جاء في تفسير الكفاية بعد أن ذكر المفسر أقوال السلف واختلافهم في تفسير الآية، ثم علق فقال:
قلت: قوله: {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ}، أي: إلا للعبادة، و»العبادة«: إفراده سبحانه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهذه هي العبادة التي هي غاية الله من إيجاد الخليقة كلها؛ وهي المقصود الأعظم من إيجاد الخلق وإرسال الرسل<span dir="LTR">(</span>). وهذا هو الظاهر، وعليه الجمهور<span dir="LTR">(</span>).
ولا شك أن العبادة لا توجد بدون الأمر من الله تعالى، ويؤيده قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) [التوبة : 31]، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة : 5]. فعبّر عن الأمر والإيجاب بالعبادة، وهي ثمرته ومقتضاه.
والاستثناء -في الآية- مفرغ -أي: من أعمِّ الأحوال كما يقول النحاة- والمعنى: وما خلقت الجن والإنس لشيء، أو لغاية من الغايات أبدًا إلا لغاية واحدة هي: أن يعبدوني).
وسياق الآية الكريمة يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها: بقوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)) [الذاريات: 57]، فإثبات العبادة ونفي الرزق والإطعام يبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام.
عليه فالجملة الكريمة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين.
و»اللام« في قوله تعالى: (لِيَعْبُدُونِ) لام العلة، أي: ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي. والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)[ الذاريات: 57]، وهذا التقدير يلاحظ في كل لام ترد في القرآن تعليلًا لفعل الله تعالى؛ أي: ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية<span dir="LTR">(</span>.
يقول الإمام النووي -في بيان معنى الآية-: "وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنَّها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام").
وبهذا يظهر أن العبادة الشرعية هي الغاية من خلق الخلق وعلى ذلك تكون الإرادة التي دلت عليها »اللام« في قوله: (لِيَعْبُدُونِ (56)). إرادة دينية شرعية، إذ هي الأصل في إيجاد المخلوق، وهي لا تقتضي وجود المراد.
رابط تفسير الكفاية:
الهوامش:
([1]) انظر: مفاتيح الغيب: 28/ 198.
([2]) انظر: مجموع الفتاوى :8/ 51 - 52.
([3])انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص 11 - 12)، وفي نوع القصر خلاف بين أهل العلم؛ أي: هل هو قصر حقيقي أم إضافي، والظاهر أن العبادة هي أعظم الغايات من إيجاد الخلق، ولا يمنع ذلك وجود غايات أخرى للرب تبارك وتعالى من الخلق تكون تابعة للغاية العظمى، ألا وهي العبادة، يقول الشيخ ابن عاشور: "فالحصر المستفاد من قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ قصرُ علة خلق الله الإنس والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي، وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول (يعبدون)؛ أي: إلا ليعبدوني وحدي؛ أي: لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًا، فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألَا ترى أن الله ذكر حِكمًا للخلق غير هذه كقوله: ﴿ … وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118 - 119]، بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإنس والجن كقوله في خلق عيسى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: 21]. التحرير والتنوير، لابن عاشور (27/ 26 - 27).
([4]) انظر: التحرير والتنوير: 27/25.
([5])رياض الصالحين (ص 5) .
قلت: قوله: {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ}، أي: إلا للعبادة، و»العبادة«: إفراده سبحانه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهذه هي العبادة التي هي غاية الله من إيجاد الخليقة كلها؛ وهي المقصود الأعظم من إيجاد الخلق وإرسال الرسل<span dir="LTR">(</span>). وهذا هو الظاهر، وعليه الجمهور<span dir="LTR">(</span>).
ولا شك أن العبادة لا توجد بدون الأمر من الله تعالى، ويؤيده قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) [التوبة : 31]، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة : 5]. فعبّر عن الأمر والإيجاب بالعبادة، وهي ثمرته ومقتضاه.
والاستثناء -في الآية- مفرغ -أي: من أعمِّ الأحوال كما يقول النحاة- والمعنى: وما خلقت الجن والإنس لشيء، أو لغاية من الغايات أبدًا إلا لغاية واحدة هي: أن يعبدوني).
وسياق الآية الكريمة يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها: بقوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)) [الذاريات: 57]، فإثبات العبادة ونفي الرزق والإطعام يبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام.
عليه فالجملة الكريمة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين.
و»اللام« في قوله تعالى: (لِيَعْبُدُونِ) لام العلة، أي: ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي. والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)[ الذاريات: 57]، وهذا التقدير يلاحظ في كل لام ترد في القرآن تعليلًا لفعل الله تعالى؛ أي: ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية<span dir="LTR">(</span>.
يقول الإمام النووي -في بيان معنى الآية-: "وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنَّها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام").
وبهذا يظهر أن العبادة الشرعية هي الغاية من خلق الخلق وعلى ذلك تكون الإرادة التي دلت عليها »اللام« في قوله: (لِيَعْبُدُونِ (56)). إرادة دينية شرعية، إذ هي الأصل في إيجاد المخلوق، وهي لا تقتضي وجود المراد.
رابط تفسير الكفاية:
alkefaya1-40
MediaFire is a simple to use free service that lets you put all your photos, documents, music, and video in a single place so you can access them anywhere and share them everywhere.
www.mediafire.com
الهوامش:
([1]) انظر: مفاتيح الغيب: 28/ 198.
([2]) انظر: مجموع الفتاوى :8/ 51 - 52.
([3])انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص 11 - 12)، وفي نوع القصر خلاف بين أهل العلم؛ أي: هل هو قصر حقيقي أم إضافي، والظاهر أن العبادة هي أعظم الغايات من إيجاد الخلق، ولا يمنع ذلك وجود غايات أخرى للرب تبارك وتعالى من الخلق تكون تابعة للغاية العظمى، ألا وهي العبادة، يقول الشيخ ابن عاشور: "فالحصر المستفاد من قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ قصرُ علة خلق الله الإنس والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي، وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول (يعبدون)؛ أي: إلا ليعبدوني وحدي؛ أي: لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًا، فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألَا ترى أن الله ذكر حِكمًا للخلق غير هذه كقوله: ﴿ … وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118 - 119]، بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإنس والجن كقوله في خلق عيسى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: 21]. التحرير والتنوير، لابن عاشور (27/ 26 - 27).
([4]) انظر: التحرير والتنوير: 27/25.
([5])رياض الصالحين (ص 5) .