محمود عبدالله إبراهيم نجا
Member
هل نجح العلم في خلق أول خلية حية من الصفر، فيتمكن لاحقاً من خلق أُمة من الذُباب، وينافس أحسن الخالقين؟
تداولت مواقع الأخبار العلمية خبراً أحدث ضجة واسعة، ذكروا فيه أن العلم تمكن لأول مرة من "خلق خلية حية من الصفر"، وأطلقوا عليها لقب Spudcell، وأدى هذا النظام عددًا من الوظائف الحيوية، مثل تصنيع بعض البروتينات، والنمو، وتضاعف المادة الوراثية، والانقسام، وهي أمور تعد من السمات الأساسية للحياة، وتم ادخال طفرات على النظام لاختبار التطور الدارويني.
وقد بالغ البعض في اعتبار البحث خطوة نحو تفسير أصل الحياة دون الحاجة لخالق، ولاحقاً يمكن للعلم خلق بعض الأحياء، فيصبح هو أحسن الخالقين (تعالى الله عن ذلك)، ولكن هل هذا هو ما قاله البحث فعلًا؟.
بعد الإطلاع على الصفحة الرسمية لمشروع SpudCell، والإطلاع على أصل البحث المكون من ١٩٠ ورقة (نصفه مراجع)، تبين لي أن هذا الإنجاز العلمي يختلف كثيراً عن الصورة التي رسمتها الأخبار الإعلامية المُبالغ فيها، فهناك فرق كبير بين بناء نظام كيميائي يضاهي خلق الله، ليؤدي بعض وظائف الخلية، وبين بناء خلية حية، أو بناء كائنات حية مستقلة مكتفية بذاتها دون الحاجة للإعتماد على ما خلقه الله، فتعريف الحياة له شروط لا تنطبق على Spudcell، ولذا لم يسمها الباحثون أنفسهم خلية حية مستقلة، وإنما وصفوها بأنها نظام خلوي اصطناعي، وإليكم التفصيل.
■ هل اعترف الباحثون أنهم خلقوا خلية حية؟
بعد الإطلاع على البحث وجدت أن مؤلفيه كانوا صريحين في بيان حدوده، ولم يدّعوا أنهم صنعوا خلية حية مستقلة مكتفية بذاتها، بل ذكروا بوضوح أن المشروع لا يزال يواجه تحديات أساسية قبل الوصول إلى نظام يمكن اعتباره قريبًا من الخلايا الطبيعية، بل حددوا بأنفسهم مواطن العجز التي بحاجة لحلول علمية كما سنرى.
■ ماذا قصد الباحثون بعبارة "خلق خلية حية من الصفر"؟
هذه العبارة هي أكثر ما أُسيء فهمه في الأخبار العلمية فقد أوهمت القاريء بالخلق من عدم، أو أنه تم الاستغناء تماما عن النظم الحية المعروفة حاليا (خلق الله)، ففي التجارب العلمية السابقة كان يتم الاستعانة بخلية حية بعد حذف أجزاء منها، وأما في التجربة الحالية فقد جمعوا مكونات منفصلة ثم ركبوها داخل غشاء دهني، وهي تعد نظامًا كيميائيًا يشبه الخلية (Synthetic Cell-like System)، ويتكون من غشاء دهني، ومادة وراثية (DNA)، وإنزيمات، وريبوسومات (مصانع البروتينات)، وجزيئات كيميائية أخرى منها عملة الطاقة (ATP) وبعض المغذيات والأحماض الأمنية، وبعض الأحماض الريبوزية (mRNA). ولكنهم لم يبتكروا هذه المكونات أو يخلقوها من العدم، فجميعها تحاكي ما هو موجود في الكائنات الحية، فلم يبتكر البحث نوعًا جديدًا من المادة الحيوية.
