قال الشيخ الإمام رحمه الله : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرا في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل قمر بهله الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. وَمِن دُعَاء مُوسَى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ويك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ".
وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ... "...
الشرح :
-لاشك أن من أعظم مقامات العبودية؛ هو تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ، وبمسألته، وبالفقر إليه، وبالتذلل بين يديه وبأن يجعل أمره كله الله، وإلى الله سبحانه وتعالى، فيجعل عبادته الله، ويجعل أمره الله.
وحتى الأمر العادي يجعله الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده ملكوت كل شيء،
وهذا قول الخليل إبراهيم عليه السلام - فيما ذكره الله جل وعلا - (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸۱) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (۸۲)) [الشعراء: ۷۸]
فهنا ترى في سياق ذكر الخليل عليه الصلاة والسلام - ذكر المعاني العبادية المحضة، وذكر المعاني العادية.
وكل ذلك وكله وجعله إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل هدايته من الله، وجعل عبادته الله، كما جعل رزقه وطعامه وشرابه ومرضه وشفاءه بأمر الله وقضاءه،
قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰)) [الشعراء: ۸۰] .
والمرض بقدر الله، لكن لما كان ضعفًا في الإنسان ، لم يضف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين (۸۰)) [الشعراء: ۸۰]،
لكن لما كان الخلق كمالا وفضلا من الله على عبده - أما المرض فهو نقص في العبد وإن كان بقدر الله، وبأمر الله الكوني -
وأما الخلق فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸)) [الشعراء: ۷۸]، والطعام( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹)) [الشعراء: ۷۹]،
لكن لما كان المرض هو عارض من النقص ينتاب البشر ما أضيف إلى الله سبحانه وتعالى - مع أنه بأمر الله جل وعلا.
-ولذلك من شهد هذه الحقيقة شهد العبودية في كل شأنه حتى في أكله وشربه، ولذلك كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول:
لأن هذا أمر عادي، فمن حقق هذا المقام العادي فهو أحرى بتحقيق ما فوقه، ولذلك صار موجبا لرضا الله، ورضا الله أكبر المقامات وأشرفها، وأنت ترى أنه جعل هنا في فعل من فعل الإنسان وهو طعامه وشرابه، ولكن الموجب لرضا الله هو مقام الحمد له سبحانه ، ومقام الشكر له سبحانه .
-فمن استم مقام الشكر ومقام الحمد حمد الله في شأنه كله، وهذا هو مقتضى الإيمان بالشرع من جهة كهذا الحديث؛ (إن اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها )
وهو مقتضى الإيمان بالقدر من جهة كقول النبي - عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).
-ولهذا مقام الحمد هو من أخص مقامات العبودية، وافتتحت أجل السور، وأعظم السور في كتاب الله وهي السبع المثاني، سورة الفاتحة ابتدأت بحمد الله سبحانه
-( الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (۲)) [الفاتحة: ٢] بعد البسملة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام - بهذا المقام : بالحمد لله رب العالمين إن الحمد لله، فالحمد من أخص مقامات العبودية،
فجعل المقام الأول مقام التوبة؛ لأن التوبة هي مقدمة وهي تسليم النفس من جرائرها وموبقاتها وآثامها وسخائمها ونقصها ولهذا شرعها الله لجميع المؤمنين.
ولما خوطبوا بها خوطبوا بها بصيغة العموم المؤكدة، وإلا الخطاب كثير العموم في القرآن، بل هو الأصل في خطاب الإيمان، لكن هنا جاء العموم مؤكدًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهُ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ۳۱) فجاء التأكيد بذكر "جميعا"
ولذلك اجتمع في هذه الآية (وَتُوبُوا إِلَى الله جميعا ﴾ [النور: ۳۱)؛ اجتمع فيها عدد من مقتضيات العموم.
فذكر الله مقام التائبون، وبعده العابدون، وإنها قدمت التوبة باعتبارها مصححة للحال، حتى يدخل العبد على طهارة، ولهذا كثر مشروعية الاستغفار بين يدي العبادة وبعدها
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...) [التوبة: ١١٢] بعد هذا المقام المجمل العام المطلق وهو مقام العبادة - لأنه مقام جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة العبادة كما هي معروفة في الشريعة - ذكر المقام أو الوصف بقوله: (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) [التوبة : ١١٢]
فهذا الثالث؛ فيه ذكر لأخص مقامات العبودية، وأن أخص مقامات العبودية هو مقام الحمد.
-والحمد فقه وعلم ونور وبصيرة في قلب العبد، والصلاة من حمد الله، والصيام من حمد الله، والحج من حمد الله، فمن وجد في هذه العبادات مقام الحمد ، فقد حقق هذه العبادات على وجهها المنيف.
-وعن هذا كان أخص ما يتفاضل به الأولياء ليس هي كثرة النوافل كما يتوهم، ليس أخص ما يتفاضل به في ولاية الله كثرة النوافل وإن كان مقامها معتبرا في الشريعة،
ولكن أخص ما يتفاضل به الأولياء في ولايتهم هو تحقيقهم لمقام العبودية على وجهه الأكمل والأتم الذي يُرضي الله.
وهذا فقه كلمة الحسن البصري - وهو من سادات الفقهاء والعلماء كما أنه من البصراء في العبادة وفي فقه العبادة وسلوكها؛ لأن العبادة لها فقه، وكما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام وفقهها وتحريرها وأوجهها، يتفاضل العباد في فقه العبادة، وليست العبادة كثرة محضة، وإن كان العمل محمودا بكثرته إذا كان صالحا بمعنى تكراره
، لهذا أثني إلى التكرار الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لم بينهما والتكرار الذي يوافق ويلاقي الشريعة محمود.
