مبدأ التوحيد في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 11 )
سورة الغاشية

جمعت سورة الغاشية أركانا هامة من عقيدة التوحيد التي تقوم على الإيمان
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و الإيمان بالقدر خيره وشره .
حيث طوفت بنا في مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة. ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع. ثم تذكرنا بعد هاتين الجولتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف.

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ - 1 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ -2 عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ -3 تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً -4 تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ -5 لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِن ضَرِيعٍ -6 لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ -7

تبدأ السورة بهذا الاستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقرير؛
و الغاشية.. هي التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها. وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء.. الطامة.. الصاخة.. الغاشية.. القارعة.. مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة.
وهذا الخطاب يذكر به وينذر ويبشر؛ ويستجيش به في الضمائر الحساسية والخشية والتقوى والتوجس؛ كما يثير به الرجاء والارتقاب والتطلع. ومن ثم يستحيي هذه الضمائر فلا تموت ولا تغفل.

ثم يعرض شيئاً من حديث الغاشية:

إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم؛ فهو أقرب إلى جو الغاشية وظلها.. فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة؛ عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضاً وإرهاقاً وتعباً، فهي: عاملة ناصبة.. عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله. عملت لنفسها ولأولادها. وتعبت لدنياها ولأطماعها. ثم وجدت عاقبة العمل والكد. وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد. ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب. وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق .
ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم : تصلى ناراً حامية , وتذوقها وتعانيها.

تسقى من عين آنية.. حارة بالغة الحرارة.. , ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع .. والضريع قيل: شجر من نار في جهنم. استناداً إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم. وقيل: نوع من الشوك اللاطئ بالأرض، ترعاه الإبل وهو أخضر، ويسمى " الشبرق " فإذا جني صار اسمه " الضريع " ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام . فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع .

*****

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ -8 لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ -9 فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ -10 لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً -11 فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ -12 فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ -13 وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ - 14 وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ -15 وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ -16

وعلى الجانب الآخر: وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية : في جنة عالية. لا تسمع فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة..

فهنا وجوه يبدو فيها النعيم. ويفيض منها الرضى. وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما عملت. فوجدت عقباه خيراً، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع. شعور الرضى عن عملها حين ترى رضى الله عنها. وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته، ثم يراها ممثلة في رضى الله الكريم. وفي النعيم.
في جنة عالية.. عالية في ذاتها رفيعة مجيدة. ثم هي عالية الدرجات. وعالية المقامات.
لا تسمع فيها لاغية.. ويطلق هذا التعبير جواً من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان والود والرضى والنجاء والسمر بين الأحباء والأوداء، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية.. وهذه وحدها نعيم. وهذه وحدها سعادة.
سعادة تتبين حين يستحضر الحس هذه الحياة الدنيا، وما فيها من لغو وجدل وصراع وزحام ولجاج وخصام وضجة وصخب، وهرج ومرج. ثم يستسلم بعد ذلك لتصور الهدوء والأمن والسلام الساكن والود الرضي والظل الندي في العبارة الموحية : لا تسمع فيها لاغية .
وتوحي هذه اللمسة بأن حياة المؤمنين في الأرض وهم ينأون عن الجدل واللغو، هي طرف من حياة الجنة ، يتهيأون بها لذلك النعيم الكريم.
وهكذا يقدم الله من صفة الجنة هذا المعنى الرفيع الكريم الوضيء.
ثم تجيء المناعم التي تشبع الحس والحواس. تجيء في الصورة التي يملك البشر تصورها. وهي في الجنة مكيفة وفق ما ترتقي إليه نفوس أهل الجنة. مما لا يعرفه إلا من يذوقه .
فيها عين جارية.. والعين الجارية: الينبوع المتدفق. وهو يجمع إلى الري الجمال. جمال الحركة والتدفق والجريان. وهو متعة للنظر والنفس من هذا الجانب الخفي، الذي يتسرب إلى أعماق الحس.

فيها سرر مرفوعة.. والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة..
وأكواب موضوعة.. مصفوفة مهيأة للشراب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد‍ .
ونمارق مصفوفة.. والنمارق الوسائد والحشايا للاتكاء في ارتياح .
وزرابي مبثوثة.. والزرابي البسط ذات الخمل " السجاجيد " مبثوثة هنا وهناك للزينة وللراحة سواء .


وكلها مناعم مما يشهد الناس له أشباها في الأرض. وتذكر هذه الأشياء لتقريبها إلى مدارك أهل الأرض. أما طبيعتها وطبيعة المتاع بها فهي موكولة إلى المذاق هناك. للسعداء الذين يقسم الله لهم هذا المذاق .

والمتأمل في آيات الله الكونية يدرك
عظيم قدرة الله تعالى في الكون المنظور
حيث لايوجد عذر للكافر والملحد والمشرك في عدم معرفتهم بالخالق الأعظم

وننظر الى تلك الآيات على أرض الواقع

أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ -17 وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ -18
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ –19 وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ -20

ومع التأمل في مخلوقات الله والكون من حولنا يعيش المؤمن ,
فلننظر إلى الإبل كيف سخرها ربنا لنا , بهذا الحجم الهائل يسوقها غلام صغير ,ولولا تسخير الله لها , ما كنا نستطيع أن نستفيد بها
والمتأمل في السماء يدرك عظمة الخالق, لهذا الكون العظيم , من مجرات ونجوم وكواكب وأقمار ,
وكلها تسير في مدارات وضعت لها ,
ولو إنحرفت عن هذه المسارت ,... لم أستطع أن أعبر عن مدى الدمار الذي يحدث ؟؟
وعلى الأرض نرى هذه الجبال الشامخة , وكيف نصبت على هذه الهيئة التي تحفظ توازن الأرض بإذن الله .
والمتأمل والدارس لكوكب الأرض يراى عجائب صنع الله ,
فباطن الأرض مرتفع الحرارة , تعبر عنه البراكين والحمم ,
فكلنا رأينا ما يخرج من البراكين من نيران ومنصهرات تذيب ما تقع
عليه في لحظات , ومع هذا الجحيم في باطن الأرض
نرى سطح الأرض أمنا معبد للإنسان.. , به الأودية والأنهار والبحار
والزروع وجميع الأحياء , رغم أن باطن الأرض منصهر
. فكيف سطحت هذه الأرض بهذه الكيفية الأمنة ؟ , والجواب .. قدرة الله العظيم


*******

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ - 20 لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ -21
إِلا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ –22 فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ -23
إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ -24 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ- 25

فذكر- أيها الرسول - بهذا وذاك. ذكرهم بالآخرة وما فيها. وذكرهم بالكون وما فيه. إنما أنت مذكر. هذه وظيفتك على وجه التحديد. وهذا دورك في هذه الدعوة، ليس لك ولا عليك شيء وراءه. عليك أن تذكر. فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه.
لست عليهم بمسيطر.. فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئاً. حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان. فالقلوب بين أصابع الرحمن، لا يقدر عليها إنسان.

فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان. إنما كان لتحرير إرادة الناس و لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى البشر كافة. فلا يمنعوا من سماعها. ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها .

******

فإن من خصائص الآلهية , الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والاجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل " أتدري ما حق الله على العباد ؟ "
قال الله ورسوله أعلم قال " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
ثم أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم "
الراوي: معاذ بن جبل المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 6500
خلاصة الدرجة: [صحيح]

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 12 )
سورة الفجر

وَٱلْفَجْرِ -1 وَلَيالٍ عَشْرٍ -2 وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ -3 وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ -4 هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ -5



والفجر .. ساعة تنفس الحياة في يوم جديد , والوجود الغافي يستيقظ رويداً رويداً، وكأن أنفاسه مناجاة، وكأن تفتحه ابتهال . أصبحنا وأصبح الملك لله , الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .
ولو أدركت الشعوب الإسلامية قيمة الفجر وتم ضبط مواعيد عملها بعد الفجر , لتغير حالنا ولاصبحنا أرقي دول العالم حيث النشاط , وتحصيل الأرزاق من البكور , بعد الصلة المباشرة بالله تعالى في صلاة الفجر , إن قرآن الفجر كان مشهودا .

وليال عشر أطلقها النص القرآني ووردت فيها روايات شتى.. قيل هي العشر من ذي الحجة، وقيل هي العشر من المحرم. وقيل هي العشر من رمضان.. فهي ليال عشر يعلمها الله. ولها عنده شأن .
ومن ثم يعقب عليه في النهاية , هل في ذلك قسم لذي حجر ؟ وهو سؤال للتقرير. إن في ذلك قسماً لذي لب وعقل. إن في ذلك مقنعاً لمن له إدراك وفكر.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ -6 إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ -7 ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ -8 وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ -9 وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ -10 ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ -11 فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ -12 فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ - 13 إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ -14

وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم.. وقد كذبوا بعقيدة التوحيد وإنكار الأخرة .
مصرع : " عاد إرم " وهي عاد الأولى. وقيل: إنها من العرب العاربة أو البادية. وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال. في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن. وكانوا بدواً ذوي خيام تقوم على عماد. وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: التي لم يخلق مثلها في البلاد , في ذلك الأوان..

وثمود الذين جابوا الصخر بالواد .. وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام. وقد قطعت الصخر وشيدته قصوراً؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات..

وفرعون ذي الأوتاد.. وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان. وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار.
فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: فصب عليهم ربك سوط عذاب.
إن ربك لبالمرصاد , أي أن العقاب الذي شمل الأمم السابقة ليس ببعيد عن السالكين مسلكهم .
هل أدركنا قيمة عقيدة التوحيد في النجاة , سواء في الدنيا أو الأخرة .