1. الحمض النووي المستخدم في الخلية مكوَّن من نفس النيوكليوتيدات الطبيعية (A,T,G,C)، ويعتمد على جينات ووظائف معروفة مأخوذة من كائنات حية، ثم أعيد ترتيبها بما يناسب تصميم النظام الجديد، وبالتالي لا يوجد اختراع لمادة وراثية جديدة، ولكن مشابهة لخلق الله. والحمض النووي بها لا يوجد في صورة كروموسومات ولكن قطع صغيرة تعرف بالبلازميدات وعددها سبعة، وقد اختير هذا التصميم لأنه أسهل هندسيًا من بناء كروموسوم كامل، وأسهل في النسخ، والنقل للخلايا الجديدة عند الإنقسام وهو ما يبين أن الباحثين اختاروا الحل الأبسط الممكن، لا الحل الأقرب إلى الخلية الطبيعية، بما يعني أن هذاالنموذج الجديد مجرد محاولة بدائية جدا لتقليد خلق الله.
2. الآلات الحيوية التي تحتاجها الخلية Spudcell لنشاطها كانت طبيعية مأخوذة من خلاياحية أخرى، ولم يتم صناعتها معمليا، فالإنزيمات المستخدمة لبناء وتشغيل المادة الوراثية، مثل DNA Polymerase و DNA Ligase وغيرها، ليست مصنوعة ذرةً ذرةً داخل المختبر، وإنما هي بروتينات أصلها كائنات حية، ثم تُنتج باستخدام بكتيريا أو خمائر معدلة وراثيًا وتُنقى بعد ذلك. ونفس الشيء بالنسبة لمنظومة صناعة البروتين، فالريبوسومات وكل منظومة ترجمة الجينات لبروتينات، كانت باعتراف الباحثين مأخوذة من بكتيريا Escherichia coli، وخلايا حية أخرة، ولم يستطع الباحثون تصنيع ريبوسومات جديدة داخل النظام. ولذا يتوقف عمل النظام بعد نحو خمسة أجيال بسبب تدهور الريبوسومات وعدم القدرة على تعويضها.
3. الخلية الجديدة Spudcell لا تمتلك جهازًا أيضيًا (Metabolism) يصنع احتياجاتها، ولذا كان الباحثون يزودونها باستمرار بحويصلات دهنية صغيرة (Feeder Liposomes) تحمل إليها الدهون، والريبوسومات، والإنزيمات، والأحماض الأمينية، وكل الجزيئات الأخرى التي تحتاجها. كما أنها كانت عاجزة عن إنتاج أهم مقومات الحياة وهو الطاقة (ATP)، ومعلوم أن كل عمليات الحياة تحتاج إلى طاقة. وقد أقر الباحثون أن تمكين الخلية من فعل ذلك يتطلب تزويدها بعدد ضخم من الجينات وأدوات الأيض، والتي سيصعب التحكم فيها. وكل هذا يوضح أن النظام يعمل في بيئة مخبرية جُهزت بعناية لتوفير جميع متطلبات التشغيل، فهو نظام غير مستقل.
4. توحي بعض الأخبار أن الخلية انقسمت بالطريقة نفسها التي تنقسم بها الخلايا الطبيعية، وهذا غير صحيح، فالخلايا الطبيعية تعتمد على منظومة معقدة من الهيكل الخلوي وبروتينات متخصصة تنظم عملية الانقسام وتضمن توزيع المادة الوراثية ومكونات الخلية بدقة شديدة. أما في SpudCell فقد اعترف الباحثون بأنهم لم يبنوا هذا النظام، بل استخدموا حلًا هندسيًا مختلفًا؛ إذ يتراكم بروتين معين على سطح الغشاء الخلوي الدهني حتى يولد إجهادًا ميكانيكيًا يؤدي في النهاية إلى انشطار الغشاء. ولذلك لا يصح مساواة هذا الانقسام بالانقسام الخلوي الطبيعي الذي يعتمد على منظومة جزيئية شديدة التعقيد.
