طارق مصطفى حميدة
New member
قارعات سورة الحاقة!!
(1)
(1)
طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية – فلسطين
ربما أجمع أهل التفسير وعلوم القرآن - بحسب اطلاعي - على أن ( الحاقة) في سورة الحاقة هي اسم من أسماء يوم القيامة، وكذلك فإن ( القارعة) في قوله تعالى ( كذبت ثمود وعاد بالقارعة)، من السورة نفسها هي الأخرى ليست إلا اسماً من أسماء القيامة.
وهذا الكلام الذي عليه العلماء الأجلاء هو المتبادر، فهناك سورة باسم القارعة تتحدث بجلاء عن بعض أحداث الآخرة، كما أن القيامة تحق الحقائق والحقوق، ففيها تثبت حقائق الإيمان التي دعا لها الرسل من التوحيد وصدق المرسلين ووقوع الساعة وما فيها من الأهوال والثواب والعقاب.
وهذه المقالة لا تهدف إلى نقض ذاك الإجماع، وإنما تحاول أن تطرح احتمالاً إضافياً ثانياً ترى أن له وجاهة تستدعي أن يكون محلاً للتفكير، علماً بأن الغاية الأولى للمقالة هي النظر والتدبر في مجمل السورة الكريمة.
ولعل إثارة بعض التساؤلات مما يعزز التوصل للمراد من مثل: ما الحق أو الحقائق والحقوق التي جاءت الحاقة لإحقاقها؟ وهل المطلوب الأهم في السورة إحقاقها دنيوياً أم أخروياً؟ وهل ورد في القرآن الكريم إحقاق الحق في الحياة الدنيا؟.
وفي شأن القارعة كذلك، هل وردت القارعة في أحداث الدنيا؟ وهل سياق القارعة المذكورة في سورة الحاقة يتحدث عن الآخرة أم الدنيا؟.
من المناسب هنا استذكار قوله تعالى ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [ الرعد: 31]، ومن الواضح أن المقصود قوارع دنيوية تصيب الكفار " وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنقم بالقتل أحيانا، وبالحروب أحيانا، والقحط أحيانا" بسبب من كفرهم بالله، وتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكر الإمام الطبري.
وكذلك فإن المعنى الذي نراه أقرب للقارعة في الآية الكريمة: ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾ [ الحاقة: 4]، هو ما جاء بعدها مفصلاً لها؛ أي القارعات التي حلت بالمكذبين ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [ الحاقة: 5-12].
وقد تكرر في القرآن الكريم إنذار الرسل للكفار بالعذاب إن لم يؤمنوا، وحذروا أقوامهم بما حل بأسلافهم ، والغريب أن الكفار ولفرط شقاوتهم قد تكرر منهم الاستهزاء بالرسل وطلبهم للعذاب إن كان الرسل صادقين، ودعت قريش أن تتنزل عليهم حجارة من السماء إن كان ما جاء به الرسول هو الحق، وهذه أمثلة لبعض الآيات:
- ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[ العنكبوت: 29].
- ﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[ هود: 32].
- ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾[ غافر:30-31].
- ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙإِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[ الأنفال:31-32].
- وفي المعنى جاء في مطلع السورة التالية للحاقة: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾[ المعارج: 1-2].
والملاحظ أن المقطع الأخير في سورة الحاقة قد جاء بالقسم ليؤكد رسالة محمد صلى الله عليه السلام وأن ما يبلغه ويقوله هو تنزيل رب العالمين، وليس قول شاعر ولا قول كاهن، ولا تقولاً من الرسول، وحاشاه، ثم لوح لقريش والمشركين بعصا القوارع قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾[ الحاقة:49]، كما كذب السابقون ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾[ الحاقة:4-6].
وبالتالي فإذا أعدنا قراءة آيات السورة من البداية حيث يقول سبحانه: ﴿ الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾[ الحاقة:1-6]. فالمعنى أن هذه الأمم كذبت بالقوارع بعدما أُنذروا بها فجاءت العقوبات تحق الحق وتصدق المرسلين، ولكن بعد فوات الأوان، ولات حين مندم، وبالنسبة لقريش والعرب فالقوارع المتوقعة تستهدف القلة المصممة على التكذيب، ولكن لا يزال المجال أمامهم مفتوحاً ليستدركوا ومن هنا جاء قوله سبحانه: ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾[ الحاقة:49]، أي أن الله تعالى بعظمته يعلم أن بعضهم مصرون على مواقفهم ولذلك فلينتظروا قارعة من ربهم تحق الحق، ومن هنا كانت بدر مثالاً جلياً، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾[ الأنفال:7-8].