فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ...

(50)

قال الشيخ الإمام رحمه الله : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرا في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل قمر بهله الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. وَمِن دُعَاء مُوسَى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ويك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ".

وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ... "...

الشرح :

-لاشك أن من أعظم مقامات العبودية؛ هو تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ، وبمسألته، وبالفقر إليه، وبالتذلل بين يديه وبأن يجعل أمره كله الله، وإلى الله سبحانه وتعالى، فيجعل عبادته الله، ويجعل أمره الله.

وحتى الأمر العادي يجعله الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده ملكوت كل شيء،


وهذا قول الخليل إبراهيم عليه السلام - فيما ذكره الله جل وعلا - (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸۱) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (۸۲)) [الشعراء: ۷۸]

فهنا ترى في سياق ذكر الخليل عليه الصلاة والسلام - ذكر المعاني العبادية المحضة، وذكر المعاني العادية.

وكل ذلك وكله وجعله إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل هدايته من الله، وجعل عبادته الله، كما جعل رزقه وطعامه وشرابه ومرضه وشفاءه بأمر الله وقضاءه،

قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰)) [الشعراء: ۸۰] .

والمرض بقدر الله، لكن لما كان ضعفًا في الإنسان ، لم يضف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين (۸۰)) [الشعراء: ۸۰]،


لكن لما كان الخلق كمالا وفضلا من الله على عبده - أما المرض فهو نقص في العبد وإن كان بقدر الله، وبأمر الله الكوني -

وأما الخلق فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸)) [الشعراء: ۷۸]، والطعام( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹)) [الشعراء: ۷۹]،

لكن لما كان المرض هو عارض من النقص ينتاب البشر ما أضيف إلى الله سبحانه وتعالى - مع أنه بأمر الله جل وعلا.

-ولذلك من شهد هذه الحقيقة شهد العبودية في كل شأنه حتى في أكله وشربه، ولذلك كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول:

«إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا؛)

لأن هذا أمر عادي، فمن حقق هذا المقام العادي فهو أحرى بتحقيق ما فوقه، ولذلك صار موجبا لرضا الله، ورضا الله أكبر المقامات وأشرفها، وأنت ترى أنه جعل هنا في فعل من فعل الإنسان وهو طعامه وشرابه، ولكن الموجب لرضا الله هو مقام الحمد له سبحانه ، ومقام الشكر له سبحانه .

-فمن استم مقام الشكر ومقام الحمد حمد الله في شأنه كله، وهذا هو مقتضى الإيمان بالشرع من جهة كهذا الحديث؛ (إن اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها )

وهو مقتضى الإيمان بالقدر من جهة كقول النبي - عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).

-ولهذا مقام الحمد هو من أخص مقامات العبودية، وافتتحت أجل السور، وأعظم السور في كتاب الله وهي السبع المثاني، سورة الفاتحة ابتدأت بحمد الله سبحانه

-( الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (۲)) [الفاتحة: ٢] بعد البسملة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام - بهذا المقام : بالحمد لله رب العالمين إن الحمد لله، فالحمد من أخص مقامات العبودية،


وسمى الله سبحانه - قومًا فقال:( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) [التوبة : ١١٢]

فجعل المقام الأول مقام التوبة؛ لأن التوبة هي مقدمة وهي تسليم النفس من جرائرها وموبقاتها وآثامها وسخائمها ونقصها ولهذا شرعها الله لجميع المؤمنين.

ولما خوطبوا بها خوطبوا بها بصيغة العموم المؤكدة، وإلا الخطاب كثير العموم في القرآن، بل هو الأصل في خطاب الإيمان، لكن هنا جاء العموم مؤكدًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهُ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ۳۱) فجاء التأكيد بذكر "جميعا"

ولذلك اجتمع في هذه الآية (وَتُوبُوا إِلَى الله جميعا ﴾ [النور: ۳۱)؛ اجتمع فيها عدد من مقتضيات العموم.