كما أن هذا الإنقسام لم يكن ناجحاً بالكامل، فبعد خمسة أجيال لم تحصل إلا نحو 30٪ من الخلايا الناتجة من الإنقسام على المجموعة الكاملة من البلازميدات السبعة، وأما بقية الخلايا 70% فكانت تفتقد جزءًا من مادتها الوراثية. كما لم يقدم الباحثون دليلًا على أن الخلايا الجديدة كانت مطابقة وظيفيًا للخلية الأم، أو أنها امتلكت التوزيع نفسه للريبوسومات والإنزيمات وجزيئات الطاقة، أو أنها استطاعت مواصلة الانقسام بنفس الكفاءة. وهذا يدل على أن نظام توزيع مكونات الخلية ما زال بعيدًا عن الدقة الموجودة في الخلايا الطبيعية. مع ملاحظة أن هذا التكاثر ظل معتمدًا على التغذية الخارجية، والإنزيمات الريبوسومات الجاهزة من خلايا طبيعية، والطاقة الخارجية (ATP)، ولم يستمر إلا لعدد محدود من الأجيال. ولذلك فإنه لا يرقى إلى مستوى التكاثر الذاتي المستقل المعروف في الخلايا الطبيعية.
5. لم يحدث تطور دارويني كامل
ذكرت بعض الأخبار أن الخلايا بدأت تتطور ذاتيًا، بينما يوضح البحث أن الباحثين هم الذين أدخلوا التعديل الجيني الذي منح بعض الخلايا ميزة تنافسية، ثم لاحظوا حدوث الانتخاب بين النسخ المختلفة. وأما نشوء طفرات نافعة تلقائيًا ثم انتشارها عبر أجيال طويلة، وهو ما يُعد أساس التطور الدارويني الكامل، فلم يثبته هذا البحث.
■ هل البحث ينفي وجود الخالق أم يثبته؟
تؤكد النقاط السابقه أن الباحثين كانوا أكثر تحفظًا من كثير من التغطيات الإعلامية، وأنهم وصفوا مشروعهم بأنه خطوة هندسية مهمة في علم الأحياء التخليقي، لا أنه خلية حية مستقلة أو تفسير كامل لأصل الحياة. وهذا بلا شك تقدم مهم في علم الأحياء التخليقي، ويستحق التقدير العلمي، ولكنه يختلف تمامًا عن الادعاء بأن العلماء صنعوا خلية حية مستقلة مكتفية بذاتها، أو أنهم خلقوا الحياة من العدم. وكل هذه العبارات كانت من تأليف من يخشى وجود خالق يبعثه من بعد الموت ليحاسبه على أفعاله، ولو أنصف هؤلاء لقرأوا البحث بفلسفة عقلانية تثبت وجود خالق، فإذا كان بناء نظام يؤدي بعض وظائف الخلية يحتاج لسنوات طويلة من العمل، وتجارب عديدة، وفريق كبير من العلماء، وتصميم واعٍ لكل مكون، وضبط دقيق للعلاقات بين آلاف العناصر، فإن هذا الإنجاز يجعل التصميم الذكي الواعي أكثر اتساقًا مع ما نراه من التعقيد الهائل للخلية، فلابد أن خلفها عالم قدير.
■ هل سينجح العلم في مُضاهاة خلق الله، فينافس أحسن الخالقين؟
نعم سينجح العلم في مُضاهاة خلق الله بنص أحاديث رسول الله في البخاري ومسلم، والتي صرحت بأن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله، ولكن هذه المُضاهة ستكون ناقصة، فالعلم قد ينجح في خلق أشباه أي كائن حي من حيث التركيب والشكل، بل وحتى بعض الوظائف، ولكنه سيفشل في جعلها مخلوقات حية قادرة على إنتاج الذرية، قال رسول الله (قال عزّ وجلّ: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)، والحديث صريح في أن هناك من سيخلق كخلق الله، وهو ما يتحقق الآن على أرض الواقع كما رأينا أعلاه، وفي كثير من الأبحاث العلمية.
