وقفات قرآنية

إنضم
03/01/2021
المشاركات
758
مستوى التفاعل
2
النقاط
18
العمر
59
الإقامة
مصر
وقفات قرآنية( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ)

قال تعالى:
{وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان:20].

{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}: ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغنى ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغنى عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: "{أَتَصْبِرُونَ} أي: على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء، وحكّام العدل ألا ترى إلى قولهم: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر، وذلك عن الضجر" (تفسير القرطبي: [13/18]).

"وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام من الآية 53]. فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم، ورثاثة حالهم، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم: {لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف من الآية:11]، وقال: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص من الآية:8]، إلى غير ذلك من الآيات، وسيُوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا كما قال تعالى: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف:49]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ....} [المطففين:29-30]، إلى قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين:34-36]، وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة من الآية:212]، وقوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ}، أي: على الحق أم لا تصبرون. والعلم عند الله تعالى" (أضواء البيان: [6/36]).

{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي هذه سُنّتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض فنبتلي المؤمن بالكافر والغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع، وننظر من يصبر ومن يجزع ونجزي الصابرين بما يستحقون والجزعين كذلك.

"وقوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} هذا الاستفهام معناه الأمر أي اصبروا إذاً ولا تجزعوا أيها المؤمنون من أذى المشركين والكافرين لكم. وقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي وكان ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع فاصبر ولا تجزع فإنها دار الفتنة والامتحان وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" (أيسر التفاسير للجزائري: [3/81]) .

وقال الزمخشري: {فِتْنَةً} أي محنة وبلاء، وهذا تصبّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبعدوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعدما احتج عليهم بسائر الرسل يقول: جرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض.

والمعنى أنه ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف وأنواع أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل ونحوه {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران من الآية:186] الآية، وموقع {أَتَصْبِرُونَ} بعد ذكر الفتنة موقع {أَيُّكُمْ} بعد الابتلاء في قوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود من الآية:7]، {بَصِيراً} عالماً بالصواب فيما يبتلى به وبغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليهم سعادة، وفوزك في الدارين.

"وقيل: هو تسلية عما عيروه به من الفقر حين قالوا {أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} [الفرقان من الآية:8]، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء لينظر هل تصبرون وأنها حكمته ومشيئته يغني من يشاء ويفقر من يشاء.

وقيل: جعلنا فتنة لهم لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا، وإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يُطيعك منهم خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي.

وقيل: كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمّار وصهيب وبلال وفلان وفلان فرفعوا علينا إدلالاً بالسابقة فهو افتتان بعضهم ببعض" انتهى.


{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} فأيّ بعض فتنة لأيِّ بعض؟ كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف من الآية:32] أيُّ بعض مرفوع، وأيّ بعض مرفوع عليه؟

نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غنيٌّ وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبةً خَصّه الله بها، فكلٌّ مِنّا عنده مَيْزةٌ ليست عند أخيه؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخَلْق؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاجَ أحدٌ لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أمّا حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل.

"ولو تصورنا الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة وأصبحوا (دكاترة) فمَنْ يكنس الشارع؟ ساعتها سيتطوّع أحدنا يوماً لهذه المهمة، إذن: تُصبح الحاجة بنت تطوُّع وتفضُّل، والتفضُّل لا يُلزِم أحداً بعمل، فقد تتعطل المصالح. أمّا حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تُسرِع إلى العمل وتبحث عنه.

أَلاَ ترى أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن عمل، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا؟ إنها الحاجة.

فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد، إذن: التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمة.

ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة، وهذا خطأ، فأيُّ عمل يُصلِح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً، فلا يوجد عمل حقير أبداً، وإنما يوجد عامل حقير.

والناس يفرّون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفرَّ منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ. إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة.

لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه، لماذا؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره، وهو كذلك سهل السَّبْك؛ لذلك يقولون: المعدن النفيس كالأخيار بَطيءٌ كَسْره، سريع جَبْره. فمثلاً حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلاً.

إذن: الفتنة اختبار، الماهر مَنْ يفوز فيه، فإنْ كان غنياً كان شاكراً مُؤدِّياً لحقِّ الغني مُتواضعاً يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأَكْل أموال الناس بالباطل. ولما كانت الفتنة تقتضي صَبْراً من المفتون، قال سبحانه: {أَتَصْبِرُونَ} فكل فتنة تحتاج إلى صبر، فهل تصبرون عليها؟

ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2] يعني: مُطلَق الإنسان في خُسْر لا ينجيه منه إلاّ أنْ يتصف بهذه الصفات: {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر:3].

