امانى يسرى محمد
New member
لا تغترّ بطاعتك و تتكبر على أهل المعاصي وتستطيل بطاعتك على الخلق بالتوبيخ والفخر والعجب،وتستعمل أساليب التأديب والزجر والعقوبة بثوب النصيحة؛ فيسلبها الله منك، وينزع عن روحك حلاوة الإيمان، ويرديك في أودية الضياع والتيه بل تسأل الله العافية والسلامة، وتعامل الناس بالرحمة واللين وحب الهداية لهم.
ربما أصيب المتعبِّد بداء العجب والغرور الذي سول له أنه بمفرده قمة في العبادة واستقامة السلوك وهذا الذي حذَّر منه السلف كثيراً. قال أبو وهب المروزي: سألت ابن المبارك: ما الكِبْر؟ قال: أن تزدري الناس. فسألته عن العُجْب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلِّين شيئاً شراً من العُجْب.
وربما يصل الأمر بهذا المتعبِّد إلى أن يتألَّى على الله من شدة عجبه وغروره، فعَنْ جُنْدَُبٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللهِ؛ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ. وَإِنَّ اللهَ - تعالى - قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ؟! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ.
في المسند وصحيح ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين، ومن يتكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين.
قال ابن القيم في مدارج السالكين: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة، من كثير من الطاعات, وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة, ويعمل الطاعة فيدخل بها النار، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام، وإن قعد، وإن مشى ذكر ذنبه، فيحدث له انكسارًا، وتوبة، واستغفارًا، وندمًا، فيكون ذلك سبب نجاته, ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، إن قام, وإن قعد، وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجبًا وكبرًا ومنة, فتكون سبب هلاكه, فيكون الذنب موجبًا لترتب طاعات وحسنات، ومعاملات قلبية، من خوف الله، والحياء منه، والإطراق بين يديه منكسًا رأسه خجلًا، باكيًا نادمًا، مستقيلًا ربه, وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة، وكبرًا، وازدراء بالناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار, ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله، وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته، الصائل بها، المان بها وبحاله على الله عز وجل وعباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك، فالله شهيد على ما في قلبه. اهـ.
- رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ
خلاصة حكم المحدث : إسناد حسن في الشواهد
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة
المظاهرُ ليْست مِعيارًا حَقيقيًّا لمعرفةِ الأتقياءِ وأولياءِ اللهِ تعالَى، كما هو المعروفُ لَدى عامَّةِ النَّاسِ، بلْ ربَّما يكونُ الكثيرُ خِلافَ ذلك، فكَثيرًا ما تكونُ عِنايةُ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى عندَ الخامِلِين، والمَدارُ التَّقوى؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ربَّما يكونُ الرَّجلُ «أَشعثَ» وهو الَّذي يكونُ شَعرُ رَأسِه مُتفرَّقًا، غَيرَ مَدهونٍ، ومَدفوعًا بالأَبوابِ، لا قَدْرَ له عندَ النَّاسِ، فهو مَحجوبٌ ومَطرودٌ عن مَجالِسِهم لحَقارتِه وضَعفِه في نَظرِهم، إلَّا أنَّ هذا الرَّجلَ «لَو أَقسَمَ عَلى اللهِ»، أي: عَلى فِعلِه سُبحانَه بأنْ حَلَفَ أنَّ اللهَ يَفعَلُ كَذا أو لا يَفعَلُه؛ «لأَبَرَّه»، أي: يُجِيبُ رَغبتَه ودُعاءَه، ولا يُخيِّبُ أمَلَه؛ لفَضلِه ومَنزلتِه عندَ اللهِ، وهذا بَيانٌ لعِظَمِ وقَدْرِ هذا الرَّجلِ عندَ اللهِ سُبحانه، وأنَّه يُوفِّيَ اللهُ ما أراد.
وهذا مِن التَّربيةِ النَّبويَّةِ للنَّاسِ؛ حتَّى لا يَحتَقِروا بعضَ الضُّعفاءِ، ولِيُبصِرَ النَّاسُ بمَراتبِ الشُّعثِ الأصفياءِ الأتْقياءِ، ويُرغِّبَهم في طَلَبِ ما طَلَبوا مِن الحقِّ والتَّقوى والعملِ الصَّالحِ الخَفيِّ.
وفي الحديثِ: بَيانُ فضْلِ اللهِ على الضُّعفاءِ الطَّائعينَ مِن عِبادِه.
وفيه: مَدحُ التَّواضُعِ والخُمولِ والتَّذلُّلِ للهِ عزَّ وجلَّ والحضُّ عليه.
فالعبد المطيع وهو في غمرة طاعته لربه من خلال أدائه للأعمال الصالحة والمشروعة يرجو ثواب الله وإعلاء كلمة الله؛ يصيبه في سيره المبارك داء العُجْب تارةً ومرض الكِبْر والغرور تارةً أخرى، فينحدر إلى الأسفل بعد أن كان صاعداً إلى الأعلى
اسلام ويب والدرر السنية