*******

فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ -15 وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ -16 كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ -17 وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ -18 وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً -19 وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً -20 كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً -21 وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً -22 وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ -23 يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي -24 فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ -25 وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ -26 يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ -27 ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً -28 فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي -29 وَٱدْخُلِي جَنَّتِي -30

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن..
فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير.. يبتليه بالنعمة والإكرام. بالمال أو المقام. فلا يدرك أنه الابتلاء، تمهيداً للجزاء. إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للأكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره.
فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة . ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة .
ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله ،
وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير.
فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده. ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر. ويظهر منه الصبر على المحنة او الضجر. والجزاء على ما يظهر منه بعد. وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء..
وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا. ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض.
فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح. ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول. إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي. والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء .

غير أن الإنسان ـ حين يخلو قلبه من الإيمان ـ لا يدرك حكمة المنع والعطاء. ولا حقيقة القيم في ميزان الله..
فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنالك. واطمأن إلى قدر الله به في الحالين؛ وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء .
كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان. ليس بسط الرزق دليلاً على الكرامة عند الله. وليس تضييق الرزق دليلاً على المهانة والإهمال. إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال. فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين .
كما يوحي بضرورة التكافل في المجتمع الإسلامي و التوجه إلى الواجب وإلى الخير العام. وهذه سمة الإسلام.
.. إنكم لا تدركون معنى الابتلاء. فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم ـ على العكس ـ تأكلون الميراث أكلاً شرهاً جشعاً , وتحبون المال حباً كثيراً طاغياً ، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام.

ثم يجيء التهديد بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته ,
كلا. إذا دكت الأرض دكاً دكا. وجآء ربك والملك صفاً صفا. وجيء يومئذ بجهنم . يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟
يقول : يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد..

يومئذ يتذكر الإنسان .. الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء. والذي أكل التراث أكلاً لما، وأحب المال حباً جما. والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين. والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى.. ولكن لقد فات الأوان - وأنَّى له الذكرى؟ .. ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً , وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا .

وحين تتجلى له هذه الحقيقة : يقول: يا ليتني قدمت لحياتي .. يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا. فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة. وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها. يا ليتني.. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة .

وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى - النفس - المؤمنة من الملأ الأعلى:
يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي..
هكذا في عطف وقرب: يا أيتها وفي روحانية وتكريم: يا أيتها النفس.. وفي ثناء وتطمين.. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك .. ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد.
ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة , راضية مرضية .. فادخلي في عبادي .. المقربين المختارين لينالوا هذه القربى.. وادخلي جنتي ... في كنفي ورحمتي..

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 13 )
سورة البلد

وإستكمالا لمبدأ التوحيد في القرآن العظيم نعيش مع أنوار سورة البلد
حيث تضمنت حقيقة خلق الإنسان وأنه في مكابدة متصلة , والمكابدة وهي بذل الجهد قد تكون في الخير وقد تكون في غير ذلك , فقد سعد وفاز من بذل جهده في تحصيل الحسنات من أعمال الخير , وقد خاب وخسر من بذل الجهد في المعاصي وتحصيل السيئات فقد تعب في الدنيا و الأخرة . وقد أمد الله تعالى الإنسان بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى منها نعمة العقل والإدراك والأختيار بين البديلات ونعمة السمع ونعمة البصر ونعمة النطق ,
وطلب منا أن ننهض بإقتحام العقبة التي تحول بين الحضارة البشرية , فلا حضارة في ظل إستعباد البشر للبشر, ولا حضارة في ظل الفقر .
فيجب تحرير العبيد , كما يجب القضاء على الفقر بمبدأ التكافل الأجتماعي برعاية الأيتام وكفالة المساكين والفقراء ,
ثم التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة وهي إشاعة الشعور بواجب التراحم بين أفراد الأمة.
كل هذه المعاني العظيمة التي تسطر في مجلدات أتت بها سورة البلد في أيات معدودة غاية الإعجاز.
فتعالوا نقتبس من أنوارها بعض المعاني نهتدي بها.


****

لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)
ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

******
لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد. ووالد ما ولد. لقد خلقنا الإنسان في كبد .

والبلد هو مكة. بيت الله الحرام. أول بيت وضع للناس في الأرض. ليكون مثابة لهم وأمناً. يضعون عنده سلاحهم وخصوماتهم وعداواتهم، ويلتقون فيه مسالمين، حراماً بعضهم على بعض، كما أن البيت وشجره وطيره وكل حي فيه حرام. ثم هو بيت إبراهيم والد إسماعيل أبي العرب والمسلمين أجمعين.


وحين يقسم الله ـ سبحانه ـ بالبلد والمقيم به، فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته، فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم، موقفاً منكراً قبيحاً من جميع الوجوه.

ووالد ما ولد.
إشارة خاصة إلى إبراهيم، أو إلى إسماعيل ـ عليهما السلام ـ وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به، وبانيه الأول وما ولد.. وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو: والد وما ولد إطلاقاً. وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية، واعتمادها على التوالد. منذ أبو البشر أدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

لقد خلقنا الإنسان في كبد
والكبد هو بذل الجهد في تحصيل غاية معينة , فلن تبلغ الغاية بالأماني الكاذبة ,
قال تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا-123 النساء

والمؤمن يبذل جهده في وجوه الخير طيلة العمر حتى يلاقي ربه مخلصا من كل شوائب الشرك , فالغاية عنده هي رضى الله تعالى , حيث النعيم الأبدي.
أما غير المؤمن يبذل جهده في هذه الدنيا لغايات عديدة منها صالحة وغير صالحة , فيحصل على نتائج ما يريد في الدنيا ولا نصيب له في الأخرة إلا الشقاء . فقد شقي في الدنيا والأخرة .
قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا – 20 الإسراء
فإن عطاء الله الكريم الواهب لجميع النعم تشمل جميع الخلق , فمن بذل جهده في التصنيع سوف يجني ثمار ذلك تقدما وحضارة , ومن بذل جهده في العمران وتخطيط المدن وتوسعة الطرق التي هي بمثابة شرايين الحياة في المدن , سوف يحقق رخاءا وتنمية تعود عليه وعلى أولاده . أما من ترك بذل الجهد في البحث العلمي والصناعة والتخطيط العمراني وتوسعة لشبكات الطرق والمواصلات , فسوف يعيش في تخلف وشقاء ومعاناة ,

والمكابدة والجهد في جميع المخلوقات
فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو : من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذوراً أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها ـ إذا أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم .

*****

ومبدأ التوحيد يقتضي منا أن ندرك أن الله تعالى يرانا أينما كنا ويسمعنا ويعلم مافي الصدور,
فهو السميع البصير.
والسميع البصير , صفتان من صفات الكمال الإلهي حيث لاشبيه له ولا تمثيل ,
فهو السميع الذي لا يشغله نداء عن نداء ..
تستوي في كمال سمعه الأصوات , ولا تختلف عليه اللغات
فهو سبحانه سميع لكل الموجودات البصير بها
ويرى كل الوجود جملة وتفصيلا ليس كمثله شئ .
قال تعالى لموسى وهارون في سورة طه 46 :
قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
"قال لا تخافا إنني معكما" بعوني "أسمع" ما يقول "وأرى" ما يفعل .

******

فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ .

عقبات يجب أن يجتازها الإنسان لكي ينجو بنفسه في الأخرة
وأول هذه العقبات تحرير العبيد والقضاء على نظام الرق.
فقد قضى الإسلام على الرق من جذوره
إذ أن مصدر الرق كان الأسر في الحروب , وقد أغلق هذا الباب.
قال تعالى في سورة محمد : حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً .
وبذلك أغلق باب الإسترقاق
وجعل من التقرب إلى الله عتق العبيد المستبقين من النظم السابقة.

ولكن للأسف الشديد نجد اليوم من يتاجرون بالبشر , فقد ورد خبر على شبكة النت ,
الأطفال اللاجئون سلع بشرية بأوروبا .
قالت وكالة حقوقية أوروبية إن كثيرا من الأطفال الذين يختفون من مراكز اللجوء في القارة سنويا، يقعون على الأرجح في براثن شبكات الاتجار بالبشر. المصدر: الألمانية 7/7/2009- الجزيرة .نت

ومن العقبات التي نراها الأن مشكلة الفقر وأن على المجتمعات الغنية حل مثل هذه المشكلات .
وقد حدث في عصر الخليف عمر بن عبد العزيز أن قضى على الفقر تماما حتى أنه لم يجد من يأخذ الزكاة .

*******

ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .

والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل
والمؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم , فالمؤمن لا يروع الأمنين ولا يقتل ولا يزني ولا يأكل أموال الناس بالباطل .
فعقيدة التوحيد تنبذ الفساد بكل صوره والإستغلال والغش والخيانة ,
وقد رآينا ذلك واضحا في تلك السلسلة من أولها إلى أخرها,
فالمعاملات في الإسلام مبنية على الأمانة والصدق والإخلاص وهي أهداف العقيدة الصحيحة .
من حمل علينا السلاح فليس منا . ومن غشنا فليس منا
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 101
خلاصة الدرجة: صحيح
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم


والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة.

وتواصوا بالمرحمة : تعني إشاعة الشعور بواجب التراحم في المجتمع ,

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)
وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التوبة

وقال تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) الفتح

****

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 14 )
سورة الشمس

عقيدة التوحيد واضحة وضوح الشمس ليس بها غموض
بل كل ما في الكون من دلائل التوحيد حتى نفسك التي بين جنبيك تدل على صانعها , وقد كانت كل رسالات الله تعالى تأتي لتؤكد هذه الحقيقة
( لا إله إلا الله )
لا لعبادة الأصنام , لا لعبادة النجوم , لا لعبادة البقر , لا لعبادة النار ,
لا لعبادة الأنبياء , لا لعبادة الأولياء , لا لعبادة الملوك .

