مناقشة العلامة محمود شاكر في تعليق على موضع من “تفسير الطبري”

عبدالرحمن الشهري

المشرف العام
إنضم
29 مارس 2003
المشاركات
19,310
مستوى التفاعل
125
النقاط
63
الإقامة
الرياض
الموقع الالكتروني
www.amshehri.com
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد سألني تلميذي البارُّ الشيخ محمد الشيخ – وفقه الله – عن هامش من هوامش العلامة محمود شاكر – رحمه الله – على تفسير الإمام أبي جعفر الطبري –رحمه الله – فأجبتُه بما علَّمني الله – تعالى – فالتمسَ نشر الجواب؛ لتعميم الفائدة، فأجبتُه إلى ما طلب، وهذا تلخيصٌ لما دارَ بينَنا في قرابة ثلاث ساعات.

قال الإمام الطبري في تفسير قول الله – تعالى -: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة : 145]:

«وأُجِيبَت “لئن” بالماضي من الفعل، وحُكمها الجوابُ بالمستقبل؛ تشبيهًا لها بـ”لو”، فأُجِيبَت بما تُجاب به “لو” لتقارُب معنيَيهِما.

وقد مضى البيانُ عن نَظير ذلك فيما مضى، وأُجِيبَت “لو” بجَواب الأَيمان. ولا تفعل العربُ ذلكَ إلا في الجزاءِ خاصَّة؛ لأنَّ الجَزاء مُشابِهُ اليَمين: في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يتمُّ أوَّلُه إلَّا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصحُّ إلَّا بما يؤكَّد به بعدَه. فلمَّا بدأ باليمين فأُدخِلَت على الجزاء، صَارَت “اللام” الأولى بمنزلة يَمين، والثانية بمنزلة جَواب لها، كما قيل: “لعَمرُك لتقومَنَّ”؛ إذ كثُرت “اللام” من “لعَمرُك”، حتى صارت كحرفٍ من حروفه، فأُجيب بما يُجاب به الأيمان، إذ كانت “اللام” تنوبُ في الأَيمان عن الأيمان، دونَ سائر الحروف، غيرها التي هي أجوبة الأيمان. فتدلُّ على الأيمان وتعمل عملَ الأجوبة، ولا تدلُّ سائر أجوبة الأَيمان لنا على الأَيمان. فشُبِّهَت “اللام” التي في جواب الأَيمان بالأَيمان، لما وصفنا، فأُجِيبَت بأجوبَتها».

قال المحقِّق العلامة محمود شاكر – رحمه الله – معلِّقًا: «قوله: “أجوبة الأيمان لنا على الأيمان” هذه عبارةٌ غامضة، لم أظفَر لها بوجهٍ أرتضِيه، وأنا لا أشكُّ في تحريفِها أو نقصِها».

فهذه هي الحاشية المسؤول عنها، وقد سلَّم بعضُهم للمحقِّق كلامَه، فراحَ يبحث في كتب التفاسير، ومعاني القرآن، لعلَّه يجد صوابَ العبارة، فشرَّق وغرَّب، وخلصَ من رحلته إلى الرِّضى من الغنيمة بالإياب، واكتفَى بشرفِ المحاولة.

قلت: العبارة فيها شيء مما نعدُّه في عصرنا غموضًا؛ لأسباب معروفة، ككثير من كلام الإمام أبي جعفر، وسيبويه، والفرَّاء، وأضرابِهم، وعند إنعامِ النظر فيه يتَّضِح أنه كلام في غايةِ الصحَّة، ومنه عبارة أبي جعفر هذه.

ومن أسباب غُموض بعضِ عبارات المتقدِّمين: أنهم يَبنُون كلامَهم على أصول وقواعدَ مع عدم التنصيصِ علَيها صراحةً في العبارة؛ لكونِها معلومةً في أثناء الكلام، فإذا لم يستحضِرها قارئُ كلامِهم غمُضَت عليه العبارةُ واستغلَقَت، حتى إذا استحضرَها ظهرَ له أنَّ الكلام في غاية الوضوح والظُّهور.

