واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,199
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر





أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحرَينِ يَأتي بجِزيَتِها، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو صالَحَ أهلَ البَحرَينِ، وأمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ، فقدِمَ أبو عُبَيدةَ بمالٍ مِنَ البَحرَينِ، فسَمِعَتِ الأنصارُ بقُدومِ أبي عُبَيدةَ، فوافَت صَلاةَ الصُّبحِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا صَلَّى بهِمُ الفَجرَ انصَرَفَ، فتَعَرَّضوا له، فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآهُم، وقال: أظُنُّكُم قد سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قد جاءَ بشيءٍ؟ قالوا: أجَل يا رَسولَ اللهِ، قال: فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ لا الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخَشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتهُم.


الراوي : عمرو بن عوف المزني | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
​


الصفحة أو الرقم: 3158 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
​


التخريج : أخرجه الترمذي (2462) ، وابن ماجه (3997) ، والطبراني (17/ 25 ) (39) ، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2028) جميعهم بنحوه .
​


الفَقرُ والغِنى مِحْنَتانِ مِنَ اللهِ تَعالى، وبَلِيَّتانِ يَبْلو بهما أخيارَ عِبادِه؛ لِيَظهَرَ صَبرُ الصَّابِرينَ، وشُكرُ الشَّاكِرينَ، وقد كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستَعيذُ مِنَ الفَقرِ، ويُحذِّرُ مِن فِتنةِ الغِنى والمالِ.

وفي هذا الحَديثِ يَروي عَمرُو بنُ عَوفٍ المُزَنيُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرسَلَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه إلى البَحرَيْنِ لِيَأْتيَ بجِزْيَتِها، وهي المالُ المَفروضُ على المَجوسِ مِن أهلِها، مُقابِلَ تَركِهم أحياءً وحِمايَتِهم بعْدَ أنْ صَالَحَهم على ذلك، وكانتِ البَحرَيْنُ في القَديمِ تُطلَقُ على ما يَشمَلُ حاليًّا كُلًّا مِنَ البَحرَيْنِ، والأحساءِ والقَطيفِ، شَرقَ المَملَكةِ العَربيَّةِ السُّعوديَّةِ، وقد فُتِحتْ سَنةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجرةِ، وقد أقَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليها عامِلَها المُنذِرَ بنَ ساوَى، ثم لَمَّا ماتَ أمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ.
فلَمَّا جاء أبو عُبَيدةَ رَضيَ اللهُ عنه بهذا المالِ، كان ذلك في وَقتِ صَلاةِ الفَجرِ، فحَضَر النَّاسُ الصَّلاةَ، فلَمَّا صلَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وانصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ وتوَجَّهَ إلى النَّاسِ، تَعَرَّضَ الأنصارُ له كأنَّهم سَأَلوه بالإشارةِ لِمَعرِفَتِهم بكَرَمِ أخلاقِه؛ لِيَقسِمَ بيْنَهم ما جاء به أبو عُبَيدةَ؛ لِأنَّهم أرهَقَتْهمُ الحاجةُ والفاقةُ التي كانوا عليها، وليس حِرصًا على الدُّنيا، ولا رَغبةً فيها، فعَلِمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما يُريدونَ، فتَبسَّمَ، وقال: «أظُنُّكم قدْ سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قد جاءَ بشَيءٍ؟» قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللهِ، قال: «فأبشِروا وأمِّلوا»، أيِ: ارجوا ما يَسُرُّكم، وهذا تَهوينٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهم ما هُم فيه مِنَ الشِّدَّةِ، وبِشارةٌ لهم بتَعجيلِ الفَتحِ عليهم.
ثمَّ أقسَمَ لهم قائِلًا: «فوَاللهِ لا الفَقرَ أخشى عليكم، ولكِنْ أخْشى عليكمْ أنْ تُبسَطَ عليكمُ الدُّنيا»، والمُرادُ به الغِنى وكَثرةُ المالِ، كما بُسِطَتْ على مَن كان مِنَ الأُمَمِ التي قَبْلكم، فتَتَسابَقوا إلى تَحصيلِها، فتُؤدِّيَ إلى هَلاكِكم؛ بسَبَبِ التَّنازُعِ عليها، والرُّكونِ إليها، والاشتِغالِ بها عنِ الآخِرةِ، كما حدَثَ مع الأُمَمِ مِن قبْلِكم.