وتُختم الآية بقوله سبحانه: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} ليُنبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مُبْصَرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنُرتِّب على الأعمال جزاءً على وَفْقها" (خواطر الشعراوي: [1/6410]).


خالد سعد النجار
طريق الاسلام
 
وقفات قرآنية (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) د/ خالد سعد النجار


قال تعالى:
{إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة:33-34ٍ]
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1-3]
{وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الفجر:18]

{إِنه كان لا يُؤمن بالله العظيم} تعليل لاستحقاق العذاب، ووصفه تعالى بالعظيم؛ للإيذان بأنه المستحق للعظمة وحده، فمَن نَسَبَها لنفسه استحقّ أعظم العقوبات { ولا يَحُضُّ على طعام المسكين} أي: لا يحث على بذل طعام غيره، فضلاً عن أن يبذل ماله، وقيل: ذكر الحض للتنبيه على أنَّ تارك الحضّ إذا كان بهذه المنزلة، فما ظنك بتاركه؟ وفيه دلالة على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع، وأنَّ أقبح العقائد الكفر، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث، لأنَّ إطعام المساكين إنما يرجى جزاؤه يوم القيامة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، وفيه دليل على عِظم جُرم حرمان المساكين؛ لأنّه عطفه على الكفر، وجعله دليلاً عليه وقرينَه.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يحضّ امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، ويقول: خلَعْنا نصفَ السلسلة بالإيمان، فلنخلع نصفها بهذا، أي: الصدقة. (1) اقتبس ذلك من الآية فإنه جعل استحقاق السلسلة معللاً بعدم الإيمان وعدم الحض، وتخصيص الأمرين بالذكر قيل لما أن أقبح العقائد الكفر وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب.

وعطف {ولا يحض} على {لا يؤمن} داخل في العلة، وذلك يدل على عظم ذنب من لا يحض على إطعام المسكين، إذ جعل قرين الكفر، وهذا حكم ترك الحض، فكيف يكون ترك الإطعام؟ والتقدير على إطعام طعام المسكين.

وأضاف الطعام إلى المسكين من حيث لم ينسبه إليه، إذ يستحق المسكين حقاً في مال الغني الموسر ولو بأدنى يسار؛ وللعرب في مكارمهم وإيثارهم آثار عجيبة غريبة بحيث لا توجد في غيرهم، وما أحسن ما قيل فيهم:
على مكثريهم رزق من يعتريهم .. وعند المقلين السماحة والبذل (2)

وفيه دليل على تعظيم الجرم في حرمان المساكين لأن الله تعالى عطفه على الكفر وجعله قرينه. قال الحسن في هذه الآية: أدركت أقواماً يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلاً. وعن بعضهم أنه كان يأمر أهله بكثير المرقة لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام.(3)

وجملة {إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} في موضع العلة للأمر بأخذه وإصلائه الجحيم.
ووصف الله بالعظيم هنا إيماء إلى مناسبة عظم العذاب للذنب إذ كان الذنب كفرانا بعظيم فكان جزاء وفاقا.

والحض على الشيء: أن يطلب من أحد فعل شيء ويلح في ذلك الطلب.

ونفي حضه على طعام المسكين يقتضي بطريق الفحوى أنه لا يطعم المسكين من ماله لأنه إذا كان لا يأمر غيره بإطعام المسكين فهو لا يطعمه من ماله، فالمعنى لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه، وقد كان أهل الجاهلية يطعمون في الولائم، والميسر، والأضياف، والتحابب، رياء وسمعة. ولا يطعمون الفقير إلا قليل منهم. وقد جعل عدم الحض على طعام المسكين مبالغة في شح هذا الشخص عن المساكين بمال غيره وكناية عن الشح عنهم بماله، كما جعل الحرص على إطعام الضيف كناية عن الكرم. (4)

قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} فيه عطف عدم الحض على طعام المسكين على عدم الإيمان بالله العظيم مما يشير إلى أن الكافر يعذب على الفروع. (5)

«الحضُّ»: الحثُّ على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه حروفُ التحضيض المبوب لها في النحو؛ لأنَّه يطلب بها وقوع الفعل وإيجاده، فبيَّن تعالى أنه عذِّب على تركِ الإطعامِ، وعلى الأمر بالبخلِ كما عذِّب بسبب الكُفْرِ. (6)

وأضاف «الطعام» إلى { المسكين} من حيث له إليه نسبة ما، وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر لأنها من أضر الخلال في البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم. (7)

