امانى يسرى محمد
New member
لا تعادل عند الله جناج بعوضة
أمجد سمير
لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ
الراوي : سهل بن سعد الساعدي | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترمذي
الصفحة أو الرقم: 2320 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه الترمذي (2320) واللفظ له، وابن ماجه (4110) مطولاً باختلاف يسير
الدُّنيا هيِّنةٌ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ وضَئيلةٌ، ولا تَعدِلُ عند اللهِ تعالى مِثقالَ ذرَّةٍ ولا تُساوِي شَيئًا، وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "لو كانتِ الدُّنيا تَعدِلُ عند اللهِ"، أي: تُساوي أو تزِنُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ، "جَناحَ بَعوضةٍ"، أي: جَناحَ ذُبابةٍ؛ مثلًا للقِلَّة والصِّغَرِ والحَقارةِ والدَّناءةِ، "ما سقَى كافِرًا منها شَرْبةَ ماءٍ"، أي: جزاءً له وعِقابًا على كُفرِه؛ فالمقصودُ: أنَّ الدُّنيا عند اللهِ هيِّنةٌ دَنيئةٌ وحَقيرةٌ، ولا تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ، ولا تُساوي حتَّى جَناحَ ذُبابةٍ، ولو كانتْ تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ ما رزَق الكافِرَ فيها شيئًا، ولا حتَّى سقاه شَربةً مِن ماءٍ؛ لأنَّه لا يَستَحِقُّ شَربةَ الماءِ هذه، فهو قد كفَر بمَن يَرزُقُه ويُطعِمُه ويَسْقيه، ولأنَّها لا تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ فقدْ رزَق العِبادَ كلَّهم؛ مؤمِنَهم وكافِرَهم، وأطعمَهم وسقاهم، وأخَّر حِسابَهم يومَ القيامةِ. وقيل: إنَّ الدُّنيا لِحقارتِها عند اللهِ لم يُعطِها لأوليائِه، وقد ورَد أنَّه سبحانه "يَحْمي عبدَه المؤمِنَ عن الدُّنيا كما يَحْمِي أحدُكم المريضَ عن الماءِ".
الدرر السنية
عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعديِّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ رواه الترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
22/478- وعن أَبي هُرَيْرَة قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلعونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّه تَعَالَى ومَا وَالَاه، وَعالمًا وَمُتَعلِّمًا رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
23/479- وعن عَبْدِاللَّه بنِ مسعودٍ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيا رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
الشيخ الإمام ابن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث في الحثِّ على الرغبة في الآخرة والإعداد لها، وأنَّ هذه الدنيا لا قيمةَ لها عند الله، فلو كانت تَزِنُ عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى منها كافرًا شربةَ ماءٍ.
وتقدم قوله ﷺ: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدْخِل أحدُكم أصبعه في اليَمِّ –يعني: في البحر– فلينظر بم ترجع؟ يعني: ليس لها قيمة.
فالمؤمن ينبغي له إيثار الآخرة، والإعداد لها، والعمل لها، وأن تكون أعماله كلها لطلب الآخرة: في بيعه وشرائه، وزراعته، وسائر أحواله، كل ذلك يطلب فيه مرضاة الله .
وهكذا حديث: الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلَّا ذكر الله وما والاه أي: مذمومة، مذمومٌ ما فيها، إلَّا ذكر الله وما والاه من طاعة الله، واتِّباع رسوله، والاستقامة على دينه، وعالمًا بشرع الله، ومُتعلِّمًا لشرع الله، فهي مذمومةٌ لا خيرَ فيها إلَّا ذكر الله وما والاه، وهم أهل طاعته، والأعمال الصالحة، ومَن استقام عليها من أهل الإيمان والتَّقوى، وعالمًا ومُتعلِّمًا، وإلَّا فهي مذمومة زائلة: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد:20]، فهي زائلة منتهية، لكن يبقى لك عملك الصالح: تقواك لله، وإيمانك بالله، واجتهادك في طاعة الله، هذا هو الذي يبقى، فينبغي للمؤمن أن يحرص على ذلك، وأن تكون همَّتُه عاليةً.
وحديث: لا تتَّخذوا الضَّيعةَ فترغبوا في الدنيا يعني: المزارع، لكن إذا أراد الإنسانُ بها الخيرَ فالأحاديث الصَّحيحة تدل على أنها مرغوبٌ فيها، يقول ﷺ: ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه دابَّةٌ أو طيرٌ أو إنسانٌ إلَّا كان له صدقة، إن صحَّ فالمراد به الضَّيعة التي تشغل عن طاعة الله، وأمَّا الضَّيعة التي تُعين على طاعة الله في غرسه وزرعه فينفع الناس وينفع نفسه، فقد اتَّخذها الأنصارُ، واتَّخذها المسلمون.
فاتِّخاذ الضَّيعات والمزارع للانتفاع بها والاستغناء عمَّا في أيدي الناس فيه فضلٌ عظيمٌ، يقول ﷺ: ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه دابَّةٌ أو طيرٌ أو إنسانٌ إلَّا كان له صدقة، فالضَّيعة التي نُهِيَ عنها -لو صحَّ الحديثُ- يعني: الضَّيعة التي تشغل عن طاعة الله وعن الآخرة.
وفَّق الله الجميع.