لكن فوق هذا المعنى معنى يخفى على بعض الناس فيظن أن المفاضلة أو التحقيق هو في العدد فحسب ، وهذا ليس كذلك، ولكنه في المقام الأخص.
وعن هذا كما قلت هذا هو - فقه كلمة الحسن البصري رحمه الله - لما قال: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة"؛ فإنك تعلم أن أبا بكر الصديق هو أفضل هذه الأمة لصريح الأدلة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة على فضل أبي بكر -رضي الله عنه ، وهذا متواتر في السنة للرسول عليه الصلاة والسلام - وفي كلام الرسول من الأوجه الكثيرة الدالة على فضل أبي بكر، وها متفق عليه بين الصحابة رضي الله عنهم .
وتعلم أن أبا بكر لم يكن السبب المقدم هو مسألة الكثرة، وإن كان هذا لا يعني أن أبا بكر رضي الله عنه - لم يكن كثير التبتل، فهو من أئمة التبتل والعبادة، ولا يجوز الإنسان أصلا أن يقول كان يصلي كذا أو يصلي كذالأن صلاته فيها بينه وبين الله،
ما كان الصحابة يُظهرون أعمالهم أو يسمون للناس أعمالهم، وإنما كانوا يستخفون فيما شرع فيه الاستخفاء من العبادة.
الشاهد هنا: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه - حقق مقام الفعل، وحقق مقام العلم، والعمل القلبي وهذا هو فقه الإيمان،
ألسنا نقول بأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل واعتقاد؟، ويقولون هو : قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح كما هي الجملة التي جاءت عند أكثر أئمة السلف، قول وعمل،
وقال بعضهم قول وعمل واعتقاد، لكن جمهور السلف الذين نقل عنهم بالإيمان كلام لما ظهرت البدع، قالوا: الإيمان قول وعمل.
قد يقول قائل : أين الاعتقاد؟
نقول: قول؛ أرادوا قول القلب وقول اللسان، وعمل أرادوا عمل القلب وعمل الجوارح.
-فمن غلب عليه مقام العمل في الجوارح، ولم يُدرك عمل القلب فاته من الإيمان ما فاته، وهذا الذي يعرض لكثير من العامة وبعض المتعبدة، أنهم يعتبرون مقام الولاية أو العبودية بكثرة الأعمال، وهذا مقام في أصله شريف، لكنه أحد المقامات، ولا يصيب التحقيق صاحبه إلا إذا عرف المقصود من هذه الأعمال، فوجد مقام أو حقق مقام الحمد في صلاته ومقام الحمد في صيامه، ومقام الحمد في صدقته وفي بذله.
-ولذلك تجد أن الشريعة إذا شرعت أمرًا حتى في باب النفقات تغلق هذا الباب عما ينافي مقام الحمد لله (ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى ) [البقرة: ٢٦٢]
لأنه إن خالطه من أو خالطه أذى ولو بحركة أو تصرف فإن هذا ينافي مقام الحمد الله سبحانه .
وإنها المتصدق حقا هو الذي يتصدق وهو يعلم ويرى ويجد أن هذه الصدقة هي من فضل الله عليه، فمن عرف لهذه العبادات حقها وجد أثارها الشرعية
وقامت فيه أثارها الشرعية التي قال فيها الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري: «الصلاة نور».
لكن هل هذا النور درجته في كل الناس وفي كل المصلين سواء ؟ الجواب: ليس كذلك.
الصلاة نور والصدقة برهان؟ هل هذا البرهان يكون لسائر المتصدقين بدرجة واحدة ؟ الجواب: لا.
وهكذا في مقامات العبادات، فالعبودية لها فقه، ولها علم، ولها قواعد، والشريعة جاءت بهذا العلم، ويقواعد العبادة، ومحبة الله، والتعلق بالله، والاستعانة بالله، فليست الشريعة أحكاما فيها الواجب وفيها المستحب فقط.
الشريعة فيها التشريعات ، لكن فيها مقام العبودية، وكما فيها الأحكام التي تخاطب العقول فيها الأحكام التي تخاطب النفوس، ولهذا هذا من ركن الشريعة ومقامها.
ولهذا العمل إذا خلا منه لم يكن عملا صالحا، إذا خلا من عمل القلب فعمل الجوارح المحض ليس عملاً صالحا، إذا لم لا يسمى فعله عبادة، أليس كذلك؟
يُصاحبه تصديق ولا عمل في القلب لم يكن هذا من الأعمال الصالحة، ولذلك الذي يفعل الفعل العبادي على وجه عادي
فالذي يبحث عن مفقود له أو عن صاحب له بين الطائفين، وهو لا يريد بذلك الطواف بالبيت، وإنما يريد أن يجد صاحبه، لا يسمى فعله هذا ماذا ؟ طوافا ولا يسقط به ركن في حج أو عمرة.
-وكذلك الذي يفعله لغير وجه الله؛ فأنت تعلم أن المنافقين يصلون، ولكن صلاتهم هذه ليست عبادة ، مع أنها في ظاهرها يأتون بظاهر الصلاة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام- والمسلمين، لكن الله - سبحانه - سماهم منافقين، لأنهم ظاهر لا باطن لهم في الإيمان، وإنما باطنهم الضلال وعدم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى.
