلم بها....الأمر متروك لأهل البلاغة والاختصاص في اللغات القديمة من العبرية والمصرية والآرامية..
 
عودة
أعلى