فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين

إنضم
03/01/2021
المشاركات
671
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين (من تجارب الشيخ )​


الإنسان كلما كمل في عقله, استفاد من تجارب غيره, فصاحب التجربة قد يكون عنده علم ومعرفة في أمرٍ من الأمور أكثر من المتخصص فيه, وتجارب الآخرين زاد لكل من يريد أن يزيد في معرفته وعلمه.​


والإنسان يستفيد من كل من سبقه في شيءٍ, ولو كان عدوه, فالرسول عليه الصلاة والسلام استدل بفعل فارس والروم في عدم النهي عن الغِيلة, فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن جذامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: ( لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك, فلا يضر أولادهم ) [أخرجه مسلم] والغِيلة: وطء المُرضع, قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: في هذه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يستدل بفعل الكفار في الأمور العادية والطبيعية, وما أشبه ذلك, وأن التأسي بهم والنظر في حالهم في مثل هذه الأمور لا بأس بها, لأن هذا ليس من أزيائهم, وليس من حُلاَهم, كما نأخذ مثلاً بما عندهم من علم الطب وغيره, فهذا مثله.​


ومن كان عنده تجارب فينبغي أن يقدمها لغيره ليستفيدوا منها, فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام عندما مر به نبينا محمد صلى الله وسلم في حادثة الإسراء والمعراج, بعد أن فرض الله جل جلاله علي أمته خمسين صلاة, سأله عليه السلام: ما فرض الله على أمتك؟ فأجابه عليه السلام: فَرَضَ خمسين صلاة, فقال له موسى عليه السلام: إني قد جربتُ الناس قبلك, وإني عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة, وإن أمتك لن يطيقوا ذلك, فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنه.​


فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام أخبر بتجربته مع بني إسرائيل, وخليل الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام استفاد من تلك التجربة, وسأل الله الكريم التخفيف عن أمته في عدد الصلوات المفروضة كل يوم حتى صارت خمس صلوات, فجزاهما الله خير الجزاء, ففعلهما كان من باب الشفقة والرحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.​


فالحري بكل مسلم أن يقدم تجاربه لغيره, وعلى من بُذلت له أن يقلبها ويعمل بها ما كانت تجربة نافعة, تجلب خيراً, أو تدفع شراً.​


والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى له تجارب في طلب العلم, وفي التعامل مع الناس, وفي غيرها من شئون الحياة, وهو كعادته رحمه الله لا يترك فرصة تأتي فيها مناسبة إلا ويذكر فيها ما ينفع إخوانه المسلمين, ومن ذلك: أنه كان يذكر رحمه الله تجاربه وما مرّ عليه من تجارب, إذا جاءت مناسبة لذلك في دروسه ومحاضراته, لكي يستفيد منها غيره, وهو يؤكد على ما يذكر من تجارب بقوله: نحن جربنا بأنفسنا, وهذا شيء مجرب, وجرب تجد.​


وقد يسّر الله الكريم جمع شيءٍ منها, أسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها وناشرها.​




القرآن الكريم شفاء للأمراض الحسية ولعسر الولادة​


قال الشيخ رحمه الله: القرآن شفاء للأجسام دعنا من أمراض القلوب فهي أمراض خفية تُداوى بهذا الوحي العظيم لكن حتى الأمراض الحسِّيَّة فإنها تُداوى بهذا الوحي العظيم.​


نزل قوم بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في سرية على قوم من الناس, ولكن هؤلاء الذين نزلوا بهم لم يضيقوهم, فتنحى الصحابة ناحية, فبعث الله عقرباً شديدة اللسع, فلدغت سيدهم فتعب منها, فطلبوا راقياً ليرقيه, فقالوا: لعل مع هؤلاء القوم راقياً, فجاءوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدغ فهل عندكم من راقٍ؟ قالوا: نعم, عندنا من يرقي, ولكن هل لديكم من جعل؟ أي: عوض, قالوا: نعم, لكم هذا القطيع من الغنم, أنجوا صاحبنا, فذهب أحد القوم, وجعل يقرأ على هذا اللديغ بفاتحة الكتاب: {الحمد لله رب العالمين} قرأها عليه فقام حتى كأنما نُشِطَ من عقالٍ, يعني: كأنه بعير فُكَّ عقالُه, أي انبعث نشيطاً لقراءة الفاتحة عليه....​


وهذا شيء مُجرَّب, ولكن لا ينفع إلا من آمن بذلك من قارئ ومقروءٍ عليه, فإذا كان القارئ مؤمناً والمقروء عليه مؤمناً بفائدة هذا القرآن, انتفع به المريض, أما إذا كان يقرأ على سبيل الشَّكِّ والتجربة, فإنه لا ينفع.​


القرآن شفاء حتى للإمراض الحسية, كما في هذا المثال, وكما جُرِّب أن يكتب على الحزا –قروح وبثرات تظهرُ في القدم أو في اليد أو في الذراع– يُكتبُ عليها {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} [البقرة:266] إذا كتبت هذه الآية عليها مرة أو مرتين, زالت – بإذن الله- نهائياً, ولو وضعت عليها كل دواء من الأدوية المعروفة ما نفع, لكن اكتب عليها هذه الآية تزُل, وهذا شيء مُجرَّب.




في عسر الولادة تعسر الولادة على المرأة أحياناً, اقرأ في ماء, أو اكتب بزعفران على جدران الإناء الآيات التي فيها أن الله سبحانه وتعالى مُعتن بالحمل, مثل: {الله يعلم ما تحمل كل أُنثى وما تغيض الأرحامُ وما تزاد وكُلُّ شيءٍ عنده بمقدار} [الرعد:8] ومثل: {وما تحمل من أُنثى ولا تضعُ إلا بعلمه} [فاطر:11] ومثل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة:1-2] وما أشبه ذلك من الآيات, ثم تشربها المرأة التي عسُرت ولادتها, وتمسح ما حول المكان, وبإذن الله يسهُل خُروج الحمل, لكن كما قلت: المسألة تحتاجُ إلى إيمان من القارئ والمقروء عليه.​


قال جامعه: لا يستغرب ما قاله الشيخ رحمه الله من أن القرآن الكريم كلام رب العالمين شفاء للأمراض الحسية, قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه, وقال: شفاء القرآن لا يُناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية.​


وقد أورد ابن القيم في كتابه القيم " زاد المعاد في هدى خير العباد " في الجزء الرابع صفحة: 357, من الطبعة الرابعة عشر لمؤسسة الرسالة آثاراً عن بعض السلف أنهم يكتبون آيات من القرآن لعسر الولادة.​




طلب حكم مسألة من المسائل​


قال الشيخ رحمه الله: والعجيب أني أحياناً وهذا عن نفسي أطلب حُكم مسألةٍ من المسائل, فيما عندي من كتب الفقهاء, وفيما أعرفه من السنة, ولا أجدها, ثم أتأمل في آية من القرآن توحي بحكم هذه المسألة, فإذا تأملت وجدت الحكم في القرآن, فيطمئن الإنسان إلى القرآن {تبياناً لكُل شيءٍ} وهداية لكل حائر, وقال في [فتا:26/416]: نحن جربنا بأنفسنا فأحياناً تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجدها لها حكماً, ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم , وجدناه قريبة يتناولها اللفظ بعمومه, أم بمفهومه, أو بإشارته, أو بلازمة, أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة.​




حبس النفس على طلب العلم​


قال الشيخ رحمه الله في: العلم يحتاج إلى تعب...الذي يريد أن يستريح لا يقول: إنه طالب علم, فلا بد لطالب العلم أن يكون طالب علم على سبيل الحقيقة, وسيجد أثر ذلك فيما بعد, سيجد النتيجة والتحصيل, وهو قد يشق عليه في أول الأمر أن يحبس نفسه على العلم, لكن إذا اعتاد حبس نفسه على العلم صار ذلك سجية له وطبيعة له, حتى إنه إذا فقد ذلك الحبس انحبس, وجرِّب تَجِد, فأنا قد جربت وغيري قد جرب, فإذا حبست نفسك على العلم فإنك تفقد ذلك الحبس لو تأخرت عنه...فالله الله على الحرص على طلب العلم...الذي يريد العلم لا بُدَّ أن يُكبَّ عليه وأن يجتهد, وهو وأن أتعب جسمه الآن سيجد الراحة فيما بعد.​




قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله​


قال الشيخ رحمه الله: أنا أنصح إخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم..وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبدالرحمن بن سعدي لأنه رحمه الله انتفع بكتب الشيخين انتفاعاً كبيراً, ونحن انتفعنا بهما والحمد لله, فنشير على كل طالب علم أن يقرأهما وينتفع بهما.​




أبرك العلم ما كان في المساجد​


قال الشيخ رحمه الله: العلم لا يقتصر طلبه في الحضور إلى الكليات ودراسة موادها, بل إن من أبرك العلم تحصيلاً وتأثيراً في النفس وفي العمل والمنهج هو ما يحصل في المساجد, فما أبرك علم المساجد لأن المساجد فيها خير وبركة, ولذلك أنا أقول لكم عن نفسي: إن العلم الحقيقي الذي أدركته هو العلم الذي قرأته على المشايخ, وإن كنت استفدت من الجامعة في فنون أخرى, لكن العلم الراسخ المبارك هو ما يدركه الإنسان عند المشايخ...ولذلك أنا أحثُّ الطلاب على ألا يقتصروا على مواد الجامعة إذا كان لديهم وقت وقدرة.​






أهمية معرفة الأصول والقواعد والضوابط​


قال الشيخ رحمه الله: لا بد من معرفة الأصول والقواعد, ومن لم يعرف الأصول حرم الوصول, وكثير من طلبة العلم تجده بحفظ مسائل كثيرة, لكن ليس عنده أصل, لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاً, لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله, ولهذا فأنا أحثُّ إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة, وهذا شيء جربناه, وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم​




الخير في كلام السابقين​


قال الشيخ رحمه الله: من خلال طلبي للعلم وجدت كل الخير في كلام من سلف, ولهذا تجد العلماء السابقين يتكلم أحدهم بنحو سطرين أو ثلاثة فتحصل منها على خير كثير.​




أهمية الحفظ​


قال الشيخ رحمه الله: قد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا, فقالوا لنا: " إن الحفظ لا فائدة فيه, وأن المعنى هو الأصل, ولكن الحمد الله أنه أنقذنا من هذه الفكرة, وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد, وعلى هذا فلا يستهان بالحفظ, فالحفظ هو الأصل, ولعل أحداً منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة, فالحفظ مهم لطالب العلم, حتى وإن كان فيه صعوبة.​


وقال رحمه الله: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن.. ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الأولى: سهولة الحفظ, الفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه.​