-فالمقصود أن هذا علم منيف شريف، وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين، ولكن كما نعلم أن علم الفقه مثلا فيه محققون، وفيه مقلدون، فكذلك هذا العلم فيه محققون، وفيه مقلدون، وفيه متوهمون .
كبعض من خاض في هذا العلم بطرق مبتدعة أو متكلفة،
ويُقابلهم في ذلك من أراد، - وهذا هو الذي يخاف على بعض القاصدين للسنة، ويحسن أن يتقوه
- فإن بعض القاصدين للسنة والاتباع يريد أن يُغلق بعض الطرق كطرق التصوف مثلا أو ما هو منها فيقع في مادة من الجفاء في فقه العبادة لجهله وقلة علمه وفقه بفقه العبودية ،
فيتوهم أن مثل هذه المعاني هي من معاني التصوف وهي ليست كذلك.
-وتأمل في سياق الدلالات، إذا كان الآن في باب الأمر والنهي نأخذ من الأمر والنهي في تشريع الأحكام بحسب دلالات الخطاب التي رتبت في علم أصول الفقه المعرفة أحكام الشريعة، هنالك دلالة النص، وهناك دلالة الظاهر، وما دون ذلك، ، والمنطوق، والمفهوم، ومفهوم الموافقة، والمخالفة إلى آخره من أنواع الدلالات، أو العام، أو الخاص، أو المطلق، والمقيد إلى آخره.
كذلك في الفقه العبادي المعني هنا بهذه الرسالة دلالات الأسماء والأفعال التي ذكرت في القرآن، مثل:
الخاشعين؛ كلمة الخاشعين التي جاءت اسم فاعل، أو يأتي بصيغة الفعل مثل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لذكر الله )(الحديد : ۱۷] ما قال هنا أن تستجيب، أو أعطاهم الأمر الذي يقع في الأمر التشريعي المحض،
هنا جاء الفعل فعلا قلبيا له فقهه، وله معناه الخاص( الم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) [الحديد: ١٧ ] لم يقل : أن يسمعوا وإنما قال: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: ١٧].
هنا الخشوع، الإخبات، ما معنى الإخبات؟ وما الفرق بين الإخبات وبين الخشوع ؟
الحمد الحامدون، ما معنى الحمد؟ مقام الحامدين ما هو ؟
لأن هذه ذكرها الله مقامات حتى للرسل( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا ﴾ [النحل : ۱۲۰]؛ ما معنى مقام القنوت الله ؟
وكما تتفقه وتتدبر القرآن في معرفة أحكام الأمر والنهي ، يجب من باب أولى أن نتدبر القرآن في فهم مقامات العبودية، ماهو المعنى الذي ذكره ؟ أو ما فقه هذه الآية؟
إذا كنت تقف عند قوله - جل ذكره - : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]لنفقه منها حكم الفطر في السفر وحال المريض وأنه يقضي إلى غير ذلك، وهذا من علم القرآن وشريعة الإسلام، فالعلم فيه ركن من أركان الإسلام.
لكن كذلك الآيات التي فيها مقام العبودية لله لها فقه، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (۱۲۰) شَاكِرًا لأنعمه ﴾ [النحل : ۱۲۰ - ۱۲۱]
ما هو مقام القنوت الذي وصف به إبراهيم؟ وما هو مقام الشكر الذي وصف به إبراهيم ؟
في ذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام - (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [مريم: ٥٤] ، مقام صادق الوعد .
(وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: (۷۳)، وفي مثل قول الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)[الأنبياء: ٩٠).
آيات فقه العبودية مع الأسف هنالك تقصير كثير في فقهها، وهذا من الجهل الذي مر في القرون المتأخرة حتى استطار، ولما كان كذلك أصبحت المراجعة فيه صعبة، وقد يفوت إقناعها حتى على بعض من له مقام في العلم.
ولهذا إذا أقبل الطالب على طلب العلم أول ما يتبادر إليه في طلب العلم أن يعرف الأحكام الحلال، وأن هذه المسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة ومالك، وهذا البيع صحيح في مذهب أحمد باطل في مذهب الشافعي، وأن بيع العربون من مفردات المذهب، وهذا لاشك أنه من علم الشريعة.
لكن تجد أنه في جانب علم العبودية وفقهها ما هو من العلم الذي يتبصر فيه، وإذا أقبل الإنسان فيه على مقام أقبل على مقام العدد. ما معنى أقبل على مقام العدد ؟
أقبل على مقام العدد بأنه يحافظ على عدد من الركعات، وعدد من الصيام النوافل؛ فيجد أن نفسه قد حققت هذا المقام؛ لأنه لا يكتفي بصوم رمضان، وإنما يصوم من النافلة ما يصوم كثلاثة أيام من كل شهر، أو الإثنين، أو ما إلى ذلك، مما ورد فيه فضل إما مجمع عليه، أو على رأي طائفة كأيام البيض وتخصيصها إلى غير ذلك، أو يحافظ على سنن من الصلاة أو قدر من ذلك.
لاشك أن هذه عبودية الله، لكن هل تحديد مقام العبودية بها وحدها أو هذا المقام له علم وله فقه ؟
-فكما تقبل على مقام العدد، فيجب أن تقبل على مقام العلم، وعلى مقام الخشوع، وعلى مقام الإخبات الله، وعلى مقام الاستعانة بالله.