فكلام الإمام الطبريِّ يتعلَّق بالحروف التي تُتلقَّى بها الأَيمان؛ أي: يُجاب بها القَسَم، والموازنةِ بينها قوَّةً واختصاصًا باليمين؛ فإنَّ القَسَمَ يُجاب – كما قال الفرَّاء في معانى القرآن [1/ 61]:

«إمَّا بـ”لامٍ”، وإمَّا بـ “لا” وإما بـ “إنَّ” وإمّا بـ “ما”؛ فتقول في “ما”: لئن أتيتَني ما ذلك لكَ بضائع، وفى “إنَّ”: لئن أتيتني إنَّ ذلك لمشكورٌ لك … وفى “لا”: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ}، وفى “اللام”: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ}».

وهذه الحروف الأربعة ليست سواءً في القوَّة والاختصاص بالقَسَم؛ فاللام ألصقُ بالقَسَم، وأخصُّ بالأيمان؛ ولهذا فصَّل الإمام أبو جعفر الطبري الكلامَ فيها، وبيَّن أنها أخصُّ بالقَسَم من سائر الحروف التي يُتلَقَّى بها القَسَم، ومُرادُه بسائر الحروف: “لا”، و”إنَّ”، و”ما”، ولم ينصَّ علَيها؛ للعلم بها، وأوضحَ – رحمه الله – وجهَ الفَرقِ بين اللام، وبقيَّة الحروف، بأنَّ “اللام” تقعُ في جواب القَسَمِ كسائر حروف الجواب، وتنفرِدُ “اللام” بأنها تقع في موضع القَسَم، ومثَّلَ لذلك بقولهم: (لعَمرُك لأفعلنَّ)، فـ”اللام” في قولك: “لأفعلنَّ” جوابٌ للقَسَم، ويُشارِكُها في ذلك سائرُ الحروف، فتقول: لعَمرُ اللهِ إنَّك لكريم، أو: ما أنتَ ببخيل، أو: لا أُنكِر ذلك، أمَّا اللام في “لعَمرُك” فتدلُّ على القَسَم، ولا يُشارِكُها في ذلك غيرُها من الحروف التي تقعُ في جواب القَسَم، وهذا معنى قولِه: «إذ كانت “اللام” تنوبُ في الأَيمان عن الأَيمان، دونَ سائرِ الحُروف»، وقد علِمتَ أنَّ مُرادَه بسائر الحروفِ، بقيةُ الحُروف التي يُتلقَّى بها القَسَم، وقد تقدَّمت؛ ولأجل هذا فإنَّ “اللام” تدلُّ على القَسَم، وإن لم يُوجَد في اللفظ، فإذا قِيل: (لأفعلَنَّ) عُلِمَ أن في الكلام قَسَمًا محذوفًا دلَّت عليه اللام، وإذا قِيلَ ابتداءً: (إنَّك لكريم)، أو: (ما أنتَ ببخيل)، أو: (لا أُنكِر ذلك) – لم يدلَّ على القَسَم شيءٌ من هذه الثلاثةِ التي تأتي أجوبةً للقَسَم.

فتبيَّن بجَلاء أنَّ “اللام” تدلُّ على القَسَم، وعلى جواب القَسَم، وأنَّ بقيَّة الحروف التي يُجاب بها القَسَم – وهي: “لا”، و”إنَّ”، و”ما” – تدلُّ على جَواب القَسَم، ولا تدلُّ على القَسَم، وهذا معنى كلامِ الإمام الطبريِّ الذي عدَّه المحقِّق غامضًا: «فتدلُّ على الأَيمان وتعمل عَمَلَ الأجوبةِ، ولا تدلُّ سائرُ أجوبةِ الأَيمانِ لنا على الأَيمان»، ففاعلُ قولِه: «فتدلُّ» ضمير “اللام”، أي: فتدلُّ “اللام”، والجارُّ والمجرور «على الأيمان» الثاني متعلِّق بـ «ولا تدلُّ»، ومعنى قولِه: «سائرُ أجوبة» بقيَّةُ حروفِ الجواب، وهي: “لا”، و”إنَّ”، و”ما”.

