لاتعتمد على أحد سوى الله الواحد الأحد

إنضم
03/01/2021
المشاركات
832
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر

157.jpg



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أيها الأخوة الكرام :

نصيحةٌ لوجه الله، أحب زوجتك، أحب أولادك، أحب من حولك، ولكن لا تعتمد عليهم، اعتمد على الله وحده، ضع ثقتك بالله، ضع آمالك في الله، علق أهمية على رضاء الله عنك فقط.
رجل له قريب مدير مكتب السلطان عبد الحميد، افتقر، فذهب إليه على نية أن يبحث له عن عمل كوظيفة، فاستقبله قريبه، وأقام عنده مدة طويلة، يقول هذا القريب: كلما وضع كتاب التعيين لا يوقعه السلطان لثلاثين يوماً، يبدو أن القريب على علم بالله، فعلم أن قريبه متعلقٌ به ونسي الله عز وجل، أعطى توجيهاً لأحد الخدم أن يتجهم به، ثلاثون يوماً يكفي، الزيارة ثلاثة أيام، فهذا المسكين خرج من بيت قريبه هائماً على وجهه يبكي، قال له: اتبعه، انظر أي مكان ذهب، فذهب إلى بعض الخانات - الفنادق قديماً- قدم الطلب ووقعه السلطان فاستدعاه، قال له: ثلاثون يوماً وأنت معتمد عليّ، فلما خرجت من البيت مكسوراً اعتمدت على الله فوقع لك. أحياناً إنسان يعتمد على الله، في توفيق، أحياناً يضع أمله بإنسان، هذا الإنسان الذي وضعت فيه كل أملك هو الذي سيخيب ظنك، هذاتأديب من الله لأن هذا شرك خفي.

158.jpg



أيها الأخوة:


لا تــسـألــن بني آدم حــاجـةً وسل الــذي أبــوابه لا تــغــلقُالله يغضبُ إن تــركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ فيها إشارة إلى معية عظيمة من الله عز وجل﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾( سورة النساء الآية : 81 ) أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾( سورة طه )﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾( سورة الشعراء ) سيدنا يونس وهو في بطن الحوت ، والأمل بمنظور الناس في النجاة معدوم .﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾( سورة الأنبياء ) إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، الله عز وجل القوي ، الغني ، الحكيم ، العليم ، يستجيب لك .

من أخذ بمنهج الله عز وجل فهو في رعايته و تأييده :

لكن في قوله تعالى
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ هذه الآية يمكن أن تكون في سياقها متعلقة بالطلاق ، بمعنى أنه من يتقِ الله في تطليق امرأته ، فيطلقها طلاقاً سنياً لا بدعياً﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ في إرجاعها ، أما لو نزعنا هذه الآية من سياقها أصبحت قانوناً ،﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من تلف ماله﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ،﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾
في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي ،﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ فيوحده يجعل الله له مخرجاً من الشرك الجلي أو الخفي ، يمكن أن تكتب حول هذه الآية مجلدات ، أي ما دمت تأخذ بمنهج الله فأنت في رعاية الله ، وفي مظلة الله ، وفي حفظ الله ، وفي تأييد الله .
159.jpg


يقول ابن القيم.
" من ترك الاختيار والتدبير في رجاء زيادة أو خوف نقصان، أو طلب صحة أو فرارًا من سقم، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحته من العبد، وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه، وأبر به منه بنفسه، وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة، ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدم له بين يديه، ولا متأخر، فألقى نفسه بين يدي الله عز وجل، وسلم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بكل ما شاء ".

الوصف سهل، أما أن تعيش هذه الحقيقة فهذا يحتاج إلى إيمان كبير.


160.jpg
 


حقيقة التوكل على الله (1/ 2)

التوكُّل هو: انطراح القلب بين يدي الله؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: التوكُّل نِصْف الدين، والنصف الآخر الإنابة؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88].

وقال بعض السَّلَف: "مَن سرَّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله، ومَن توكل على الله واعتمد عليه وأحسن الصلة بالله، حفظه الله ورعاه، فإن لم يكنْ في الدنيا، كان في الآخرة، والآخرة خيرٌ وأبقى".

حقًّا، التوكُّل عبادة من العبادات القلبية المحْضة العظيمة، فهو عبادة بالقلب، والقلب فيها منقطع عن الأسباب، أما الجوارح، فتأخذ بالأسباب، وهنا ينقطع أمل الإنسان العادي إذا انقطعت الأسباب، ويزيد أمل المؤمن مع انقطاعها.

ومنهم من يفسِّره بالرضا، فيقول: هو الرِّضا بالمقدور، وهو يعني إظهار العجْز لله، والاعتماد عليه مع الأخْذ بالأسباب في الأرض.

والمتوكِّل على الله حقًّا يعلم أنَّ الله كافل رزقه وجميع شؤون حياته، فيركن له وحده -سبحانه وتعالى- ولا يتوكل على سِواه، ويثق أنه لا معطي ولا مانع، ولا ضار ولا نافع، ولا قابِض و لا باسط، ولا رافع ولا خافض، ولا مُعز ولا مذل إلا هو- تبارك وتعالى.

