امانى يسرى محمد
New member
-
نماذِجُ من الحُسَّادِ
حسَدُ إبليسَ
خَلَق اللَّهُ جَلَّ وعلا آدَمَ عليه السَّلامُ وشَرَّفه وكَرَّمه، وأمَر الملائكةَ بالسُّجودِ له، ولكِنَّ إبليسَ تكبَّرَ وبغى، وحَسَده على هذه المنزلةِ؛ قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 11-12] .
قال قتادةُ: (حَسَد عَدُوُّ اللَّهِ إبليسُ آدَمَ عليه السَّلامُ ما أعطاه من الكرامةِ، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ) . وقال ابنُ عطيَّةَ: (أوَّلُ ما عُصِيَ اللَّهُ بالحَسَدِ، وظهَر ذلك من إبليسَ) .
ومن شِدَّةِ حَسَدِ إبليسَ أنَّه لمَّا تبَيَّن مَقتَ اللَّهِ له وغَضَبه عليه، أراد أن يُغويَ بني آدمَ ليشارِكوه المَقْتَ والغضَبَ، وقد ذَكَر اللَّهُ حالَ إبليسَ هذا؛ قال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17] . قال ابنُ القيِّمِ: (الحاسِدُ شبيهٌ بإبليسَ، وهو في الحقيقةِ من أتباعِه؛ لأنَّه يطلُبُ ما يحِبُّه الشَّيطانُ مِن فسادِ النَّاسِ، وزوالِ نِعَمِ اللَّهِ عنهم، كما أنَّ إبليسَ حَسَد آدمَ لشَرَفِه وفَضلِه، وأبى أن يسجُدَ له حَسَدًا، فالحاسِدُ من جُندِ إبليسَ) .
حَسَدُ قابيلَ لأخيه هابيلَ
قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: 27- 30] . (فإنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ لمَّا بُعِث إلى أولادِه كانوا مُسلِمين مُطيعين، ولم يحدُثْ بَيْنَهم اختلافٌ في الدِّينِ، إلى أن قَتَل قابيلُ هابيلَ؛ بسَبَبِ الحَسَدِ والبَغيِ)
حَسَدُ إخوةِ يُوسُفَ
قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 7- 9] .
قال الماوَرْديُّ: (كان يعقوبُ قد كَلِفَ بهما لموتِ أمِّهما، وزاد في المراعاةِ لهما، فذلك سَبَبُ حَسَدِهم لهما، وكان شديدَ الحُبِّ ليوسُفَ، فكان الحَسَدُ له أكثَرَ، ثمَّ رأى الرُّؤيا فصار الحَسَدُ له أشَدَّ) .
قيل للحَسَنِ: يا أبا سعيدٍ، أيحسُدُ المُؤمِنُ؟ قال: لا أمَّ لك! أنسِيتَ إخوةَ يوسُفَ .
حَسَدُ اليهودِ والنَّصارى
بَيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ أهلَ الكتابِ الذين كفَروا بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَسَدوه على ما آتاه اللَّهُ من فضلِه، حتَّى إنَّهم زعموا أنَّ كُفَّارَ مكَّةَ أهدى من المُؤمِنين برسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء 51- 54]، ومع كُفرِهم فإنَّهم يودُّون لو يرتَدُّ المُسلِمون عن دينِهم حَسَدًا وحِقدًا؛ قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109]، قال ابنُ كثيرٍ: (يحذِّرُ تعالى عبادَه المُؤمِنين عن سُلوكِ طرائِقِ الكُفَّارِ من أهلِ الكتابِ، ويُعلِمُهم بعداوتِهم لهم في الباطِنِ والظَّاهِرِ، وما هم مشتَمِلون عليه من الحَسَدِ للمُؤمِنين، مع عِلمِهم بفضلِهم، وفَضلِ نبيِّهم) .
حَسَدُ كُفَّارِ قُرَيشٍ
أكرَم اللَّهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ولكِنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ حَسَدوه على هذا الفَضلِ، وظنُّوا أنَّ النُّبُوَّةَ مبنيَّةٌ على مقاييسِهم الدُّنيويَّةِ المختَلَّةِ، وقد ذكر اللَّهُ تعالى ذلك عنهم ووبَّخَهم على سوءِ فَهمِهم؛ قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 31- 32] .
وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص: 69] .
(مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ من عداوةِ رَسولِ اللَّهِ وحَسَدِه وَمَا يُعْلِنُونَ من مَطاعنِهم فيه، وقولِهم: هلَّا اختيرَ عليه غيرُه في النُّبُوَّةِ!)
حَسَدُ المُنافِقينَ
المُنافِقون يُظهِرون الإسلامَ، ويُبطِنون الكُفرَ والعداوةَ، وتكادُ قُلوبُهم تَشَقَّقُ حَسَدًا وغيظًا وحِقدًا؛ قال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: 120] ، قال ابنُ كثيرٍ: (وهذه الحالُ دالَّةٌ على شِدَّةِ العداوةِ منهم للمُؤمِنين، وهو أنَّه إذا أصاب المُؤمِنين خِصبٌ ونصرٌ وتأييدٌ، وكَثُروا وعَزَّ أنصارُهم؛ ساء ذلك المُنافِقين، وإن أصاب المُسلِمين سَنَةٌ -أي: جَدبٌ- أو أُديلَ عليهم الأعداءُ لِما للهِ تعالى في ذلك من الحكمةِ، كما جرى يومَ أحُدٍ؛ فَرِح المُنافِقون بذلك) . وقال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد: 29] ، قال ابنُ كثيرٍ: (أيعتَقِدُ المُنافِقون أنَّ اللَّهَ لا يكشِفُ أمرَهم لعبادِه المُؤمِنين، بل سيوضِّحُ أمرَهم ويُجَلِّيه حتى يَفهَمَهم ذَوو البصائِرِ، وقد أنزل اللَّهُ تعالى في ذلك سورةَ براءةَ، فبَيَّن فيها فضائِحَهم، وما يعتَمِدونه من الأفعالِ الدَّالَّةِ على نفاقِهم؛ ولهذا كانت تُسَمَّى الفاضِحةَ. والأضغانُ: جمعُ ضِغنٍ، وهو ما في النُّفوسِ من الحَسَدِ والحِقدِ للإسلامِ وأهلِه، والقائِمين بنَصرِه) .
الدرر السنية