وقد ورد في سورة الشمس نموذج من رسل الله إلى البشر .
نبي الله " صالح" عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .

قال تعالى في سورة هود :

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ -61
قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ -62
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ -63
وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ -64

هكذا في وضوح , قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ
ولكنهم ردوا بالشك في دعوة التوحيد التي هي الأوضح لدى كل عاقل ,
فهذه الشمس من خلقها وخلق ضياءها , وهذا القمر من خلقه وجعله أداة للتوقيت عبر العصور المختلفة لم يتقدم أو يتأخر ,
وهذا النهار المطل دائما نحو الشمس ينسلخ من الليل لينير بقدرة الله تعالى نصف الأرض , فإنك لو خرجت خارج طبقة النهر متجها إلى السماء , تشاهد عجبا , الشمس تضيء وحولها سماء مظلمة والنجوم تتلألأ في مساراتها .
فالليل يغطي كل النجوم بما فيها شمسنا , فسبحان من أنار الأرض بالنهار .
كل هذه الأيات لا تكفي للدلالة على الخالق الأعظم ؟ إذن فانظر إلى السماء وعظيم هذا البناء الكوني من يسيره ؟ ومن وضع له قوانين مروره , كل في فلك يسبحون .

لم يكف هذا ؟؟ ننزل إلى الأرض ,

وتدور الأرض حول محورها دون شعور منا بهذه الحركة الدقيقة
الناعمة , فكيف للأرض وهي جماد أن تدور بانتظام عبر ملايين السنين, بهذه الدقة حيث ينشأ الليل والنهار
وتدور في نفس الوقت في مدار حول الشمس وبنفس الدقة ,حيث تنشأ الفصول الأربعة
ويختلف طول الليل والنهار مع هذا المدار
أين المحرك لهذه الأرض ؟؟ ومن يديره ؟؟

ونرى العجب على سطح الأرض

أولا البحار
وتشمل أكثر من سبعين في المائة من مساحة الأرض
وبها قوانين وضعها الله تعالى حتي تصلح لجريان السفن عليها
ثانيا مياه الأمطار
وتكوين الأنهار وعلاقة كل من الشمس والبحار
والسحاب في منظومة علمية دقيقة لإستمرار الحياة على الأرض
حيث تتبخر المياه من البحار ومن سطح الأرض بفعل حرارة الشمس
مكونة السحاب الذي سخره الله بحيث لا ينفلت من الأرض
وينقى الماء ثم يعود مرة أخرى إلى ينابيع الأنهار
وتجري الأنهار وتتحرك يشرب منها جميع المخلوقات
فقد نقاها خالقها لكي تصلح للشرب والري
ولأنها أي مياه الأنهارمتحركة فهي لا تعطب
وتتجه دائما لتصب في البحار
وللحفاظ على مياه البحار من العطب وضع الله فيها
الأملاح التي لا تتبخر مع الماء الصاعد إلى السحاب
سبحان الخالق العظيم

كل هذه الآيات لم تكف ؟؟ إذن انظر في نفسك , من خلقك ومن كونك وأنت في بطن أمك وجعل لك السمع والبصر والفؤاد وأمدك بكل ما تحتاجه لتحيا,
من الذي ركب فيك حرية الإختيار , وكان من الممكن أن يكون الإنسان ليس له خيار ويعيش كسائر المخلوقات . ولكن كرمه الله بنعمة العقل والإختيار, وأرسل له الرسل لتوضح له طريق الخير ليسلكه , وتبين طرق الشر ليبتعد عنها , وأن هناك حساب يوم القيامة , حيث النعيم الأبدي للمؤمنين ,
والجحيم للكافرين .
ومع كل هذا الوضوح يطلب الكافرون آية من نبي الله صالح , وقد أجابهم بما طلبوا , وخرجت ناقة من الصخر , معجزة من الله كما طلبوا .
فهل أمنوا ؟ أن الذي لا يؤمن بكل دلائل القدرة الإلهية في الأنفس والأفاق , يصعب عليه الإيمان بعد ذلك , وهذا ما حدث لثمود,
عقروا الناقة , فاستحقوا العذاب .

ومع سورة الشمس نعيش هذه اللحظات

وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا -1 وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا -2 وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا -3 وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا-4 وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا -5 وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا -6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا -7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا -8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا -9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا -10 كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ -11 إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا -12 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا -13 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا -14 وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا -15

يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها. ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى؛ وأن يوجه إليها القلوب تتملاها، وتتدبر ماذا لها من قيمة وماذا بها من دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم.

والشمس وضحاها " ضوئها
والقمر إذا تلاها " تبعها طالعا عند غروبها
والنهار إذا جلاها " بارتفاعه
والليل إذا يغشاها " يغطيها بظلمته
وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا , أي ومن خلقها ورفعها , وهو الله تعالى .
والأرض وما طحاها " قال مجاهد : طحاها دحاها . قال العوفي عن ابن عباس " وما طحاها " أي خلق فيها , وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس طحاها قسمها .
ونفس وما سواها " أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة
فألهمها فجورها وتقواها " أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي بين لها وهداها إلى ما قدر لها
قد أفلح من زكاها , أي : قد أفلح من زكى الله نفسه , فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي , وأصلحها بالصالحات من الأعمال .
وقد خاب من دساها , أي : أثمها وأفجرها.

****
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا -7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا -8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا -9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا -10
وهذه الآيات الأربع، بالإضافة إلى آية سورة البلد السابقة: وهديناه النجدين
وآية سورة الإنسان: إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً
تمثل قاعدة النظرية النفسية للإسلام.. وهي مرتبطة ومكملة للآيات التي تشير إلى ازدواج طبيعة الإنسان، كقوله تعالى في سورة " ص ":
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
كما أنها مرتبطة ومكملة للآيات التي تقرر التبعة الفردية: كقوله تعالى في سورة المدثر: كل نفس بما كسبت رهينة

والآيات التي تقرر أن الله يرتب تصرفه بالإنسان على واقع هذا الإنسان، كقوله تعالى في سورة الرعد: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها..

إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه , مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال.
فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبرعنها القرآن بالإلهام تارة: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها.. ويعبر عنها بالهداية تارة: فهديناه النجدين .
فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد.. والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك. ولكنها لا تخلقها خلقاً. لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعاً، وكامنة إلهاماً.

وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان. هي التي تناط بها التبعة. فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر.. فقد أفلح. ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها..

وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة، ومشاهدة الثابتة، كما ترتبط بهذه وتلك سنة الله في أخذ المكذبين والطغاة، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلاً، ولكل حادث موعداً، ولكل أمر غاية، ولكل قدر حكمة، وهو رب النفس والكون والقدر جميعاً.

****

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 15 )
سورة الليل

وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ .
إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ .
وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ .


أن مبدأ التوحيد يتجلى في جميع سور القرآن العظيم
وكنت لا أظن أن تأخذ هذه السلسلة العطرة كل هذا الوقت ولكني أتمنى الأن أن نعيش مع هذا الموضع أبدا , لأننا بذكر الله تعالى تطمئن قلوبنا ونتذكر بصفة دائمة المولى جل وعلا .

ومع فعل الخيرات التي هي ثمرة عقيدة التوحيد نعيش هذه اللحظات

*****

وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ -1 وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ -2 وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ -3 إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ -4 فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ -5 وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ –6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ -7 وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ -8 وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ -9 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ -10 وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ -11 إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ -12 وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ -13 فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ -14 لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى -15 ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ -16 وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى -17 ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ -18 وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ -19 إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ -20 وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ-21 .

الليل والنهار ,من آيات الكونية التي تدل على قدرة الله تعالى .
فهو وحده تبارك وتعالى المتحكم فيهما , قال تعالى:

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ -71 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ -72 وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ -73 .القصص

وتدل هذه الآيات على وحدانية الله تعالى , حيث أن أمام هذا التحدي سقطت كل الألهة المزعومة ,
والتحدي قائم إلى يوم القيامة . فلا يستطيع كائن من كان أن يمسك حركة الأرض عن دورانها حيث الليل والنهار ,

ومن هذا المنبر نجدد التحدي إلى جميع المنكرين للذات العلية وإلى
المشركين وإلى عبدة العباد, أن يثبتوا الليل أو النهار , وننتظر الرد .

والليل مكمل للنهار , ولا يستقيم الوضع مع الليل منفردا ولا يستقيم الوضع مع النهار منفردا , ومن هنا نلاحظ ورود عنصرا البشرية الذكر والأنثى بعد ذكر الليل والنهار , وأن الذكر مكمل للأنثى , وكذلك الأنثى مكملة للذكر , وبهما تسير قافلة البشرية إلى منتهاها , ولا يصلح بأي حال من الأحوال أن تكون للبشرية ترتيبا أخر - من رهبنة أو مثلية العلاقة أو ما شابه ذلك – تستطيع أن تعبر به مسيرة الإنسانية نحو غايتها .

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا -35 الأحزاب

ومع هذا التساوي في المقامات والتقرب إلى الله من كلا الجنسين وما أعد لهم , فإن سعيهم مختلف , فكل ميسر لما خلق له , فعلى الرجل أعباء وعلى المرأة أعباء مختلفة , وقد تكون متشابهة في بعض الجوانب ومختلفة في جوانب أخرى ولكنها مكملة بالضرورة ومهمة ولا يمكن الإستغناء عنها بحال من الأحوال .
وكذلك في جميع المخلوقات من نبات أو حيوان أو حتى الطاقة فيلزمها الطاقة الموجبة والطاقة السالبة وإلا لتعطلت .
وأن هذا التوازن العجيب بين الذكور والإناث ليدل على أن الأمر ليس صدفة كما يقرر الملاحدة ,
فلا يبقى إلا أن هنالك مدبراً يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة. فلا مجال للمصادفة، ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلاً.