وفي هذا إنذارٌ بما سيَقَعُ، وقد وَقَعَ ما أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إذْ فُتِحتِ الدُّنيا بعْدَه وبُسِطتْ، وحَصَلَ التَّحاسُدُ والتَّقاتُلُ وما هو مَعروفٌ ممَّا يَشهَدُ بمِصداقِ خَبَرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ طَلَبَ العَطاءِ مِنَ الإمامِ لا غَضاضةَ فيه.
وفيه: البُشرى مِنَ الإمامِ لِأتباعِه، وتَوسيعُ أمَلِهم منه.
وفيه: أنَّ المُنافَسةَ في الدُّنيا قد تَجُرُّ إلى هَلاكِ الدِّينِ.

الدرر السنية
​


​
 
السؤال


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأعوذ بك من فتنة الفقر ـ وقال: فوالله ما الفقر أخشى عليكم ـ فكيف الجمع بين الحديثين؟
وفقكم الله.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَالهَرَمِ، وَالمَأْثَمِ، وَالمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ... متفق عليه، واللفظ للبخاري.وفي الصحيحين أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.

ولا تعارض بين الحديثين -والحمد لله رب العالمين- فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول استعاذ بالله تعالى من فتنة الفقر، وهي ما قد ينتج عنه من الوقوع في الحرام، أو الشبهة دون مبالاة، أو السخط على قضاء الله تعالى، وقلة الصبر، أو مباشرة ما لا يليق بأهل الدين، والمروءة، وأما الحديث الآخر: فيحتمل أنَّ سبب خشيته صلى الله عليه وسلم هو علمه أن الدنيا ستفتح عليهم، ويحصل لهم الغنى بالمال، وذلك من أعلام النبوة، ودلائلها، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوعه قبل أن يقع، وفي خشية النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الغنى دون الفقر إشارة إِلَى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى؛ لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا. قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه: منة المنعم في شرح صحيح مسلم، في بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ -أي: لست أخشى عليكم أن فقركم يضيع دينكم. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في كتابه: فتح الباري شرح صحيح البخاري: هَذِهِ الْخَشْيَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا عِلْمَهُ أَنَّ الدُّنْيَا سَتُفْتَحُ عَلَيْهِمْ، وَيَحْصُلُ لَهُمُ الْغِنَى بِالْمَالِ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ مِمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فَوَقَعَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فَائِدَةُ: تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ هُنَا الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ الْفَقْرِ، فَإِنَّ الْوَالِدَ الْمُشْفِقَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ كَانَ اهْتِمَامُهُ بِحَالِ وَلَدِهِ فِي الْمَالِ، فَأَعْلَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كَالْأَبِ، لَكِنَّ حَالَهُ فِي أَمْرِ الْمَالِ يُخَالِفُ حَالَ الْوَالِدِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْشَى عَلَيْهِمُ الْفَقْرَ كَمَا يَخْشَاهُ الْوَالِدُ، وَلَكِنْ يَخْشَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْغِنَى الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقْرِ الْعَهْدِيُّ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَيَحْتَمِلُ الْجِنْسَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَضَرَّةَ الْفَقْرِ دُونَ مَضَرَّةِ الْغِنَى، لِأَنَّ مَضَرَّةَ الْفَقْرِ دُنْيَوِيَّةٌ غَالِبًا، وَمَضَرَّةَ الْغِنَى دِينِيَّةٌ غَالِبًا.
انتهى.والله أعلم.


إسلام ويب
​
 
عودة
أعلى