ولكن هيهات أن يصل العلم للتقليد الكامل لخلق الله، أو أن يكون هناك من هو أحسن خلقاً من الله، فالله يخلق من العدم ولا يحتاج لتقليد خلق غيره أو استعمال مواد من صنع غيره، والله لا يحتاج لتجارب ليتقن الصنعة، والله يهب للأحياء ليس فقط الصورة الشكلية، ولكن بعطيها أيضاً القدرة على الإستمرار ذاتياً في أداء كافة وظائفها الحيوية بسبب قدرتها على التعامل مع المغذيات وتحويلها لطاقة، كما يعطيها القدرة على التكاثر من خلال الصورة المركبة (الحمض النووي) التي تقوم بخلق وتسوية وتعديل ذرية الكائن الحي، فلا تتشابه الذريات مع بعضها ولا مع الأصل.
فنعم سيخلق العلم بمضاهاة خلق الله، ولكن سيعجز عن إحياء ما خلق، كما سيعجز عن خلق أُمة من خلال تكاثر الأزواج وإن كانت ذبابة لا قيمة لها عندنا، قال تعالى (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له)، فالعلم تقدم واستطاع دراسة التركيب التشريحي للذبابة وغيرها من الحشرات وتقليد خلقها، بل وفهم كيفية طيرانها وجعلها تطير، فصنعوا العديد من الروبوتات الحشرية التي يمكنها الطيران والتجسس، فهل يُقال أنهم نجحوا في التحدي، والجواب هو لا، فليس المقصود من التحدي مُضاهاة خلق الله فقط، ولكن خلق أمة كاملة من الذباب من زوجين فقط لا غير، فأنى للعلم أن يخلق ذبابة ذكر وأخرى أنثى، لهما أمشاج وقادران على التكاثر لإنتاج أمة كاملة من الذباب، وحتى لو نجح العلم في خلق جنس الذباب، فحينها أيضاً لن يكون أحسن الخالقين، ولا حتى منافس له، لأنه ببساطة يضاهي خلق الله، ويستخدم مكونات من خلق الله، فمن أراد تحدي خلق الله فليخرج من ملكه ويخلق ملك جديد من العدم ثم يأتي ليتحدى الله مالك الملك والملكوت، فتبارك الله أحسن الخالقين الذي قال (هل من خالق غير الله)، وقال (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ)، وقال (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك، وما كان من ظن أو خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية طب - جامعة المنصورة، مصر
■ المراجع: في أول تعليق
تداولت مواقع الأخبار العلمية خبراً أحدث ضجة واسعة، ذكروا فيه أن العلم تمكن لأول مرة من "خلق خلية حية من الصفر"، وأطلقوا عليها لقب Spudcell، وأدى هذا النظام عددًا من الوظائف الحيوية، مثل تصنيع بعض البروتينات، والنمو، وتضاعف المادة الوراثية، والانقسام، وهي أمور تعد من السمات الأساسية للحياة، وتم ادخال طفرات على النظام لاختبار التطور الدارويني.
وقد بالغ البعض في اعتبار البحث خطوة نحو تفسير أصل الحياة دون الحاجة لخالق، ولاحقاً يمكن للعلم خلق بعض الأحياء، فيصبح هو أحسن الخالقين (تعالى الله عن ذلك)، ولكن هل هذا هو ما قاله البحث فعلًا؟.
بعد الإطلاع على الصفحة الرسمية لمشروع SpudCell، والإطلاع على أصل البحث المكون من ١٩٠ ورقة (نصفه مراجع)، تبين لي أن هذا الإنجاز العلمي يختلف كثيراً عن الصورة التي رسمتها الأخبار الإعلامية المُبالغ فيها، فهناك فرق كبير بين بناء نظام كيميائي يضاهي خلق الله، ليؤدي بعض وظائف الخلية، وبين بناء خلية حية، أو بناء كائنات حية مستقلة مكتفية بذاتها دون الحاجة للإعتماد على ما خلقه الله، فتعريف الحياة له شروط لا تنطبق على Spudcell، ولذا لم يسمها الباحثون أنفسهم خلية حية مستقلة، وإنما وصفوها بأنها نظام خلوي اصطناعي، وإليكم التفصيل.