فذكر الله مقام التائبون، وبعده العابدون، وإنها قدمت التوبة باعتبارها مصححة للحال، حتى يدخل العبد على طهارة، ولهذا كثر مشروعية الاستغفار بين يدي العبادة وبعدها

(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...) [التوبة: ١١٢] بعد هذا المقام المجمل العام المطلق وهو مقام العبادة - لأنه مقام جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة العبادة كما هي معروفة في الشريعة - ذكر المقام أو الوصف بقوله: (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) [التوبة : ١١٢]

فهذا الثالث؛ فيه ذكر لأخص مقامات العبودية، وأن أخص مقامات العبودية هو مقام الحمد.

-والحمد فقه وعلم ونور وبصيرة في قلب العبد، والصلاة من حمد الله، والصيام من حمد الله، والحج من حمد الله، فمن وجد في هذه العبادات مقام الحمد ، فقد حقق هذه العبادات على وجهها المنيف.

-وعن هذا كان أخص ما يتفاضل به الأولياء ليس هي كثرة النوافل كما يتوهم، ليس أخص ما يتفاضل به في ولاية الله كثرة النوافل وإن كان مقامها معتبرا في الشريعة،

ولكن أخص ما يتفاضل به الأولياء في ولايتهم هو تحقيقهم لمقام العبودية على وجهه الأكمل والأتم الذي يُرضي الله.

وهذا فقه كلمة الحسن البصري - وهو من سادات الفقهاء والعلماء كما أنه من البصراء في العبادة وفي فقه العبادة وسلوكها؛ لأن العبادة لها فقه، وكما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام وفقهها وتحريرها وأوجهها، يتفاضل العباد في فقه العبادة، وليست العبادة كثرة محضة، وإن كان العمل محمودا بكثرته إذا كان صالحا بمعنى تكراره

، لهذا أثني إلى التكرار الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لم بينهما والتكرار الذي يوافق ويلاقي الشريعة محمود.

لكن فوق هذا المعنى معنى يخفى على بعض الناس فيظن أن المفاضلة أو التحقيق هو في العدد فحسب ، وهذا ليس كذلك، ولكنه في المقام الأخص.

وعن هذا كما قلت هذا هو - فقه كلمة الحسن البصري رحمه الله - لما قال: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة"؛ فإنك تعلم أن أبا بكر الصديق هو أفضل هذه الأمة لصريح الأدلة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة على فضل أبي بكر -رضي الله عنه ، وهذا متواتر في السنة للرسول عليه الصلاة والسلام - وفي كلام الرسول من الأوجه الكثيرة الدالة على فضل أبي بكر، وها متفق عليه بين الصحابة رضي الله عنهم .

وتعلم أن أبا بكر لم يكن السبب المقدم هو مسألة الكثرة، وإن كان هذا لا يعني أن أبا بكر رضي الله عنه - لم يكن كثير التبتل، فهو من أئمة التبتل والعبادة، ولا يجوز الإنسان أصلا أن يقول كان يصلي كذا أو يصلي كذالأن صلاته فيها بينه وبين الله،


ما كان الصحابة يُظهرون أعمالهم أو يسمون للناس أعمالهم، وإنما كانوا يستخفون فيما شرع فيه الاستخفاء من العبادة.

الشاهد هنا: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه - حقق مقام الفعل، وحقق مقام العلم، والعمل القلبي وهذا هو فقه الإيمان،


ألسنا نقول بأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل واعتقاد؟، ويقولون هو : قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح كما هي الجملة التي جاءت عند أكثر أئمة السلف، قول وعمل،

وقال بعضهم قول وعمل واعتقاد، لكن جمهور السلف الذين نقل عنهم بالإيمان كلام لما ظهرت البدع، قالوا: الإيمان قول وعمل.

قد يقول قائل : أين الاعتقاد؟

نقول: قول؛ أرادوا قول القلب وقول اللسان، وعمل أرادوا عمل القلب وعمل الجوارح.

