وقفة مع قوله تعالى:" آمنا برب هارون و موسى":

إنضم
12 يناير 2013
المشاركات
676
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
العمر
52
الإقامة
مراكش-المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم
وقفة مع قوله تعالى:" آمنا برب هارون و موسى":

قال جل و علا:" فألقي السحرة سجدا، قالوا آمنا برب هارون و موسى"- طه:70-
قورن ذكر موسى بهارون عليهما السلام في عدة مواضع من القرآن الكريم بتقديم موسى عليه السلام إلا في هذه الآية، و قد تعددت أقوال العلماء في بيان سبب هذا التقديم:
- فقيل لأن هارون كان أكبر سنا من موسى عليهما السلام بثلاث سنين و أفصح منه، و قد قدم عليه موسى في كل المواضع فناسب أن يقدم هارون عليه و لو في موضع واحد.
- و قيل لحالة السحرة النفسية الذين أصابهم من التلعثم ما أصابهم حينما شاهدوا تلك المعجزة الكبرى، فقدموا ما حقه التأخير، كالذي قال:" اللهم أنت عبدي و أنا ربك" أخطأ من شدة الموقف.
- و قيل ليدفعوا توهم فرعون، إذا قدموا موسى، أنهم ما آمنوا به عليه السلام إلا لكونه تربى في حجر فرعون، كما قال:" ألم نربك فينا وليدا".
- و قيل أن الآيات -سواء التي قدم فيها موسى أو هارون عليهما السلام-، في قصتهما مع سحرة فرعون، أن كل هذه الآيات من كلام السحرة، فقدموا تارة موسى عليه السلام لشرفه و رسالته، و قدموا هارون أخرى لكبر سنه.
- و قيل لموافقة الفواصل كما ذهب إليه العلامة أبو زكريا الأنصاري-926هـ- في كتابه" فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن الكريم"، و كذا الفراء الذي زعم أن المعنى قد يتسامح فيه لأجل اللفظ.
لكن هذا ليس بشيء فالمعنى القرآني لا يمكن أن يختل من أجل الفواصل.
- و منهم من ذهب إلى أن هذا أسلوب من أساليب القرآن يدل على جواز تقديم المفضول على الفاضل.
و لعل القول الأقرب أن الواو في قوله تعالى:" رب هارون و موسى" لا تفيد الترتيب كما هو الحال عموما، و إنما تفيد مطلق الجمع.
و قد حكى ابن عاشور رحمه الله تعالى في تفسيره بعض هذه الأقوال حيث قال:" ووجه تقديم هارون هنا الرعاية على الفاصلة ، فالتقديم وقع في الحكاية لا في المحكي ، إذ وقع في الآية الأخرى قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ( ( الشعراء : 47 ، 48 ) . ويجوز أن يكون تقديم هارون في هذه الآية من حكاية قول السحرة ، فيكون صدر منهم قولان ، قدموا في أحدهما اسم هارون اعتباراً بكبر سنّه ، وقدموا اسم موسى في القول الآخر اعتباراً بفضله على هارون بالرسالة وكلام الله تعالى ، فاختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين ".
لكنه رجح قبل ذلك أن الواو لا تفيد إلا مجر الجمع، يقول رحمه الله تعالى:" وتقديم هارون على موسى هنا وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف ( 121 ، 122 ) : ( قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ( لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره ، لأنّ الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه ، فهم عرفوا الله بأنه ربّ هذين الرجلين ؛ فحكي كلامهم بما يدلّ على ذلك ؛ ألا ترى أنه حكي في سورة الأعراف ( 121 ) قول السحرة ) قالوا آمنا برب العالمين ، ولم يحك ذلك هنا ، لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكي وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة "-اهـ-.
 
التعديل الأخير:
الفاضل ناصر عبد الغفور
يقول الله تعالى : { قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ }[الشعراء: 47-48].
جاء في تفسير الشعراوي (ت:1418ه) : "ونعلم أن موسى - عليه السلام - هو الأصل، ثم أُرسِل معه أخوه هارون، ولما عرضَ القرآن موقف السحرة مع موسى حكى قولهم: { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ } [طه: 70] وقولهم:
{ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ }[الشعراء: 47-48].
لذلك كانت هذه المسألة مثارَ جَدَل من خصوم الإسلام، يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟
ولك أن تتصور جمهرة السحرة الذين حضروا هذه المعركة، فكان رؤساؤهم وصفوتهم سبعين ساحراً، فما بالك بالمرؤوسين؟ إذن: هم كثيرون، فهل يُعقل مع هذه الكثرة وهذه الجمهرة أن يتحدوا في الحركة وفي القول؟ أم يكون لكل منهم انفعاله الخاص على حَسْب مداركه الإيمانية؟
لا شَكَّ أنهم لم يتفقوا على قول واحد، فمنهم مَنْ قال { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ } [طه: 70] وآخرون قالوا:{ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ }[الشعراء: 47-48].
كذلك كان منهم سطحيّ العبارة، فقال : { آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ }[الشعراء: 47-48] ولم يفطن إلى أن فرعون قد ادّعى الألوهية وقال أنا ربكم الأعلى فربما يُفهم من قوله : { رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ }[الشعراء: 48] أنه فرعون، فهو الذي ربّى موسى وهو صغير.
وآخر قد فطن إلى هذه المسألة، فكان أدقَّ في التعبير، وأبعد موسى عن هذه الشبهة، فقال: { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ } [طه: 70] وجاء أولاً بهارُون الذي لا علاقة لفرعون بتربيته، ولا فضل له عليه، ثم جاء بعده بموسى.
إذن: هذه أقوال متعددة ولقطات مختلفة لمجتمع جماهيري لا تنضبط حركاته، ولا تتفق تعبيراته، وقد حكاها القرآن كما كانت فليس لأحد بعد ذلك أن يقول: إنْ كان القول الأول صحيحاً، فالقول الآخر خطأ أو العكس.
وما أشبه هذا الموقف الآن بمباراة رياضية يشهدها الآلاف ويُعلِّقون عليها، تُرى أتتفق تعبيراتهم في وصف هذه المباراة؟
نقول: إذن، تعددت اللقطات وتعددت الأقوال للقصة الواحدة لينقل لنا القرآن كل ما حدث. "
 
قد يكون ما ذكره الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى وجها من وجوه التوفيق، لكن أن يكون هو القول الفاصل فهذا الذي لا يسلم.
والله أعلم وأحكم.
 
لكن مهما يكن فقول من يقول أن اعتبار الفواصل مقدم ولو على حساب المعنى قول مرجوح، لأن السجع هو الذي يكون فيه المعنى تابعا للفظ، فيتسامح في المعنى من أجل المحافظة على القرينة(وهي في السجع كالقافية في الشعر)، أما القرآن الكريم فمنزه عن مثل هذا الأمر كيف وهو كلام الله المعجز.
وقد ذكر الإمام الزمخشري أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سدادها...كما لا يحسن تخير الألفاظ المؤنقة في السمع السلسة على اللسان إلا مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة، فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده، غير منظور فيه إلى مؤداه على بال، فليس من البلاغة في فتيل أو نقير.)-من مقدمة كتاب الإمام عبد البقاء أبي المحاسن رحمه الله تعالى (الترجمان عن غيرب القرآن).
 
عودة
أعلى