*****

فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى.. فسنيسره لليسرى

والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها. عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه ـ سبحانه ـ على نفسه بإرادته ومشيئته.
والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء.

*****

وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى.. فسنيسره للعسرى. وما يغني عنه ماله إذا تردى

والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذب بدعوته ودينه.. يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد. ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى , فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به ، والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه.. - وما يغني عنه ماله إذا تردى -.. والتيسير للشر والمعصية من التيسير للعسرى ، وإن أفلح صاحبها في هذه الأرض ونجا.. وهل أعسر من جهنم ؟ وإنها لهي العسرى .

****

إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى. فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى

لقد كتب الله على نفسه ـ فضلاً منه بعباده ورحمة ـ أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم . وأن يبينه لهم كذلك بالرسل والرسلات والآيات، فلا تكون هناك حجة لأحد ، ولا يكون هناك ظلم لأحد .

فعقيدة التوحيد توجب علينا أن يكون العمل خالصا لله , لا رياء ولا سمعة
يجب أن تكون كل الأفعال والأقوال ابتغاء وجه ربنا الأعلى .

****

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 16 )
سورة الضحى

الرسول صلى الله عليه وسلم ,
ودلائل النبوة.
والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم من المبادئ الأساسية لعقيدة التوحيد.
قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ -28 سبأ
وقال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا -64 فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا -65 النساء
وجميع الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم
قاموا بتبليغ ما أمرهم الله به , لازيادة ونقص .

ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبطأ عليه جبريل ـ عليه السلام ـ فقال المشركون: ودع محمداً ربه, فأنزل الله تعالى هذه السورة..
وفي رواية لمسلم :
أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال المشركون : قد ودع محمد . فأنزل الله عز وجل : والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى .
الراوي: جندب بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 1797
خلاصة الدرجة: صحيح

ولو فكر المشركون قليلا , لكان هذا الحدث من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم , لأنه لا يتكلم من عند نفسه فإذا نزل الوحي بلغ ما أنزل إليه , وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى .(النجم)
ولكنه عناد البشر والحقد والحسد ,
فنزلت هذه الآيات تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالروْح والرضى والأمل. وتسكب البرد والطمأنينة واليقين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه.



وَالضُّحَى -1 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى -2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى -3 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى -4 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى -5 أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى -6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى -7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى -8 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ -9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ -10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ -11
*****
أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى أي أظلم ، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة.


وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني (إبراهيم / الآية - 36 ) الآية وقال عيسى عليه السلام : إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( المائدة / الآية – 118)
فرفع يديه وقال " اللهم , أمتي أمتي " وبكى ...
فقال الله عز وجل : يا جبريل ! اذهب إلى محمد ، وربك أعلم ، فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله . فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال . وهو أعلم . فقال الله : يا جبريل ! اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك .
الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 202
خلاصة الدرجة: صحيح

هل أدركنا مقدار حب رسول الله لنا .
إن دموع الحب والشوق لك ياحبيب الله , هي التي تعبر عن حبك لأمتك .

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى

لقد ولدت يتيماً فآواك إليه، وعطف عليك القلوب حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك .

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها. ولكنك لم تكن تجد لك طريقاً واضحاً مطمئناً . لا فيما عند الجاهلية ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا .. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به.

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى

ولقد كنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك (خديجة رضي الله عنها) عن أن تحس الفقر، أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء .

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .

وكما تبين لنا من عقيدة التوحيد أنها يقين في القلب ينعكس على سلوك المؤمن بالضرورة .
فهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، وإلى إغناء السائل مع الرفق به واكرامه، كانت من أهم متطلبات الإسلام . حيث رفع الإسلام هذه البيئة بشريعة الله إلى الحق والعدل والوقوف عند حدود الله.
وأما التحدث بنعمة الله ـ وبخاصة نعمة الهدى والإيمان ـ فهي صورة من صور الشكر للمنعم. يكملها البر بعباده، وهو المظهر العملي للشكر، والحديث الصامت النافع الكريم .

*****

وتعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

الله
هذا الاسم " الله " هو أكبر أسمائه تعالى وأجمعها,
وقيل هو الاسم الأعظم الذي إذا دوعي به أجاب .. وإذا سئل به أعطى ,
ولذلك لم يسم به غيره .. مصداقا لقوله تعالى : هل تعلم له سميا -65مريم
فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية , المنعوت بنعوت الربوبية
المنفرد بالوجود الحقيقي , فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته
وإنما يستمد وجوده من الله الخالق البارئ المصور
" سبحان الله "

******
الملك
الملك هو الذي يستغني في ذاته , وصفاته , وأفعاله , عن كل موجود ..
ويحتاج إليه كل مخلوق , ولا يستغني عنه في وجوده و بقائه , فوجود الخلائق منه وحده فهو الملك .
فالله تبارك وتعالى هو الملك المطلق حيث يستغني عن كل شئ ,
وملكه دائم لا يزول .
وهو المالك للملك لأنه هو خالق للملك والملكوت
فهو يملك الدنيا والأخرة .. ويوم تقوم الساعة تظهر هذه الحقيقة جلية
حيث ينادي تبارك وتعالى : لمن الملك اليوم ..فلا يجيبه أحد..
فيقول : لله الواحد القهار -16 غافر
****
القدوس
الاسم مشتق من " القدس" بمعنى الطهارة
فهو سبحانه منزه عن كل وصف يدركه الحس , أو يتصوره الخيال, أو يسبق إليه وهم , أو يختلج به ضمير , أو يقضي به تفكير .
وكل ما خطر ببالك فالله تعالى خلاف ذلك ,
فهو سبحانه ليس كمثله شئ
هو الله

*****
السلام
السلام هو الذي تسلم ذاته عن العيب , وصفاته عن النقص ,وأفعله عن الشر .
وكل مافي الوجود من سلامة فهي صادره منه ..
فهو السلام الذي ينجي المؤمنين من العذاب .
هو الله
****
المؤمن
المؤمن الذي أعطى الأمان للخلق , فالخلق معرضون لأسباب التلف والهلاك
من خارجهم ومن داخلهم سواء بالأعداء أو بالداء .
والله تعالى يرزقهم الأمن ويحميهم من كل سوء
سبحانه هو المؤمن , أمن له الوجود .. وأمن به الوجود
هو الله
*****
المهيمن
المهيمن هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وحركاتهم وسكناتهم
والهيمنة المطلقة على الكون له سبحانه .
سبحانه هو الله
******
العزيز
العزيز المطلق الممتنع عن الإدراك سبحانه ليس كمثله شئ
المرتفع عن أوصاف الممكنات
المتفرد بالوجود المطلق بغير شبيه ولا مثيل
فهو العزيز ...هو الله
****
الجبار
الذي تنفذ مشيئته على جميع المخلوقات , والكون جميعا يسير بإرادته
والجبار الذي يجبر أحوال خلقه فيصلحها
فالكل يذعن إليه والكل يخشع له
سبحانه وتعالى هو الله
****
المتكبر
سبحان من لا عظمة ولا كبرياء إلا له
فالكبرياء لله تعالى وحده وذلك لإستحقاقه نعوت الجلال وصفات الكمال
سبحان المتكبر ذو الجلال والإكرام
هو الله
*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 17 )
سورة الشرح

مازلنا مع الرسول صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم ,
ودلائل النبوة.
فالإيمان بالنبي صلى الله عليه واله وسلم من المبادئ الأساسية لعقيدة التوحيد.
قال تعالى : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ -21الحديد

وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا - 150 أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا – 151 وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا – 152 سورة النساء


****

ومع سورة الشرح نعيش تلك الأنوار

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ -1 وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ -2 الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ -3 وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ -4 فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا -5 إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا -6 فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ -7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ-8

*****
نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى. وكأنها تكملة لها. فيها استحضار مظاهر العناية. وفيها البشرى باليسر والفرج. وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق..

ألم نشرح لك صدرك؟ ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك؟ ورفعنا لك ذكرك؟

ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة ؟ ونيسر لك أمرها ؟. ونجعلها حبيبة لقلبك، ونشرع لك طريقها ؟ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة.
إن إنشراح الصدر للحق علامة ونور يدلك على أنك على الطريق المستقيم .
ولذلك شرح الله تعالى قلوب أحبابه للإسلام .
قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) الزمر

أفيستوي من شرح اللّه صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام اللّه والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ , كمن ليس كذلك، بدليل قوله: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ , أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير.
أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ , وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن ربه ؟

****

ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك.. ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك من ثقله.. وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان. وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب.. وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة.

ألا تجد ذلك العبء الذي أنقض ظهرك ؟ ألا تجد عبئك خفيفاً بعد أن شرحنا لك صدرك ؟

ورفعنا لك ذكرك.. رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود جميعاً.. رفعناه فجعلنا اسمك مقروناً باسم الله كلما تحركت به الشفاه : " لا إله إلا الله. محمد رسول الله "..

وليس بعد هذا رفع، وليس وراء هذا منزلة. وهو المقام الذي تفرد به ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون سائر العالمين..
وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته.
*****
حتى البشر المحايد حين ينظر إلى سائر الخلق من أول الخليقة إلى اليوم , لا يجد إلا رسول الله - ( صلى الله عليه واله وسلم) – أول البشر أجمعين في الرفعة والمكانة والتأثير .

وفي كتاب العظماء مائة أعظمهم محمد
يقول الكاتب :
لقد اخترت محمداً (صلى الله عليه وسلم ) في أول هذه القائمة ،ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمداً عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي ،وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات ،وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً، وبعد ثلاثة عشر قرناً من وفاته فإن أثر محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يزال قوياً متجدداً
هذا ما يؤكده الكاتب الأمريكي مايكل هارت
مؤلف كتاب
الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله


*****

ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قدر الله أن تمر القرون، وتكر الأجيال، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم، مع الصلاة والتسليم، والحب العميق العظيم.

فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء؟

ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار، ويسري عنه، ويؤنسه، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه:

فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا..

إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه. وقد لازمه معك فعلاً. فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخف حملك، الذي أنقض ظهرك. وكان اليسر مصاحباً للعسر، يرفع إصره، ويضع ثقله.

وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا " .
وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.

****

ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل .
حيث أمر الله رسوله أصلا، والمؤمنين تبعًا، بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ أي : إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء.
﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ وحده ﴿فَارْغَبْ﴾ أي: إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم.. إنه لا بد من الزاد للطريق. وهنا الزاد لطريق الدعوة إلى الله تعالى .

فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ -7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ -8

******

وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

الخالق البارئ المصور


هذه صفات أفعال تبدأ بالتقدير ثم الإخراج من العدم ثم التصوير.
فكل العوالم مفتقر لذلك

قال تعالى في سورة الأعراف :

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ -11

فالمشاهد لبديع الأجرام السماوية , والمخلوقات على الأرض,
من إنسان و حيوان ونبات يرى عظيم قدرة الخالق
يرى عظيم قدرة البارئ المبدع
يرى عظيم قدرة المصور لكل هذه المخلوقات

*****
الغفار

أصل " الغفر " الستر والتغطية , والمغفرة ستر الذنوب والعفو عنها
والغفار هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح
والغافر يغفر الذنب ..." والغفور " يغفر الذنوب المتعددة
" والغفار " غفران الذنوب للذنب المتكرر
أما ستر الذنوب في الأخرة فلا يطلع عليها أحد ويبدل سيئات التائب إلى حسنات ...فسبحان الغفار
******
القهار

القهار هو الذي له الغلبة التامة على كل شئ
قال تعالى : وهو القاهر فوق عباده -18 الأنعام
فما من موجود إلا تحت قهره .
وجميع الموجودات مسخرة تحت قهره وقدرته
والكون جميعه في قبضته يوم القيامة فينادي سبحانه وتعالى :
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار -16 غافر
سبحانه هو الله
******
الوهاب
والهبة هي العطاء من غير مقابل
فسبحان الوهاب الدائم العطاء والجود والهبة وسد كافة الحاجات
قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها -18 النحل
فهو الوهاب سبحانه .
******
الرزاق
الرزاق هو خالق الأرزاق وأسبابها , فهو الذي يمد الموجودات بكل ما يحفظ مادتها وصورتها , فهو الذي أمد العقول بالعلوم , وأمد القلوب بالفهم
وهو الذي أمد أجسام الكائنات على الأرض بالغذاء المناسب لكل منها, من طعام وشراب وهواء وكساء
قال تعالى : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين – 58الذاريات
******
الفتاح
الفتاح الذي بعنايته يفتح كل مغلق , يفتح على العلماء بالعلوم ويرزقهم فهمها ,...ويفتح الممالك لمن يشاء من عباده
قال تعالى : إنا فتحتنا لك فتحا مبينا – 1 الفتح
وبيده مفاتح الغيب
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ -59 الأنعام
*****
العليم
العليم هو المحيط علما بكل شئ ..ظاهره وباطنه أوله وأخره
ولايمكن تصور مدى هذا العلم , فهو سبحانه العليم
المتفرد بالعلم المطلق أزلا وأبدا
وفي الحديث الطويل
وقع عصفور على حرف السفينة ، فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله ، إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره ،- رواه البخاري
1 - فالعلم عند الله لا حد له
2 - مطابقة العلم للمعلوم مطابقة كاملة
3 - علمه غير مستفاد من الأشياء بل الأشياء مستفادة من علمه
4 - علمه كامل لايزيد بإضافة ولا ينقص بنسيان
والعلم صفة قديمة قائمة بالذات العلية
سبحانه وتعالى هو الله

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 18 )
سورة التين

مع أهمية عقيدة التوحيد لرقي الإنسان ورفعته في الدنيا والأخرة.
نعيش تلك اللحظات المباركة مع سورة التين

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ -1 وَطُورِ سِينِينَ -2 وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ -3 لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ -4 ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ -5 إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ -6 فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ -7 أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ -8


الحقيقة الرئيسية التي تعرضها هذه السورة هي :

أولا : حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان بالله الواحد ، والوصول بها المقام المقدر لها .
ثانيا : هبوط الإنسان وسقوطه حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان بعقيدة التوحيد.

****

ومن هذه الخصائص الروحية يتجلى تفوق التكوين الإنساني. فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى يفوق مقام الملائكة المقربين. كما تشهد بذلك قصة المعراج.. حيث وقف جبريل ـ عليه السلام ـ عند مقام، وارتفع نبينا محمد بن عبد الله ـ الإنسان ـ إلى المقام الأسنى. صلوات ربي وسلامه عليه .

أما في حالة الكفر والشرك والإلحاد ينتكس الإنسان حيث يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط : ثم رددناه أسفل سافلين .. حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها في الأرض على هدى. بينما هو المخلوق في أحسن تقويم، يجحد ربه، ويرتكس مع هواه، إلى درك لا تملك البهيمة أن ترتكس إليه.

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.. فطرة واستعداداً..
ثم رددناه أسفل سافلين.. حين ينحرف بهذه الفطرة عن الخط الذي هداه الله إليه، وبينه له، وتركه ليختار أحد النجدين.

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة، ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح، ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها، حتى ينتهوا بها إلى حياة الكمال في دار الكمال.
فلهم أجر غير ممنون , دائم غير مقطوع.

فهذه وتلك نهايتان طبيعيتان لنقطة البدء.. إما استقامة على الفطرة القويمة. وتكميل لها بالإيمان، ورفع لها بالعمل الصالح.. فهي واصلة في النهاية إلى كمالها المقدر في حياة النعيم..
وإما انحراف عن الفطرة القويمة، واندفاع إلى الإنحطاط ، وانقطاع عن النفخة الإلهية.. فهي واصلة في النهاية إلى دركها المقرر في حياة الجحيم.

*****

ومن هنا ندرك قيمة الدين الصحيح في حياة البشر.
حيث العقيدة الصحيحة لتربية الضمير البشري وعبادات تقرب الإنسان بربه وشريعة تنظم المعاملات بين البشر وأخلاق فاضلة يتراحمون بها فيما بينهم .

فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين ؟

إن الله تعالى هو أحكم الحاكمين , حيث أنه تعالى هو خالق الإنسان ويعلم ما يصلحه في دنياه وأخرته ,
ففي الدنيا , قال تعالى : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ -50 المائدة
وفي الأخرة , قال تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ -25 لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ -26 يونس

****

والعدل واضح. والحكمة بارزة.. ومن ثم ورد في الحديث المرفوع عن أبي هريرة: " فإذا قرأ أحدكم ( والتين والزيتون ) فأتى آخرها: ( أليس الله بأحكم الحاكمين؟ ).. فليقل.. بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ..

****

وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

القابض الباسط


القبض يعني المسك , والبسط يعني العطاء و التوسعة
قال تعالى :....وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ -245 البقرة
فهويقبض الصدقات من الأغنياء .. ويبسط الرزق للضعفاء
قال تعالى :
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ – 104 التوبة

قال تعالى : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء – 64 المائدة
وهو سبحانه يقبض الأرواح عن الأجساد عند الممات ,
ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة .
*****
الخافض الرافع

الخافض لأعدائه بالذل . والرافع لأوليائه بالنصر .

قال تعالى :.... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - 11 المجادلة
والخافض الرافع , اسمان لله تعالى وهما من صفات الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته سبحانه .. فهو الخافض على الحقيقة وهو الرافع على الحقيقة
قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – 26 ال عمران

******
المعز المذل
والعزة تفيد الغلبة والقوة والتأييد .. قال تعالى : فعززنا بثالث -14يس
قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – 26 ال عمران
وهذان الاسمان من صفات الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته
سبحانه وتعالى
*****
السميع البصير
صفتان من صفات الكمال الإلهي حيث لاشبيه له ولا تمثيل ,
السميع الذي لا يشغله نداء عن نداء ..
تستوي في كمال سمعه الأصوات , ولا تختلف عليه اللغات
فهو سميع لكل الموجودات البصير بها
ويرى كل الوجود جملة وتفصيلا ليس كمثله شئ
قال تعالى لموسى وهارون :
قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى – 46 طه
"قال لا تخافا إنني معكما" بعوني "أسمع" ما يقول "وأرى" ما يفعل
سبحانه وتعالى
******
الحكم
الحكم بمعنى الفصل بين المنازعات ,
قال تعالى : أفغير الله أبتغي حكما -114الأنعام
وقال تعالى : واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين – 109 يونس
وأحكم الأمر : أتقنه , قال تعالى : ثم يحكم الله آياته – 52 الحج
والحاكم هو الذي لا راد لقضائه , ولا معقب لحكمه هو الله
قال تعالى : إن الحكم إلا لله - 57 الأنعام
فهو وحده المجازي كل نفس بما عملت
سبحانه وتعالى
******
العدل
العدل المنزه عن الظلم , قال تعالى : وما ربك بظلام للعبيد – 46 فصلت
وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ – 90 النحل
فالعدل المطلق هو الله .
*****
اللطيف

اللطيف هو العالم بخفايا الأمور وحقائقها
قال تعالى : الله لطيف بعباده -19الشورى
ولطفه بخلقه يفوق الحصر
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ – 18 النحل

*****

الخبير

الخبير هو الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء

قال تعالى : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ -14 الملك

*****

الحليم

الحليم هو الذي لا يسارع بالمؤاخذة ولا يعجل بالعقوبة , ويتجاوز عن الزلات , ويعفو عن السيئات , ويمهل العاصي حتى يتوب