ولا سيما أن الاستعانة يتوهم أحيانًا أنها في الأمر الكوني ، وليست في الأمر العبادي؛ كقضاء الحاجات، وهذا ليس صحيحا بل الاستعانة بالله تكون في الأمر الكوني، وتكون في الأمر العبادي، فإن الذي هداك للصلاة وفعلها وللصيام وفعله هو الذي رزقك، وهو الذي نجاك، وهو الذي حفظك إلى غير ذلك.
ولهذا قال الله في أعظم سورة في كتابه - ومهما نظر الناظرون والعلماء والفقهاء والبصراء والمكاشفون في فقه هذه السورة الشريفة؛ سورة الفاتحة، فإنهم لن يأتوا على تمام مقتضياتها، ودلالاتها، وإشاراتها الشريفة في العلم والعبودية وما إلى ذلك
- فأنت ترى أن الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥] فهنالك اقتران بين مقام العبودية ومقام الاستعانة، هذا مقام الكثرة أو مقام العدد قد يفوت معهم،
بمعنى : بعض الناس يقبل على مسألة العدد، ولكنه لا يشهد مقام الاستعانة، ويكون عبد من عباد الله دونه في العدد،
ولكنه أعظم مقام عند الله - سبحانه وتعالى-، لم؟ لأنه على مقام من تحقيق الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى.
-ولهذا كما تعلم في الشريعة أن العمل مقصود ، فعند علماء السنة العمل ركن في الإيمان؛ لأنه أصلا لا يوجد عمل مجرد ويكون إيمانا، فالعمل إذا تجرد لم يمكن أن يكون إيمانًا.
-ولهذا قول المرجئة خطأ في العقل والنقل، لما يقولون الإيمان هو التصديق، ثم يقولون: والعمل ليس من الإيمان، هذا خطأ في العقل مخالف لدليل العقل قبل أن يكون مخالفًا لدليل الشرع، فهذا مخالف للعقل والنقل؛ لأنه لا يوجد في نفس الأمر عمل مجرد ومعية مجردة مستقلة تسمى شريعة وعبادة يقبلها الله - سبحانه وتعالى.
-والشاهد: أن هذا العلم علم كثير وبالغ ودقيق، وقد خاض فيه خلق من الباحثين والبصراء والمكاشفين وكلهم من علماء الإسلام، يرومون تحقيق هذا المقام لكن فاتهم، أو فات طائفة منهم قدرًا من تحقيقه،
وهذا الفوات من أخص أسبابه عدم العلم بالسنة، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بفقه القرآن في هذا المقام، هذا يعرض وهذا يعرض،
الأول يعرض لبعض المتصوفة، والثاني يعرض لبعض المنتسبين للسنة ممن لم يفقه هذا المقام على وجهه ولا سيما إذا كان قليل المادة العلمية في فقه هذا الباب ومحاذرًا للبدعة، فربما صارت محاذرته هذه تباعده عن موارد من المعاني الصحيحة توهما أنها قد تقوده إلى وجه من التصوف.
فالتصوف منهج ضل فيه من ضل، وزل فيه من زل، وأخطأ فيه من أخطأ، ونسب لبعض العباد والصالحين وهم منهم براء لم ينتسبوا إليه، وقال به بعض الصالحين والعباد وتسموا به، فيكون هذا القدر مراجعا في شأنهم.
وإن كان الغالب على حالهم أنها حال صحيحة، وعبادة مستقيمة، وهؤلاء من يسميهم المصنف أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - (صوفية أهل الحديث)، أو يسميهم في بعض المقامات (مقتصدة الصوفية)، أو (فضلاء الصوفية).
فيهم من زاد عن ذلك، وفيهم من غلا وضل ضلالاً مبيناً كغلاة الصوفية أهل وحدة الوجود ونحوها كصاحب الفصوص، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، وابن سبعين وأمثال هؤلاء، فهؤلاء غلاة معرفون، وتصوفهم فلسفة ليس تعبدا مجتهدا في تحصيله بالطرق الشرعية ، والطرق النفسية البسيطة، وإنما هي طرق نفسية مركبة ومبنية على فلسفة.
فوحدة الوجود نظرية فلسفية قديمة، وتكلم عنها كثير من الفلاسفة المعارضين لها؛ كأرسطو طاليس من الفلاسفة العقليين المناوئين لهذه الفلسفة، لما صار بعض أهل الأقاليم في غير اليونان يقولون بهذه الفلسفة، وصار السائد إذ ذاك في اليونان هي الفلسفة العقلية، ولاسيما لما تيممت بأرسطو طاليس صاحب التعاليم المعروفة.
وكان قبله جانب من الروحانيات والميل إليها في الفلسفة التي كان عليها أفلاطون من قبله، ولم تكن الفلسفة عند أفلاطون بمثل المعنى التي تقول فلسفة وحدة الوجود ، التي لم تكن من صنع اليونان أصلا، وإنما من صنع أقاليم بعيدة عن بلادهم، ولكن كان فلاسفتهم وبالذات من هم من أهل الأقيسة العقلية كأرسطو لهم رد معروف عليها.
والمقصود هنا؛ أن علم العبادة علم له قواعد، وبعض العلماء الفضلاء - رحمهم الله - عنوا بهذا العلم، ومن أخص من عني به المصنف - رحمه الله - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو من المحققين في ترتيب هذا العلم، وله فيه جملة رسائل منها
هذه الرسالة ( رسالة العبودية )، ومنها رسالة في مجموع فتاواه موجودة تسمى ( التحفة العراقية ) وله رسائل أخرى، وهو من أخص المحققين لفقه هذا العلم، ولغيره من العلماء من قبله ومن بعده لاشك.
