هل تحدى الله بخلق ذُبابة أم خلق أُمة من الذُباب؟ (رؤية جديدة لمعنى الخالق الباريء المصور)

إنضم
08/02/2024
المشاركات
194
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
العمر
53
الإقامة
مصر، المنصورة
هل تحدى الله بخلق ذُبابة أم خلق أُمة من الذُباب؟
(رؤية جديدة لمعنى الخالق الباريء المصور)

1000105961.jpg


تقدم العلم واستطاع دراسة التركيب التشريحي للذُبابة وغيرها من الحشرات، وفهم كيفية طيرانها، فصنعوا العديد من الروبوتات الحشرية (insectoid robots) التي تؤدي وظائف مختلفة، منها روبوتات مستوحاة من الصراصير تبحث عن الناجين تحت الأنقاض، وأخرى تشبه النحل لجمع حبوب اللقاح وتلقيح النباتات صناعياً (Robotic pollinators)، وثالثة تشبه العناكب والذباب تستخدم في الاستخبارات والمراقبة. فهل النجاح في صناعة الروبوتات الحشرية يُعد نجاحاً في التحدي الذي وضعه الله للناس في آية (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).

والجواب هو لا!
فالتحدي ليس في تنفيذ المعنى اللغوي للخلق من حيث الصنعة وتركيب الأشياء مع بعضها وفقط، فهذا في مقدور البشر، وليس هو المُراد. فمن حيث اعتبار المعنى اللغوي للخلق يمكن وصف بعض أفعال الإنسان بالخلق، قال الزمخشـري في أساس البلاغة (خلق الخرّاز الأديم والخيّاط الثوب: قدَّره قبل القطع،....، وخلَّق القدح: ملسه يكون نضبًا أولًا، فإذا بريَ وملَّس فهو مُخلَّق)، وقال البغوي في تفسير قول الله فتبارك الله أحسن الخالقين (الخلق في اللغة التقدير، وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، يقال رجل خالق أي صانع).

وعليه فكل من يرسم صورةً مماثلة للذباب، أو يصنع له تمثالاً، أو يصنع روبوتات تشبه الذباب بدرجات متفاوتة في الشكل الخارجي والداخلي، بل ويعطيها قدرات كالحركة والرؤية والصوت إلى غير ذلك من صفات الأحياء، فكل ذلك لا يُعد نجاحاً في التحدي، فالله لم يتحدى الناس بمضاهاة خلق ذُبابة واحدة من خلال تركيب بعض المواد الأولية، لأنه ببساطة لم يخلق ذُبابة واحدة، ولكن خلق أُمة من الذُباب.

ومعلوم أن الذُباب اسم جنس يشمل كل ما يُذب عن الوجه من حشرات مثل الذبابة المنزلية، والبعوض، والفراش والنحل وغيرها، والذباب جمع واحدته ذبابة أو ذبٌاب بتشديد الباء، فهناك فرق بين ذُبَاب بفتح الباء وهو جمع، وذبٌاب بتشديد الباء وهو مفرد، وجمع الجمع لكلمة ذباب هو ذبان أو أذبة. وقد حكى بعض اللغويين أن ذباب هو اسم مفرد، غير أن كثيرين من اللغويين يقولون بأن لغة العرب بها ذبابة، وهذا يقتضي ان تكون مفرد ذباب، ولذا ذهبت أغلب كتب اللغة إلى أن ذباب جمع، ومفرده ذبابة، وجمع الجمع أذبة وذبان، والله تعالى أعلى وأعلم.

والله قد حكى لنا عن الخلق بالمُضاهاة في آية (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير)، فصنع عيسى من الطين تمثالاً على هيئة الطير الذي في بيئته، ولكن كيف يحوله إلى طير حقيقي، إنه لا يقدر على ذلك، ولذا قال الله (فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني)، فلولا إذن الله وفعله لما تحول هذا التمثال لطير ككل الطيور عنده حياة ذاتية، وصورة وراثية (حمض نووي)، وذرية.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة التحدي بقوله في الصحيحين (إنَّ الذينَ يصنَعونَ هذهِ الصُّوَرَ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ فيُقالُ لَهُم : أحيوا ما خَلَقتُمْ)، فصُناع الصور قد خلقوا ما يُضاهي خلق الله في الشكل، ولكن عجزوا أن يهبوا ما خلقوا الحياة فتغتذي وتنتج مركبات الجسد، وتنمو وتتكاثر. وقال النبي أيضاً (ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً)، فمن شابه خلق الله سواء كان من عالم الحيوان كالنمل (ذرة)، أو عالم النبات (حبة أو شعيرة)، أو حتى البشر، فإنه لم يخلق شيئاً، فقط نجح في المضاهاة الشكلية، وليس هذا ما أراد الله، فمراد الله هو إعطاء المخلوق الحياة الذاتية الكاملة، والتي تتطلب القدرة على الإغتذاء لإنتاج الطاقة، وإنتاج جميع مكونات البدن أثناء مراحل النمو المختلفة، كما تتطلب وجود حمض نووي يمثل صورة لكل مُركبات المخلوق، هذا الحمض النووي له قدرة على إعطاء المخلوق صورته ووظائفه، والقدرة على الاكاثر ونقل الصفات الوراثية للذرية.