ترتيب الوقت​


قال الشيخ رحمه الله: عدم ترتيب الإنسان لوقته مضيعة, ولهذا أنا أدعو الجميع أن يجعلوا أوقاتهم مرتبة, ومعنى مرتبة يعني مثلاً أن تقول: اليوم عملي كذا, وفي الصباح عملي كذا, وفي المساء عملي كذا, حتى لا تضيع عليك الأوقات...وأنا جربت هذا وهذا, جربت على أني كلما طرأ عليَّ شيء فعلته, أو أني أرتب وقتي, فوجدت أن الأخير أحسن وأنفع ويستفيد الإنسان من الوقت​




الذنب قد يكون سبباً لصقل القلب وتطهيره​


قال الشيخ رحمه الله: الإنسان قد يكون الذنب له بمنزلة صقل الثوب وغسله, حيث يخجل من الله عز وجل, ويرى الذنب أمام عينيه, ويجد نفسه مستحيياً من الله تبارك وتعالى فينيب إليه, ويزداد رغبة في الوصول إلى مرضاته..وجرب هذا تجد, إذ أذنبت ذنباً وجدت نفسك منكسرة منهزمة أمام الله عز وجل فتكثر من العمل الصالح وتزاد رغبة فيما عند الله عز وجل, فيكون هذا الذنب سبباً لصقل القلب وتطهيره, ويكون الإنسان بعد التوبة خيراً منه قبل التوبة.​




الاستغفار من أسباب إصابة الصواب​


قال الشيخ رحمه الله: الاستغفار من أسباب إصابة الصواب بدليل قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} [سورة النساء/105-106] ولهذا فإن بعض أهل العلم إذا عرضت عليه مسألة من المسائل استغفر الله قبل أن يفتى فيها لأن المعاصي تحول بين العبد والتوفيق فإذا استغفر الإنسان ربه بقلب صادق زال هذا المانعُ, وجرِّب تَجِد




إحياء الوقت بالدعاء عند قراءة آية وعد أو وعيد​


قال الشيخ رحمه الله: أقرا القرآن ولا شك سيمُر بك في القرآن آياتُ وعيدٍ وآيات وعدٍ وآيات ترغيبٍ وآيات ترهيبٍ وكُلما مرت بك آيةُ وعدٍ أو ثوابٍ ادعُ الله وكلما مر بك آيةُ وعيدٍ وترهيبٍ استعذ بالله وبهذا تحيي الوقت بذكرٍ ودُعاءٍ وجرِّب تجد.




من صلى وقلبه صاف وجد شيئاً لا يخطر على البال​


قال الشيخ رحمه الله: محبة الله لا يشبهها شيء وجرِّب تجد, اجعل قلبك صافياً يوماً من الدهر وصلِّ وكن متصلاً بالله في صلاتك تجد شيئاً لا يخطر بالبال وتجد شيئاً يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلاً بربك عز وجل.​


وقال الشيخ رحمه الله: جرب تجد, إذا صليت الصلاة الحقيقية التي يحضر بها قلبك وتخشع جوارحك تحس بأن قلبك استنار وتلتذ بذلك غاية الالتذاد.​






ملء البطن غير محمود​


قال الشيخ رحمه الله: ملء البطن.. غير محمود, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( حسب الآدمي لقيمات يُقمن صلبه, فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام, وثلث للشراب, وثلث للنفس ) وهذا هو الموافق للطب تماماً, وجرب تجد الراحة وعدم المشقة, وتأتي الوجبة الثانية وأنت تشتهيها تماماً.​




الاستشفاء بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يدحر الشيطان​


قال الشيخ رحمه الله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها, ما لم تعمل أو تتكلم ) هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى أن ما يُفكر فيه الإنسانُ إذا لم يركن إليه ويُثبِته فإنه لا يؤاخذ به مهما عظًم, لكن إذا ألقى الشيطان في قلبك مثل هذه الوساوس الشديدة فما موقفك؟ نقول: إن موقفك أن تستشفي بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بأمرين: الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.​


الثاني: الانتهاء والإعراض عن هذا الذي وقع في قلبك​


وإذا مارست هذا العمل فإن الشيطان يندحر ثم لا يعود إليك مرة أخرى وجرب تجد.






من تأمُّل القرآن فتح الله له معاني لا تخطُر له على البال وزاد إيمانه وانشرح صدره​


- قال الشيخ رحمه الله: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد فتح عليك, وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى, فكل قراءة تقرؤها يتضح لك بها معنى غير الأول, وجرب تجد فهذا الشيء معلوم لكن هذا لمن علم الله منه صدق الطلب في معرفة المعنى​


وقال رحمه الله: أنا أدعوكم ونفسي إلى أن يتأمل الإنسان دائماً في القرآن...وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها, ولا تخطُر له على البال, قال الله عز وجل: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر} [القمر:17] وجرب تجد لأن القرآن تبيان لكل شيءٍ وهذا كلام الله عنه والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكل شيءٍ هو عدم إقبالنا على القرآن والتأمل فيه والتفكر فيه وإلا لو أننا تأملناه لوجدناه تبياناً لكل شيءٍ.​


وقال رحمه الله: القرآن كتاب هادٍ في العقيدة وفي السلوك وفي العبادة وفي المعاملات, وفي كل شيءٍ... ولهذا أنا أحثكم ونفسي على الحرص التام على القرآن تلاوةً وتدبراً وعملاً به, وجرب نفسك, ارجع للقرآن في هذه الأمور, وانظر ماذا يحصلُ لقلبك من الإيمان وانشراح الصدر ونور القلب ونور الوجه, هذا شيء مُجرَّب.




قوة الإيمان وأثرها في الانتفاع بالقرآن, والأمن والاستقرار​


قال الشيخ رحمه الله: كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالله, كان القرآن أنفع له, في شفاء مرض القلب, وفي نور القلب, وفي انشراح الصدر, وفي طمأنينة القلب, وجرِّب تجد.


وقال الشيخ رحمه الله: كلما كان الإنسان أشد إيماناً بالله وأشد توحيداً له كان أشد أمناً واستقراراً, وهذا شيء مجرب.




كلما قويت المحبة قوي التأثر​


قال الشيخ رحمه الله: الإنسان كلما امتلأ قلبه من محبة شخص قلده وقد كان خطي جميلاً في الأول ثم لمحبتي لشيخي عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله صرت أقلِّده أي أني جعلت خطِّي رديئاً تقليداً له لمحبَّتي له ثم لما رأيت أن الناس لا يستطيعون قراءة خطي قلَّدت خطّاً أحسن, وهذا شيء مجرَّب كلما قويت المحبة قوي التأثر.​




بذل الشيء ولا سيما المال يشرح الصدر​


قال الشيخ رحمه الله: فوائد الزكاة الفردية والاجتماعية...الرابعة: أنها تشرح الصدر, فالإنسان إذا بذل الشيء, ولا سيما المال, يجد في نفسه انشراحاً, وهذا شيء مجرب, ولكن بشرط أن يكون بذله بسخاء وطيب نفس.​


وقال: في الصدقة دفع حاجة الفقراء, والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء, وأنها من أسباب انشراح الصدر, وجرب تجد.






الوقت المناسب للحفظ​


قال الشيخ رحمه الله: أما الوقت فأحسن ما يكون في أول النهار إذا صليت الفجر أن تقرأ القرآن لتحفظه.​




الوقت المناسب للمراجعة​


قال الشيخ رحمه الله: أحسن ما رأيت في العلم أن الإنسان إذا حفظ شيئاً اليوم يقرؤه مبكراً في صباح اليوم التالي, فإن هذا مما يعين كثيراً على حفظ ما حفظه في اليوم, وهذا شيء فعلته فكان مما يعين على الحفظ الجيد​




الفراغ وتوارد الوساوس​


قال الشيخ رحمه الله: التخيلات التي تقع لكثير من الناس لها عدة أسباب, والله أعلم:​


السبب الثاني: الفراغ, والفراغ قتَّال, وما أكثر الفراغ عندنا ! الفراغُ في شبابنا, وفي فتياتنا, وفي كبارنا, فراغ قاتل, ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة, والفراغ).​


والإنسان إذا فرغ, ولم يكن عنده عمل يُحركُ به جسمه, ويُحركُ به عقله, ويُحركُ به فكره, توالت عليه الهموم, وجرب تجد, اشتغل في علم, في مال, في صنعة, فلن ترى هذه الوساوس, اترك العمل فستتوالي وتتوارد عليك الوساوس.​




كتب الشيخ رحمه الله التي تم الرجوع إليها:​


تفسير سورة آل عمران​


تفسير سورة الفرقان​


تفسير سورة الأحزاب​


تفسير سورة الزخرف​


التعليق على صحيح مسلم​


التعليق على المنتقي من أخبار لمصطفى صلى الله عليه وسلم​


فتح ذي الجلال الإكرام بشرح بلوغ المرام​


شرح الأربعين النووية​


شرح الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية​


الشرح الممتع على زاد المستقنع​


مجموع فتاوى ورسائل الشيخ/ جمع وترتيب الشيخ فهد السليمان​


اللقاءات الشهرية





 
الصلاة


(فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين رحمه الله)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فلا يخفى على كل مسلم أهمية الصلاة ومكانتها في دين الإسلام، وقد اهتم العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة الله ببيان ذلك في دروسه ومحاضراته ومصنفاته، وأفرد لها كتابين:

الأول: "حكم تارك الصلاة"، أورد فيه الأدلة على بيان أن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، فإنه يكفر كفرًا مخرجًا من الإسلام، وأجاب على أدلة القائلين بعدم كفره.

الكتاب الثاني: "صفة الصلاة"، وقد ذكر رحمه الله في مقدمة الكتاب أنه اختار هذا الموضوع لأمرين:

الأول: أهميته الشرعية؛ حيث إن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.

الثاني: أن كثيرًا من المسلمين اليوم تهاونوا في كثير من أمور الصلاة.
وقد تضمن الكتاب: الكلام عن معنى الصلاة، ومتى وأين فرِضت، وبيان أهميتها، وفضلها، والتحذير من إضاعتها، وبيان حكم تاركها، وبعض شروطها، وصفتها على ضوء الكتاب والسنة، وبيان الواجب فيها، وحكم صلاة الجماعة، وبيان بعض أحكامها. وللشيخ رحمه الله كلام كثير عن الصلاة في عددٍ من مصنفاته، وقد اخترتُ بعضًا منه، أسأل الله الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

من فوائد الصلاة:

قال الشيخ رحمه الله: فوائد الصلاة كثيرة لا يُمكن حصرها، فمن فوائدها:

1- أن بها قُرَّة العين وطُمأنينة القلب وراحة النفس، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حُبِّب إليَّ من الدنيا النساء والطِّيبُ، وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة)، وكان يقول: (قُم يا بلالُ، فأرحنا بالصلاة).

2- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها الإنسان على الوجه الذي أُمر به؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].

3- أنها عون للإنسان على أمور دينه ودنياه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلَّى؛ أي: إذا أهمَّه أمرٌ.

4- ما رتَّب الله عليها من الأجر العظيم والخير الكثير؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد، فمن جاء بهنَّ لم يُضيِّع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهنَّ، كان له عند الله عهد أن يدخلَه الجنة).
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: (مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا، ونجاة يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبي بن خلف)؛ رواه أحمد بإسناد جيد، فمن حافظ على هذه الصلوات وأدَّاها على الوجه المشروع، كانت له نورًا وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة.

5- أنها كفارة لصغائر الذنوب وتطهير من الخطايا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمس مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟)، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا)؛ رواه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائرُ)؛ فهذه الصلوات الخمس تغسل الذنوب لمن صلى، فيكون نقيًّا بها من الذنوب.

6- ما يحصل في صلاة الجماعة من اجتماع المسلمين عليها في مكان واحد، وحصول التعارف والتآلف بينهم، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وإظهار الشعائر الإسلامية وغيرها من المصالح العظيمة.

7- أنها صلة بين المصلي وربه، فالمصلي إذا قام في صلاته استقبله الله بوجهه، (فإذا قال العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين؛ قال الله تعالى: (حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثني عليَّ عبدي، وإذا قال: ملك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوَّض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبدُ وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدني، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الصراط المستقيم، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
فهل تجد صلة أقوى من تلك الصلة، يُجيبك ربك على قراءتك آيةً آيةً وهو فوق عرشه، وأنت في أرضه؛ عنايةً بصلاتك وتحقيقًا لصلاتك؟!
وما ذكرناه من هذه الفضائل ليس على سبيل الاستيعاب، ولكنه قليل من كثير.

من فوائد صلاة الجماعة:


قال الشيخ رحمه الله: حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلاةُ الجماعة تفضلُ صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة). الإنسان لو يرى أنه يربح في السلعة 10%، لكان يُبادر إلى شرائها، ويبادر إلى تصريفها، ويُتعب بدنه وعقله وفكره في ذلك، والربح 10%، وهو ربح قابل للزوال، بل لا بدَّ أن يزول، فمالُك الذي بيدك لا بدَّ أن يزول، أو تزول أنت عنه، فلا يمكن أن تُخلَّد له أو يُخلَّد لك. وسبع وعشرون درجة في صلاة الجماعة، كم الربح في المائة؟ فهذا فرق عظيم، ومع ذلك هذا الثواب يبقى، وتجده في يوم أنت أحوج ما تكون إليه، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس يتهاونون مع هذا الفضل العظيم.
ثم إنَّ صلاة الجماعة فيها تنشيط للإنسان، فالإنسان إذا صلى مع الجماعة صار أنشط له، والصلاة مع الجماعة فيها حفظ الصلاة؛ لأن الإنسان إذا صلى مع الجماعة سوف يصلي مع إمام يراعي السنة في القراءة، في الركوع، في السجود، في القيام، في القعود، فيحصل على صلاة تامة، وإذا صلى وحده فإن غالب الناس إذا صلوا وحدهم لعِب بهم الشيطان، ونقروا الصلاة كنقر الغراب.
وصلاة الجماعة فيها الأُلفة بين المسلمين، فيتآلفون، ويتحابون، ويرشد بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضًا؛ لأن الرجل إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة ثم تخلَّف، فقَده الناس، وسألوا عن حاله، وساعدوه إن كان في فقرٍ، وحاولوا أن يتطبَّبوا له إن كان مريضًا.
وفي صلاة الجماعة تعليم الجاهل، ولهذا تجد أكثر الناس الآن يصلون - والحمد لله - وهو عوام ما درسوا، لكن كيف تعلموا؟ بشهودهم الجماعة، يرون الناس يصلُّون فيصلون مثلهم، حتى الصبي الصغير يصلي كما يُصلي الناس.
وصلاة الجماعة فيها عمارة بيوت الله عز وجل التي قال الله تعالى فيها: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾[النور:36-37]، الغُدو: أول النهار، والآصال: آخره.
وصلاة الجماعة فيها كمالُ القيام بحقِّ ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم؛ لأن هؤلاء الجماعة - ولنقل: ألف نفر - يأتَمُّون بإمام واحدٍ، فيأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، ويتابعونه تمامًا بدقة. وصلاة الجماعة فيها مشابهة للمجاهدين في سبيل الله؛ كما قال عز وجل: ﴿ نَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4].
وصلاة الجماعة كذلك فيها مشابهة لصلاة الملائكة في السماء؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها)، قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصُّون في الصفوف).

وفوائدها عظيمة كثيرة، وهي من محاسن الشريعة الإسلامية، ولا يتخلف عنها إلا منافق أو مريض، أو معذور، فعليك بالجماعة تغنم وتسلَم، ويستنير قلبُك، وتلقى ربَّك وهو راضٍ عنك، أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق لما يحبُّ ويرضى.

الصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره:

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة نور)، فالصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل. وكذلك تكون نورًا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة لله عز وجل، وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته. وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء. كذلك نور في حشره يوم القيامة، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن من حافظ عليها كانت له نورًا ونجاةً وبرهانًا يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا، ولا نجاة يوم القيامة، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأبُي بن خلف)، فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرِص عليها، وأن يُكثر منها؛ حتى يكثُر نوره وعلمه وإيمانه.


انتظار الصلاة بالقلب والبدن:


قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (انتظار الصلاة بعد الصلاة)، الانتظار يكون بالبدن ويكون بالقلب. أما البدن فيبقي في مكان صلاته حتى تأتي الصلاة الأخرى، وأما بالقلب فيكون كلما انتهى من صلاة إذا هو ينتظر الصلاة الأخرى متى تأتي؟ ليقف بين يدي ربه؛ لأنه يحب الصلاة، قد جعل الله قرة عينه في الصلاة، وهذا دليل على إيمانه؛ لأن الصلاة إيمان.


الخشوع في الصلاة: أهميته وسبله وثماره:

قال الشيخ رحمه الله: أهمية الخشوع في الصلاة من وجهين:

الأول: أنه كمال للصلاة، بل هو لُبُّ الصلاة وروحها، والخشوع يعني حضور القلب، بحيثُ إن الإنسان يكون حال الصلاة، وهو يقرأ، ويركع ويسجد مُستحضرًا هذه العبادة العظيمة، فلا يفعل هذه الأشياء وقلبه في مكان بعيدٍ.

الوجه الثاني: أن الخشوع في الصلاة أكثر ثوابًا، وقد امتدح الله عز وجل الذين هم في صلاتهم خاشعون. أما ما يعين على الخشوع، فهو أن الإنسان يُفرغُ قلبه إذا أقبل على الصلاة تفريغًا كاملًا، ويشعرُ بأنه واقف بين يدي الله عز وجل، وأن الله عز وجل يعلم ما في قلبه، كما يعلم تحرُّكاته في بدنه، ليس كالملوك؛ إذ يُمكن أن تقف أمام ملك الدنيا مُتأدبًا بظاهرك، وقلبك في كُلِّ مكان، وهو لا يعلم، لكن الله عز وجل يعلم ظاهرك وباطنك، فاستحضر أنك بين يدي الله، وإذا قُلت: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، استحضر أن الله يجيبك.

فمن أكبر العون على الخشوع ما يلي:


أولًا: أن يعتقد الإنسانُ أنه واقف بين يدي ربه.

ثانيًا: أن يعتقد أن الخشوع من كمال الصلاة، وأن الإنسان ربما ينصرف من صلاته، وما كُتِب له منها إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها.

ثالثًا: أن يعتقد كثرة الثواب بالخشوع.

وقال رحمه الله: الإنسان إذا أدى الصلاة بخشوع وحضور قلب، فإنه يجد من نفسه وهو ساجد، أو يشعر وهو ساجد أنه قريب من الله يدعوه ويناجيه، وهو أيضًا يشعر بأن الله تبارك وتعالى فوق كل شيء، أنه قريب منه، وأنه فوق كل شيء.


الصلاة قرة عين لمن يؤديها حقيقةً:

قال رحمه الله: إذا تعود الإنسانُ على إكثار الصلاة صارت قُرَّة عينه، وصار يألفها دائمًا، ولكننا نعنى بالصلاة الصلاة الحقيقية التي تكون صلة بين الإنسان وبين ربه؛ بحيث إذا دخل في صلاته لا يلتفت قلبُهُ إلى شيء من الدنيا، بل يلتفت إلى الله وحده، إن كبَّر استشعر عظمة الله عز وجل وكبرياءه، وإن قرأ القرآن الكريم الفاتحة أو غيرها، استشعر بأنه يتلو كتاب ربِّ العالمين الذي تكلم به لفظًا ومعنًى، وإن ركع استشعر أنه يخضع لله عز وجل، وإن سجد استشعر أنه يُنزِّل أعلى ما في جسده وأشرافه إلى مهبط القدمين وموضع الأقدام، تواضعًا لله عز وجل.

الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ينبغي إعادة النظر فيها:

قال الشيخ رحمه الله: الصلاة لها فوائد كثيرة، فوائد دينية وفوائد دنيوية؛ أما الفوائد الدينية، فمنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ [العنكبوت: 45]، هذه فائدة عظيمة، إذا صلى الإنسان صلاة أتمها، فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر؛ أي: تُوجب أن يبغض الرجل كلَّ فحشاء وكلَّ منكر.
ولا تشكَّ إذا صليت ولم تجد في قلبك كراهة للمنكر، أو حبًّا للمعروف، لا تشكَّ في الآية، الآية محكمة، خبر من لدن حكيم خبير، لكن شك في صلاتك؛ لأن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي الصلاة التي تُقام على ما ينبغي، ولهذا قال: ﴿ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ ﴾؛ يعني: التي تُقيمها، تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال بعض السلف: من لم تنْهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يَزْدَدْ بها من الله إلا بُعدًا، نسأل الله العافية، فعليك بإقامة الصلاة، أحضِر قلبك، وأدِّ ما فيها من واجبات؛ سواء كانت ركنًا، أو شرطًا أو واجبًا، وكمِّلها بالسُّنن حتى تؤتى ثمارها.