ولابن القيم رحمه الله - كذلك عرض أوسع في هذا العلم، وإن كان فقهه له ليس بدرجة فقه شيخ الإسلام له.
وهذا كما قلت؛ كما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام الفقهية يتفاضلون في هذا العلم كذلك، وليس التفاضل - بعض الناس من سذاجته يظن أن التفاضل في التطبيق، وأنه علم بدهي،
وإنما التفاضل - في الإقبال عليه أو عدم الإقبال عليه، هذا جهل فهو علم بالله سبحانه وتعالى، وكيف أن العلم يُورث الخشية لله
كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العلماء) [فاطر: ۲۸]
وكيف ترى نور الشريعة كما قال النبي: الصلاة نور»، وكيف ترى البرهان في الصدقة ؟ كيف تكون الصدقة برهانا ؟
ولذلك حفظتها الشريعة عن مقامات الرياء، وجعلت الأصل فيها الإخفاء؛ ولأن حاجة البشر تقتضي أو مصلحة الفقراء أو أوجه الخير قد تقتضي إظهارا، فالشريعة من كمالها ما جعلت المعيار للنفاق هو الإظهار.
فأنت ترى أن الصلاة وهي أخص العبادات بعد التوحيد تُصلى فروضها ظاهرة، ويجتمع الناس عليها في المساجد، يرى بعضهم صلاة بعض، والجماعة مشروعة بإجماع العلماء وإن اختلفوا في حكمها التكليفي من حيث الدرجة، فهذه المقامات واسعة في العبودية وفي الحقائق الإلهية،
وكيف شرع النسك كما قال الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ ) [الحج: ٣٤] فكيف يتحقق هذا المقام في المناسك التي هي شعائر الله ؟
ولذلك حتى فيما يفعلونه ويأكلونه في سياق نسكهم، وهو المهدي هم إنما يفعلونه تقوى الله قبل أن يكون طعاما لهم، ولذلك أمر الله بإطعام الجائع القانع والمعتر، وقد قال سبحانه:( لَن يَنَالَ الله لحومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم )[الحج: ۳۷] فهذه مقامات الإخلاص ومقامات العبودية مقامات شريفة.
وقد خاض فيها من سلف الإشارة إليهم من أنواع العلماء، وإن كان بعض الخائضين قد يعرض له شيء من المخالفة، لكن إذا عرض له شيء من المخالفة لا يلزم أن تكون جميع حاله مخالفة؛ كالحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله، فهو من أهل العلم بهذا الفقه، وإن كان له كلام يترك، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينتقي من كلامه وأحواله شيئًا،
ولكنه يستحسن له بعض الأحوال، وهذا من علم الإمام أحمد وإنصافه وورعه وفقهه، وإن كان الحارث بن أسد له كلام في موارد الإلهيات والصفات تابع فيه طريقة ابن كلاب، هذا مقام مختلف أي لا يوافق عليه لكنه في مادة أو في باب آخر.
وكالجنيد بن محمد مثلا، ومن المتأخرين كأبي حامد الغزالي، فإن أبا حامد ممن عني بهذا العلم حتى أقبل عليه كثيرا، وإن كان - أعني أبا حامد - قد اضطربت حاله فيه، وقد أشار إلى اضطراب حاله - رحمه الله - في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال) وهي رسالة معروفة لأبي حامد، ذكر فيها أحواله التي مر بها.
ولما كان لم يجد في طريقة المتكلمين التي نشأ فيها ما هو من الموصل للحقائق العبادية، والحقائق هذا العلم الشريف الذي نشير إليه؛ لأن علم الكلام علم محدث، انصرف إلى ما سماء بهذه الطريقة ، وإن كان تصوّفه ليس طارئا عليه ، لكنه تقلب في أوجه التصوف كثيرا، فصار مرة يقول من كلام الصوفية ما يوافق مقتصديهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق متوسطيهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق كلام من شذ منهم.
ولذلك صار في كتبه مقامات ودرجات، وبعض رسائل أبي حامد بالغة الخطأ، كبعض الرسائل التي كتبها في التصوف كمشكاة الأنوار، وجواهر القرآن فهذه فيها تصوف بعيد عن أثر السنة.
وفي كلام أبي حامد ولاسيما في كتابه ( إحياء علوم الدين )كلام حسن مقتصد في السلوك، وإن كان فيه أغلاط، ولكن الغالب على هذا الكتاب أن المادة فيه مادة مناسبة، أكثره مادة مناسبة لكن فيه أغلاط بل أغلاط شديدة،
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سئل عن كتاب ( إحياء علوم الدين ) ،
قال ابن تيمية: "أما الإحياء فغاليه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة مادة من تزهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية".
هذه ثلاث مواد خالطت كتاب الإحياء لأبي حامد، فله فيه مقامات حسنة، وفيه مقامات لا يتابع عليها بل غلط فيها غلطا بينا.