فظهرَ أنَّ عبارةَ الطبريِّ صحيحةٌ لا غموض فيها، وأنها مبنيَّة على قاعدة مشهورة. نعم كلمة “لنا” لا معنى لها، والصوابُ حذفُها، كما في نُسَخٍ أخرى من “جامع البيان”.

وقد وقعَ في نصِّ الطبريِّ السابق، في نسخةِ الشيخ محمود شاكر، ما هو أحقُّ بالتوقُّف عندَه؛ والتعليقِ عليه، وهو قولُه: «إذ كانت “اللام” تنوبُ في الأَيمان عن الأَيمان، دونَ سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان»، فانظُر – رحمك الله – ما معنى «غير التي هي أحقُّ به الأيمان»؟

وإنما هو تصحيف، وصوابه: «غيرِها التي هي أجوبةُ الأَيمان»، فالضمير في «غيرِها» يعودُ على “اللام”، وقوله «التي هي أجوبةُ الأَيمان» صفةٌ للحروف، والمعنى: دونَ بقيَّةِ الحروف التي هي أجوبةُ الأيمان غير “اللام”، وكم في هذه النسخة من مثل هذا.

وهذه المسألة – أعني مسألةَ حروفِ جوابِ القَسَم – ذكرَها الرُّمَّانيُّ في شرح كتاب سيبويه [1069]، فقال:

«وجواب القَسَم في الأصلِ على أربعةِ أوجُه: “إنَّ”، و”ما”، و”اللام”، و”لا”؛ فثلاثةٌ منها موضوعةٌ لمعنى غيرِ معنى القَسَم، وهي: “ما” موضوعةٌ للنفي، وتصلحُ للجَواب، و”إن” موضوعةٌ على نقيضِ “ما” في الخبر، و”لا” لنفي المستقبل.

فأمَّا الحرفُ الذي هو أخصُّ بالقَسَم، فـ “اللام” التي تلزمُها النون في المضارع من قولِك: والله لتفعلَنَّ.

وأمَّا “لام الابتداء” فموضوعةٌ ليقطَعَ العاملُ الذي قبلَها عمَّا بعدَها، وتصلح للقَسَم، فهي نظيرةُ “إنَّ”.

وقد علِمنا أنَّ جواب القَسَم يقتضي وضعَ حرفٍ هو أخصُّ به، كما يقتضي الابتداءُ وضعَ حرفٍ هو أخصُّ به؛ فاللام التي تصحبُها النون أحقُّ بالقَسَم؛ لأنها لا تمنَع العامل، ولامُ الابتداء تمنعُ العامل؛ فلذلك انفصلَ حكمُهما، وصارَ قولُك: “لَزيدٌ خيرٌ منك” لا يدلُّ على قَسَم محذوف، كما لا يدلُّ: “إنَّ زيدًا خيرٌ منك”، ويدلُّ: “ليفعلن”، على قَسَمٍ محذوف».

والله – تعالى – أعلم.

بقلم / أحمد بن محمد الحمزاوي


منقول من
موقع أثارة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
جزاكم الله تعالى خيراً الأستاذ الكريم عبد الرحمن الشهري لتذكيركم بموضوع القسم في القرآن الكريم
لكونه من المباحث المتكررة وتتصف بكثرة تباينها حسب حروف القسم وطبيعة الجملة من إظهار وضمور
والله تعالى أعلم .
ولقد اطلعت على المبحث الآتي ووجدت فيه فوائد كثيرة ربما وضحتها لاحقاً بعون الله تعالى .
ولننظر في الموضوع :
(

