المبادئ العشرة لعلوم القرآن وبيان تهافت أقوال منتقصيه "الخاتمة"

إنضم
25/01/2011
المشاركات
54
مستوى التفاعل
7
النقاط
8
الإقامة
مصر
إخواني الأحبة
تحية طيبة
وبعد ... صدر حديثًا بحثي هذا؛ فأردت أن أشارك خاتمته ليعم نفعه بفضل الله ورحمته.
"الحمد لله في الأولى والآخرة؛ فقد حاولت إظهار المبادئ العشرة لعلوم القرآن على نحو ما يتناوله المتأخرون من مبادئ العلوم ، وتعرضتُ من خلالها للرد على بعض الشبهات التي يخوض فيها بعض الباحثين في زمان ينتزع منه علم الدين بقبض العلماء على حين أخذت علومُ الدنيا زخرفَها وازينت، والآن أجمل أهم ما نخرج به من هذه الدراسة .

1-اعلم –أيدني الله تعالى وإياك بتوفيقه- أن علمية علوم القرآن من البدهيات التي لا تحتاج إلى دليل أو برهان كما قيل:

الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلَائِلِ // مِنْ غَيْرِهِ ابتُغِيَتْ وَلا أَعْلَامِ(<a href="#_ftn1" name="_ftnref1" title=""><strong><sup>[1]</sup></strong></a>)

وإنما حاولت التنبيه على بعض الأوهام كي تطمئن قلوب الذين يعلمون؛ وليزداد إيمان الذين عن الحق يبحثون؛ لأن من المسلمات أنَّ إضافة لفظ (علم) إلى النحو والصرف والفقه وغيرها من أسماء العلوم من قبيل "شجر الأراك"؛ وأسماء العلوم هي المضافات إليها(<a href="#_ftn2" name="_ftnref2" title=""><strong><sup>[2]</sup></strong></a>)؛ فهل يشك مسلمٌ أنَّ القرآنَ علمٌ ؟ وقد قال الله عز وجل: ﵟلَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ ﵞ (<a href="#_ftn3" name="_ftnref3" title=""><strong><sup>[3]</sup></strong></a>)، قال الحافظ ابن كثير: "أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به"(<a href="#_ftn4" name="_ftnref4" title=""><strong><sup>[4]</sup></strong></a>)، وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي $ إذا أقرأ أحدًا القرآنَ قال له: قد أخذتَ علمَ الله، فليس أحدٌ اليومَ أفضلَ منك إلا بعمل (<a href="#_ftn5" name="_ftnref5" title=""><strong><sup>[5]</sup></strong></a>).

2-أن علوم القرآن بصورته عند الزركشي ومن جاء بعده جهود أمة امتدت لقرون في خدمة كتاب ربها ، فمحاولة تطوير بناء عظيم لا بد أن تكون بحذر ووعي شديد ؛ لأن الله تعالى حذرنا فقال: ﵟوَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا ﵞ (<a href="#_ftn6" name="_ftnref6" title=""><strong><sup>[6]</sup></strong></a>).

3-علوم القرآن كغيره من العلوم يحتاج إلى شيء من التحقيق والتحرير؛ لا سيما مع وجود كثير من الدعاوى ؛ كادعاء بعضهم عن كتاب ألَّفه أن فيه من ‌علوم ‌القرآن نحو ثلاثة آلاف علم، وقد ألفه فرقًا بين علامات المحققين والمتشبهين (<a href="#_ftn7" name="_ftnref7" title=""><strong><sup>[7]</sup></strong></a>)، ومَن طالع الكتاب علم أنه خواطر وإشارات حول آي القرآن الكريم، ولا علاقة له بعلوم القرآن .

4-استعمال فلسفة العلوم في محاولة تطوير العلوم الإسلامية غلط أو مغالطة لا مصلحة فيها البتة ، بل هو ضرر محض للفرق الظاهر بين علومنا من جهة والعلوم التجريبية -التي تهتم فلسفةُ العلوم بتطويرها- من جهة أخرى، ومعلوم أن هؤلاء الفلاسفة ينطلقون من رؤية مادية إلحادية مظلمة؛ فظلمة الإلحاد لن تلتقي مع نور الوحي أبدًا ، وإنما هما في صراع ما دامت السماوات والأرض .

