وقفات للتأمل: هل نحصد إلا ما نزرع؟!

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,230
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر



إن الله -عزّ وجلّ- أقام الكون وأحكم شؤون العباد بسنن، لا تتبدل، ولا تتحول {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا} (فاطر: 43)
ومن سنن الله الحاكمة لمستقبل الأمم والمجتمعات: أن (الإنسان لا يحصد إلا ما زرع).
ولقد حفلت رسالات السماء بتلك السُنَّة الحاكمة من جانب، ونطق بها الواقع في دنيا الناس من جانب آخر..


​
  • فأما ما حفلت به رسالات السماء:​
إذا تأملنا القرآن الكريم، وجدناه ينضح بتلك الحقيقة في أكثر من موطن:

أولا: وضع القرآن الكريم قانونا عاما، يبين أن الإنسان يجني ثمار جهده، ونتاج عمله أيا كان، في الدنيا والآخرة، فقال -جلّ وعلا-: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7-8)

ثانيا: رتّب القرآن الثواب والعقاب علي حسب ما يزرعه الإنسان: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (الأنعام:160)

ثالثا: وعد القرآن الإنسان بحصاد مضاعف لما زرعه من خير: {..وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المزمل: 20)

وفي الحديث القدسي: “.. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِـيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ” (رواه مسلم)



إن كل إنسان زارع إما لجسده أو للروح، وإيماننا وأفكارنا وكلماتنا وأفعالنا، هي البذار الذي نزرعه للأبدية، إما أبدية البركة والهناء أو أبدية التعاسة والشقاء . فكم يجدر بكل واحد منا أن يفكر ماذا يكون حصاده!


​
  • وأما ما نطق به الواقع في دنيا الناس:​
* ما نطق به الواقع -في جانبه المضيء- أن ما تسعد به البشرية من تقدم ورقي، أسعدَ الإنسانَ، ووفّر وقته، وهيّأ له سبل العيش الكريم، فجعله يطير في السماء كالطير، ويغوص في الماء كالسمك، ومكّنه من الكون برا وبحرا وجوا.. لا شك أنه من زرع أناس أجهدوا ذكاءهم، وأعملوا فكرهم، وواصلوا بالليل والنهار جهدهم، فكان لهم حصاد ما زرعوا..!

* وما نطق به الواقع – في جانبه المظلم – أن ما تعانيه البشرية عامة والعالم الإسلامي خاصة، من آلام الدمار والتشريد، ومن أوجاع الفقر والجوع، هو -على حد تعبير الدكتور محمد عمارة- بسبب تركز الثروات ومن ثم الاستهلاك المترف، في يد القلة، وتركز الفقر وانعدام القوة الشرائية في جانب الكثرة الكاثرة من البشر.. الأمر الذي جعل رأس المال العالمي ينصرف عن الاستثمار الإنتاجي والتجاري والخدمي إلى السمسرة والمضاربات والمقامرات وصناعة السلاح وتجارات الجارة والمخدرات!
نجد هذا المشهد البائس والمتوحش في نسبة ما ينفق -من الاقتصاد العالمي- على الدمار والترف إلي نسبة ما ينفق علي ضرورات وحاجات الناس.
فأول تجارة في عالم الرأسمالية المتوحشة هي تجارة السلاح، تليها تجارة المخدرات.. تليها تجارة الدعارة!.. وما ينفق علي الخمور والقطط والكلاب هو أضعاف أضعاف ما ينفق علي الصحة والتعليم والغذاء..!

رُوِي أن سيدا كان له عبد يعملُ في مزرعته، فقال هذا السيد لعبده: ازرع هذه القطعة بُرا، وذهب وتركه، وكان هذا العبد لبيبا عاقلا ، فما كان منه إلا أن زرع القطعة شعيرا بدل البُر. ولم يأت ذلك الرجل إلا بعد أن استوي الزرع، وحان وقت حصاده. فجاء، فإذا هي قد زُرعت شعيرا، فما كان منه إلا أن قال لعبده: أنا قلت لك ازرعها بُرا، لم زرعتها شعيرا؟
قال له: رجوت من الشعير أن ينتج بُرا!
قال: يا أحمق، أفترجو من الشعير أن ينتج برا؟
قال: يا سيدي، أفتعصي الله وترجو رحمته، أفتعصي الله وترجو جنته؟
ففطن الرجل لحكمة عبده وكياسته، فتاب وعاد إلى الله، وأصبح العبد حرا لوجه الله.
ونتساءل، أنزرع الجهل ونرجو تقدما؟!، أنزرع الشر ونرجو خيرا؟!