{ولا يَحُضُّ على طعامِ المِسْكِينِ} أي لا يفعله ولا يأمر به، وليس الذم عاماً حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم يقولون {أنطعم من لو يشاءُ الله أطْعَمَهُ} فنزلت هذه الآية فيهم، ويكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عجزوا. (8)

هل الكافر الذي يحض على طعام المسكين، يكون عذابه أقل من الكافر الذي لا يحض على طعام المسكين؟
الجواب: القواعد تشير إلى الإفادة بنعم، فإن الكفار دركات: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:88]، فللكفر عذاب، وللصد عن سبيل الله عذاب فوق العذاب، وأيضاً: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:12-13]. (9)

{كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما} أي ألا فارتدعوا أيها الماديون الذين تقيسون الأمور كلها بمقاييس المادة فالله جل جلاله يوسع الرزق اختبارا للعبد هل يشكر نعم الله عليه فيذكرها ويشكرها بالإِيمان والطاعة ويضيّق الرزق امتحانا هل يصبر العبد لقضاء ربه أو يجزع. وإنما أنتم أيها الماديون ترون أن في التوسعة اكراما وفي التضييق إهانة كلا ليس الأمر كذلك، ونظريتكم المادية هذه أتتكم من حبّكم الدنيا واغتراركم بها ويشهد بذلك إهانتكم لليتامى وعدم إكرامكم لهم لضعفهم وعجزهم أمامكم، وعدم الاستفادة المادية منهم. وشاهد آخر أنكم لا تحضون أنفسكم ولا غيركم على إطعام المساكين وهم جياع أمامكم، وآخر أنكم تأكلون التراث أي الميراث أكلا لما شديدا تجمعون مال الورثة من الأطفال والنساء إلى أموالكم. وتحرمون الضعيفين الأطفال والنساء. وآخر وتحبون المال حبا جما أي قويا شديدا. كلا ألا ارتدعوا واخرجوا من دائرة هذه النظرية المادية قبل حلول العذاب، ونزول ما تكرهون. فآمنوا بالله ورسوله. (10)

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار

13618229301.gif

المصادر
(1) البحر المديد: 6/402
(2) البحر المحيط: 10/343
(3) تفسير الخازن: 6/155
(4) التحرير والتنوير: 29/128
(5) أضواء البيان: 8/261
(6) اللباب في علوم الكتاب: 15/446
(7) المحرر الوجيز: 6/412
(8) النكت والعيون: 4/461
(9) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي
(10) أيسر التفاسير للجزائري: 4/397

صيد الفوائد


13618228118.gif
 
وقفات قرآنية: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}

قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح:3-4]. الأجل عبارة عن الوقت الذي ينقطع فيه فعل الحياة، كما أن أجل الدين عبارة عن الوقت الذي يحل فيه الدين، والمقتول والميت أجلهما عند خروج روحهما، وقوله: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}: يعني من الشرك: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} يعني: -والله أعلم- بغير عقوبة (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، البيهقي: 1/171).

{وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}: أي إلى نهاية آجالكم فلا يعاجلكم بالعقوبة {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ}: أي بعذابكم إذا جاء لا يؤخر {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: أي لو علمتم ذلك لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه واستغفرتموه. قال ابن عاشور: وأما قوله: "{وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في رغبته، وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإنسان حب البقاء في الحياة على ما في الحياة من عوارض ومكدرات، وهذا ناموس جعله الله تعالى في جبلة الإنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع". قال المعري: وكل يريد العيش والعيش حتفه *** ويستعذب اللذات وهي سمام والتأخير: ضد التعجيل، وقد أطلق التأخير على التمديد والتوسيع من أجل الشيء، وقد أشعر وعده إياهم بالتأخير أنه تأخير مجموعهم، أي مجموع قومه لأنه جعل جزاء لكل من عبد الله منهم واتقاه وأطاع الرسول، فدل على أنه أنذرهم في خلال ذلك باستئصال القوم كلهم، وأنهم كانوا على علم بذلك كما أشار إليه قوله: {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح:1]، وكما يفسره قوله تعالى في سورة هود {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود:38]، أي سخروا من الأمر الذي يصنع الفلك للوقاية منه، وهو أمر الطوفان، فتعين أن التأخير المراد هنا هو عدم استئصالهم.

والمعنى: ويؤخر القوم كلهم إلى أجل مسمى، وهو آجال إشخاصهم وهي متفاوتة. والأجل المسمى: هو الأجل المعين بتقدير الله عند خلقه كل أحد منه، فالتنوين في (أجل) للنوعية، أي الجنس، وهو صادق على آجال متعددة بعدد أصحابها، كما قال تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر} [الحج:5].