-فمن غلب عليه مقام العمل في الجوارح، ولم يُدرك عمل القلب فاته من الإيمان ما فاته، وهذا الذي يعرض لكثير من العامة وبعض المتعبدة، أنهم يعتبرون مقام الولاية أو العبودية بكثرة الأعمال، وهذا مقام في أصله شريف، لكنه أحد المقامات، ولا يصيب التحقيق صاحبه إلا إذا عرف المقصود من هذه الأعمال، فوجد مقام أو حقق مقام الحمد في صلاته ومقام الحمد في صيامه، ومقام الحمد في صدقته وفي بذله.

-ولذلك تجد أن الشريعة إذا شرعت أمرًا حتى في باب النفقات تغلق هذا الباب عما ينافي مقام الحمد لله (ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى ) [البقرة: ٢٦٢]

لأنه إن خالطه من أو خالطه أذى ولو بحركة أو تصرف فإن هذا ينافي مقام الحمد الله سبحانه .

وإنها المتصدق حقا هو الذي يتصدق وهو يعلم ويرى ويجد أن هذه الصدقة هي من فضل الله عليه، فمن عرف لهذه العبادات حقها وجد أثارها الشرعية

وقامت فيه أثارها الشرعية التي قال فيها الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري: «الصلاة نور».

لكن هل هذا النور درجته في كل الناس وفي كل المصلين سواء ؟ الجواب: ليس كذلك.

الصلاة نور والصدقة برهان؟ هل هذا البرهان يكون لسائر المتصدقين بدرجة واحدة ؟ الجواب: لا.

وهكذا في مقامات العبادات، فالعبودية لها فقه، ولها علم، ولها قواعد، والشريعة جاءت بهذا العلم، ويقواعد العبادة، ومحبة الله، والتعلق بالله، والاستعانة بالله، فليست الشريعة أحكاما فيها الواجب وفيها المستحب فقط.

الشريعة فيها التشريعات ، لكن فيها مقام العبودية، وكما فيها الأحكام التي تخاطب العقول فيها الأحكام التي تخاطب النفوس، ولهذا هذا من ركن الشريعة ومقامها.

ولهذا العمل إذا خلا منه لم يكن عملا صالحا، إذا خلا من عمل القلب فعمل الجوارح المحض ليس عملاً صالحا، إذا لم لا يسمى فعله عبادة، أليس كذلك؟

يُصاحبه تصديق ولا عمل في القلب لم يكن هذا من الأعمال الصالحة، ولذلك الذي يفعل الفعل العبادي على وجه عادي

فالذي يبحث عن مفقود له أو عن صاحب له بين الطائفين، وهو لا يريد بذلك الطواف بالبيت، وإنما يريد أن يجد صاحبه، لا يسمى فعله هذا ماذا ؟ طوافا ولا يسقط به ركن في حج أو عمرة.

-وكذلك الذي يفعله لغير وجه الله؛ فأنت تعلم أن المنافقين يصلون، ولكن صلاتهم هذه ليست عبادة ، مع أنها في ظاهرها يأتون بظاهر الصلاة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام- والمسلمين، لكن الله - سبحانه - سماهم منافقين، لأنهم ظاهر لا باطن لهم في الإيمان، وإنما باطنهم الضلال وعدم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى.

-فالمقصود أن هذا علم منيف شريف، وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين، ولكن كما نعلم أن علم الفقه مثلا فيه محققون، وفيه مقلدون، فكذلك هذا العلم فيه محققون، وفيه مقلدون، وفيه متوهمون .

كبعض من خاض في هذا العلم بطرق مبتدعة أو متكلفة،


ويُقابلهم في ذلك من أراد، - وهذا هو الذي يخاف على بعض القاصدين للسنة، ويحسن أن يتقوه

- فإن بعض القاصدين للسنة والاتباع يريد أن يُغلق بعض الطرق كطرق التصوف مثلا أو ما هو منها فيقع في مادة من الجفاء في فقه العبادة لجهله وقلة علمه وفقه بفقه العبودية ،

فيتوهم أن مثل هذه المعاني هي من معاني التصوف وهي ليست كذلك.