من أسباب التهاون في الصلاة:


سئل الشيخ رحمه الله: يتهاون كثير من الناس اليوم في الصلاة،

فما هي الأسباب في نظركم؟


فأجاب: أسباب ذلك متعددة كثيرة، من أهمها وأعظمها: اتباع الشهوات، ولهذا قرن تبارك وتعالى إضاعة الصلاة باتباع الشهوات، فقال سبحانه: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ﴾ [مريم: 59، 60].
ومن أسبابها: جهل الناس بحقيقة هذه الصلاة، جهلهم بأهميتها، جهلهم بفوائدهم، جهلهم بفضائلها، جهلهم بثوابها، جهلهم بمرتبتها عند الله عز وجل، إلى غير ذلك من الأمور التي أوجبت لكثير منهم الاستهانة بها.

ومن أسباب التهاون في الصلاة أن كثيرًا من المصلين إذا صلوا، إنما يصلونها - نسأل الله لنا ولهم العفو والعافية - كعمل روتيني، عمل جارحي؛ أي: عمل جوارح فقط، لا عمل قلب، فلا تكاد تجد عندهم خضوعًا، ولا خشوعًا، ولا ذُلًّا بين يدي الله عز وجل، ولا استحضارًا لما يقولون في صلاتهم، ولا استحضارًا لما يفعلون، فلهذا يخرجون من الصلاة لم يستفيدوا منها شيئًا، لم يحصل لقلوبهم نور، ولم يحصل لإيمانهم زيادة، ولم يحصل منهم انتهاء عن الفحشاء والمنكر، كل ذلك لأنهم يصلون صلاة جسد بلا روح، ولو أنهم أعطوا الصلاة حقَّها من الخشوع، وحضور القلب، والإنابة إلى الله، وشعور الإنسان بأنه واقف بين يدي ربه - لكان أحبَّ الصلاة وألِفها، ويهوي قلبُه إليها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (جُعلت قرةُ عيني في الصلاة).



الصلاة بالجسم فقط صلاة ناقصة:

قال الشيخ رحمه الله: يا إخوان، أكثر أوقاتنا نُصلِّي ولا نصلِّي، يصلِّي الإنسانُ وجسمه في مُصلاه في مسجده، لكن قلبه في كل وادٍ يفكر بهاجسٍ، يبيع، ويشتري، ويحرث، ويستأجر، ويؤجِّر، ويرهنُ، ويرتهن، فهذا لم يصلِّ كما ينبغي، ولهذا جاء في الحديث: (إن الرجل لينصرفُ وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسُعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدُسُها خُمُسُها رُبُعُها، ثُلُثُها نصفها)، كلها راحت بسبب الهواجس، والله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوبنا، فإذا لم تُصلِّ قلوبنا قبل أجسامنا، فصلاتنا ناقصة، أسألُ الله أن يعاملني وإياكم بعفوه، وأن يجعلنا ممن يقولُ ويفعل.


ما يجبر النقص في الصلاة:


قال الشيخ رحمه الله: هذه الصلاة العظيمة كلنا في الحقيقة - نسأل الله أن يعاملنا بعفوه - كلنا في صلاته نقص، فهل لها من جابر خارجي؟
نقول نعم: السنن الرواتب، والسنن الرواتب اثنتا عشرة ركعةً:
أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان قبل المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، أما العصر فلا رتبة لها: لا قبلها ولا بعدها. إذا صليت في يوم بنى الله لك بيتًا في الجنة دائمًا لا يتغير، ولا يفنى، وليس فيه خلل ولا نقص، وأنت كذلك لا تفنى، ولا تمرض، ولا تبغي عنه حولًا، ستبقى فيه أبد الآبدين. الله أكبر، الآن عندما تريد أن تبني بيتًا، فلن يكتمل بناؤه في يوم واحد أبدًا، لا يكمل إلا في سنة أو في ستة أشهر حسب البناء بعد تعبٍ وعناء، ومشاكل مع العمال والمقاولين، وإذا بُنِي البيت فهو مُعرض للخطأ، ومُعرض للخطر والانهدام والاحتراق، ثم إذا كمل، فالنهاية أن الإنسان يزول عنه. لكن مع الآسف قلوبنا تحب العاجلة؛ ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20، 21]. فحافظ عليها يا أخي، وإذا فاتتك التي قبل الصلاة، فصلِّها بعد الصلاة؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الرواتب. آكد هذه الرواتب راتبة الفجر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها حضرًا وسفرًا، والأفضل أن تصلى الراتبة في البيت.

عذاب من لا يصلون في قبورهم:


قال الشيخ رحمه الله: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة بقبرين، فكُشف له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها يُعذبان، فقال: (إنهما ليعذبان)، أكَّد هذه الجملة بمؤكدين، وهما: (إنَّ) واللام، يعني أكَّد أنهما يعذبان؛ لأن المقام يقتضي التأكيد؛ لأن عذابهما أمر غيبي، فصار الإخبار عنه مؤكدًا. أما أحدهما، فكان لا يستنزه من البول، ما يبالي يطالُ الثوب البول ثوبه، فلا يطهره، ويطال فخِذه فلا يطهره، ويصيب مُصلاه فلا يطهره، ولا يهتم بأن يُعذب من أجل ذلك، وإذا كان عُذِّب من أجلِ أنه لا يستنزه من البول، والاستنزاه من البول من شروط الصلاة، فكيف يكون من لا يُصلي؟! أيستحق العذاب أو لا؟ يستحق العذاب من باب أولى، وقد حدثنا بأشياء عجيبة فيمن ماتوا وهم لا يصلُّون، شاهدها الناسُ بأعينهم، منها ما يُقبل ومنها ما لا يقبل، لكن لا شكَّ أن الله قد يظهر من آياته ما يدلُّ على الأحكام الشرعية، كما أظهر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذين الرجلين. وختامًا أسأل الله الكريم أن يوفقنا وجميع المسلمين لإقامة الصلاة، وأدائها كاملة، بقلوبنا قبل أجسامنا؛ حتى نخرج منها وقد استفدنا منها، واستنارت قلوبنا، وظهر أثرُ ذلك على جوارحنا، وكانت زادًا لنا على تحمُّل ما يحصل لنا في هذه الدنيا من متاعب ومصاعبَ، كما أساله أن يعاملنا بعفوه، وأن يرحمنا، وألا يكلنا لأنفسنا طرفةَ عينٍ، أو أقل من ذلك!


كتب الشيخ التي تم الرجوع إليها:


♦ التعليق على صحيح البخاري. ♦ التعليق على صحيح مسلم. ♦ شرح رياض الصالحين. ♦ شرح مشكاة المصابيح. ♦ صفة الصلاة. ♦ لقاءات الباب المفتوح.
♦ فتاوى نور على الدرب.
 
فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين



مدرسة العلم والعمل



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعد:
فالعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله, من العلماء المتأخرين الذين يقلُّ نظيرهم: علماً, وعملاً, ودعوةً, أسال الله الكريم أن يجزيه خير الجزاء, وأن يرحمه رحمة الأبرار, وأن يعلى درجته في الجنان, والشيخ رحمه الله له مؤلفات كثيرة, منها: ما خرج في حياته ومنها ما خرج بعد وفاته, ومنها: ما كتبها وحررها ومنها ما كانت تفريغاً لدروسه العلمية.
وتلك المؤلفات مليئة بالفوائد, وقد يسَّر الله الكريم لي جمع شيءٍ منها.
أسأل الله الكريم أن ينفع بها كاتبها, وقارئها, ومن أعان على نشرها, في الدنيا والآخرة, إنه جواد كريم.
* * * *

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين

(1) مدرسة العلم والعمل


فائدة العلم وثمرتُه العملُ به, والعلامة ابن عثيمين رحمه الله, من العلماء الذين عرفوا بالعلم النافع, والعمل المثمر, وقد كان الشيخ يوجه إلى أهمية العمل بالعلم, قال رحمه الله: فإننا نعلم كُلُّنا أنَّ المقصود من العلم هو العمل, فالعلم وسيلة والعمل ثمرة, وإذا لم ينتفع الإنسان بعلمه, فالجاهل خير منه, وكثير من المسائل العِلمية يفهمها كثير من الطلبة, لكنهم لا يُنفِّذونها, سواء كانت في العبادات, أم في المعاملات مع الخلق, وهذا لا شك أنه نقص وسبب للنقص -أي لنقص العلم- فإن الإنسان إذا عمل بعلمه انتفع وازداد علمه ومن عَمِلَ بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.
وقال رحمه الله: في آداب طالب العلم.. أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدة, وعبادة, وأخلاقاً, وآداباً, ومعاملة, لأن هذا هو ثمرة العلم, وهو نتيجة العلم.
وقال رحمه الله: إنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم, إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به, فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام وجه هذا المعلم, كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به, لا تستهن أيها المعلم بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغاراً فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة.
وقال رحمه الله: نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا, وأكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي, أما أن نطبق فهذا قليل, نسأل الله أن يعاملنا بعفوه, وفائدة العلم هو التطبيق العملي, بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان, وسلوكه وأخلاقه وعبادته ووقاره وخشيته وغير ذلك, وهذا هو المهم.
وقد تمثل العمل بالعلم عند الشيخ في صور شتى, منها:

عمل الشيخ بما يُفتى به:
قال الشيخ رحمه الله: المفتي إذا أفتى... يكون هو أول الناس عملاً بهذه الفتوى.
والشيخ كان يعمل بما يفتي به, ومن أمثلة ذلك:
قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( غُسل الجمعة واجب على كل محتلم) : الصواب عندي كالمقطوع به: أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: ما تركته منذ علمت بهذا الحديث, لا صيفاً, ولا شتاءً, ولا حراً, ولا برداً, ولا إذا كان فيَّ مرض أتحمل معه الاغتسال, وقلت هذا حتى تعلموا أنني لا أشك في وجوبه, وأرى أنه لا بد أن يغتسل الإنسان.
وقال رحمه الله: مسألة العزاء, فالعزاء إنما كان تركه قطيعة رحم لأن الناس اعتادوه فصار الذي يتخلف عنه عندهم قاطع رحم, لكن لو أن الناس تركوه كما تركه الصحابة-رضي الله عنهم- والتابعون-رحمهم الله- ما صار تركه قطيعة رحم...ولهذا لو أن طلبة العلم بينوا للناس هذا الأمر وبدأوا بأنفسهم هم.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: والدنا توفي ولم نجلس للعزاء, ووالدتنا توفيت ولم نجلس للعزاء, لو أن أهل العلم فعلوا ذلك لكان فيه خير كثير, ولترك الناس هذه العادات, لاسيما في بعض البلاد إذا مررت ببيت مات فيه ميت تقول: هذا بيت فيه زواج, لأنك ترى فيه من الأنوار في الداخل والكراسي والأشياء التي تنافي الشرع, وفيها إسراف وفيها بذخ.