أسلوب (القسم) في القرآن​



أسلوب (القسم) في القرآن
نزل القرآن الكريم للناس كافة، ووقف الناس منه مواقف متباينة ومتخالفة؛ فمنهم مهتد موقن، ومنهم ضال منكر، ومنهم مصدق موافق، ومنهم مكذب مخاصم. وقد استدعت هذه المواقف المتباينة والمتخالفة أن يتوجه القرآن إلى كلٍّ منها بما يناسبه من خطاب، وبما يلائمه من أسلوب. وكان من الأساليب التي سلكها القرآن مع الكافرين والجاحدين أسلوب (القَسَم)، إقامة للحجة عليهم.
تعريف (القَسَم)
و(القَسَم) في اللغة: هو اليمين، وفي الشرع: هو ربط النفس بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه، بمعنى معظم عند الحالف حقيقة أو اعتقاداً. ويُجمع على (أقسام). و(أقسم) إقساماً، ومقسماً: حلف. يقال: أقسم بالله: حلف به. فهو مقسم.
و(القَسَم) و(الحلف) و(اليمين) بمعنى واحد. وسمي (الحلف) يميناً؛ لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف. وكان أهل الكفر يقسمون بآبائهم وآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيماً أقسموا بالله تعالى، قال سبحانه: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} (الأنعام:109).
أنواع (القَسَم)
قال بعض أهل العلم: (القَسَم) بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنفعة؛ قال: فالفضيلة كقوله تعالى: {وطور سينين * وهذا البلد الأمين} (التين:2-3)، فقد أقسم سبحانه -وله أن يُقْسِم بما شاء- بالبلد الأمين، وهو مكة؛ تبياناً لفضلها ومكانتها. والمنفعة نحو قوله سبحانه: {والتين والزيتون} (التين:1)، أقسم سبحانه بهذين المطعومَيْن؛ لبيان منفعتهما وفائدتهما.
وتَتَبُّبْع أسلوب (القَسَم) في القرآن الكريم، يرشد إلى أنه ورد بحسب اعتبارات ثلاثة:

أولها: باعتبار المقسَم به، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: قَسَم بالله عز وجل. وقد أقسم سبحانه بذاته في ثمانية مواضع في القرآن، هي: قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء:65)، وقوله عز وجل: {قل إي وربي إنه لحق} (يونس:53)، وقوله سبحانه: {فوربك لنسألنهم أجمعين} (الحجر:92)، وقوله سبحانه: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} (مريم:68)، وقوله عز من قائل: {قل بلى وربي لتأتينكم} (سبأ:3)، وقوله تعالى: {فورب السماء والأرض} (الذاريات:23)، وقوله تعالى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} (المعارج:40)، وقوله سبحانه: {قل بلى وربي لتبعثن} (التغابن:7).

ثانيهما: قَسَم بمخلوقاته، وهذا كثير في القرآن.

فتارة يقسم سبحانه بمخلوقاته السماوية، كقوله تعالى: {والنجم إذا هوى} (النجم:1)، وقوله عز وجل: {والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها} (الضحى:1-2). وقوله سبحانه: {والسماء ذات البروج} (البروج:1).

وتارة يقسم بمخلوقاته الأرضية، كقوله سبحانه: {والتين والزيتون * وطور سينين} (التين:1-2)، وقوله سبحانه: {والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها} (الضحى:3-4).

وتارة يقسم سبحانه بنبيه صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } (الحجر:72).

وتارة يقسم سبحانه بالقرآن الكريم، كقوله سبحانه: {يس * والقرآن الحكيم} (يس:1-2)، وقوله تعالى: {ص والقرآن ذي الذكر} (ص:1)، وقوله عز وجل: {ق والقرآن المجيد} (ق:1).

ثانيها: ويقسم (القَسَم) باعتبار المقسوم عليه إلى أنواع:

منها (القَسَم) على التوحيد، من ذلك قوله تعالى: {فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد} (الصافات:3-4).

ومنها (القَسَم) على أن القرآن حق، من ذلك قوله سبحانه: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم} (الواقعة:76-77).

ومنها (القَسَم) على أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، من ذلك قوله سبحانه: {يس * إنك لمن المرسلين} (يس:2-3).

ومنها (القَسَم) على أن الجزاء حق، من ذلك قوله سبحانه: {والذاريات ذروا } (الذاريات:1)، مع قوله تعالى: {وإن الدين لواقع} (الذاريات:6).

ومنها (القَسَم) على حال الإنسان، من ذلك قوله سبحانه: {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى} (الليل:1-2)، مع قوله تعالى: {إن سعيكم لشتى} (الليل:4).