-وتأمل في سياق الدلالات، إذا كان الآن في باب الأمر والنهي نأخذ من الأمر والنهي في تشريع الأحكام بحسب دلالات الخطاب التي رتبت في علم أصول الفقه المعرفة أحكام الشريعة، هنالك دلالة النص، وهناك دلالة الظاهر، وما دون ذلك، ، والمنطوق، والمفهوم، ومفهوم الموافقة، والمخالفة إلى آخره من أنواع الدلالات، أو العام، أو الخاص، أو المطلق، والمقيد إلى آخره.

كذلك في الفقه العبادي المعني هنا بهذه الرسالة دلالات الأسماء والأفعال التي ذكرت في القرآن، مثل:

الخاشعين؛ كلمة الخاشعين التي جاءت اسم فاعل، أو يأتي بصيغة الفعل مثل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لذكر الله )(الحديد : ۱۷] ما قال هنا أن تستجيب، أو أعطاهم الأمر الذي يقع في الأمر التشريعي المحض،

هنا جاء الفعل فعلا قلبيا له فقهه، وله معناه الخاص( الم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) [الحديد: ١٧ ] لم يقل : أن يسمعوا وإنما قال: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: ١٧].

هنا الخشوع، الإخبات، ما معنى الإخبات؟ وما الفرق بين الإخبات وبين الخشوع ؟

الحمد الحامدون، ما معنى الحمد؟ مقام الحامدين ما هو ؟

لأن هذه ذكرها الله مقامات حتى للرسل( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا ﴾ [النحل : ۱۲۰]؛ ما معنى مقام القنوت الله ؟

وكما تتفقه وتتدبر القرآن في معرفة أحكام الأمر والنهي ، يجب من باب أولى أن نتدبر القرآن في فهم مقامات العبودية، ماهو المعنى الذي ذكره ؟ أو ما فقه هذه الآية؟

إذا كنت تقف عند قوله - جل ذكره - : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]لنفقه منها حكم الفطر في السفر وحال المريض وأنه يقضي إلى غير ذلك، وهذا من علم القرآن وشريعة الإسلام، فالعلم فيه ركن من أركان الإسلام.

لكن كذلك الآيات التي فيها مقام العبودية لله لها فقه، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (۱۲۰) شَاكِرًا لأنعمه ﴾ [النحل : ۱۲۰ - ۱۲۱]

ما هو مقام القنوت الذي وصف به إبراهيم؟ وما هو مقام الشكر الذي وصف به إبراهيم ؟

في ذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام - (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [مريم: ٥٤] ، مقام صادق الوعد .

(وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: (۷۳)، وفي مثل قول الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)[الأنبياء: ٩٠).

آيات فقه العبودية مع الأسف هنالك تقصير كثير في فقهها، وهذا من الجهل الذي مر في القرون المتأخرة حتى استطار، ولما كان كذلك أصبحت المراجعة فيه صعبة، وقد يفوت إقناعها حتى على بعض من له مقام في العلم.

ولهذا إذا أقبل الطالب على طلب العلم أول ما يتبادر إليه في طلب العلم أن يعرف الأحكام الحلال، وأن هذه المسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة ومالك، وهذا البيع صحيح في مذهب أحمد باطل في مذهب الشافعي، وأن بيع العربون من مفردات المذهب، وهذا لاشك أنه من علم الشريعة.

لكن تجد أنه في جانب علم العبودية وفقهها ما هو من العلم الذي يتبصر فيه، وإذا أقبل الإنسان فيه على مقام أقبل على مقام العدد. ما معنى أقبل على مقام العدد ؟

أقبل على مقام العدد بأنه يحافظ على عدد من الركعات، وعدد من الصيام النوافل؛ فيجد أن نفسه قد حققت هذا المقام؛ لأنه لا يكتفي بصوم رمضان، وإنما يصوم من النافلة ما يصوم كثلاثة أيام من كل شهر، أو الإثنين، أو ما إلى ذلك، مما ورد فيه فضل إما مجمع عليه، أو على رأي طائفة كأيام البيض وتخصيصها إلى غير ذلك، أو يحافظ على سنن من الصلاة أو قدر من ذلك.