قبول الشيخ للحق والانقياد له:
قال بعض السلف: التواضعُ: أن تقبل الحق من كل من جاء به وإن كان صغيراً"
قال الشيخ رحمه الله: الواجب على المؤمن ولاسيما طلاب العلم أن ينقادوا للحق ولا يجادلوا مجادلة مستكرهة وتأويلات مستكرهة من أجل أن يتم قوله, فهم طالبون للحق مريدون للحق داعون للحق لا لأنفسهم, والغالب أن من دعا لنفسه والعياذ بالله أن الله تعالى لا يجعل في علمه بركة...فعود نفسك أن تهينها للحق ومن تواضع لله رفعه الله عز وجل, وقال رحمه الله: التواضع للحق بمعنى: أنه متى بان له الحق خضع له ولم يبغ سواه بديلاً, وقال رحمه الله: عليك يا أخي بقبول الحق...فمتى تبين لك الحق فقل: سمعنا وأطعنا وآمنا وصدقنا.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: تكبيرة الهوي إلى السجود كتكبيرة القيام للجلوس ولا فرق, لأن أبا هريرة رضي الله عنه لم يقل: وكان يطيل التكبيرة في المكان الفلاني, أو يقصرها في المكان الفلاني, وهذا هو الأصل, لأنه لو كان تغيير لنُقِل وذُكِر, فلما لم يُنقل ويذكر عُلِم أنه لا تغيير, وأن التكبيرات على حد سواء, وهذا هو الراجح, وهو الذي أظنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم, وكنا قَبلُ حسب ما يعمله مشايخنا_رحمهم الله_ نفرق بين التكبيرات, بين تكبيرة الجلوس بين السجدتين, وتكبيرة الجلوس للتشهد الأول وللتشهد الأخير حتى صلى معنا بعض طلبة الحديث وقال لي ما دليلك على هذا التفريق؟ فقلت: ما عندي إلا عمل المشايخ, فقال: عمل المشايخ ليس بحجة, عمل المشايخ يُحتج له ولا يُحتج به, وظاهر السنة أولى بالإتباع فقلت: جزاك الله خيراً. هذا هو إن شاء الله هو الحق, وبدأنا والحمد لله على هذا.
 
تراجع الشيخ عن رأيه في بعض المسائل:



قال الشيخ رحمه الله: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل, وقال: متى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي, وأن الصواب في غيره, وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صواباً بمقتضي الدليل الصحيح



وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال رحمه الله: الذي يُحقن به الدم وهو صائم, فهل يفطر أو لا يفطر كرجل حصل عليه حادث ونزف الدم منه ؟



الجواب: كنت أرى في الأول أنه يفطر, وأقول: إذا كان الطعام والشراب مفطراً, فإن الطعام والشراب يتحول إلى دم, فهذا لبابة الطعام والشراب وخلاصته, إذن يفطر, ثم بدا لي أنه لا يفطر, لأنه وإن أعطى البدن قوة لكنه لا يغنيه عن الطعام والشراب, وليس من حقنا أن نُلحق فرعاً بأصل لا يساويه, فتبن لي أخيراً أنه لا يفطر.



والشيخ رحمه الله كان يرى جواز مس القرآن من المحدث ثم تراجع عن ذلك, قال الشيخ قال داود الظاهري وبعض أهل العلم لا يحرم على المحدث أن يمس المصحف...وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظاهرية, لكن لما تأملت قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسُّ القرآن إلا طاهر)..تبين أنه لا يجوز أن يمسَّ القرآن من كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر.. فالذي تقرر عندي أخيراً: أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء.



وقال الشيخ رحمه الله عن جلسة الاستراحة في الصلاة: نقول هي سنة في حق من يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك, وكنتُ أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس...ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا هو القول المفصل قول وسط, وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقاً.






نصيحة الشيخ لمخالفه بأدب:



قال الشيخ رحمه الله: إذا رأيت من أخيك شيئاً تنتقده فيه في عباداته أو في أخلاقه أو في معاملاته, فعليك بنصيحته, فهذه من واجبه عليك, وتنصحه فيما بينك وبينه مشافهة أو مكاتبة.



وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقد كتب إلى أحد إخوانه فقال:


من محمد العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ..حفظه الله تعالى وهدانا وإياه صراطه المستقيم وجعلنا جميعا هداة مهتدين وصالحين مصلحين


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


وبعد: فبناء على ما أوجب الله علينا من النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم, وعلى ما تقتضيه الأخوة الإيمانية من المودة والمحبة في الله ولله, فإني أبين لكم ما لاحظته في مقالات نشرت لكم في مجلة... العدد...


فضيلتكم صرح في.... ذكر فضيلتكم ص... وأما قول فضيلتكم...


فنسأل الله تعالى...أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين, وقادة الخير المصلحين, وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن يهب لنا منه رحمه إنه هو الوهاب.


وقال رحمه الله: من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. وفقه الله تعالى...


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:



فقد عرض علي أكثر من واحد ما كتبتم في الصفحة السادسة من صحيفة...الصادرة يوم السبت الموافق 22/ 12/ 1402هـ حول كسوف الشمس...وقد آثرت أن أكتب إليكم ليكون التعقيب على ما كتبتم من قبلكم, وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لصواب العقيدة, والقول, والعمل, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.






تورع الشيخ من القول بقول لم يقل به أحد من قبله:



قال الشيخ رحمه الله: لا تهمل كلام العلماء, ولا تغفل عنه, لأن العلماء أشد رسوخاً منك في العلم, وعندهم قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك, ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول, يقولون: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به


وقد عمل الشيخ بما ذكره, فقد سئل إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعادها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها ؟ فأجاب رحمه الله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:



الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول, أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.



الحال الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه, فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها, لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء, وهذه طهارة بالمسح, هذا ما يعلم من كلام أهل العلم, ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح, له أن يمسح ما دامت المدة باقية, فإن هذا قول قوي, ولكني لم أعلم أن أحداً قال به, فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي, لأن طهارة المسح طهارة كاملة, فينبغي أن يُقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح, لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا.والله أعلم


 
من كلمات الشيخ ابن عثيمين حول حرية الإنسان


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمن المصطلحات الرنانة التي لها تأثيرها المحبب على النفوس: "الحرية"، لكنه مصطلح ظاهره الرحمة، وفي باطنه الفساد والإفساد؛ لأن من ينادون بالحرية هدفهم سلخ الناس من العبودية لله عز وجل - التي هي الحرية الحقيقية - إلى رقِّ الهوى والشيطان، فيتحول الإنسان إلى شيطان إنسي، يعتنق ما يشاء من أفكار ومعتقدات، ويمارس ما يهوى من أفعال وتصرفات باسم الحرية.

وحيث إنه قد يُلبس على البعض، فينخدع بهذا المصطلح، فلا بد من إيضاح مفهوم الحرية الحقيقية، وخير من يقوم بذلك العلماء، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له كلام عن الحرية في بعض مصنفاته، يسَّر الله لي جمعه، أسأل الله الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

الحرية المطلقة من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين:
قال الشيخ رحمه الله: من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين - أن يلقوا الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم (الناس أحرار - دعوا كل أحد يعتنق ما يشاء - لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا)، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنانة، التي إذا سمعه الإنسان، قال: هذا هو الدين، ثم تحلل الناس وصار كل يعمل ما يريد... هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يُضللون بها الناس، ويردونهم بعد إيمانهم كافرين.

العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية:
قال الشيخ رحمه الله: العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية، وسئل رحمه الله عن قول الإنسان: أنا حر؟ فأجاب: إذا قال ذلك رجل حُر وأراد أنه حر من رقِّ الخلق، فنعم، هو حر من رقِّ الخلق، وأما إن أراد أنه حر من رقِّ العُبودية لله عز وجل فقد أساء في فهم العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرِّقِّ، أما عبودية المرء لربه عز وجل فهي الحرية، فإنَّه إن لم يذلَّ لله ذلَّ لغير الله، فيكون هنا خادعًا لنفسه إذا قال: إنَّه حُر، يعني: أنه مُتجرد من طاعة الله ولن يقوم بها.

وقال رحمه الله: من المعلوم أن وصف الإنسان بالعبودية لله شرف له وعز؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو عبد، إما أن يكون عبدًا لهواه، وإما أن يكون عبدًا لمولاه، وكل إنسان له إرادة، وكل إنسان متحرك، ولكن ما الإرادة؟ وإلى أين التحرك؟ إن كانت الإرادة إرادة لله عز وجل، والتحرك لدينه، فهذه هي الحرية.

مَن تحلَّل مِن الشريعة فهو في غاية الرق:
قال الشيخ رحمه الله: حرِّر قلبك من رق المعاصي حتى تتحرر، وقال رحمه الله: فوالله ليس بحُرٍّ من تحلَّل من الشريعة، بل هو في غاية من الرِّق، فالحرُّ هو الذي لا يخضع لأحد إلا الله عز وجل.

وقال رحمه الله: كل من خالف الشرع، فإنه رقيق وليس بحرٍّ، ولهذا يشير ابن القيم رحمه الله في بيت أرى أن يكتب بماء الذهب، يقول:

هربوا من الرقِّ الذي خُلقوا له ♦♦♦ وبُلوا برقِّ النفس والشيـطان​

يعني أنهم تحرَّروا من الرق الذي خُلقوا له، وهو الرق لله عز وجل، ولكنهم ابتلوا برق النفس والشيطان الذي هو الذُّلُّ والخسارة في الدنيا والآخرة.

وقال رحمه الله: نرى أن هؤلاء الفوضويين الذين يريدون أن يكون الناس فوضى مدعين أن هذه هي الحرية - نرى أن هؤلاء هم الذين ابتُلوا بالرق؛ لأن الشيطان استرقهم وجعلهم عبيدًا له، وقال رحمه الله: الحرية المطلقة هي الرق المطلق؛ لأنك إذا تحررت من قيود الشرع تقيدت بقيود الشر.

الإنسان ليس حُرًّا في معصية الله:
سئل الشيخ عن قول العاصي عند الإنكار عليه: "أنا حُر في تصرفاتي"، فأجاب رحمه الله: هذا خطأ نقول: لست حُرًّا في معصية الله، بل إنَّك إذا عصيت ربك فقد خرَجت من الرِّقِّ الذي تدَّعيه في عُبودية الله إلى رقِّ الشيطان والهوى.

الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام:
قال الشيخ رحمه الله: الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام، ولا أحد أحكم من الله، ولا أعدل منه، وقد عدل عز وجل في الحرية التي منحها لعباده.