أما الأحاديث الموضوعة فلأنه لم يكن مقبلا إقبالا واسعا على دراسة علم الحديث ولا سبها من جهة الرواية، وقد ذكر هو هذا عن نفسه في بعض كلامه،
وإن كان هذا لا يعني جهل أبي حامد بالسنة، لكنه ليس من المقبلين على علم الرواية كالحفاظ الذين لهم عناية واسعة بعلم الرواية،
وإلا هو فقيه كبير من كبار الفقهاء ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي، وأصولي متين ولاسيما في مذهب الشافعية وفي نظام علم الأصول ونظرياته، كتب فيه كتبا من أخصها كتاب(المستصفى)، وله علوم أخرى.
وكذلك مادة من تزهات الصوفية لأنه أتى على بعض كلام الصوفية المنحرف وعلى طائفة من أوهامهم فدرج عليها أبوحامد وتأول لها، وصحح لها مشارع، وهو بديع في صناعة المشارع للطرق التي يتكلم عنها.
وله مادة ثالثة كما يشير شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:- ومادة فلسفية- مع أنك تعلم أن أبا حامد من أخص من رد على الفلسفة، وله في ذلك كتب ومن أخصها كتاب (التهافت)،
ولكن أبا حامد لما درس الفلسفة وأقبل عليها وقرأ كتب الحسين بن عبد الله بن سينا بالذات تأثر بفلسفة ابن سينا مع أنه يطعن عليه كثيرا، ويختلف معه كثيرا،
لكن لما كان ابن سينا إشراقيا في فلسفته، فيضيا في فلسفته، عرفانيا في فلسفته وهذه تناسب مزاج أبي حامد من حيث الطريقة، تأثر بفلسفة ابن سينا ولا سيما في كتابه المطول كتاب (الشفاء).
-ولهذا قيل بأن أبا حامد أمرضَه الشفاء أي كتاب (الشفاء) لابن سينا، ولكن لا يعني هذا أنه موافق لابن سينا، أو أنه قريب من مذهبه في التصوف أو في الفلسفة، هو ليس كذلك، وابن سينا مسافة بعيدة عن أبي حامد؛ أبو حامد له علم في الشريعة، وإجلال لها، وله مقامات في التحقيق معروفة وغير ذلك،
-أما ابن سينا فهو فيلسوف كما يُعرف بعيد عن هذا المناط وعن هذه الرتبة، وله ضلالات بالغة في مسائل العبادة والإلهيات كتبها في كتبه الفلسفية التي عرف طائفة منها،وفقد طائفة منها، ومنها كتاب (الإشارات) و (التنبيهات) وكتاب (التعليقات) وغيرها،
فليس هناك مقارنة بين الرجلين البتة، ولكن المقصود أن كتاب( إحياء علوم الدين) فيه مقامات حسنة، وفيه ضلالات أخطأ فيها أبو حامد، عفا الله عنا وعنه.
النتيجة من هذا:
أن هذا العلم خاض فيه خلق، ولكن من حسن ما يُوصى به من الرسائل العلمية هي رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - ولا سيما ( التحفة العراقية)، ورسالة (العبودية).
وابن القيم كذلك له بعض المقامات، وإن كانت درجة التحقيق عند شيخ الإسلام أبلغ.
أيضًا من العارفين في هذا المقام والفضلاء فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو محقق بالغ التحقيق في مثل هذه المسائل.
ولا بن الجوزي كلام، ولكن ينتاب كلام ابن الجوزي ما ينتابه، ولأبي حامد كلام ولكن انتاب كلام أبي حامد ما ينتابه، ولكن حينما يقال : ينتابه، فمن كان على درجة من العلم والتحقيق استفاد من ذلك .
كما أنك تقول: كتاب (المحلي) لابن حزم في الفقه ينتابه ما ينتابه؛ لأنه سلك فيه المسلك الظاهري المعروف الذي خالف في قواعده الجماهير، ولكن في كتاب (المحلي) جملة واسعة من التحقيقات العلمية والإشارات في الاستدلال حتى ولو لم تأخذ القول كاملا فإنك تستفيد منه أوجها من طرق الاستدلال أو الآثار التي يُعنى ابن حزم بجمعها أو بتوجيهها أو ما إلى ذلك.
فهذا لا يغلق ولكن لا يحسن للمبتدئ أن يبتدئ بكلام أبي محمد بن حزم، فكذلك في السلوك لا يحسن بالمبتدئ أن يبتدئ بكلام قد دخله ما دخله، لكن إذا صار الإنسان على مقام من رفيع العلم، وفهم السنة، وقواعد الاتباع لمنهج وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام - أصاب من كلام هؤلاء العلماء الذين هم مقتصدون
- بخلاف الغلاة؛ فالغلاة شأنهم بعيد، ولا حاجة للنظر في كتبهم البتة غلاة الصوفية أو ما إلى ذلك؛ لأنهم لا يختصون بشيء من المعاني الحسنة، بل ما عندهم معنى حسن اختصوا به،
فالمعاني الحسنة قد ذكرت في كتب أهل العلم من قبلهم، وحققت على درجة أرفع يذكرونها، فضلا عما في كتبهم من الأخطاء المخالفة للإجماع، فهذا من التوسط لأخذ الأمور.
-ذكر المصنف - رحمه الله - هذا المعنى، وهو من شريف المعاني في طمع العبد وتعلقه بالله - سبحانه وتعالى-، وأن العبد كلما تعلق بالله - سبحانه وتعالى - وطمع قلبه في أمر الله وفي فضل الله، وفي عطاء الله - سبحانه وتعالى - بان وتحقق في قلب العبد فقره إلى ربه سبحانه وتعالى.
وهذا التعلق لا تزاحمه الأسباب بل هو واجب ومن مقامات العبادة، ومقامات الإيمان.