■ هل اعترف الباحثون أنهم خلقوا خلية حية؟
بعد الإطلاع على البحث وجدت أن مؤلفيه كانوا صريحين في بيان حدوده، ولم يدّعوا أنهم صنعوا خلية حية مستقلة مكتفية بذاتها، بل ذكروا بوضوح أن المشروع لا يزال يواجه تحديات أساسية قبل الوصول إلى نظام يمكن اعتباره قريبًا من الخلايا الطبيعية، بل حددوا بأنفسهم مواطن العجز التي بحاجة لحلول علمية كما سنرى.
■ ماذا قصد الباحثون بعبارة "خلق خلية حية من الصفر"؟
هذه العبارة هي أكثر ما أُسيء فهمه في الأخبار العلمية فقد أوهمت القاريء بالخلق من عدم، أو أنه تم الاستغناء تماما عن النظم الحية المعروفة حاليا (خلق الله)، ففي التجارب العلمية السابقة كان يتم الاستعانة بخلية حية بعد حذف أجزاء منها، وأما في التجربة الحالية فقد جمعوا مكونات منفصلة ثم ركبوها داخل غشاء دهني، وهي تعد نظامًا كيميائيًا يشبه الخلية (Synthetic Cell-like System)، ويتكون من غشاء دهني، ومادة وراثية (DNA)، وإنزيمات، وريبوسومات (مصانع البروتينات)، وجزيئات كيميائية أخرى منها عملة الطاقة (ATP) وبعض المغذيات والأحماض الأمنية، وبعض الأحماض الريبوزية (mRNA). ولكنهم لم يبتكروا هذه المكونات أو يخلقوها من العدم، فجميعها تحاكي ما هو موجود في الكائنات الحية، فلم يبتكر البحث نوعًا جديدًا من المادة الحيوية.
1. الحمض النووي المستخدم في الخلية مكوَّن من نفس النيوكليوتيدات الطبيعية (A,T,G,C)، ويعتمد على جينات ووظائف معروفة مأخوذة من كائنات حية، ثم أعيد ترتيبها بما يناسب تصميم النظام الجديد، وبالتالي لا يوجد اختراع لمادة وراثية جديدة، ولكن مشابهة لخلق الله. والحمض النووي بها لا يوجد في صورة كروموسومات ولكن قطع صغيرة تعرف بالبلازميدات وعددها سبعة، وقد اختير هذا التصميم لأنه أسهل هندسيًا من بناء كروموسوم كامل، وأسهل في النسخ، والنقل للخلايا الجديدة عند الإنقسام وهو ما يبين أن الباحثين اختاروا الحل الأبسط الممكن، لا الحل الأقرب إلى الخلية الطبيعية، بما يعني أن هذاالنموذج الجديد مجرد محاولة بدائية جدا لتقليد خلق الله.
2. الآلات الحيوية التي تحتاجها الخلية Spudcell لنشاطها كانت طبيعية مأخوذة من خلاياحية أخرى، ولم يتم صناعتها معمليا، فالإنزيمات المستخدمة لبناء وتشغيل المادة الوراثية، مثل DNA Polymerase و DNA Ligase وغيرها، ليست مصنوعة ذرةً ذرةً داخل المختبر، وإنما هي بروتينات أصلها كائنات حية، ثم تُنتج باستخدام بكتيريا أو خمائر معدلة وراثيًا وتُنقى بعد ذلك. ونفس الشيء بالنسبة لمنظومة صناعة البروتين، فالريبوسومات وكل منظومة ترجمة الجينات لبروتينات، كانت باعتراف الباحثين مأخوذة من بكتيريا Escherichia coli، وخلايا حية أخرة، ولم يستطع الباحثون تصنيع ريبوسومات جديدة داخل النظام. ولذا يتوقف عمل النظام بعد نحو خمسة أجيال بسبب تدهور الريبوسومات وعدم القدرة على تعويضها.