حرية المرأة:
قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، من فوائد الآية: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر، إلا يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: يرُدُّكم بعد إيمانكم كافرين، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة جدًّا ومتنوعة، منها: أن يفتحوا على الناس باب الشهوات، ولهذا هم يسعون جادين على أن يعطوا المرأة ما يُسمى بالحرية، وهي في الحقيقة الرق وليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله، خرجت من رقٍّ الدين إلى رقِّ الشيطان، وإذا خرجت إلى رقِّ الشيطان واسترقَّها الشيطان، صارت عبدًا له، ولهذا تجدهم يركزون على المرأة أن تتدهور، وتتحرَّر من عبودية الله؛ لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشدَّ فتنة على الرجال هي المرأة، فيسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال، وتشاركهم الأعمال.

كتب الشيخ رحمه الله التي تم الرجوع إليها:
♦ تفسير سورة البقرة.
♦ تفسير سورة آل عمران.
♦ تفسير سورة الأنعام.
♦ تفسير سورة الصافات.
♦ تفسير سورة فصلت.
♦ أحكام من القرآن الكريم.
♦ التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن.
♦ شرح الكافية الشافية.
♦ شرح العقيدة السفارينية.
♦ فتاوى العقيدة.
 
البركة

(فوائد من مصنفات الشيخ ابن عثيمين رحمه الله)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فربُّنا جل جلاله كثيرُ الخيرات والبركات، وبركاته عز وجل لا حدَّ ولا نهاية لها، وكم من قليلٍ نفع كثيرًا بالبركة التي يجعلها الله فيه، وكم من كثيرٍ لم ينفع إلا قليلًا؛ لأن الله جل وعلا نزع منه البركة، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سدَّ ما يسده غيره بأضعاف مضاعفة، وإذا نُزعت البركةُ من شيء، فما أسرع ما يزول ولا ينتفع به الإنسان!وقال رحمه الله: إذا أنزل اللهُ البركة لشخص فيما أعطاه، صار القليلُ منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركة، صار الكثيرُ قليلًا، وكم من إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام كثيرة! وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا؛ لكنه مُتنعِّم في بيته، قد بارك الله في ماله، وأحيانًا تُحسُّ بأن الله بارك لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلة.

وتقوى الله بفعل الطاعات، وترك المحرمات، من أهم أسباب نيل البركة؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، فمن لم يتَّقِ الله فقد يُعجِّل الله له العقوبة في دنياه، فتُنزع منه البركات، وتكثر عنده الآفات.

والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له كلام عن البركة في عددٍ من مصنفاته، جمعت ما يسَّر الله لي منه، أسأل الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.


معنى البركة​
قال الشيخ رحمه الله: البركة: هي الخير الكثير الثابت؛ لأن أصلها من البِركة، والبِركةُ واسعة، وفيها ماء قار ثابت؛ فلذلك صار معناها: الخير الكثير الثابت.


من أسباب البركة​
قال الشيخ رحمه الله: للبركة أسباب كثيرة؛ منها: المنحة من الله عز وجل، أن يبارك للإنسان في علمه وعمره وجميع أحواله، ومنها في المعاملات: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما))، ومنها: امتثال آداب الأكل والشرب؛ مثل: لعق الصحفة، ولعق الأصابع، والاجتماع على الطعام، وألَّا يأكل من أعلاه.

ومنها: ألَّا يكيل الإنسان طعام البيت، فمثلًا إذا أتى بكيس رز إلى بيته فلا يكيله؛ لأنه إذا كاله نزعت منه البركة، وإذا تركه أنزل الله فيه البركة، فيأخذ كل يوم ما يحتاجه بدون أن يكيله، هكذا جاءت به السنة.

ومنها: أن الإنسان إذا بورك له في شيء فيلزمه، ولا يبقي كل ساعة له رأي.

فأسباب البركة كثيرة، ودعاء الإنسان ربَّه عز وجل بالبركة ليس معناه أن يمسك عن فعل الأسباب، فإذا كنت تريد البركة أو أي شيء تريده فعليك بفعل الأسباب.


بركة الله عز وجل لا حد ولا نهاية لها​
قال الشيخ رحمه الله: ذكر لنا من نثق به من كبرائنا في السِّنِّ أن شخصين تقاسما تمرَ بستان لهما، وأن أحدهما خيَّر الآخر، قال له: اختر، فقال الآخر: أختار هذا الجانب الشرقي؛ لأنه رأى أنه أحسن وأكثر، فقال الثاني: وأنا أختار الغربي، والملك بينهما أنصافًا، فقال أحدهما: سأجُذُّه في نهار رمضان؛ لأجل ألَّا يأكل الفقير، فواعد الذين يجذُّون في النهار، فجذُّوه، وأدخل التمر، وأمَّا الثاني فقال: لن أجذَّه حتى يفطر الناس، فلما أفطروا قال لأهل حيِّه - وكان الناس في ذلك الوقت في فقر شديد- قال لهم: إني سأجذُّ النخل في اليوم الفلاني بعد العيد، فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، فحضر الفقراء وامتلأ البستان، وصاروا يأكلون حتى أن الزنابيل امتلأت من النوى، ولكن مع ذلك أنزل الله عز وجل فيه البركة، فجاء شريكه، وقال له: إننا قد أخطأنا في القسمة، وأنا أدَّعي أنني مغبون، وكيف يأكل الناس منك هذا الأكل الكثير، وتُدخل من التمر أكثر مما أدخلت أنا؟! قال الآخر: نحن قسمنا جميعًا، وخيَّرتُك، واخترت نصيبك معتقدًا أنه أكثر؛ ولكن بركة الله لا حدَّ لها، قال: بل غلبتني، ورُفع الأمر إلى القاضي، وحضرا، فقال: يا أيُّها القاضي، اقتسمنا التمر نصفين، وأدخلت تمري، وبلغ من الزنابيل كذا وكذا، وهو تأخَّر حتى أفطر الناس، وجاؤوا يأكلون، وملؤوا الزنابيل نوى، وأدخل من التمر أكثر مما أدخلت، وهذا يعني أنني مغبون، فكان القاضي ذكيًّا، فقال له: أقرأ: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾ [القلم: 17]، وكأنه يقول له: احمد ربَّكَ أنك حصلت على هذا التمر؛ لأن أصحاب الجنة لم يحصلوا على شيء، وأنت قلت: أجذُّها في نهار رمضان؛ لئلا يدخلنَّها اليوم عليك مسكين، فهذا جزاؤك، وهذا أنزل الله عز وجل له البركة، وبركة الله لا نهاية لها، فطرده.


بركة أسماء الله تعالى​
قال الشيخ رحمه الله: أسماء الله تعالى كلها خير وبركة، وقال رحمه الله: البركة تكون باسم الله؛ أي: أن اسم الله إذا صاحب شيئًا، صارت فيه البركة؛ ولهذا جاء في الحديث: ((كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه باسم الله، فهو أبْتَرُ))؛ أي: ناقص البركة.

بل إن التسمية تفيد حلَّ الشيء الذي يُحرَّم بدونها، فإنه إذا سمَّى الله على الذبيحة، صارت حلالًا، وإذا لم يسمِّ صارت حرامًا وميتةً، وهناك فرق بين الحلال الطيب الطاهر، والميتة النجسة الخبيثة.

وإذا سمى الإنسان على طهارة الحدث، صحَّت، وإذا لم يسم لم تصح على أحد القولين.
وإذا سمى الإنسان على جِمَاعِه، وقال: ((اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا))، ثم قدر بينهما ولد، لم يضرَّه الشيطان أبدًا، وإن لم يفعل، فالولد عرضة لضرر الشيطان.




بركة القرآن الكريم​
قال الشيخ رحمه الله: فوالله، ما أبركَ هذا القرآنَ! فلما كان المسلمون يعملون به ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلنًا، عقيدةً وعملًا، خُلُقًا وأدبًا، نالوا بركته، وسادوا العالم، وجاهدوا به أعداء الله، ولما تخلَّفوا عنه نُزعت بركة القرآن عنهم.
وقال رحمه الله: القرآن قرآن مبارك، مبارك في ثوابه، مبارك في معناه، مبارك في آثاره، مُبارك من كل وجه.

من بركة القرآن ما يُفتحُ به على المُتدبِّر له من المعاني والحكم والأسرار:
قال الشيخ رحمه الله: ومن بركة القرآن أن الله تعالى يفتحُ به على المؤمن، كلما تدبَّرهُ فتح الله به عليه من المعاني والحِكم والأسرار ما لم يفتحه على المعرض عن القرآن.

وقال رحمه الله: القرآن مبارك من كل وجه، مبارك في معناه؛ لأن الإنسان إذا فهم معاني كلام الله عز وجل استنار قلبه، وانشرح صدره، وتفتحت عليه أنواع المعارف التي تخفى على كثيرٍ من الناس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 174].

ومنها: الشعور بالراحة النفسية وانشراح الصدر عند تلاوته:
قال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته، سواء كان عامًّا أم خاصًّا، فالخاص ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر، ونور القلب وطمأنينته كما هو مجرب لمن قرأ القرآن بتدبُّر، وقال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن ما يحصل للمتمسِّك به من صحة القصد، وسلامة المنهج، والسعادة في الدنيا والآخرة.

ومنها: أنه حصن حصين من فتنة الدجال، وشر الشياطين، وكيد السحرة:
قال الشيخ رحمه الله: من بركته أنه حصن حصين لقارئه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، لن يزال معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح))، فاقرأ آية الكرسي في كل ليلة، فلا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.

ومنها: أنَّ فيه بيانًا لكل شيءٍ:
قال الشيخ رحمه الله: ومن بركة القرآن أنه لا يمكن أن تحدث حادثة إلا وجدت في القرآن حلَّها، إما عن طريق الدلالة الصريحة، أو طريق الإيماء؛ فلو قال قائل: ليس في القرآن أن صلاة الظهر أربع ركعاتٍ، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وما أشبه ذلك؟
الجواب: أما عن طريق صريح، فهذا ليس موجودًا؛ لكن عن طريق الإشارة فموجود؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وقال: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي))، فتبيَّنَ بذلك الحكمُ، فقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]؛أي: نقيمها بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92]، وكيف نقيمها؟ بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلي))، فانتهت الدلالة، وعلى هذا يكون القياس.

فالقرآن الكريم نزل تبيانًا لكلِّ شيءٍ، وهو حبل الله المتين، من تمسَّك به نجا، ومن أطلقه هلك، فالبركة والخير في هذا القرآن، وقال رحمه الله: من بركته بيان أحكام الشريعة، وهي الأحكام التي يحتاجُ الناس إليها في حياتهم.