لاشك أن هذه عبودية الله، لكن هل تحديد مقام العبودية بها وحدها أو هذا المقام له علم وله فقه ؟

-فكما تقبل على مقام العدد، فيجب أن تقبل على مقام العلم، وعلى مقام الخشوع، وعلى مقام الإخبات الله، وعلى مقام الاستعانة بالله.

ولا سيما أن الاستعانة يتوهم أحيانًا أنها في الأمر الكوني ، وليست في الأمر العبادي؛ كقضاء الحاجات، وهذا ليس صحيحا بل الاستعانة بالله تكون في الأمر الكوني، وتكون في الأمر العبادي، فإن الذي هداك للصلاة وفعلها وللصيام وفعله هو الذي رزقك، وهو الذي نجاك، وهو الذي حفظك إلى غير ذلك.

ولهذا قال الله في أعظم سورة في كتابه - ومهما نظر الناظرون والعلماء والفقهاء والبصراء والمكاشفون في فقه هذه السورة الشريفة؛ سورة الفاتحة، فإنهم لن يأتوا على تمام مقتضياتها، ودلالاتها، وإشاراتها الشريفة في العلم والعبودية وما إلى ذلك

- فأنت ترى أن الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥] فهنالك اقتران بين مقام العبودية ومقام الاستعانة، هذا مقام الكثرة أو مقام العدد قد يفوت معهم،


بمعنى : بعض الناس يقبل على مسألة العدد، ولكنه لا يشهد مقام الاستعانة، ويكون عبد من عباد الله دونه في العدد،

ولكنه أعظم مقام عند الله - سبحانه وتعالى-، لم؟ لأنه على مقام من تحقيق الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى.

-ولهذا كما تعلم في الشريعة أن العمل مقصود ، فعند علماء السنة العمل ركن في الإيمان؛ لأنه أصلا لا يوجد عمل مجرد ويكون إيمانا، فالعمل إذا تجرد لم يمكن أن يكون إيمانًا.

-ولهذا قول المرجئة خطأ في العقل والنقل، لما يقولون الإيمان هو التصديق، ثم يقولون: والعمل ليس من الإيمان، هذا خطأ في العقل مخالف لدليل العقل قبل أن يكون مخالفًا لدليل الشرع، فهذا مخالف للعقل والنقل؛ لأنه لا يوجد في نفس الأمر عمل مجرد ومعية مجردة مستقلة تسمى شريعة وعبادة يقبلها الله - سبحانه وتعالى.

-والشاهد: أن هذا العلم علم كثير وبالغ ودقيق، وقد خاض فيه خلق من الباحثين والبصراء والمكاشفين وكلهم من علماء الإسلام، يرومون تحقيق هذا المقام لكن فاتهم، أو فات طائفة منهم قدرًا من تحقيقه،


وهذا الفوات من أخص أسبابه عدم العلم بالسنة، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بفقه القرآن في هذا المقام، هذا يعرض وهذا يعرض،


الأول يعرض لبعض المتصوفة، والثاني يعرض لبعض المنتسبين للسنة ممن لم يفقه هذا المقام على وجهه ولا سيما إذا كان قليل المادة العلمية في فقه هذا الباب ومحاذرًا للبدعة، فربما صارت محاذرته هذه تباعده عن موارد من المعاني الصحيحة توهما أنها قد تقوده إلى وجه من التصوف.

فالتصوف منهج ضل فيه من ضل، وزل فيه من زل، وأخطأ فيه من أخطأ، ونسب لبعض العباد والصالحين وهم منهم براء لم ينتسبوا إليه، وقال به بعض الصالحين والعباد وتسموا به، فيكون هذا القدر مراجعا في شأنهم.

وإن كان الغالب على حالهم أنها حال صحيحة، وعبادة مستقيمة، وهؤلاء من يسميهم المصنف أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - (صوفية أهل الحديث)، أو يسميهم في بعض المقامات (مقتصدة الصوفية)، أو (فضلاء الصوفية).