قال تعالى : ...وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ -235 البقرة
وقال تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ - 45 فاطر
سبحان من حلم وستر وغفر
سبحان ربي العظيم

*******
العظيم

العظيم أكبر من كل شئ ,لا يحيط به بصر ولا يتصوره عقل ..هو الله
قال تعالى : ( .... وهو العلى العظيم ) -255البقرة
فهو العظيم حقا . المستغني عن الأعوان .
المتقدس عن الزمان والمكان
هو الأول والأخر والظاهر والباطن , ليس كمثله شئ
سبحانه وتعالى
*****
الغفور
هو الغفور الرحيم ....أي الذي يستر الذنوب عن المذنبين رحمة بهم
قال تعالى : نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – 49الحجر
اللهم أغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا
ونجنا برحمتك يا أرحم الراحمين

*****
الشكور
الشكور هو الذي يعطي الجزيل على العمل القليل ,
ويجازي على يسير الطاعات بكثير الدرجات ,
ويعطي بالعمل المحدود نعيما غير محدود
وحقيقة كلمة الشكر هي الفيض والعطاء
قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ - 13سبأ
وقال تعالى : مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا - 147 النساء
أما الشكر بمعنى المجازي على الأفعال بالثناء الحسن , فالشكور الحق هو الله تعالى
فهو المجازي على الأفعال الحسنة بالنعيم الأبدي
قال تعالى : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ -30 فاطر

******
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 19 )
سورة العلق

مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق.
وهي دعوة للعلم بعقيدة التوحيد المبنية على اليقين.
فنحن نتوجه لربنا الذي خلق ولا نتوجه لصنم لا يضر ولا ينفع ولا نتوجه إلى بشر ولا إلى نجوم وكواكب مسخرة ,
إن توجهنا إلى الله الخالق الذي أكرمنا على سائر المخلوقات ,
وطلب منا إعمال العقل الذي أمده بكل هذه الطاقات للتعلم والإختيار, ولولا فضل الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل والعلم لكنا كالأنعام تولد وتأكل وتشرب وتموت وتؤدي دورها على الأرض دون أختيار ,
ولكنه كرم الله الكريم على الإنسان.
فلا يصح للإنسان أن يطغى ويغتر بهذا العقل وهذه العلوم , فهي هبة الله له , فيجب أن يتقرب إلى الله بشكر نعمته عليه .
إن ربي قريب مجيب .

****

ونعيش لحظات مباركة مع سورة العلق

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ -1 خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ -2 ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ -3 ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ -4 عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ -5 كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ -6 أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ -7 إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ -8 أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ -9 عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ -10 أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ -11 أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ -12 أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ -13 أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ -14 كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ -15 نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ -16 فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ -17 سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ -18 كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب -19



" أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود إلى ذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها.

حتى جاءه الوحي وهو في غار حراء. فجاءه الملك، فقال: " اقرأ. قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم قال: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم ) " .

فرجع بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة مالي؟ وأخبرها الخبر. وقال: " قد خشيت على نفسي " فقالت له: كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها. وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية. كان يكتب الكتاب العربي، وكتب العبرانية من الإنجيل ـ ما شاء الله أن يكتب ـ وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " أو مخرجي هم؟ " فقال ورقة: نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عُودِيَ، وإن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.. الخ ". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري..

*****

إنه حادث ضخم. هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل.


وما دلالة هذا الحادث؟

دلالته ـ في جانب الله سبحانه ـ أنه ذو الفضل الواسع، والرحمة السابغة، الكريم الودود المنان. يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة، سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة.

ودلالته ـ في جانب الإنسان ـ أن الله ـ سبحانه ـ قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا يملك أن يشكرها. وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعاً ساجداً.. هذه.. أن يذكره الله، ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من جنسه رسولاً يوحي إليه بكلماته. وأن تصبح الأرض.. مسكنه.. مهبطاً لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال.

فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى. بدأت في تحويل خط التاريخ، منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني.. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.. إنها ليست الأرض وليس الهوى.. إنما هي السماء والوحي الإلهي.

ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة.. في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة. وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم، ويقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك !

ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض، واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى.

واليوم القرآن العظيم بين أيدينا نعيش بين أنواره نأخذ منه الأحكام ونتخلق بمكارم الأخلاق التي وردت به .

*****

اقرأ باسم ربك الذي خلق

وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء : الذي خلق.

ثم تخصص: خلق الإنسان ومبدأه: خلق الإنسان من علق.. من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم. من ذلك المنشأ الصغير التكوين. فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته. فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلم فيتعلم: اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم..

وإنها لنقلة بعيدة جداً بين المنشأ والمصير. ولكن الله قادر. ولكن الله كريم. ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس ...!

وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم.. تعليم الرب للإنسان - بالقلم -.. لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان.. ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية. ولكن الله ـ سبحانه ـ كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية. في أول سورة من سور القرآن الكريم.. هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتباً بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن. لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة !

ثم تبرز مصدر التعليم.. إن مصدره هو الله. منه يستمد الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم. وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار نفسه .
كل أمر. كل حركة. كل خطوة. كل عمل. باسم الله. وعلى اسم الله. باسم الله تبدأ. وباسم الله تسير. وإلى الله تتجه، وإليه تصير.

والله هو الذي خلق. وهو الذي علم. فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة.. والإنسان يتعلم ما يتعلم، ويعلم ما يعلم.. فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم.. ( علم الإنسان ما لم يعلم )..

*****
كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ -6 أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ -7 إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ -8

ولكن للأسف الشديد وجد من الناس من يطغى بهذه النعم ويظنها من عند نفسه ,
بل لا يكتفي بضلال نفسه بل يصد عن دين الله و عن الصلاة , سواء بالفعل المباشر مثل كفار قريش مع المؤمنين في أول الدعوة , أو كما يحدث الأن في بعض الدول الغربية من التضيق على المسلمين .
فأين يذهب هؤلاء الطغاة ؟ . ( إن إلى ربك الرجعى ) .

كلا. لا تطعه، واسجد، واقترب.

كلا ! لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة. واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة.

****

وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

العلي

العلي المطلق سبحانه وتعالى علوا كبيرا هو الله
قال تعالى : ( .... وهو العلى العظيم ) -255البقرة

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ -92 المؤمنون

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ – 116 المؤمنون

******

الكبير

الكبير عن إدراك الحواس و إدراك العقول ,
وهو الكبير المتعال" فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته لا إله إلا هو, ولا رب سواه لأنه العظيم الذي لا أعظم منه , العلي الذي لا أعلى منه , الكبير الذي لا أكبر منه , تعالى وتقدس وتنزه وجل , هو الله سبحانه وتعالى .

قال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ - 9 الرعد

قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ – 30 لقمان

********

الحفيظ

الحفيظ هو العالم بجميع المعلومات علما لا يتغير ولا يزول , المحيط بما في السموات والأرض , يحفظ وجودهما ولا يؤده حفظهما , وهو الذي يحفظ جميع المخلوقات , حفظ وجودا وحفظ حماية وصيانة .

( إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) - 57 هود

******

المقيت

المقيت خالق الأقوات, بدنية وروحية , وموصلها للأبدان والقلوب , وهي الأطعمة والأشربة والمعارف والعلوم .
ويكون أيضا بمعنى القدرة والعلم
قال تعالى : (... وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ) - 85 النساء

******
الحسيب

الحسيب هو المعطي لعباده كفايتهم .. وهذا الوصف لا يتحقق إلا لله سبحانه وتعالى ... , فما من موجود إلا ويحتاج إليه , فهو وحده الكافي لكل شئ ,
فهو الذي أمد الأرض بكل النعم التي لا تعد ولا تحصى
والأمن والأمان لعباده الصالحين .

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ -173 ال عمران

ويأتي بمعنى المحاسبة

قال تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا – 86 النساء
أي محاسبا فيجازي عليه

ويأتي بمعنى الحساب والدقة في الخلق

قال تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ – 5 الرحمن
وقوله تعالى " الشمس والقمر بحسبان " أي يجريان كل في مداره بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب

فسبحانه هو الحسيب

********

الجليل

فهو الموصوف بصفات الجلال كالقدرة والعلم والتقديس , والجامع لكل ذلك هو الجليل صاحب العظمة الكاملة والجلال المطلق , سبحانه وتعالى ذو الجلال و الإكرام .

تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ - 78 الرحمن

******
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 20 )
سورة القدر

واستكمالا للحديث عن الوحي والرسالة تحدثنا سورة القدر عن زمن نزول القرآن العظيم إلى السماء الدنيا, ثم نزوله منجما فترة البعثة الشريفة ,ليكون قرآنا مطبقا مع كل حدث ويعيش المؤمن متطلعا إلى خبر السماء طيلة حياة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه .
وبقدر تدبرنا للقرآن بقدر تعرضنا لرحمات ربنا جل وعلى . وكأنه ينزل إلينا هذه الأيام , وكثير ممن يتلون القرآن يشعرون بذلك , يشعرون بالسكينة والرحمة , والهدوء , والشفاء من مرض القلوب . ويشعرون بمخاطبة الله تعالى لهم , فالقرآن العظيم كلام الله .
جاء في الحديث: عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, و خبر ما بعدكم, و حكم ما بينكم,
هو بالفصل ليس بالهزل,
من تركه من جبار قصمه الله, و من ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم,
وهو الصراط المستقيم,
وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, و لا تلتبس به الألسن, و لا يخلق على كثرة الرد, و لا تنقضي عجائبه,
من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم
الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: ابن تيمية - المصدر: حقوق آل البيت - الصفحة أو الرقم: 22
خلاصة الدرجة: مشهور



‏‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ -204 الأعراف‏‏
فإذا قرئ القرآن يلقي المؤمن سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرا كثيرًا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب اللّه حصول الرحمة عليهما،

ومع سورة القدر نعيش تلك اللحظات المباركة.

