ومضات نبوية لقلبك

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,061
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر


12871102299.gif


(الومضة 1)

ولا تعجز… فالله يرى عزمك


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تَعجِز »؛ رواه مسلم.


في زحام الحياة، حيث تتزاحم المهام وتتزاحم الأفكار، تتوه خطوات القلب، ويفتر العزم، لا عن عجزٍ حقيقي… بل عن ذنب أقعد، أو غفلة أثقلت، أو همّ أطفأ جذوة الاندفاع.


فما إن لامست أذني كلمة "ولا تعجز" حتى شعرت بها تخترق القلب وتستقر فيه كنداء ربّاني، يوقظ الإرادة، ويبعث الرجاء في لحظة انكسار.


"احرص على ما ينفعك"…

عبارة قصيرة، لكنها مفتاح حياة.


لو أن العبد جعلها دستوره، لأنار بها دربه، ورتّب بها أولوياته، وكنس من جدول أيامه كل ما لا ينفع.


فالنفس، كالهاتف حين تمتلئ بالملفات التافهة، تثقل وتتجمد، وتصرخ في صمت: "لقد اكتفيت… أحتاج إلى ترميم!"


أفلا تستحق أرواحنا أن نُفرّغها مما لا ينفع، ونُصلحها بما يحييها؟


تمرّ على القلوب مواسم فُتور، تُبتلى بمحن، وتغشاها سُحب الغياب، لكن حين يُختبر صدق العزيمة، تتجلّى عناية الله في ألطف صورة.


كنتُ يومًا أتهيّأ لاجتياز اختبارٍ عزيز على قلبي، فإذا بالمصيبة تفجأني، فقدتُ أبي… من كان سندي ونبضي.


ظننتُ أنني لن أرفع رأسي بعده، لكن الله ألقى في قلبي نورًا خفيًّا انتشلني، وأمسكت بدفتري، أراجع بين دموع الفقد، وفي قلبي عهدٌ ألا أترك ما بدأت، لأجعل من العلم صدقة جارية لروحه، ودعاءً لا ينقطع.


"ولا تعجز"…

العجز ليس أن تتعثّر، بل أن تستسلم.


المؤمن قد يضعف، لكنه لا ينهار… قد يتأخر، لكنه لا يتقهقر.


وإن عصفت بك أمواج الحياة، ثق أن هناك نورًا من العزيمة الصادقة، ينتظرك أن تراه، ليمسك بيدك، ويرفعك.


ومضتي إليك: سِر، ولو على وجع… ولو بعرج…


وإن سقطت في منتصف الطريق، فالنهوض خير من القعود.


لا تُصغِ لهمسات المثبّطين، ولا تلتفت لعيون تتربص بك الهزيمة.


انهض… فإن الله لا ينظر إلى خطواتك فقط، بل إلى صدق قلبك، وعزمك في المسير.


wsrypqlh.gif




(الومضة 2)
لا تغضب


سألوني: لمَ لا تغضب حين يستفز قلبك؟

فقلت: علمت أن القوة ليست في البطش، بل في ربط الجأش عند الشدة، فصِرتُ أستمدُّ شجاعتي وحِلمي من هديِ نبيي صلى الله عليه وسلم؛ الذي قال: ((ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب))؛ [رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609)].



فكيف أغضب لدنيا زائلة، وأترك الغضب للدين إن انتُهك؟

إنها مدرسة النبوة: أن تملِك نفسك حين تستفز، وتغضب لله حين تُهان القِيم، وتُبدَّل السُّنن.


فاحفظ قلبك بهذه القاعدة: أمسِكْ لسانك، املِك نفسك، واغضب لله لا لنفسك.


شرح الحديث ومعانيه:

بيَّن العلماء أن هذا الحديثَ من جوامع كلِمِه صلى الله عليه وسلم، إذ أصله في تهذيب النفس، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على صرع الرجال، بل في قهر النفس وضبطها عند الغضب.


قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (كتاب البر والصلة): "المراد بالشديد هنا من يملك نفسه عند الغضب، فيمنعها من قولٍ أو فعلٍ غير لائق، وهذا هو حقيقة الشجاعة".


ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((الصُّرعة)): من يغلب غيره في المصارعة، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الغلَبة الحقيقية هي على النفس لا على الأبدان.



من كلام ابن تيمية:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/602): "الغضب غريزة في الإنسان، وهي من قِوى النفس، فإذا انقاد له صار ضعفًا، وإذا قهره بالعقل والدين كان من تمام قوته".


وقال أيضًا في الفتاوى الكبرى (3/267): "من ملك نفسه عند الغضب، فقد جمع بين العقل والدين، وكان من أعظم الناس قوة".


فالقوة في ميزان ابن تيمية ليست اندفاعًا، بل تربية للنفس على التُّؤدة والحِلم، حتى يكون الغضب لله وحده، لا للنفس ولا للهوى.


خلاصة الومضة:

حين تملك نفسك عند الغضب، فقد بلغتَ مقامَ القوة النبوية التي تهذب لا تفتك، وتُصلح لا تفسد.

واجعل شعارك: قوتي في ربط جأشي، وحِلمي هدية نبوية لقلبي.

يتبع

نوال محمد سعيد حدور
شبكة الألوكة


2qdc8bqi.gif


 
عودة
أعلى