وعلى الرغم من ذلك، فكثير من الناس يعتقد أن روحه، وحياته، ورِزْقه خاصة -في يد عبدٍ ضعيف مثله، في استطاعته أن يعطيه أو يمنع عنه؛ بل لا يتوانَى عن جميع الموبقات والمحرَّمات من ربا، ورِشوة، وخلافه، معتقدًا بذلك أنه أكثر ذكاء ودهاء من غيره من البشر.

وهؤلاءِ يعدهم الإمام عبدالله بن المبارك غير متوكلين: "من أَكَل فلْسًا من حرام، فليس بمتوكّل".

وجميع أمور المسلم إذا لم يتوكّل فيها على الله، وخاصة قضية الرِّزق، فهي قضيَّة خطيرة إذا لم يتوكل فيها الإنسان على الله حق التوكل، فقد ضاعَتْ دنياه وأخراه؛ ففي الدُّنيا يمحق الله البَرَكة، وفي الآخرة العذاب الشديد.

نجد الناس تتكالَب على الدنيا، وكلٌّ ينظر إلى ما في يد أخيه، الكل يجري ويلهث كالوُحُوش، وإن كانت الوحوش تهدأ بعد الشبع، وتأنف من الاقتراب من الفريسة، فأين نحن من التوكُّل الحق؟!

وعن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لو أنكم تَتَوَكَّلون على الله حق توكله، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا))؛ رواه التِّرمذي.

لكن كثيرًا من الناس يخلط الأمور، ويقع في بئر الإفْراط والتفريط، فالتواكُل خطير إذا أهمل الإنسان الأخْذ بالأسباب مع التوكُّل على الله.

وقد عُني القرآن الكريم بالتوكُّل لبيان آثاره؛ فقد أمر -سبحانه وتعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالتوكُّل في تسْع آيات في كتابه الكريم، منها:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ [الفرقان: 58].

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: 3].

﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾[المزمل: 9].

وذلك من أوائل ما نَزل من القرآن الكريم؛ حتى يستعين -صلى الله عليه وسلم- بالتوكُّل على الله في حمل الرسالة الثقيلة التي ألْقاها الله عليه.

الأمر بالتوكُّل للمؤمنين عامة:
قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]، فالتوكُّل هنا شرط لثبوت الإيمان.
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، فقد جعل الله -عز وجل- التوكُّل من الصفات الأساسية للمؤمنين.

التوكُّل خُلُق الرسل جميعًا:
فقد جاء على لسان الرسل جميعًا في قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُو نَ ﴾[إبراهيم: 12].

قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم والذين معه: ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: 4].

الوكيل من أسماء الله -عز وجل-:
الوكيل هو الذي يتولَّى بإحسانه شؤون عباده كلها، فلا يضيعها؛ لكن يأخذ بأيديهم فيما فيه مصلحتهم، فأحيانًا تحدث مشاكل في الحياة؛ كنقْص في الرِّزق، وفشل في الدراسة، وأولاد بعيدين عن الله، وأشخاص تعاني في حياتها الزوجية، أثناء ذلك تحتاج للوكيل وتلجأ إليه.

والله عندما يسدُّ طريقًا عن الإنسان، يفتح طُرُقًا عديدة، إذا أظلمت الدُّنيا أمامك في لحظةٍ، فاعلمْ أن الوكيل سيفتح لك طرقًا أخرى تسعدك، فما منعك إلا ليعطيك، وما ابتلاك إلا ليعافيك.

مكانة التوكُّل في السُّنَّة:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن قال – يعني: إذا خرج من بيته -: بسم الله، توكَّلْت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يُقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟!))؛ رواه أبو داود والتِّرْمذي.

وفي الصَّحيح: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: ((اللهم لك أسلمْت، وبك آمنْت، وعليك توكلْت، وإليك أنبْت، وبك خاصمْت، اللهم إنِّي أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون))؛ رواه مسلم.

وفي الصحيحين: في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من هذه الأمة، وصفوا بأنهم: ((هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكَّلون))؛ رواه البخاري ومسلم.

حال السلف في التوكُّل:
حثَّ السلف على التوكل؛ فالإمام سعيد بن جبير كان يدعو فيقول: "اللهم أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظَّن بك"، وكان يقول: "التوكُّل على الله جماع الإيمان"؛ "نزهة الفضلاء".

منزلة المتوكلين:
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]؛ فهو -عز وجل- كافي المتوكل وحسبه.

وأخْبَرَ تعالى أنه يحب المتوكلين؛ فقال تعالى: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ ﴾ [آل عمران: 159]، وهل توجد درجة أعلى من درجة من يحبه الله؟! فمن كان الله حسبَه وكافيه ومُحبَّه وراعيه، فقد فاز الفوز العظيم.

إكرام جلال

شبكة الألوكة


 
عودة
أعلى