ومنها: عزة أمة الإسلام وظهورها على جميع أمم الأرض:
قال الشيخ رحمه الله: وبركة القرآن ما حصل للمتمسِّكين به من الرفعة والعزة والظهور على جميع الأمم.
وقال رحمه الله: ومن بركته ما حصل به من المعارف العظيمة لهذه الأمة الإسلامية، ومن الآثار الحميدة، فإن هذه الأمة الإسلامية كانت قبل نزول القرآن في ضلال مبينٍ في جهل أعمى، وفي ذلٍّ، وفي ضعف، ولما نزل القرآن وأخذت به، فاقت الأمم من كل ناحية؛ كما قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، وقال رحمه الله: القرآن مبارك في آثاره، فقد فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن.

ومنها: أنه شفاء لأمراض القلوب والأبدان لمن أحسن الاستشفاء به:
قال رحمه الله: من بركته ما يحصل به من الشفاء، والشفاء الحاصل بالقرآن نوعان:
النوع الأول: شفاء معنوي.
النوع الثاني: شفاء حسي.

أما الشفاء المعنوي فهو الشفاء من أمراض القلوب من الشبهات والشهوات، فالقرآن الكريم به العلم الذي هو شفاء من الشبهة، وبه الإخلاص الذي هو شفاء من الشهوة، وهذا من بركته، وكم من إنسان صلح قلبه بقراءة القرآن إما بنفسه وإما بسماعه من غيره!

وأما الشفاء الحسي، فمن بركته أنه شفاء للأمراض الحسية؛ أمراض البدن، وهذا شيء مُشاهد مُجرَّب، فكم من إنسان مريض عجز عن علاجه الأطباء، شفاه الله بالقرآن الكريم!

ومنها: جمع كلمة العرب وحفظ لسانهم؛ اللغة العربية:
قال الشيخ رحمه الله: ومن بركته أيضًا، أنه حفظ لسان العرب - يعني: اللغة العربية - فإن القرآن الكريم أفصح الكلام العربي لا شك، وهو باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأن الله تكفَّل بحفظه، فحِفظه يستلزم حفظ اللغة العربية؛ ولهذا يجب علينا - نحن المسلمين العرب - أن نفتخر بلغتنا، وأن نكون ضدَّ كُلِّ شخصٍ يُحاولُ أن يسلب الأمة العربية لغتها التي هي لغة القرآن والحديث.

وقال رحمه الله: وما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة، وحفظ اللغة الأصلية للقوم الذين نزل بلغتهم، فمن المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغة واحدة، صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لغاتهم، صاروا إلى التفرُّق أقرب؛ لأنه إذا اتفقت لغاتهم استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم، وأن يعرف بعضهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم.

ومنها: الأجر الكبير في تلاوته:
قال الشيخ رحمه الله: وبركة القرآن في الثواب الحاصل بتلاوته، فإن من قرأ حرفًا واحدًا منه، فله بكل حرف عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة، فإذا قرأت: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، فكلمةُ "ربِّ" بها ثلاثة أحرف، وهي: الراء، والباءُ المشددةُ بحرفين، كُلُّ حرف منها بعشر حسنات، فالجميع ثلاثون حسنة.

ومنها: أنه يهدي للتي هي أقوم:
قال الشيخ رحمه الله: من بركته أنه يهدي للتي هي أقوم؛ أي: الخصلة التي هي أقوم، وهذه تعتبر قاعدة فيما يهدي القرآن إليه، وقد ألقى فيها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمةُ الله عليه، محاضرةً كاملةً، وشرحها شرحًا وافيًا، فمن أراد الاطِّلاع عليها، فهي منشورة.

ومنها: رفعة منزلة مَنْ يتلوه:
قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن ما رُتِّب عليه من الثواب في المنزلة، لا في كثرة الأجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ، له أجران)).

ومنها أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه:
قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، وما أحوج الإنسان للشفعاء! لأن الإنسان محل قصور، فيحتاج إلى من يشفع له عند الله سبحانه وتعالى.

ومنها: زيادة الإيمان والمعرفة بالله عز وجل عند تلاوته وتدبُّره:
قال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [الأنفال: 2].
قال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن: ما يحصل فيه من التأثير في القلب لزيادة الإيمان ومعرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه.

ومنها: البركة في العمر:
قال الشيخ رحمه الله: انظر إلى أعمار من سبقنا من سلف في هذه الأمة، كيف يحصلون على الخير الكثير العظيم؟! ونتعجَّب كيف يكتبون هذا الشيء؟! وكيف يعملون هذا الشيء؟! فضلًا عن الإعداد له، وما يسبقه من تهيئة أبدانهم وقلوبهم وأفكارهم، كل هذا ببركة هذا القرآن العظيم.

ومنها تليين القلب وإكسابه خشية الله:
قال الشيخ رحمه الله: القرآن الكريم مُبارك في تأثيره؛ يعني: أنه يُؤثر على القلب، ويُلينُ القلب، ويُكسبه خشية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 21]، سبحان الله! فهذا وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا، ويتصدَّع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب؟ لو كان القلب حيًّا يكون من باب أولى؛ ولهذا قال ابن عبدالقوي رحمه الله:

وحافظ على درس القُرَانِ فإنه *** يُليِّنُ قلبًا قاسيًا مثل جلمـد​
وقال رحمه الله: القرآن مبارك في أثره بما يحصل به من صلاح القلوب، وإقبال العبد على ربه، وتليين القلب بذكر الله.
 
بركة الإسلام ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام
قال الشيخ رحمه الله: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم الرسالات بركةً وأعمها وأشملها، وملايين الملايين من البشر كلهم انتفعوا بها، وبركاتها كثيرة معروفة لمن تتبع التاريخ.

وقال رحمه الله: الله تعالى بارك في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بركةً لا نظير لها؛ ولذلك كان أتباعه يمثِّلون ثلثي أهل الجنة، وهو رسول واحد، والرسل عددهم كثير، ولا شك أن هذا من بركة دعوته؛ ولذلك وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن بركة دعوته ما يحصل لتابعه من الطمأنينة، والاستقرار، والسعادة، والثبات وغير ذلك.

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنتُ أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقةٍ، وصلة رحم، فهل فيها من أجرٍ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسلمت على ما سلف من خير))؛ [متفق عليه].

قال رحمه الله: إذا أسلم الكافر فأعماله السيئة يمحوها الإسلام كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38]، وأما أعماله الصالحة المتعدية من صدقة أو عنق أو صلة رحم، فإنها تُكتب له، ولا تضيع، لقوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، وفي لفظ: ((على ما أسلفت لك من الخير))، وهذا مقتضى قوله تبارك وتعالى: ((إن رحمتي سبقت غضبي))، ولولا هذا لكان الكافر إذا أسلم يُؤاخذ على عمله السَّيئ إلا أنه لا يخلد في النار ولا يُحاسب على عمله الصالح؛ لكن الرحمة سبقت الغضب، وهذه نعمة، والإسلام كله بركة.




بركة شهر رمضان
قال الشيخ رحمه الله: في شهر رمضان الكثير من البركات، وبركات هذا الشهر الكريم منها ما هو سابق، ومنها ما هو لاحق، ولنستعرض البركات التي جاءت في هذا الشهر اللاحقة والسابقة:
فمن بركات شهر رمضان السابقة:
أولًا: نُزولُ القرآن الكريم.
ثانيًا: نصر المسلمين في غزوة بدر.
ثالثًا: فتح مكة.

ومن بركات شهر رمضان اللاحقة:
ليلة القدر.
تُصفَّدُ فيه الشياطين.
فتح أبواب الجنة.
أن الله تعالى يُزينُ جنته كلَّ ليلة لمن أراد أن يدخلها.

قال جامعه: قد ذكرتُ كلام الشيخ رحمه الله مفصلًا عن بركات شهر رمضان في موضوع سابق بعنوان: "المنتقى من اللقاءات الرمضانية؛ للعلامة ابن عثيمين"، فلم أذكرها هنا منعًا للتكرار.




بركة المدينة النبوية
قال الشيخ رحمه الله: دعا الرسول عليه الصلاة والسلام للمدينة بالبركة، وأن يجعل مع البركة بركتين، وهذا شيء مُشاهد حتى الآن، فالذين يسكنون المدينة يقولون: إنا نُحسُّ بأن في طعامنا وشرابنا بركةً لا نُدركها في البلاد الأخرى.
وقال رحمه الله: نجد الطعام في المدينة يكون دائمًا متوفِّرًا ومباركًا في زرعه وجنيه.




بركة الزمان
قال الشيخ رحمه الله: الله قد يُبارك في الزمن للإنسان، حتى يقضي في اليوم ما لا يقضيه غيره في أيام، وهذا شيء مُشاهد، وإذا رأينا ما كتبه العلماء السابقون رحمهم الله في العلم وما عملوا من التدريس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علمنا أنه لولا أن الله بارك لهم في أزمانهم ما عملوا هذا العمل الكثير العظيم.

وقال رحمه الله: الإنسان إذا وفَّقه الله لكثرة الذكر بارك الله له في وقته، وبارك في عمله، وهذا شيء نسمع عنه، والعلماء السابقون تجد الواحد منهم يكتب الكراسات الكثيرة في المدة القليلة، مع أعماله وأحواله، وضيق المعيشة، وعدم الإنارة في الليل.

وقال رحمه الله: إذا قيل: ما السبيل الذي يجعل أوقاتنا مباركة؟ قلنا: ذكر الله، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، فالإنسان إذا أعرض عن ذكر الله، واتَّبع هواه، نزع الله البركة من عمره، والعياذ بالله؛ لكنه إذا كان دائمًا متعلقًا بربِّه سبحانه وتعالى، دائمًا يذكر الله تعالى، إن لم يذكره بلسانه ذكره بقلبه، وإن لم يذكره بجوارحه ذكره بقلبه، فهذا هو الذي يُبارك الله له في عمره.
 
بركة الولد​
قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وبارك لي فيما أعطيت))؛ أي: أنزل البركة فيما أعطيت من: علم وولد ومال، أما بركة الولد فإن يجعل الله تعالى في ذلك معونة على طاعة الله، ويساعدك في أمورك، ومن بركة الأولاد أن يكونوا من طلبة العلم، وينفع الله بهم الناس.


بركة العلم​
قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في علمه، بحيث لا يجلس مجلسًا إلا انتفع الناس بعلمه، ولا شك أن من بركات الإنسان أن يكون حريصًا على نشر العلم، ويسلك في نشره الوسائل التي تُشوِّق الناس إلى العلم، ولا تُملُّهم.