فيهم من زاد عن ذلك، وفيهم من غلا وضل ضلالاً مبيناً كغلاة الصوفية أهل وحدة الوجود ونحوها كصاحب الفصوص، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، وابن سبعين وأمثال هؤلاء، فهؤلاء غلاة معرفون، وتصوفهم فلسفة ليس تعبدا مجتهدا في تحصيله بالطرق الشرعية ، والطرق النفسية البسيطة، وإنما هي طرق نفسية مركبة ومبنية على فلسفة.

فوحدة الوجود نظرية فلسفية قديمة، وتكلم عنها كثير من الفلاسفة المعارضين لها؛ كأرسطو طاليس من الفلاسفة العقليين المناوئين لهذه الفلسفة، لما صار بعض أهل الأقاليم في غير اليونان يقولون بهذه الفلسفة، وصار السائد إذ ذاك في اليونان هي الفلسفة العقلية، ولاسيما لما تيممت بأرسطو طاليس صاحب التعاليم المعروفة.

وكان قبله جانب من الروحانيات والميل إليها في الفلسفة التي كان عليها أفلاطون من قبله، ولم تكن الفلسفة عند أفلاطون بمثل المعنى التي تقول فلسفة وحدة الوجود ، التي لم تكن من صنع اليونان أصلا، وإنما من صنع أقاليم بعيدة عن بلادهم، ولكن كان فلاسفتهم وبالذات من هم من أهل الأقيسة العقلية كأرسطو لهم رد معروف عليها.

والمقصود هنا؛ أن علم العبادة علم له قواعد، وبعض العلماء الفضلاء - رحمهم الله - عنوا بهذا العلم، ومن أخص من عني به المصنف - رحمه الله - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو من المحققين في ترتيب هذا العلم، وله فيه جملة رسائل منها

هذه الرسالة ( رسالة العبودية )، ومنها رسالة في مجموع فتاواه موجودة تسمى ( التحفة العراقية ) وله رسائل أخرى، وهو من أخص المحققين لفقه هذا العلم، ولغيره من العلماء من قبله ومن بعده لاشك.

ولابن القيم رحمه الله - كذلك عرض أوسع في هذا العلم، وإن كان فقهه له ليس بدرجة فقه شيخ الإسلام له.

وهذا كما قلت؛ كما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام الفقهية يتفاضلون في هذا العلم كذلك، وليس التفاضل - بعض الناس من سذاجته يظن أن التفاضل في التطبيق، وأنه علم بدهي،

وإنما التفاضل - في الإقبال عليه أو عدم الإقبال عليه، هذا جهل فهو علم بالله سبحانه وتعالى، وكيف أن العلم يُورث الخشية لله

كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العلماء) [فاطر: ۲۸]

وكيف ترى نور الشريعة كما قال النبي: الصلاة نور»، وكيف ترى البرهان في الصدقة ؟ كيف تكون الصدقة برهانا ؟

ولذلك حفظتها الشريعة عن مقامات الرياء، وجعلت الأصل فيها الإخفاء؛ ولأن حاجة البشر تقتضي أو مصلحة الفقراء أو أوجه الخير قد تقتضي إظهارا، فالشريعة من كمالها ما جعلت المعيار للنفاق هو الإظهار.

فأنت ترى أن الصلاة وهي أخص العبادات بعد التوحيد تُصلى فروضها ظاهرة، ويجتمع الناس عليها في المساجد، يرى بعضهم صلاة بعض، والجماعة مشروعة بإجماع العلماء وإن اختلفوا في حكمها التكليفي من حيث الدرجة، فهذه المقامات واسعة في العبودية وفي الحقائق الإلهية،

وكيف شرع النسك كما قال الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ ) [الحج: ٣٤] فكيف يتحقق هذا المقام في المناسك التي هي شعائر الله ؟

ولذلك حتى فيما يفعلونه ويأكلونه في سياق نسكهم، وهو المهدي هم إنما يفعلونه تقوى الله قبل أن يكون طعاما لهم، ولذلك أمر الله بإطعام الجائع القانع والمعتر، وقد قال سبحانه:( لَن يَنَالَ الله لحومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم )[الحج: ۳۷] فهذه مقامات الإخلاص ومقامات العبودية مقامات شريفة.