-والنفوس القاصرة في علمها وفقهها وعبوديتها لا تشهد هذا المقام مع قيام الأسباب، وإنما تُجمِله مع قيام الأسباب، وهذا من قلة العلم وقلة فقه العبادة،
فإن هذا المقام ينبغي أن يكون لازما للعابد في عبادته، وللعارف في معرفته، وللناسك في سيره إلى الله - سبحانه وتعالى .
-ووجود الأسباب لا يُقصِّره، وأما الذي لا يحركه مقام التعلق بالله، إلا ضعف الأسباب بين يديه، فهذه ليست حالا فاضلة، وإنما الحال الفاضلة والتي كان عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم يدعون الله رغبا ورهبا، ويدعونه في سائر أحوالهم.
ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى قالت له عائشة - رضي الله عنه -: "تتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ " فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا».
فالنفوس القاصرة في علمها وفي فقهها ومعرفتها بحقيقة مقام العبودية، يقوى عندها هذا المقام في حال ضعف الأسباب، وإن كان تعلقها بالله في حال ضعف الأسباب هو تعلق ممدوح، لكن القصور هنا أو النقص فيه وفي المقام هنا، هو أنه إذا كانت الأسباب قائمة ضعف تعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهذا الضعف الذي دخل عليه،
هذا من التوهم، ومن إعطاء الأسباب ما ليس من صفتها.
فعلى كل حال هذا معنى يعرض للنفوس وفيه تفاوت كثير، ولكن الجهل فيه كثير أيضًا.
وأنت ترى حال المشركين؛ أنهم إذا سقطت الأسباب عندهم،( دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لأن الأسباب هنا تكون أسبابا ضعيفة أو ساقطة،
ولكنهم إذا نجوا (فَلَما نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) فما يقع لبعض نفوس المسلمين ليست هي الحال التي تكون للمشركين، ولكن تُنكر حال المشركين ليميز المقال.
والذي يقع من بعض المسلمين هو التقصير، فلا يشهد تحقيق هذا المقام مع قيام الأسباب؛ توهما منه أن السبب يكون مرجحا لمقام،
ومن عرف الله وما أوجبه الله من مقامات عبوديته، عرف أن هذا المقام وهو مقام الاستعانة بالله - جل وعلا والتعلق به -سبحانه وتعالى - لا تعطله الأسباب، ولا تنقصه الأسباب.
وإن كان هذا أي تأثر هذا المقام بالأسباب واستدعاءه إذا ضعف السبب - استدعاءه إذا ضعف السبب: هذا من حيث هو صحيح، لكن الذي ليس صحيحًا هو التقصير فيه إذا قام السبب،
وإلا استدعاءه إذا ضعف السبب هذا استدعاء صحيح، والأنبياء في حال الضر دعوا ربهم سبحانه وتعالى ولذلك قال الله عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام (فَنَادَى فى الظلمات أن لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ ﴾
-لكن ما الفرق بين حال يونس عليه الصلاة والسلام - وبين الحال التي ذم الله فيها ( فإذا ركبوا في الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصين له الدين فلما نَجَاهُم إلى البر إذا هم يشركون)
أن أولئك مع قيام الأسباب معرضين عن هذا التعلق، وعن هذا الإخلاص بخلاف يونس عليه الصلاة والسلام فإنه في حال قيام الأسباب كان متعلقا بهذا المقام، وكان لازما له، ومحققا له
والدليل على أنه كان لازما له، ما هو ؟
الدليل على أنه كان لازما له: أن الله جل وعلا - قال في كتابه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) أليس قوله سبحانه - فيما ذكره عن عبده ورسوله يونس عليه الصلاة والسلام-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أنت سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) هذا الذكر من التسبيح، أليس داخلا في عموم التسبيح؟
قوله: (لا إله إلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) هذا من مقام التسبيح، أليس كذلك؟
لكن هل هذا المقام عرض ليونس، وفعله في هذا المقام العارض ؟ أم كان حالا لازمة له؟
-كانت حالا لازمة له، و الدليل عليه (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) اسم فاعل، فهي حال قائمة، بخلاف أولئك المشركين وهم ليسوا كذلك،
بل كان المشركون إذا قامت الأسباب ونجاهم الله كانوا على نقيض ذلك، فإن نقيض الإخلاص هو الشِرك.
-المسلم الذي دون ذلك، دون مقام التحقيق لا يقع منه النقيض، ولكن يقع منه التقصير، وصارت المقامات ثلاث:
1 - مقام استعمال النقيض مع قيام الأسباب، وهذه أبطل المقامات وهي مقامات المشركين، والنقيض هنا يراد به الشرك (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .
والتوحيد والإخلاص نقيضه الشرك، فهذه الحال من التناقض هي الحال الباطلة التي عليها المشركون.
2-والحال الأولى في الرتبة والشرف والتحقيق: هي حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - التي قال فيها رسول الله:( أفلا أكون عبداً شكورا )
وقال الله فيها عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فكانت حالا لازمة له.
وأتى بهذه الحال في مقامه هذه بقوله : (لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
3-وبين هذين المقامين من المقام الفاضل الواجب، والمقام الباطل المتروك يقع لبعض المسلمين وهو مقام ليس هو بحال المشركين، لكن قد فاته طريقة المحققين من العابدين، وهم أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام-
وهذه الحال كثيرة في الناس : فانهم لا يتعلقون بحق الله - جل وعلا - وبدعائه وبالاستعانة وبالتسليم، فنجد أن مقام التسليم ومقام الدعاء ومقام الاستعانة ضعيف عنده، لما؟
لأنه جعل هذه المقام إنما يستدعى بحسب الأسباب؛ فكلما قويت الأسباب، توهم أنه لا يستدعي هذا المقام، أو كانت حاله كذلك.