3. الخلية الجديدة Spudcell لا تمتلك جهازًا أيضيًا (Metabolism) يصنع احتياجاتها، ولذا كان الباحثون يزودونها باستمرار بحويصلات دهنية صغيرة (Feeder Liposomes) تحمل إليها الدهون، والريبوسومات، والإنزيمات، والأحماض الأمينية، وكل الجزيئات الأخرى التي تحتاجها. كما أنها كانت عاجزة عن إنتاج أهم مقومات الحياة وهو الطاقة (ATP)، ومعلوم أن كل عمليات الحياة تحتاج إلى طاقة. وقد أقر الباحثون أن تمكين الخلية من فعل ذلك يتطلب تزويدها بعدد ضخم من الجينات وأدوات الأيض، والتي سيصعب التحكم فيها. وكل هذا يوضح أن النظام يعمل في بيئة مخبرية جُهزت بعناية لتوفير جميع متطلبات التشغيل، فهو نظام غير مستقل.
4. توحي بعض الأخبار أن الخلية انقسمت بالطريقة نفسها التي تنقسم بها الخلايا الطبيعية، وهذا غير صحيح، فالخلايا الطبيعية تعتمد على منظومة معقدة من الهيكل الخلوي وبروتينات متخصصة تنظم عملية الانقسام وتضمن توزيع المادة الوراثية ومكونات الخلية بدقة شديدة. أما في SpudCell فقد اعترف الباحثون بأنهم لم يبنوا هذا النظام، بل استخدموا حلًا هندسيًا مختلفًا؛ إذ يتراكم بروتين معين على سطح الغشاء الخلوي الدهني حتى يولد إجهادًا ميكانيكيًا يؤدي في النهاية إلى انشطار الغشاء. ولذلك لا يصح مساواة هذا الانقسام بالانقسام الخلوي الطبيعي الذي يعتمد على منظومة جزيئية شديدة التعقيد.
كما أن هذا الإنقسام لم يكن ناجحاً بالكامل، فبعد خمسة أجيال لم تحصل إلا نحو 30٪ من الخلايا الناتجة من الإنقسام على المجموعة الكاملة من البلازميدات السبعة، وأما بقية الخلايا 70% فكانت تفتقد جزءًا من مادتها الوراثية. كما لم يقدم الباحثون دليلًا على أن الخلايا الجديدة كانت مطابقة وظيفيًا للخلية الأم، أو أنها امتلكت التوزيع نفسه للريبوسومات والإنزيمات وجزيئات الطاقة، أو أنها استطاعت مواصلة الانقسام بنفس الكفاءة. وهذا يدل على أن نظام توزيع مكونات الخلية ما زال بعيدًا عن الدقة الموجودة في الخلايا الطبيعية. مع ملاحظة أن هذا التكاثر ظل معتمدًا على التغذية الخارجية، والإنزيمات الريبوسومات الجاهزة من خلايا طبيعية، والطاقة الخارجية (ATP)، ولم يستمر إلا لعدد محدود من الأجيال. ولذلك فإنه لا يرقى إلى مستوى التكاثر الذاتي المستقل المعروف في الخلايا الطبيعية.
5. لم يحدث تطور دارويني كامل
ذكرت بعض الأخبار أن الخلايا بدأت تتطور ذاتيًا، بينما يوضح البحث أن الباحثين هم الذين أدخلوا التعديل الجيني الذي منح بعض الخلايا ميزة تنافسية، ثم لاحظوا حدوث الانتخاب بين النسخ المختلفة. وأما نشوء طفرات نافعة تلقائيًا ثم انتشارها عبر أجيال طويلة، وهو ما يُعد أساس التطور الدارويني الكامل، فلم يثبته هذا البحث.