وقد خاض فيها من سلف الإشارة إليهم من أنواع العلماء، وإن كان بعض الخائضين قد يعرض له شيء من المخالفة، لكن إذا عرض له شيء من المخالفة لا يلزم أن تكون جميع حاله مخالفة؛ كالحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله، فهو من أهل العلم بهذا الفقه، وإن كان له كلام يترك، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينتقي من كلامه وأحواله شيئًا،

ولكنه يستحسن له بعض الأحوال، وهذا من علم الإمام أحمد وإنصافه وورعه وفقهه، وإن كان الحارث بن أسد له كلام في موارد الإلهيات والصفات تابع فيه طريقة ابن كلاب، هذا مقام مختلف أي لا يوافق عليه لكنه في مادة أو في باب آخر.

وكالجنيد بن محمد مثلا، ومن المتأخرين كأبي حامد الغزالي، فإن أبا حامد ممن عني بهذا العلم حتى أقبل عليه كثيرا، وإن كان - أعني أبا حامد - قد اضطربت حاله فيه، وقد أشار إلى اضطراب حاله - رحمه الله - في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال) وهي رسالة معروفة لأبي حامد، ذكر فيها أحواله التي مر بها.

ولما كان لم يجد في طريقة المتكلمين التي نشأ فيها ما هو من الموصل للحقائق العبادية، والحقائق هذا العلم الشريف الذي نشير إليه؛ لأن علم الكلام علم محدث، انصرف إلى ما سماء بهذه الطريقة ، وإن كان تصوّفه ليس طارئا عليه ، لكنه تقلب في أوجه التصوف كثيرا، فصار مرة يقول من كلام الصوفية ما يوافق مقتصديهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق متوسطيهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق كلام من شذ منهم.

ولذلك صار في كتبه مقامات ودرجات، وبعض رسائل أبي حامد بالغة الخطأ، كبعض الرسائل التي كتبها في التصوف كمشكاة الأنوار، وجواهر القرآن فهذه فيها تصوف بعيد عن أثر السنة.

وفي كلام أبي حامد ولاسيما في كتابه ( إحياء علوم الدين )كلام حسن مقتصد في السلوك، وإن كان فيه أغلاط، ولكن الغالب على هذا الكتاب أن المادة فيه مادة مناسبة، أكثره مادة مناسبة لكن فيه أغلاط بل أغلاط شديدة،

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سئل عن كتاب ( إحياء علوم الدين ) ،

قال ابن تيمية: "أما الإحياء فغاليه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة مادة من تزهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية".

هذه ثلاث مواد خالطت كتاب الإحياء لأبي حامد، فله فيه مقامات حسنة، وفيه مقامات لا يتابع عليها بل غلط فيها غلطا بينا.

أما الأحاديث الموضوعة فلأنه لم يكن مقبلا إقبالا واسعا على دراسة علم الحديث ولا سبها من جهة الرواية، وقد ذكر هو هذا عن نفسه في بعض كلامه،

وإن كان هذا لا يعني جهل أبي حامد بالسنة، لكنه ليس من المقبلين على علم الرواية كالحفاظ الذين لهم عناية واسعة بعلم الرواية،

وإلا هو فقيه كبير من كبار الفقهاء ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي، وأصولي متين ولاسيما في مذهب الشافعية وفي نظام علم الأصول ونظرياته، كتب فيه كتبا من أخصها كتاب(المستصفى)، وله علوم أخرى.

وكذلك مادة من تزهات الصوفية لأنه أتى على بعض كلام الصوفية المنحرف وعلى طائفة من أوهامهم فدرج عليها أبوحامد وتأول لها، وصحح لها مشارع، وهو بديع في صناعة المشارع للطرق التي يتكلم عنها.