5-القول بإلغاء علوم القرآن أو تجاوزه قول شاذ منكر، لا يحل القول به؛ لأنه إهدار لجهود وأعمار ثلة من أهل العلم، فإذا نهينا عن إضاعة المال فإهدار الأعمار ومجهودات القرون أعظم جرمًا ، ويؤكد شذوذَ هذا القول أمورٌ:

أولها- أنه مخالف لسبيل العلماء السابقين في التصنيف فيه وبيان أهميته والحاجة إليه ومدحه كما قال المرعشي: "وقد جمع السيوطي علوم القرآن في كتابه المسمى بالإتقان ينبغي لكل عالم أن يستصحبه"(<a href="#_ftn8" name="_ftnref8" title=""><strong><sup>[8]</sup></strong></a>)، وقد سبق أن نقلنا مدح الشيخ محمود أبو دقيقة لإتقان السيوطي.

ثانيها-أن هذا العلم يقدم النظرة الكلية للدراسات القرآنية، هذه النظرة هي الأساس التي تساعد المتخصصين في بعضها على الظفر بأسباب التحقيق في تخصصاتهم الدقيقة من علوم القرآن .

ثالثها- قبول القول بتجاوز علوم القرآن وإبطاله هو من خطوات الشيطان التي تجر إلى إبطال كل علوم الشريعة الغراء؛ لأن التشابه بين علوم الشريعة ظاهر؛ فما تعيبه النظرة الفلسفية في أحدها يمكن إلصاق هذا العيب –في زعمهم- بغيره من علومنا كما ذكرنا في شبهة "التعدد اللقبي"؛ فيلزم صاحب هذه النظرة الفلسفية أن يقول: كل علومنا مريضة معيبة، وحسبك من شر سماعه .

فالنجاة من هذا الخلط هو إدراك الفرق بين علومنا الشرعية التي ترجع إلى أصل معرفي مستقل هو الوحي، وبين العلوم العقلية كالرياضيات والمنطق من جهة، وبين العلوم التجريبية كلها من جهة ثالثة؛ فلكلٍّ من هذه الجهات خصائصه وطرقه في البحث .

ومحاولة خدمة علومنا الشرعية وتجديد مسارات البحث فيها لا تقتضي خلطًا بينها وبين مناهج غريبة عنها، بل لا بد أن تكون المناهج البحثية نابعة من أصلها المعرفي .

والله أسأل أن يهديني وكل مَن سعى في خدمة كتابه الكريم إلى صراطه المستقيم، وأن يجعلنا من أهل جنة النعيم ﵟرَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُﵞ ، ﵟرَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ﵞ ، ﵟسُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ 180 وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ 181 وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَﵞ .



([1]) بيت من الكامل، لأبي تمام. يراجع: ديوان أبي تمام ، بشرح الخطيب التبريزي، تح محمد عبده عزام ، دار المعارف -القاهرة ، ط 5 (3/ 208).
([2]) يراجع: ترتيب العلوم، للمرعشي (ص 89).
([3]) سورة النساء، آية 166 .
([4]) يراجع: تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير (4/ 384).
([5]) يراجع: موسوعة التفسير المأثور (7/ 268، 269).
([6]) سورة النحل، آية 92 .
([7]) يراجع: الجوهر المصون والسر المرقوم فيما تنتجه الخلوة من الأسرار والعلوم، لعبد الوهاب الشعراني (ص 38).
([8]) يراجع: ترتيب العلوم، للمرعشي (ص 167)."
WhatsApp Image 2026-04-11 at 4.45.18 PM.jpeg
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ الفاضل أقترح على حضرتكم تحميل المشاركة مرة أخرى وفقنا الله تعالى وإياكم .
 
عودة
أعلى