وخلق أُمة من الذُباب أو غيره من أُمم الكائنات الحية يقتضي خلق الزوج الأول، ذكر وأنثى لهما القدرة على التكاثر وإنتاج ذرية جديدة تختلف في صفاتها الوراثية عن صفات الآباء، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الخالق الذي خص نفسه بأسماء الخلق والإيجاد على وجه الكمال الذي يليق به، فوصف نفسه بأنه هو (الخالق الباريء المصور). والخالق أي القادر على الإيجاد من عدم، وأيضاً القادر على تحويل المادة المخلوقة من صورة لأخرى، مثل خلق آدم من طين، وخلق الكون المنظور من الرتق. فمن الذي يقدر على خلق المادة الأولية للذباب من العدم؟!، ومن الذي يقدر على خلق الكون الذي سيحيا الذباب فيه، ويتفاعل معه؟

فإن تعلق الخلق بالأحياء، فالله هو باريء الأنفس على غير مثال سابق، أي الذي يخترع ويخلق الزوج الأول لكل كائن حي (ومن كل شيء خلقنا زوجين)، ثم يعطي للمخلوق الحي البريئة (الذرية) الخاصة به ليصير أُمة. ويقول أهل العلم أيضاً أن الباريء من البرى مقصورا وهو التراب، وفي ذلك إشارة لبرأ كل كائن حي من التراب والله أعلم. فمن الذي يقدر على أن يخترع من التراب أحد أشكال الحياة، فيصنع تمثالا من طين على هيئة ذبابة أو أي كائن حي آخر، ثم يجعل فيه الحياة؟!، فما بالكم لو طلب الله اختراع كائن حي على غير مثال سابق؟!

وبدون التصوير فلن يكون هناك صورة مُميزة للزوج الأول ولا هناك خلق وتصوير للذرية من الزوج الأول. واسم الله المصور خاص بالأحياء التي لها بريئة (ذرية، أو ذوات الأنفس)، وهو الذي يعطي لكل مخلوق حي صورته الخاصة التي يتمايز بها عن غيره، فيتمايز في صورته الشكلية وأيضاً في صورته الوراثية (الحمض النووي)، والتي منها خلق وتصوير الذرية. فمثلاً ذرية آدم كانت مخلوقة ومصورة في صلب آدم قبل زواجه من حواء، قال الله (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، فتكونت في آدم الخلايا الجنسية التي تحمل الصورة الوراثية للذرية، فآدم أصل ونحن صورة منه، ولكن صورة مُحسنة، قال الله (وصوركم فأحسن صوركم)، والفعل أحسن كما يقول أهل اللغة يفيد الحسن، كما يفيد التحسين، فنحن صور حسنة ومحسنة من آدم، تواجدت على هيئة خلايا جنسية وأمشاج، وهذه الخلايا الجنسية ستكون الأصل لخلق وتصوير الذرية في الأرحام (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)، فنحن نصور في الأرحام من الصورة المركبة للنطفة الأمشاج (الصورة الوراثية للحمض النووي)، قال الله (الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك)، وقال النبي (إذا بلغت النطفة ثنتان وأربعين ليلة أتاها ملك من قبل الله فصورها وخلق لها)، فالنطفة هي الأصل الذي منه تصوير جسد الذرية.

وجميع الأحياء ومنها الذُباب لها أُمم كأُمة الإنسان (أمم أمثالكم)، فيها زوج أول له صورة وراثية لإنتاج البريئة (الذرية)، وعليه فمن أراد أن يتحدى الله في باب خلق الذباب أو أي كائن حي آخر، فليفعل مثلما فعل الخالق الباريء المصور، فليخلق من التراب أمة تتكاثر، زوج أول، ذكر وأنثى، له صورة وراثية (حمض نووي) بداخل كل خلية بما في ذلك الخلايا الجنسية، ثم تلاقح وتصوير لذرية مُحسنة وراثياً من تلك الصورة الوراثية عبر مراحل معلومة تختلف من أمة لأخرى، فلكل كائن حي دورة حياة خاصة به لإنتاج البريئة (الذرية)، وصدق الله إذ يقول (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له)، فكان النفي على التأبيد، فلم ولن ينجح أحد أبداً في تحدي الله بخلق الذُباب أو غيره من الأحياء، لأنه من الُمحال أن يمتلك المخلوق قدرات الخالق، فتبارك الله أحسن الخالقين.

اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.

د. محمود عبدالله نجا
كلية طب، جامعة المنصورة، مصر
 
عودة
أعلى