ثالثها: يقسم باعتبار الإظهار والإضمار إلى قسمين: ظاهر ومضمر.

فـ (الظاهر)، وهو ما يذكر فيه (المقْسَم) به، مثاله قوله سبحانه: {فورب السماء والأرض} (الذاريات:23). ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين}، ونحو هذا من الأقسام التي يذكر فيها المقسم به.

و(المضمر)، هو ما يكون (المقْسَم) به مضمراً ومقدراً، مثاله قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} (آل عمران:186)، فـ (اللام) هنا لام (القَسَم)، دلت على المقسم به، والتقدير (والله لتبلون). ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} (مريم:71)، والتقدير: والله إنكم لواردو النار.

فائدة أسلوب (القَسَم)

والغرض الأساس من (القَسَم) التأكيد على الأخبار التي وردت فيها الأقسام. وقد يرد (القَسَم) في القرآن الكريم بقصد بيان عظمة المقسم به، كـ (القَسَم) بالله، و(القَسَم) بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر المفسرون في أثناء تفاسيرهم جملاً من فوائد (القَسَم)، تفيد ما ألمحنا إليه من فائدة (القَسَم)؛ فالإمام الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم}، يقول: "يُعَلِّمُه -أي للنبي صلى الله عليه وسلم- (القَسَم) تأكيداً لما كان يخبر عن البعث"، ويؤيد الزركشي هذه الفائدة من أسلوب (القَسَم)، فيقول: "(القَسَم) إنما جيء به لتوكيد المقسم عليه". ويقرر الآلوسي فائدة أخرى من أسلوب (القَسَم)؛ وذلك أن "(القَسَم) يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به"، وأن "الإقسام بالشيء إعظام له".

(القَسَم) وجوابه

الصيغة الأصلية لأسلوب (القَسَم)، أن يؤتى بالفعل (أُقسم) أو (أحلف) متعدياً بـ (الباء) إلى المقسَم به، ثم يأتي المقسَم عليه، وهو المسمى بجواب (القَسَم)، كقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} (الأنعام:109). وعلى هذا، فإن أسلوب (القَسَم) يتكون من ثلاثة عناصر رئيسة: فعل (القَسَم)، والمقسم به، وجواب (القَسَم).
وقد تزاد ألفاظ في (القَسَم) للمبالغة في التوكيد، من ذلك زيادة لفظ (إي) بمعنى: نعم، كما في قوله تعالى: {قل إي وربي} (يونس:52). وقد يُنقص منه للاختصار وللعلم بالمحذوف، فيُحذف فعل (القَسَم)، وحرف الجر، ويكون الجواب مذكوراً، كقوله سبحانه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب:21)، والتقدير: والله لقد كان.
وجواب (القَسَم) قد يذكر، وقد يحذف للعلم به، أو للدلالة عليه، فمن أمثلة ذكره قوله عز وجل: {والشمس وضحاها} (الشمس:1) إلى قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها} (الشمس:9). وقد ذكر الزركشي أن ذكر جواب (القَسَم) هو الأغلب في القرآن. ومن أمثلة حذفه قوله تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة} (القيامة:1)، فجواب (القَسَم) محذوف، دل عليه قوله سبحانه: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} (القيامة:3)، والتقدير: لتبعثن ولتحاسبن. قال ابن الأثير: "وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيراً".

أفعال تجري مجرى (القَسَم)

ثمة بعض الأفعال تجري مجرى (القَسَم)، وهي تدل عليه من سياقها ومعناها، من ذلك قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} (آل عمران:187)، فـ (اللام) في قوله تعالى: {لتبيننه} لام (القَسَم)، والجملة بعدها جواب (القَسَم)؛ لأن أخذ الميثاق بمعنى (الاستحلاف). وبحسب هذا المنحى حملوا قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} (النور:55).

أخيراً، فقد روي عن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} (الذاريات:23)، صاح، وقال: من الذي أغضب الجليل، حتى ألجأه إلى اليمين؟ قالها ثلاثاً، ثم مات! ) ورابط المقال هو :

والله تعالى أعلم .
 
عودة
أعلى