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ-1 وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ -2 لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ -3 تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ -4 سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ - 5

وهي ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب نبينا محمد ـ صلى الله عليه وأله وسلم ـ ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً .
والعظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري.

والليلة التي تتحدث عنها السورة هي الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان.
إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم .

والمعروف أنها ليلة من ليالي رمضان، كما ورد في سورة البقرة:
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

أي التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب الرسول ـ صلى الله عليه وأله وسلم ـ ليبلغه إلى الناس.
وفي رواية ابن إسحاق أن أول الوحي بمطلع سورة العلق كان في شهر رمضان، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحنث في غار حراء.

****

إنا أنزلناه في ليلة القدر.

و في الصحيحين: " تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان " وفي الصحيحين كذلك: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "
وقد تواترت الأحاديث في فضلها، وأنها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، خصوصًا في أوتاره، وهي باقية في كل سنة إلى قيام الساعة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر .
وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيماناً واحتساباً، هو تطبيق للمنهج العملي في الإسلام .

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [ خالية منها ] ، وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة ،حيث عوض قصر أعمارهم بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلًا، نيفًا وثمانين سنة.

تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ.
سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ.

****

وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

الكريم
الكريم هو الذى إذا قدرعفا ..وإذا وعد وفى , وإذا سئل أعطى وكفى..لايضيع من أقبل عليه, ولايترك من التجأ إليه ,ولاتتخطاه الأمال..وهو المعطى بغير سؤال .. لايبالى كم أعطي , ولالمن أعطى .. وإن سئل غيره لايرضى .. و"الأكرم" اسم تفضيل,قال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - 3 العلق
وهو صاحب الإنعام والجود والاحسان , الذى يكرم خلقه بفيض نعمه ,ويكرم أولياءه بفيض فضله , قال تعالى عن أحد عباده : قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يعلمون - 26 بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ - 27 يس
ومن حرم من كرم الله فلا مكرم له على الإطلاق , قال تعالى: ..وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ...- 18الحج
والله تعالى هو الكريم أزلا وأبدا, قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ – 26 وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ – 27الرحمن

******
الرقيب
الرقيب الذي يراقب الأشياء ولا يغيب عنه مثقال ذرة مهما كانت .
وقد ورد اسم الرقيب في قوله تعالى في سورة المائدة
مبينا شهادة نبي الله ( عيسي ) يوم القيامة:
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ -117 المائدة
وهو سبحانه في هذه الرقابة لا تأخذه سنة ولا نوم , بل الملاحظة لازمة ودائمة .
فسبحانه هو الرقيب.
********
المجيب
المجيب هو يجيب الداعي إذا دعاه .. فهو سبحانه القائل : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ - 60غافر
فيعطي السائل ما طلب وزيادة أو يصرف عنه من الشر بمقدار ما طلب أو يدخره له في الأخرة حسنات , فخير الله كثير والإنسان لايعرف على الحقيقة أي خير أصلح له .
وهو سبحانه يجيب دعوة المضطرين ...
قال تعالى : أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ - 62 النمل
سبحانه يعلم حاجة المحتاجين قبل سؤالهم فهو المنعم وهو المتفضل بإجابة دعوات عباده .
*****
الواسع
الواسع هو المحيط بكل شئ علما وهو الجواد الذي عمت رحمته كل المخلوقات ووسعت رحمته كل شئ .
وهو الغني الكامل الذي لا نهاية لغناه , ليس كمثله شئ .
هو الأول والأخر والظاهر والباطن .
والسعة تضاف إلى العلم وتضاف إلى الإحسان والعطاء فيقال واسع عليم
ويقال واسع الإحسان .
قال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ – 32 النجم
قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ – 156 الأعراف
فهو واسع الرحمة والغنى والسلطان والعلم والقدرة والإحسان .
سبحانه وتعالى

*****
الحكيم
الحكمة حسن التدبير , وإتقان العمل , ووضع كل شئ في موضعه
فهو الحكيم المطلق .
قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ – 7السجدة
قال تعالى : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ -88 النمل
قال تعالى : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - البقرة260
سبحانه وتعالى ليس كمثله شئ .
*****
الودود
الودود كثير الود أي الحب .
قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا -مريم96
وقال تعالى : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ - 14 البروج
وقال تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ – 54المائدة
وقال تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ -90هود
سبحانه وتعالى ليس كمثله شئ .
******
المجيد
المجيد هو الذي انفرد بالشرف الكامل , والملك الواسع من الأزل إلى الأبد
قال تعالى : إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ -73 هود
ثبت في الصحيحين أنهم قالوا : قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله ؟ قال " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " .
تبارك " المجيد " المطلق سبحانه وتعالى .
*****
الباعث
والباعث هو الذي بعث الوجود من العدم , فهو سبحانه بعثنا , ويبعثنا يوميا من بعد نومنا ويبعثنا من القبور يوم القيامة .
قالى تعالى : وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ - 36 الأنعام
وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ – 60 الأنعام
ويأتي البعث بمعنى الإرسال , قال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ - 36 النحل
******
الشهيد
الشهيد هو الحاضر الذي لا يغيب أبدا سبحانه وتعالى .
قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - 53فصلت
وهو القائل جل وعلى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - 6المجادلة
سبحانه وتعالى.

************

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( 21 )
سورة البينة

إن عقيدة التوحيد واضحة المعالم ميسرة لكل البشر ولكل العقول.
وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ .


هل في ذلك تعقيد أو غموض ؟

ومع سورة البينة نعيش تلك اللحظات مع عقيدة التوحيد

لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ -1 رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً -2 فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ -3 وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ -4 وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ -5 إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ -6 إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ -7 جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ -8

*****

والسورة تعرض عدة حقائق تاريخية وإيمانية في أسلوب تقريري هو الذي يرجح أنها مدنية إلى جانب الروايات القائلة بهذا.

والحقيقة الأولى هي أن بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة:

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة .
فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة؛ ويقدم لهم عقيدة، واضحة بسيطة ميسرة، فقد تبين الطريق. ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون

والحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهالة ولا عن غموض فيه، إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم وجاءتهم البينة:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة .

والحقيقة الثالثة: أن الدين في أصله واحد، وقواعده بسيطة واضحة، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة:
وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة .
عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة: وذلك دين القيمة .. عقيدة خالصة في الضمير، وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة.. فمن حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على الإطلاق. دين واحد. وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات.

والحقيقة الرابعة: أن الذين كفروا بعد ما جاءتهم البينة هم شر البرية، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية. ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافاً بيناً:

إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ. أولـئك هم شر البرية.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك هم خير البرية، جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضى الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه .

إن نبينا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الرسول الأخير؛ وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة.
وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح.
وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة، لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة، فقد تحددت الفرصة الأخيرة، فإما إيمان فنجاة، وإما كفر فهلاك.
ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له، وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده.

فهو أغنى الشركاء عن الشرك. فإما عمل خالص له، وإلا لم يقبله.

********

وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى
" الحق "
الحق هو الواجب بذاته , فالله هو الحق وأن ما يعبدون من دونه هو الباطل , والباطل ممتنع بذاته.
قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ – 62 الحج
ذلك بأن الله هو الحق" الثابت "وأن ما يدعون" يعبدون "من دونه" وهو الأصنام "هو الباطل" الزائل "وأن الله هو العلي" أي العالي على كل شيء بقدرته "الكبير" الذي يصغر كل شيء سواه .

وقد يطلق الحق على الأقوال فيقال قول حق, أو قول باطل .
والقول الحق ماهو مطابق للواقع , أما القول الباطل هو الذي لا واقع له .
وعلى ذلك فأحق الأقوال قول " لا إله إلا الله " لأنه قول صادق أبدا وأزلا لذاته .
والشهادة له حقا أزلا وأبدا ... هو الحق المطلق
سبحانه وتعالى

****
" الوكيل "
الوكيل هو المتولي بإحسانه أمور عباده المتقين , الموكل إليه كل أمر.
الكفيل بالخلق ... فمن توكل عليه تولاه , ومن استغنى به أغناه , ومن فوض إليه أمره كفاه.
قال تعالى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ – 173
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ – 174 ال عمران
والتوكل الحقيقي هو تسليم الأمر لمن له الأمر .. والرضا بالنتائج ,
فالوكيل الحق .. والوكيل بحق هو الله تعالى .

*****
" القوي "
القوي هو الذي لا يلاحقه ضعف في ذاته , ولا في صفاته , ولا أفعاله .
فالله سبحانه وتعالى خالق جميع القوى في الوجود .
فمنها قوة الجاذبية , والقوى الكهربية والتفاعلات الكيماوية وقوة الغازات
وقوة الأشعاعات كالليزر وغيرها ملا يعد ولا يحصى
وخلق القوة في الإنسان , القوة العقلية والقوة البدنية .

قال تعالى : فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ – 15 فصلت
قال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ – 66 هود
سبحانه وتعالى هو القوي المطلق .. هو الله

*****
" المتين "
والمتين هو القادر قدرة تامة .. الشديد القوة المطلقة ليس كمثله شئ .
قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" الشديد ..
سبحانه وتعالى

****
" الولي "
الولي هو المحب الناصر المتولي أمر خلقه , المختصين بإحسانه ,
يقول تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ – 257 البقرة
ويقول تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – 9 الشورى
فالله تعالى هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده
فإنه هو القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير
سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم الوكيل .

