قارعات سورة الحاقة ( 2)

إنضم
31/08/2004
المشاركات
120
مستوى التفاعل
1
النقاط
18
العمر
65
الإقامة
فلسطين
الموقع الالكتروني
http


إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية

قارعات سورة الحاقة (2)

طارق مصطفى حميدة

مركز نون للدراسات القرآنية – فلسطين


يلفت الانتباه في عرض السورة الكريمة للقوارع عدة أمور من أهمها، في رأيي، ما يتعلق بقصة نوح عليه السلام وقارعة الطوفان، إذ جاء الحديث عنها مغايراً من أكثر وجه للقوارع الأخرى، وذلك في قوله تعالى ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11]:

  • فقد وردت في آخر القوارع وهي الأولى زماناً.
  • ولم تتحدث الآية عن الأخذ والإهلاك لقوم نوح، وهم الأكثر طغياناً، وربما تكون لذلك أدهى القوارع، لقوله سبحانه: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ﴾ [ النجم:52 ]، وتحدثت عوضاً عن ذلك عن الناجين المحمولين في السفينة.
  • وعدلت عن الحديث عن الناجين من صيغة الغائب كالسابقين، إلى صيغة المخاطبين بالقرآن المعاصرين للرسول عليه الصلاة والسلام ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
  • وعدلت عن الأسلوب الذي خوطب به بنو إسرائيل في سورة الإسراء، ﴿ ذرية من حملنا مع نوح﴾ [ الإسراء:3 ]، بوصفهم ذرية الناجين المحمولين في السفينة، حيث كانت نجاة أصحاب نوح سبباً في نجاتهم ووجودهم بالتالي، لكن الأمر في هذه الآية مختلف تماماً فقد خوطب الذين نزل فيهم القرآن باعتبارهم المحمولين، وليسوا مجرد ذرية للناجين﴿ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
وكأن الآية الكريمة تريد أن تقول لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لقد كنتم محل عناية الله تعالى ورعايته وحفظه منذ الأزل، وقد اختاركم وادخركم لهذا اليوم، ولذلك حملكم بعظمته في الفلك المشحون لتكونوا رفقاء النبي الخاتم، وحملة الرسالة الأخيرة للبشرية، لعلمه سبحانه بأنكم لن تكونوا كالسابقين الذين كذبوا بالقارعة ولم تنفعهم نذارات رسلهم، ولم يعتبروا بالقوارع التي حلت بأسلافهم ويعلم الله سبحانه أنكم أولو أبصار وأسماع وأفئدة وستكون هذه القوارع وعلى رأسها الطوفان ونجاتكم يومه تذكرة لكم ورسالة تعيها آذانكم: ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 12]، ولاحظ تقدم شبه الجملة للمخاطبين ﴿ لكم تَذْكِرَةً ﴾، أي أنكم وحدكم من سوف تتذكرون وتتعظون وتعتبرون، بينما غيركم من الأمم السابقة لم تتعظ ولم تعتبر ولم تتذكر القوارع التي حلت بمن سبقها، وكذبت بوعيد الله ونذره أن تحل بهم إذا كذبوا هم رسلهم أيضاً.

ومرة أخرى لا بد من التأكيد أن رسالة القرآن وهي تتحدث عن القوارع فليس ذلك إلا ترويعاً للكفار كي يثوبوا إلى رشدهم، وتلويحاً بإمكانية تكرر الصورة ليرتدع العتاة، وربما حلت قوارع محدودة ببعض الجبابرة المتمردين من باب إذاقتهم العذاب الأدنى فيخافوا العذاب الأكبر، وقد يلزم لذلك أن يقطع طرفاً من الذين كفروا فقط، فالمقصود ليس إبادتهم وإهلاكهم، واستئصال شأفتهم، وإنما ردهم عن غيهم ودمجهم تحت لواء الرسول عليه الصلاة والسلام.

ولذلك جاءت الفقرة الأخيرة من السورة بالأدلة العقلية والشواهد المحسوسة وغير المحسوسة التي تؤكد بجلاء صدق الرسول وربانية التنزيل،﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51]، إذ الأمل معقود على هؤلاء المعاندين وفيهم الكثير من المترددين والمتحسبين، أن يوحدوه سبحانه هم ومن يخرج من أصلابهم.

وكنت قلت في مطلع الحلقة السابقة أن هناك ما يشبه الإجماع، بحسب اطلاعي، على تفسير الحاقة بالقيامة، وكذلك لفظة ( القارعة) في سورة الحاقة، ولم يطرحوا الاحتمال الآخر أن تكون الحاقة والقارعة في الدنيا، ثم إني رأيت أحد أساطين التفسير المعاصرين، وهو صاحب التحرير والتنوير قد سبق إلى قريب من هذا القول ونصره، وجعل القول السائد بأنهما وصفان للآخرة مجرد احتمال، وذلك في قوله:" ويجوز أن يكون المراد بها لقباً ليوم القيامة، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الذي درج عليه المفسرون؛ فلقب بذلك "يوم القيامة" لأنه يوم محقق وقوعه، كم قال تعالى: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: 7]، أو لأنه تحق فيه الحقوق ولا يضاع الجزاء عليها، قال تعالى ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ [النساء: 77]"

وأتبع كلامه بالقول" وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام ، فيكون ذلك من باب الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحق حلوله.

" فيجوز أيضا أن تكون "الحاقة" وصفاً لموصوف محذوف تقديره الساعة الحاقة، أو الواقعة الحاقة، فيكون تهديداً بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرّض بهم كيوم بدر أو وقعته وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه، أو وصفاً للكلمة، أي كلمة الله التي حقت على المشركين من أهل مكة، قال تعالى ﴿ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ [غافر: 6]، أو التي حقت للنبي أن ينصره الله، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [الصافات: 171 - 174]".

" ويجوز أن تكون مصدراً بمعنى الحق، فيصح أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنه حق كقوله تعالى ﴿ واقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 97]، أو وصفاً للقرآن كقوله: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ[آل عمران: 62]، أو أريد به الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى: ﴿ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: 29]، وقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 30]".

وقد نقلت كلام الطاهر بن عاشور بتمامه لنفاسته ولدلالته على المراد، والحمد لله على ما هدى ووفق، والرجاء فيه سبحانه أن يعين على المزيد، إنه نعم المولى ونعم النصير.
 
عودة
أعلى