■ هل البحث ينفي وجود الخالق أم يثبته؟
تؤكد النقاط السابقه أن الباحثين كانوا أكثر تحفظًا من كثير من التغطيات الإعلامية، وأنهم وصفوا مشروعهم بأنه خطوة هندسية مهمة في علم الأحياء التخليقي، لا أنه خلية حية مستقلة أو تفسير كامل لأصل الحياة. وهذا بلا شك تقدم مهم في علم الأحياء التخليقي، ويستحق التقدير العلمي، ولكنه يختلف تمامًا عن الادعاء بأن العلماء صنعوا خلية حية مستقلة مكتفية بذاتها، أو أنهم خلقوا الحياة من العدم. وكل هذه العبارات كانت من تأليف من يخشى وجود خالق يبعثه من بعد الموت ليحاسبه على أفعاله، ولو أنصف هؤلاء لقرأوا البحث بفلسفة عقلانية تثبت وجود خالق، فإذا كان بناء نظام يؤدي بعض وظائف الخلية يحتاج لسنوات طويلة من العمل، وتجارب عديدة، وفريق كبير من العلماء، وتصميم واعٍ لكل مكون، وضبط دقيق للعلاقات بين آلاف العناصر، فإن هذا الإنجاز يجعل التصميم الذكي الواعي أكثر اتساقًا مع ما نراه من التعقيد الهائل للخلية، فلابد أن خلفها عالم قدير.
■ هل سينجح العلم في مُضاهاة خلق الله، فينافس أحسن الخالقين؟
نعم سينجح العلم في مُضاهاة خلق الله بنص أحاديث رسول الله في البخاري ومسلم، والتي صرحت بأن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله، ولكن هذه المُضاهة ستكون ناقصة، فالعلم قد ينجح في خلق أشباه أي كائن حي من حيث التركيب والشكل، بل وحتى بعض الوظائف، ولكنه سيفشل في جعلها مخلوقات حية قادرة على إنتاج الذرية، قال رسول الله (قال عزّ وجلّ: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)، والحديث صريح في أن هناك من سيخلق كخلق الله، وهو ما يتحقق الآن على أرض الواقع كما رأينا أعلاه، وفي كثير من الأبحاث العلمية.
ولكن هيهات أن يصل العلم للتقليد الكامل لخلق الله، أو أن يكون هناك من هو أحسن خلقاً من الله، فالله يخلق من العدم ولا يحتاج لتقليد خلق غيره أو استعمال مواد من صنع غيره، والله لا يحتاج لتجارب ليتقن الصنعة، والله يهب للأحياء ليس فقط الصورة الشكلية، ولكن بعطيها أيضاً القدرة على الإستمرار ذاتياً في أداء كافة وظائفها الحيوية بسبب قدرتها على التعامل مع المغذيات وتحويلها لطاقة، كما يعطيها القدرة على التكاثر من خلال الصورة المركبة (الحمض النووي) التي تقوم بخلق وتسوية وتعديل ذرية الكائن الحي، فلا تتشابه الذريات مع بعضها ولا مع الأصل.
فنعم سيخلق العلم بمضاهاة خلق الله، ولكن سيعجز عن إحياء ما خلق، كما سيعجز عن خلق أُمة من خلال تكاثر الأزواج وإن كانت ذبابة لا قيمة لها عندنا، قال تعالى (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له)، فالعلم تقدم واستطاع دراسة التركيب التشريحي للذبابة وغيرها من الحشرات وتقليد خلقها، بل وفهم كيفية طيرانها وجعلها تطير، فصنعوا العديد من الروبوتات الحشرية التي يمكنها الطيران والتجسس، فهل يُقال أنهم نجحوا في التحدي، والجواب هو لا، فليس المقصود من التحدي مُضاهاة خلق الله فقط، ولكن خلق أمة كاملة من الذباب من زوجين فقط لا غير، فأنى للعلم أن يخلق ذبابة ذكر وأخرى أنثى، لهما أمشاج وقادران على التكاثر لإنتاج أمة كاملة من الذباب، وحتى لو نجح العلم في خلق جنس الذباب، فحينها أيضاً لن يكون أحسن الخالقين، ولا حتى منافس له، لأنه ببساطة يضاهي خلق الله، ويستخدم مكونات من خلق الله، فمن أراد تحدي خلق الله فليخرج من ملكه ويخلق ملك جديد من العدم ثم يأتي ليتحدى الله مالك الملك والملكوت، فتبارك الله أحسن الخالقين الذي قال (هل من خالق غير الله)، وقال (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ)، وقال (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك، وما كان من ظن أو خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية طب - جامعة المنصورة، مصر
■ المراجع: في أول تعليق