وله مادة ثالثة كما يشير شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:- ومادة فلسفية- مع أنك تعلم أن أبا حامد من أخص من رد على الفلسفة، وله في ذلك كتب ومن أخصها كتاب (التهافت)،

ولكن أبا حامد لما درس الفلسفة وأقبل عليها وقرأ كتب الحسين بن عبد الله بن سينا بالذات تأثر بفلسفة ابن سينا مع أنه يطعن عليه كثيرا، ويختلف معه كثيرا،

لكن لما كان ابن سينا إشراقيا في فلسفته، فيضيا في فلسفته، عرفانيا في فلسفته وهذه تناسب مزاج أبي حامد من حيث الطريقة، تأثر بفلسفة ابن سينا ولا سيما في كتابه المطول كتاب (الشفاء).

-ولهذا قيل بأن أبا حامد أمرضَه الشفاء أي كتاب (الشفاء) لابن سينا، ولكن لا يعني هذا أنه موافق لابن سينا، أو أنه قريب من مذهبه في التصوف أو في الفلسفة، هو ليس كذلك، وابن سينا مسافة بعيدة عن أبي حامد؛ أبو حامد له علم في الشريعة، وإجلال لها، وله مقامات في التحقيق معروفة وغير ذلك،

-أما ابن سينا فهو فيلسوف كما يُعرف بعيد عن هذا المناط وعن هذه الرتبة، وله ضلالات بالغة في مسائل العبادة والإلهيات كتبها في كتبه الفلسفية التي عرف طائفة منها،وفقد طائفة منها، ومنها كتاب (الإشارات) و (التنبيهات) وكتاب (التعليقات) وغيرها،

فليس هناك مقارنة بين الرجلين البتة، ولكن المقصود أن كتاب( إحياء علوم الدين) فيه مقامات حسنة، وفيه ضلالات أخطأ فيها أبو حامد، عفا الله عنا وعنه.

النتيجة من هذا:

أن هذا العلم خاض فيه خلق، ولكن من حسن ما يُوصى به من الرسائل العلمية هي رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - ولا سيما ( التحفة العراقية)، ورسالة (العبودية).

وابن القيم كذلك له بعض المقامات، وإن كانت درجة التحقيق عند شيخ الإسلام أبلغ.

أيضًا من العارفين في هذا المقام والفضلاء فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو محقق بالغ التحقيق في مثل هذه المسائل.

ولا بن الجوزي كلام، ولكن ينتاب كلام ابن الجوزي ما ينتابه، ولأبي حامد كلام ولكن انتاب كلام أبي حامد ما ينتابه، ولكن حينما يقال : ينتابه، فمن كان على درجة من العلم والتحقيق استفاد من ذلك .

كما أنك تقول: كتاب (المحلي) لابن حزم في الفقه ينتابه ما ينتابه؛ لأنه سلك فيه المسلك الظاهري المعروف الذي خالف في قواعده الجماهير، ولكن في كتاب (المحلي) جملة واسعة من التحقيقات العلمية والإشارات في الاستدلال حتى ولو لم تأخذ القول كاملا فإنك تستفيد منه أوجها من طرق الاستدلال أو الآثار التي يُعنى ابن حزم بجمعها أو بتوجيهها أو ما إلى ذلك.

فهذا لا يغلق ولكن لا يحسن للمبتدئ أن يبتدئ بكلام أبي محمد بن حزم، فكذلك في السلوك لا يحسن بالمبتدئ أن يبتدئ بكلام قد دخله ما دخله، لكن إذا صار الإنسان على مقام من رفيع العلم، وفهم السنة، وقواعد الاتباع لمنهج وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام - أصاب من كلام هؤلاء العلماء الذين هم مقتصدون


- بخلاف الغلاة؛ فالغلاة شأنهم بعيد، ولا حاجة للنظر في كتبهم البتة غلاة الصوفية أو ما إلى ذلك؛ لأنهم لا يختصون بشيء من المعاني الحسنة، بل ما عندهم معنى حسن اختصوا به،

فالمعاني الحسنة قد ذكرت في كتب أهل العلم من قبلهم، وحققت على درجة أرفع يذكرونها، فضلا عما في كتبهم من الأخطاء المخالفة للإجماع، فهذا من التوسط لأخذ الأمور.
 
عودة
أعلى