ومعنى {مُسَمّىً}: أنه محدد معين وهو ما في قوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ} [الأنعام:2]. فالأجل المسمى: هو عمر كل واحد، المعين له في ساعة خلقه المشار إليه في الحديث: «أن الملك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما ينفخ فيه الروح» (رواه مسلم)، واستعيرت التسمية للتعيين لشبة عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال. والمعنى: ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعا، فيؤخر كل أحد إلى أجله المعين له على تفاوت آجالهم، فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود [3]، {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}، وهي على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا لقوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}، أي تعليلا للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} إلى قوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ} إلخ.. لأن الربط بين الأمر وجوابه يعطي بمفهومه معنى: إن لا تعبدوا الله ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى، فعلل هذا الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه بجملة: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ}، أي أن الوقت الذي عينه الله لحلول العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إبانه باستمراركم على الشرك لا ينفعكم الإيمان ساعتئذ..

كما قال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]، فيكون هذا حثا على التعجيل بعبادة الله وتقواه، فالأجل الذي في قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} غير الأجل الذي في قوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} ويناسب ذلك قوله عقبه {لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعينة لاستئصالهم، وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور في كلام الأولين. وفي إضافة: {أَجَلَ} إلى اسم الجلالة في قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد، بل هو أجل عينه الله إنذارا لهم ليؤمنوا بالله. ويحتمل أن تكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى، فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل الله غير الأجل الذي في قوله: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}. ويحتمل أن تكون الجملة تعليلا لكلا الأجلين: الأجل المفاد من قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح:1] فإن لفظ {قبْلِ} يؤذن بأن العذاب مؤقت بوقت غير بعيد فله أجل مبهم غير بعيد، والأجل المذكور بقوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} فيكون أجل الله صادقا على الأجل المسمى وهو أجل كل نفس من القوم، وإضافته إلى الله إضافة كشف، أي الأجل الذي عينه الله وقدره لكل أحد. وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين قوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} وبين قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} إما لاختلاف المراد بلفظي (الأجل) في قوله: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} وقوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ}، وإما لاختلاف معنيي التأخير في قوله: {إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} فانفكت جهة التعارض (التحرير والتنوير:29/178).


قال ابن عاشور: "أما مسألة تأخير الآجال والزيادة في الأعمار والنقص منها وتوحيد الأجل عندنا واضطراب أقوال المعتزلة في هل للإنسان أجل واحد أو أجلان فتلك قضية أخرى ترتبط بأصلين: أصل العلم الإلهي بما سيكون، وأصل تقدير الله للأسباب وترتب مسبباتها عليها". فأما ما في علم الله فلا يتغير قال تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر:11] أي في علم الله، والناس لا يطلعون على ما في علم الله، وأما وجود الأسباب كلها كأسباب الحياة، وترتب مسبباتها عليها فيتغير بإيجاد الله مغيرات لم تكن موجودة إكراما لبعض عباده أو إهانة لبعض آخر، وفي الحديث «صدقة المرء المسلم تزيد في العمر» (وهو حديث حسن مقبول) وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يمد في عمره فليتق الله وليصل رحمه» (رواه المنذري، وسنده جيد)،

فآجال الأعمار المحددة بالزمان أو بمقدار قوة الأعضاء وتناسب حركتها قابلة للزيادة والنقص. وآجال العقوبات الإلهية المحددة بحصول الأعمال المعاقب عليها بوقت قصير أو فيه مهلة غير قابلة للتأخير وهي ما صدق قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} وقد قال الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]، على أظهر التأويلات فيه وما في علم الله من ذلك لا يخالف ما يحصل في الخارج. فالذي رغب نوح قومه فيه هو سبب تأخير آجالهم عند الله، فلو فعلوه تأخرت آجالهم وبتأخيرها يتبين أن قد تقرر في علم الله أنهم يعملون ما يدعوهم إليه نوح وأن آجالهم تطول، وإذ لم يفعلوه فقد كشف للناس أن الله علم أنهم لا يفعلون ما دعاهم إليه نوح وأن الله قاطع آجالهم، وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر إلى ما خلق إليه» (رواه الألباني)، وقد استعصى فهم هذا على كثير من الناس فخلطوا بين ما هو مقرر في علم الله وما أظهره قدر الله في الخارج الوجودي (التحرير والتنوير:29/179).