كلا.. ما يُنالُ الخيرُ بالشرّ ولا ** يَحصد الزارع إلاّ ما زَرَع!

د. إبراهيم التركاوي





أمثلة من واقع الحياة

1ـ الخليل إبراهيم عليه السلام


من الأمثلة العملية التي تدل على تحقق هذه القاعد ما كان مع الخليل إبراهيم عليه السلام ،

ذلك الرجل الذي قام بدين الله عز وجل خير قيام فقدم بدنه للنيران وطعامه للضيفان وولده للقربان ،

فإنه لما صبر على البلاء في ذات الله عز وجل وألقاه قومه في النار كان جزاؤه من جنس عمله : (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الانبياء:69) .

ولما سلم قلبه من الشرك والغل والأحقاد كان جزاؤه من جنس عمله ( سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (الصافات:109).

ولما هاجر وترك أهله وقرابته ووطنه أسكنه الله الأرض المباركة ، ووهب له من الولد ما تقر به عينه (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ) (الأنبياء:71ـ 72).

ولما بنى لله بيتا في الأرض يحجه الناس رآه النبي صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور قبلة أهل السماء الذي يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك.

ولما صبر الخليل عليه السلام على تجريده من ثيابه على يد الكفار كان جزاؤه من جنس عمله فإن : " أول من يكسى من الخلائق يوم القيامة إبراهيم " . كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.


2ـ أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها

زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أحسنت صحبته ، وواسته بنفسها ومالها ، وكانت من السابقين إلى الإسلام ، فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له :" بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب " . والقصب هو اللؤلؤ ، فبيتها في الجنة من قصب نظرا لما كان لها من قصب السبق إلى الإسلام ، ثم هو بيت لا صخب فيه ولا نصب ؛ ذلك أنها لم تتلكأ في إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم تحوجه إلى كلام كثير أو رفع صوت ، فكان جزاؤها من جنس عملها رضي الله عنها وأرضاها.


3ـ النمرود بن كنعان

وعلى الجانب الآخر نرى تحقق نفس القاعدة في أعداء الله الكافرين والمنافقين ، فهذا النمرود بن كنعان الذي قال: أنا أحيي وأميت ، وظل مئات السنين يقول للناس: أنا ربكم الأعلى ويتكبر عليهم ، سلط الله عليه بعوضة دخلت في أنفه ـ والأنف رمز العزة والشموخ ـ ثم تسللت إلى دماغه فسببت له وجعا كان لا يشعر براحة إلا إذا ضربه من حوله بالنعال والمطارق على رأسه ( جزاء وفاقا ).


4ـ عقبة بن أبي معيط
أما عقبة بن أبي معيط ذلك الكافر الذي اشتد إيذاؤه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد وضع عقبة سلا الجزور على رأس النبي وهو ساجد ، وهو الذي وضع رجله على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد حتى ظن النبي أن عينيه ستندران ، فقد مكن الله منه في بدر ووقع أسيرا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ، فقال: علام أقتل من بين مَن هنا ؟ فقيل له على عداوتك لله ورسوله.


5ـ معذبة زنيرة

أما زنيرة رضي الله عنها فقد كانت أمة لدى واحدة من نساء قريش ، شرح الله صدر زنيرة للإسلام فآمنت وشهدت شهادة الحق ، فكانت سيدتها تعذبها وتأمر الجواري أن يضربن زنيرة على رأسها ففعلن حتى ذهب بصر زنيرة ، وكانت إذا عطشت وطلبت الماء قلن لها متهكمات : الماء أمامك فابحثي عنه ، فكانت تتعثر ، ولما طال عليها العذاب قالت لها سيدتها: إن كان ما تؤمنين به حقا فادعيه يرد عليك بصرك ، فدعت ربها فرد عليها بصرها ، أما سيدتها التي كانت تعذبها فقد لاقت شيئا من جزائها في الدنيا ، فإنها أصيبت بوجع شديد في الرأس وكان لا يهدأ إلا إذا ضربت على رأسها ، فظل الجواري يضربنها على رأسها كي يهدأ الوجع حتى ذهب بصرها ، والجزاء من جنس العمل.

نسأل الله الكريم أن يجعل عملنا كله صالحا ولوجهه خالصا وأن يحسن جزاءنا ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

اسلام ويب
​



 
عودة
أعلى