*******
" الحميد "
الحميد هو المحمود على كل حال .. المستحق الحمد ..
الحميد بحمده نفسه أزلا , وبحمد عباده له أبدا , فهو الحميد المطلق
فالحمد لله في الأولى والأخرة.
قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ – 2 الفاتحة
أي الثناء على الله بمضمونها على أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق أو مستحق لأن يحمدوه .
قال تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى – 59 النمل
سبحانه فهو الحميد أزلا وأبدا وهو الحميد المطلق .
قال تعالى : قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ -73 هود
فالحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .
****
" المحصي "
المحصي هو المحيط بكل موجود جملة وتفصيلا ..لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء
قال تعالى : لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا – 94 مريم
" لقد أحصاهم وعدهم عدا " أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة
ذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم .
قال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحدا – 49 اكهف
سبحان من أحاط بكل شئ علما
****
المبدئ المعيد
المبدئ هو الذي أظهر الأشياء من العدم إلى الوجود ,
والمعيد هو الذي يعيدها بعد فنائها .
يقول تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ – 27 الروم
ويقول تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ – 104 الأنبياء
ويقول تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ – 19 العنكبوت
سبحان المبدئ المعيد

*******
المحيي المميت
المحيي هو الذي خلق الحياة في كل حي ,
والمميت هو الذي خلق الموت في كل من أماته ..
فهو الذي خلق الموت والحياة وهي أفعال تتعلق بمشيئته وحده لا شريك له
قال تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ – 28 البقرة
وهو الذي يحيى الأرض بعد موتها ,
قال تعالى : فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – 50 الروم
وهو الذي يحي القلوب بالإيمان ,
قال تعالى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ - 122 الأنعام
واتصال الروح بالجسد ومفارقتها له من الأمور التي تخرج عن طاقة العقل البشري وعن حدود علمه ,
فلا يعلم "المحيي" إلا "المحيي" .. ولا يعلم " المميت " إلا "المميت"
سبحانه وتعالى هو الله
****
الحي القيوم
الحي هو الموصوف بالحياة الدائمة , التي لا يعتريها فناء ولا موت ولا عدم ولا نقص ,
فله البقاء المطلق أزلا وأبدا.
قال تعالى : هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ – 65 غافر
والقيوم هو القائم بذاته , المقيم لغيره المستغني بذاته , ولا غنى لغيره عنه ,
قال تعالى : اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ – 255 البقرة
وقال تعالى : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ – 111 طه

******
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
( الخاتمة )


هذه دعوة للتدبر والتأمل والتفكر في كتاب الله تعالى.

قال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ – 21 الحشر
قال تعالى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا – 82 النساء
قال تعالى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا – 24 محمد
قال تعالى : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ - 29 ص


****
كتاب أتى بعقيدة التوحيد واضحة جلية كما رأينا من خلال هذه السلسلة ,
والقرآن معجز في بيانه ونظمه وترتيب آياته .
وقد أعجز العرب والعجم أن يأتوا بمثله .
قال تعالى :

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا – 88 الإسراء

ولم يوجد كتاب على ظهر الأرض مثل القرآن في بيان حقيقة التوحيد,
فلا مجال للكلام عن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات , من مصادر لا تعتمد على القرآن الكريم والسنة المطهرة .


إن عقيدة التوحيد هبة خالصة من الله تعالى للبشر .
عرفها لهم عن طريق الرسل , ولم يتدرج الإنسان في هذه المعرفة كما تدرج في الصناعات .. فقد جاءت الرسالات الإلهية منذ فجر التاريخ كاملة حاسمة في دعوة التوحيد .
وإن دعوة الرسل جميعا من لدن أدم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وأله وسلم ,
لا إله إلا الله


فهي رسالة الرحمة

قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ -107 الأنبياء

وقد اشتمال القرآن العظيم على منهاج تطبيقي في المعاملات الإنسانية ,
وبيان الفرائض والعبادات التي تقربنا الى الله تعالى .
كتاب وضع مبادئ القيم الرفيعة والأخلاق العالية .
كتاب أتى بشريعة صالحة لكل زمان ومكان .
كتاب أتى بأخبار الرسل السابقين والأمم السابقة .
كتاب بين بداية خلق الإنسان ونشئة الكون .
كتاب به أخبار الدار الأخرة بالتفاصيل ,
كتاب به معجزات علمية تم اكتشافها حديثا وسوف تستمر إلى يوم القيامة ,
جاء في الحديث: عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, و خبر ما بعدكم, و حكم ما بينكم,
هو بالفصل ليس بالهزل,
من تركه من جبار قصمه الله, و من ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم,
وهو الصراط المستقيم,
وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, و لا تلتبس به الألسن, و لا يخلق على كثرة الرد, و لا تنقضي عجائبه,
من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم
الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: ابن تيمية - المصدر: حقوق آل البيت - الصفحة أو الرقم: 22
خلاصة الدرجة: مشهور

فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات

ويختم القرآن العظيم ببيان سبيل النجاة للبشرية .

سورة الإخلاص والمعوذتين

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - 1 اللَّهُ الصَّمَدُ - 2
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ -3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ – 4

هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعد، " أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد , يرددها.
فلما أصبح جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكر ذلك له ـ وكأن الرجل يتقالها ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن .

فإذا أيقن القلب عقيدة التوحيد ,
فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الأغلال. يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة.
وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئاً متى وجد الله؟
ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله تعالى ؟

كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب. ورد كل شيء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت.. وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني. ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائماً ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله:

وما رميت إذ رميت ولـكن الله رمى -17 الأنفال

وما النصر إلا من عند الله – 126 ال عمران

وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ – 29 التكوير

والآيات كثيرة في هذا الموضوع

وبتنحية الأسباب الظاهرة كلها، ورد الأمر إلى مشيئة الله وحدها، تنسكب في القلب الطمأنينة، ويعرف المتجه الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب، ويتقي عنده ما يرهب،
فعقيدة التوحيد هي منهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة. في السراء والضراء. في النعماء والبأساء.
ومنهج للتلقي عن الله وحده. تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد.

ومنهج للتحرك والعمل لله وحده.. ابتغاء القرب من الحقيقة، وتطلعاً إلى الخلاص من الحواجز المعوقة والشوائب المضللة. سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس. ومن بينها حاجز الذات، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود .

ومبدأ التوحيد هو تفسير للوجود، ومنهج للحياة. وليس كلمة تقال باللسان أو حتى صورة تستقر في الضمير. إنما هو الأمر كله، والدين كله؛ وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرار هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب.

والانحرافات التي أصابت أهل الكتاب من قبل، والتي أفسدت عقائدهم وتصوراتهم وحياتهم، نشأت أول ما نشأت عن انطماس صورة التوحيد الخالص. ثم تبع هذا الانطماس ما تبعه من سائر الانحرافات.

وبهذا يمكن عمل مقارنة بين المؤمن وغير المؤمن .

إن عقيدة التوحيد تؤثر في حياة الإنسان
تأثيرا يشمل الحياة كلها وهي الحصن الذي يحمي الإنسان
بينما يكون الخسران لمن تحصن بالشرك ,


أولا - فالمؤمن واسع الأفق لأنه يؤمن بالله خالق السموات والأرض
رب العالمين , فهو لا يستغرب شيئا بعد هذا الإيمان .
بينما غير المؤمن ضيق الأفق فلا ينظر إلا للمادة ولا يتصور حياة في الأخرة , لا يرى إلا العدم .
ثانيا - المؤمن عزيز النفس فهو يعلم أنه لا ضار ولا نافع إلا هو سبحانه,
بينما المشرك والملحد والكافر يطأطئ رأسه لمخلوق مثله .

ثالثا - المؤمن مع عزة نفسه متواضع لأنه يعلم أن الكبرياء لله تعالى وحده ,بينما ترى المشرك متكبر بغير الحق .

رابعا - المؤمن حريص على تزكية نفسه بالصالحات لأنه يعلم أن الإيمان
ليس بالتمني ولكن بالعمل الصالح , فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
بينما الكافر والمشرك يمني نفسه بالأماني الكاذبة .

خامسا - المؤمن لا يتسرب الى قلبه اليأس فهو يعلم أن الله له ملك السموات والأرض , فهو يبذل الجهد متوكلا على الله الواحد الذي بيده خزائن السموات والأرض .
بينما المشرك والملحد سرعان مايتسرب اليأس إلي قلبه
فتتحطم نفسيته وقد يقدم على الإنتحار .

سادسا - المؤمن ثابت العزم قوي الإرادة ليقينه بأنه يعتمد على مالك الملك وليس للمشرك هذا اليقين .

سابعا - المؤمن لا يلوث نفسه بالطمع والدناءة وقبيح الأعمال ,
لأنه يعلم أن الأمر كله لله يرزق من يشاء بغير حساب .
بينما المشرك والكافر لا يعبئ من أي شئ يحصل على المال .

ثامنا - المؤمن يسير حياته وفق شريعة الله التي تحدد له الحلال والحرام
فهو أمن في الدنيا والأخرة بإذن الله تعالى .
بينما المشرك منفلت لشهواته ورغباته لا يخاف إلا من الشرطي.

وبهذه المقارنة السريعة نلاحظ قيمة التوحيد في حياة الإنسان

*****

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ -1 مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ - 2
وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ -3 وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ -4 وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ – 5

*****

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ – 1 مَلِكِ النَّاسِ – 2 إِلَهِ النَّاسِ – 3
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ – 4 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ – 5
مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ – 6

******
وإلى اللقاء في موضوع أخر إن شاء الله تعالى
سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ويقبلنا في عباده الصالحين.

*****
وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
لله سبحانه وتعالى

إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحدة ، من أحصاها دخل الجنة .
هو الله الذي لا إله إلا هو
الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور
الراوي: أبو هريرة المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3507
********

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم في الله / صابر عباس
الجمعة -20- شعبان -1432
الموافق -25- مارس - 2011
 
بارك الله فيكم وجزاكم الله كل خير- ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والاخرة-
 
عودة
أعلى