قال الشيخ مصطفى العدوي: قوله تعالى: "{وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} يرد عند هذه الآية مسألة وهي: هل عبادة الله تعالى وتقواه سبب في طول العمر؟ وهل يزيد العمر عن الحد الذي حده الله سبحانه وتعالى بشيء من الأسباب؟". إن مسألة الزيادة في العمر قد ورد فيها نصوص مختلفة، فقد وردت نصوص تفيد أن العمر قد يطول ببعض الأعمال، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه -أي: يوسع له في رزقه- وينسأ له في أثره -أي: يؤخر له في عمره- فليصل رحمه» (رواه البخاري)،

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (رواه الدمياطي). ووردت أدلة أخرى في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرها يفيد معنىً آخر، فقد قال الله سبحانه:{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد:38]، وقال الله سبحانه: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس:49]،

وفي الصحيح أن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: «اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد سألتِ الله آجالاً مضروبة، وأرزاقاً مقسومة، لن يقدم شيء منها ولن يؤخر»، أو بنحوه، وفي حديث التخلق قال صلى الله عليه وسلم: «ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد» (رواه مسلم).

فاختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال:

القول الأول: أن لكل أجل كتاباً، ولكل شخص عمراً قدر له، ولكن إذا عمل الشخص الأعمال الواردة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم زيد له في عمره، فالجمع بين النصوص أن معنى قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [يونس:49]، أي: إذا جاء أجلهم الذي قدر لهم لو لم يصلوا الرحم، فإذا وصلوها زيد في أعمارهم؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم. وأشار إلى هذا المعنى الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، ولم يطل في هذا المقام. فهذا قول مبنيٌ على ظاهر الأدلة، وهو أن الشخص له عمر مكتوب، لكن إذا وصل الرحم زيد له في عمره.

القول الثاني: أن المراد بطول العمر هو البركة في العمر، فيذكر بخير بعد مماته. القول الثالث: أن الأجل أجلان: أجل أعلمه الله تعالى لملائكته أن إذا عمل عبدي كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، وإذا عمل كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، والله تعالى يعلم بالذي سيختاره العبد، وأثبت في اللوح المحفوظ ما سيختاره العبد، وهذا المثبت في اللوح المحفوظ هو الأجل الذي عند الله تعالى في أم الكتاب، والمحو والإثبات يكون في الكتاب الذي بين أيدي الملائكة.



ومن هذا ما ورد في شأن موسى عليه السلام حين جاءه ملك الموت فلطمه ففقأعينه كما في صحيح البخاري رحمه الله فرجع إلى الله تعالى، ثم بعد ذلك قبض روح موسى صلى الله عليه وسلم، فالله يعلم بالذي دار كله، وأثبت عنده منتهى الأمر الذي سيصدر من موسى، والوقت الذي ستقبض فيه روح موسى، فأثبت هذا في أم الكتاب، وأما الذي تغير فهو الذي بيد الملك.

وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض اختياراته، وثم أقوال أُخر. وهذه المسألة وصفها العلماء بأنها من المسائل الشائكة التي ينبغي أن تجرى على ظاهرها كسائر الأمور مثلها؛ فهي كمسألة الرزق، إذ الأجل والرزق مكتوبان، فمكتوب لك وأنت في بطن أمك كم سترزق، فإذا سعيت والتمست الأسباب الصحيحة لطلب الرزق في الظاهر فإنك سترزق، وإذا نمت وتركت العمل، فلن يأتيك رزق ذلك اليوم، فإن آمنت بأن الرزق مقدر ومع ذلك تسعى في الأخذ بالأسباب، فكذلك تؤمن بأن الأجل مكتوب، وعليك أن تسعى بما يزيد في أجلك كما تسعى بما يزيد في رزقك.

فالإيمان قائم أن الأجل مقدر وعلمه عند الله تعالى، مع التدين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في عمره، فليصل رحمه» (رواه البخاري)، فعليك أن تصل الرحم، كما أن عليك أن تخرج لطلب الرزق، ومع ذلك تترك الباقي إلى المولى سبحانه وتعالى، كسائر المسائل المتعلقة بالقدر، والله أعلم. ومن العلماء من قال: "إن قوله تعالى: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} المراد بها: يدفع عنكم العذاب فلا تعذبون في الحياة الدنيا، وهذا كالأول، فإن العذاب مقدر، فإن أطعت الله رفع عنك العذاب، كما إذا وُصِلَتِ الرحمُ طالت الأعمار" (سلسلة التفسير، مصطفى العدوي:75/7).

د. خالد سعد النجار

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

 
عودة
أعلى