وقال رحمه الله: فبركة العلم: أن يكون الإنسان مباركًا في علمه، في الانتفاع به، وعبادة الله تبارك وتعالى على بصيرة، ويكون مباركًا في علمه بنشره بين الأمة وتعليمهم إيَّاه، ويكون مباركًا في علمه بالتأليف والكتابة، وانظر إلى بركة العلماء السابقين الذين كتبوا وألَّفوا، كيف انتفعت الأمة بهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله عز وجل، فصار هذا العلم بركة عظيمة لهم.

وقال رحمه الله: والغالب أن من دعا لنفسه - والعياذ بالله - أن الله تعالى لا يجعل في علمه بركة، وأن من أراد الحق جعل الله تعالى في علمه بركة حتى لو كان يتكلم بكلام لا يتكلم به إلا أدنى طلبة العلم، ولهذا نجد أناسًا عندهم حسن نية وقصد، يتكلمون بكلام سهل يأتي به أدنى طالب علم، ومع ذلك يكون لهم تأثير بليغ؛ لأنهم يريدون الحق وبيان الحق.


بركة الأخلاق​
قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في أخلاقه، بحيث تكون أخلاقه أخلاقًا حسنة، ففيه: السماح، والصدق، ولين الجانب، وما أشبه ذلك، فيقتدي الناس به، وإننا نقتدي بعوامٍّ ليس عندهم علم، نقتدي بأخلاقهم.


بركة العمل​
قال الشيخ رحمه الله: البركة في العمل أن يوفق الله الإنسان لعمل لا يُوفَّق له من نزعت منه البركة، وقال رحمه الله: يجب أن نكون على بصيرة في أمرنا، وعلى بصيرة في ديننا، وعلى بصيرة فيما نعبد الله به، وفيما نفعل أو ندعو من الأقوال والأعمال، حتى يُنزل الله لنا البركة في عملنا؛ ولهذا نجدُنا نُكثر الأعمال؛ ولكن أعمالنا لا تُصلح قُلُوبنا، وبركتها قلية على القلوب، وعلى الأخلاق، وعلى الآداب؛ لأن غالب عباداتنا لا يقوم بالقلب، ولا يكون فيه تمام المتابعة؛ بل أحيانًا لا يكون فيه تمام الإخلاص، وقال رحمه الله في شرحه لحديث الرجل الذي تصدَّق على سارق وزانية وغني: في هذا الحديث من العبر: أن هذا الرجل لصدق نيته وإخلاصه جعل الله تعالى في عمله بركة.

وقال رحمه الله: تأمل قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10]؛ أي: تفرقوا، كل في مجال عمله، التاجر في تجارته، والزارع في زرعه، والصانع في صنعته، ﴿ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 10]؛ أي: اطلبوا من فضل الله.

فيه والله أعلم إشارة إلى أن الإنسان إذا قدَّم الوظائف الدينية - وهي عمل الآخرة - على الوظائف الدُّنيوية، فإن ذلك من أسباب بركة العمل الدنيوي؛ حيث أرشد الله تعالى إلى طلب الرزق بعد انقضاء الصلاة.

وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع:البركة في نتائج عمله التي لم يقصدها هو بنفسه، فأحيانًا يعمل الإنسان عملًا، ولا يخطر بباله أن الناس سينتفعون به هذا الانتفاع، ومع ذلك يجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا، ما كان يحلم أن يكون فيه هذا الخير، وهذا شيء يُشاهده الإنسان في بعض الأحيان.



بركة إقامة الحدود​
عن عروة بن الزبير رحمه الله، أنَّ امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونهُ، قال عروة: فلما كلَّمه أسامة فيها تلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتُكلِّمني في حدٍّ من حدود الله؟!))، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيُّ قام رسول الله خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهلُهُ، ثم قال: ((أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتُها بعد ذلك، وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ [متفق عليه].

قال الشيخ رحمه الله: في هذا الحديث دليل على فوائد، منها: أن الحدود قد تكون سببًا للخير والبركة، فإن هذه المرأة رضي الله عنها تابت، وحسنت حالها، وتزوَّجت، وكانت تأتي إلى عائشة رضي الله عنها، فتقضي حاجتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
بركة القناعة

قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغن يُغنِه الله))، قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغْنِ))؛ أي: بما عنده ولو كان قليلًا ((يُغْنه الله)) عز وجل، ويبارك له فيه.

بركة المال
قال الشيخ رحمه الله: إذا بارك الله في المال نما وزاد، وإذا نزعت البركة منه نقص وزال. وقال رحمه الله: الصدقة لا تُنقص المال، وإن نقصته عددًا، فإنها تزيدُهُ بركةً، وحماية وكثير من الناس الذين ينفقون ابتغاء وجه الله، يجدون ذاك ظاهرًا في أموالهم بالبركة فيها، ودفع الآفات عنها، حتى أن الرجل يقول: كيف لم أنفق هذا الشهر إلا كذا، يتقالُّ ما أنفق؛ لأن الله أنزل فيه البركة، وبركة الله تعالى لا نهاية لها. وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في المال، فكم من إنسان عنده مال قليل بالنسبة إلى من عنده أموال كثيرة جدًّا، ومع ذلك تجد أمواله القليلة قد ينتفع الناس بها، وتجد صاحب الملاين أو المليارات لم ينتفع الناس بماله كما انتفعوا بمال هذا الرجل! وقال رحمه الله: من بركات المال أن تؤدي به ما أوجب الله عليك من النفقات في سبيل الله، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين، وتؤدي ما أوجب الله عليك من زكاته، وتتطوَّع بما شاء تعالى من الصدقات وغيرها، ومن البركة في الأموال أن يكون عند الإنسان محاصيل يكتسب بها أو يكتسبها سواء بالبيع والشراء أو بالزراعة أو بغير ذلك. وقال رحمه الله: المال من أخذه بطيب نفس من الباذل، ولم تتعلق به نفسه، ولم يستشرف له، فإن الله عز وجل يُبارك له فيه.

بركة شركة المضاربة
قال الشيخ رحمه الله: إعطاء المال لشخص يتاجر به، وله نصيب من الربح، يُسمَّى عند العلماء المُضاربة، وفيه خير وبركة لا سيَّما مع حُسْن النية، فإن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما)). وهذا النوع من العقود فيه بركة كما قلت، ومن بركته أنه يُنمِّي المال لصاحب المال بلا تعب منه، وأنه يفتح باب العمل والرزق للطرف الآخر الذي ليس عنده مال، فيكون هذا مكتسبًا بعمله، وصاحب المال مكتسب بماله، فلو أن الناس سلكوا هذا، وأعطوا من يثقون به دراهمَ يتَّجر بها، ويكون الربح بينه وبين صاحب المال على حسب ما يتفقان عليه، لحصل خير كثير لهؤلاء العاطلين الذين لا يريدون أن يعملوا بأبدانهم عند الناس كصناعيين، أو بنَّائين، أو ما أشبه ذلك، وليس عندهم مال يتجرون به، فإذا أحسن إليهم أحد من الناس، وقال: خذ هذا المال فتصرف فيه بالبيع والشراء، وما أحل الله، والربح بيننا، كان في هذا خير كثير، ومع النية الصالحة يُبارك الله للشريكين في هذا المال.

بركة السحور
قال الشيخ رحمه الله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة))، ففيه بركة؛ لكونه مُعينًا على طاعة الله، وفيه بركة؛ لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه يغني عن عدة أكلات وشربات في النهار، وفيه بركة؛ لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب.

بركة الصلاح
قال الشيخ رحمه الله: قول زينب رضي الله عنها: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون" الصالح كل من قام بحق الله، وحق العباد، وفي هذا: دليل على أن وجود الصالحين في المجتمع يكون سببًا لمنعهم من الهلاك، وهذا من بركة الصلاح أن يدفع الله السوء عن الناس بسبب هؤلاء الصالحين.
 
بركة الاجتماع على الطعام وتكثير الأيدي عليه

قال الشيخ رحمه الله: الأفضل..الأكل جميعاً كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر أن في ذلك بركة, وذلك لما شكى إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلعلكم تأكلون متفرقين ؟) قالوا: نعم, قال : ( فاجتمعوا على طعامكم, واذكروا اسم الله عليه, يُبارك لكم فيه ) فاجتماع الناس على الأكل من أسباب البركة.

وقال رحمه الله: تكثير الأيدي على الطعام يُوجب حلول البركة فيه, وأن طعام الواحد يكفي الاثنين, والاثنين يكفى الثلاثة أو يكفي الأربعة أيضاً, وهذا مشاهد أنه في الشركة بركة, فكُلما كثرت الأيدي على الطعام كثُرت البركة فيه.



بركة ماء زمزم

قال الشيخ رحمه الله : زمزم ماء مبارك, ( طعام طعم وشفاء سقم ), و( ماء زمزم لما شرب له ) إن شربته لعطش رويت, وإن شربته لجوع شبعت, حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم الحديث أن الإنسان إذا كان مريضاً وشربه للشفاء شفي, وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حافظاً, وإذا شربه لأي غرض ينفعه, فعلى كل حال هذا الماء مبارك.



بركة منّى

قال الشيخ رحمه الله: منًى مُباركة, فمهما كثر الحجاج فإنها تكفيهم...لأنها مشعر, فلا بُدَّ أن يكون هذا المشعر كافياً لجميع الحجاج, لكن إذا حصل الظلم نزعت البركة...قال بعض أهل العلم : إن من خصائص منًى أنها مثل رحم الأنثى, إن حملت بواحد كفاه, وإن حملت باثنين كفاهما, وإن حملت بثلاثة كفاهم, وهذا من بركة المكان أن يتسع لما لا يتسع له مثله في المساحة



بركة المشاورة

قال الشيخ رحمه الله: لما سمع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة – كعادته رضي الله عنه – هل يرجع أو يقدم ؟ فأشار بعضهم بالرجوع, وأشار بعضهم بعدم الرجوع....ثم عزم على الرحيل, بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم, وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه – وكان في حاجة له – فحدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ) فانظر كيف كانت بركة المشورة, أن وفقوا للصواب والحق.





بركة البيع على الوجه الشرعي

قال الشيخ رحمه الله:إذا تبايع الناس على وجه شرعي أنزل الله تعالى لهم البركة في بيعهم وشرائهم, واستقر اقتصاد الناس حيث لا ظلم ولا غرر ولا ربا, واستقامت الأمور, لكن إذا تعامل الناس بمعاملات مُحرمة اختل نظام الاقتصاد, لأن الذي نظَّم هذه المعاملات هو الله عز وجل.



بركة صلاح الآباء

قال الله عز وجل : ) وكان أبوهما صالحاً [ [الكهف:82] قال الشيخ رحمه الله: فكان من شكر الله عز وجل, لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفاً بأبنائه, وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.
 
عودة
أعلى