﴿اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,021
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )




الله عز وجل قُدرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن فلا شيء يُعْجزه لِكمال قدْرته :



لا شيء يُعجزه لكمال قدرته، لأنّ صاحب الجوْهرة قال: قُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن، فما هو الممكن؟ هو كل ما سوى الله؛ فذات الله واجبة الوجود، وما سواه ممكن الوُجود، فقُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن فلا شيء يُعْجِزُه لِكَمال قدْرته.



أيها الأخوة الأكارم، قد تقول: هذا القاضي عادل، لكِنَّ عَدْل القاضي نِسْبي، وقد تقول: فُلان قَوِي، إلا أنّ قوَّته نِسْبِيَّة، أما إذا نسَبْتَ إلى الله القوّة والعدْل فهي القوَّة المُطْلقة، أُوَضِّحُ لكم هذه الحقيقة؛ قاضٍ قضى بين الناس أربعين عاماً، فأصْدر في هذه السنوات عشَرات القرارات، فإذا كان بين هذه الأحكام والقرارات والبالغة ـ مثلاً مئة حكم ـ قرار غير صحيح فإنَّهُ يُسَمَّى عند الناس قاضياً عادلاً! لأنَّ الأحكام التي تنْطبق على الإنسان أحْكام من نوع الأعمِّ الأغْلب، ولكن لو قلتَ: إنَّ الله عادل، فهي كلمة مُطْلقة، ولا تسْمح لك أن تعتقد طيلةَ عمر الأرض كُلِّها، وفي تاريخ البَشَرِيَّة جميعاً أنّ إنسانًا هُزِمَ حقّه، فصِفاته وأسماؤه تعالى مُطْلقة، إذا قلْنا: لا يُعْجزه شيء، أيْ قُدْرته مُتَعَلِّقة بكُلِّ ممكن، وهذا إلى ماذا ينْقلنا؟ ينقلنا إلى أنَّ المُعْجزات التي وردت في القرآن الكريم يقف منها بعض ضِعاف العُقول موقف المُتَرَدِّد، يقول لك: هل يُعْقل ألاّ تحْرق النار؟! فلو عرفَ أنَّ قدْرته متعلِّقة بكُلِّ ممكن فسَتَقول: هذا مَعْقول، نحن لم نألَفْ في عاداتنا أنَّ النار لا تُحْرق، إلا أنَّهُ في عُقولنا ما دامت قُدْرة الله مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن: كُنْ فَيَكون، فالبحْر أصبح طريقاً يبَساً! والنار؛ يا نار كوني برْداً وسلاماً على إبراهيم! فكلمة (لا يُعْجِزُهُ شيء) أنَّ قُدْرته مُتَعَلِّقَة بِكُلّ ممكن، وهذه تجعلنا لا نقف حيارى أمام آيةٍ قُرْآِنيَّة أشارتْ إلى خرْقٍ لِقَوانين الكَوْن، وهذا لا يحْملنا على أنْ نرْفض الكرامة بل نُصدِّقُها، لكن لا نرْويها، أما إذا وردَتْ في نَصِّ قرآني أو حديث صحيح فإذا رفَضْناها فقد كَفَرْنا، فأهل الكهْف ليْسوا أنْبياء، بل هم مؤمنون، وكرامتهم أنَّهم لبِثوا في كهْفِهِم ثلاثمئة سنين وازْدادوا تِسْعاً، والسيِّدة مريم ليْسَت نَبِيَّة، إنما هي صِدِّيقَة، ومع ذلك أنْجَبَتْ مولوداً ذَكَراً من دون زواج؛ فهذا خَرْقٌ للعادات، فَكُلّما تَبَحَّرْت في معرفة قدْرة الله عز وجل رأيْت المعجزة أمراً طبيعياً مَحْضاً.



﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )




الله عز وجل على كُلّ شيءٍ قدير :


قال: لا شيء يُعْجِزُهُ لِكمال قدْرته، قال تعالى:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

أشْمَل كلمة في القرآن الكريم على الإطْلاق هي كلمة (شيء)، كُلُّ شيءٍ، معنوي، أو مادي، أو حيوي، أو جماد، أو ميِّت، أو حيوان، أو إنسان، كبيراً كان أم صغيراً، قريباً أم بعيداً، مرْئيًّاً أم غير مَرْئي، كُلُّ هذا شيء، والله على كُلّ شيءٍ قدير

ومثل هذه الآية قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة المجادلة: 7]

تَعَلَّقَتْ قدْرته بِكُلّ ممكن، فالآية الأولى، وهذا منْهج الكتاب؛ إنَّ الله على كلّ شيء قدير، وقال تعالى:

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾

[سورة الكهف: 45]



﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )




صِفات الله إذا جاءت بعد كان فهذه الصِّفَات مُترابطة مع المَوْصوف ترابطاً وُجوديًّاً :


أما كلمة (كان) فهي تُفِيدُ علاقة رائِعَة جداً! فقوله: كان الله، هذه الصِّفَة متعلِّقة مع وُجود الله عز وجل تلازماً ترابطيًّاً وُجودِياً، أي منذ أن كان الله تعالى كان عليماً، وكان حكيماً، فإذا قرَأتَ القرآن الكريم، وقرأتْ قوله تعالى:

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

[سورة الفتح: 4]

وقال تعالى:

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾

[سورة الكهف: 45]



انْتَبِه إلى هذه العلاقة؛ إذا جاءَتْ صِفات الله بعد كان معنى ذلك أنَّ هذه الصِّفَة مُترابطة مع المَوْصوف ترابطاً وُجوديًّاً! قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾

[سورة فاطر: 44]



﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )




كُلٌّ نفْي يأتي في كتاب الله أو سنة نبيه فهو لِكَمال الضدّ :




أيها الأخوة، هذه الآية كم تَبُثّ في الإنسان من طمأنينة ومن أمَل؟! لو أنَّ عبداً مرِض مرضاً عُضالاً، فما دام الله تعالى على كُلِّ شيء مُقْتَدِراً، قال تعالى:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 255]

يؤوده يعجزه، ومعنى هذا يُثْقِلُهُ ويُعْجِزُه، وحينما يرِدُ في القرآن الكريم نفْيٌ مُتَعَلِّق بِذات الله فهذا النَّفْي هَدَفُه إثْبات كمال الضِدّ، فحينما ننفي عن الله جَلَّ جلاله شيئاً فَلِنُثْبِتَ كمال ضِدِّه، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات والأرض، وكذا لا يؤوده حفظهما؛ فهذا النَّفي لثبوت كمال الضدّ، فَكُلٌّ نفْي يأتي في كتاب الله عز وجل، وفي السنَّة المطهَّرة فهو لِكَمال الضدّ



فقوله تعالى:

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

[سورة الكهف: 49]

أي لِكَمال عَدْله



وقوله تعالى:

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة يونس: 61]

لِكَمال علمه



وقوله تعالى:

﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 255]

لِكَمال حياته، وَقَيُّومتِه



وقوله تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة الأنعام: 103 ]

لِكَمال جلاله وعَظَمَتِه.



موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية



﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
 
عودة
أعلى