-ويتوهم أن هذا التعلق إنما يكون في حال الضرورة فحسب، وصحيح أن حال الضرورة لها اختصاص، أليس كذلك؟ حال الضرورة لها اختصاص من التعلق، لكن هذا اختصاص من التعلق لا يعني النقص والتقصير في الحال الأخرى، لم ؟
لأنه في الحقيقة العبادية والحقيقة الكونية: الإنسان لا يزال في حالة ضرورة، ولا يزال في حالة فقر إلى الله.
-بمعنى : أن الاستغناء توهم، فإن حال الإنسان في كل أمره فقير إلى الله، كما قال الله - جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء ) فهذه حال لازمة للإنسان.
قد يقول قائل أو يجادل مجادل: أليس إذا كان في حال الفقر وفي حال الحاجة وفي حال الضرورة، يقول: وهل الإنسان تأتي عليه أحوال لا يكون في حال الحاجة ؟ أو في حال الضرورة؟
ولكن قد تكون بعض آثار الضرورة ومشاهدة بعض آثار الضرورة، توهم أن هذا هو الضرورة وما لم يكن كذلك ليس ضرورة، كالمرض مثلا، أو كالفقر مثلا في المال، فهذه آثار الضرورة.
لكن هل الإنسان الذي هو صحيح في جسده، غني في ماله، هل يستطيع أن يحفظ نفسه ؟
لا، ولذلك قال الله - تعالى -: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ الإنسان ليس لديه ملكة الغنى، والغنى هو غنى شكلي إضافي،
وإلا الحال الفقر في حقه ، والخالق هو الغني ، والعبد هو الفقير .
الإنسان يمكن أن يكون غنيا عن غيره، وقد يكون فقيرًا يأخذ زكاة صاحبه أو قريبه، ثم يصيبه غنى ، وربما صار أغنى من ذاك الذي كان يعطيه زكاة، هذه في الأحوال البشرية والعلاقة البشرية.
لكن في حال العبد مع الله - جل وعلا - هو لا يتصور أصلا يعني الذي يقول : أليس في حال الضرورة يكون كذا وكذا؟ هذا تصور وهمي؛ لأنه ما في حالة إلا وهي حالة فقر، فلا يمر بالإنسان مع الله حالة يكون مستغنيا فيها عن الله.
فهو في كل أمره منذ ولادته إلى وفاته، هو فقير إلى الله، فالتوهم هذا توهم كاذب.
لكن إذا ظهرت الآثار فلا شك أن ظهور الآثار يستدعي مقاما من العبودية بحسب هذا المناسب؛ حتى لا يفهم الكلام فهما متضادا.
كما أن عدم ظهور الآثار، يستدعي مقاما من العبودية مناسبا، يعني كنتيجة أصبح التقصير في مقام التحقيق ليس واردا، ولكنه إذا ظهرت الآثار - آثار الضرورة صار يناسب هذه الآثار من مقام العبادة مناسب،
وإذا لم تظهر آثار الضرورة، صار يناسب هذا المقام من مقام العبادة مناسب، وهو الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله( أفلا أكون عبدًا شكورا»
فهذا المقام يناسب مقام عدم قيام الآثار.
ذاك المقام الذي ليونس - عليه الصلاة والسلام - هو المناسب لمقام الآثار.
ولهذا ما حفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مرضه كانت عبادته أبلغ ، صحيح أنه في مرضه - عليه الصلاة السلام - رقاه جبريل، ورقته عائشة، والإنسان في مرضه يسأل ربه، كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )
ودعا الأنبياء ربهم بما عرض لهم من الأسباب، ربي( أني مسني الضر ) وزكريا إذ نادى ربه هذه أحوال من الدعاء صحيحة
لكن هل كان الأنبياء في الأحوال الأخرى يقع عندهم التقصير في هذا المتعلق من مقامات العبودية؟
كلا، وحاشاهم عن ذلك، وإنما هذا يقع للنفوس الجاهلة التي تجعل المقام الأول هو مقام الأسباب، وإن كانت كثير من هذه النفوس أكثرها لا تسمي ذلك مقاماً، وإنما هي أحوال .
ففي حقيقة العبادة ومقامها الشريف، يكون العابد على درجة من التعلق بالله - جل وعلا - بحسب المقامات، فإن لكل مقام ما يناسبه.
ولهذا صارت مقامات العارفين والعابدين متنوعة، كما ذكر الله - جل وعلا - تنوعها في القرآن في مواضع من كتابه.
فما سميت مقاماتهم مقام واحد، بل كل مقام يدل على صفة، وعلى معنى، ومن المقامات المسماة في القرآن ما جاء في قوله -سبحانه وتعالى : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ حُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
وبقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانتا اللَّهُ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وفي مثل قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)
وفي مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ إلى آخره، فهذه المقامات.
-أما من جعل معياره الأسباب، وبقدر قوة الأسباب تضعف مقامات العبودية والاستعانة، والتعلق بالله بأوجه مقامات العبادة، وإذا ضعفت الأسباب استدعى مقامات العبودية، ويظن أنه على حالي من الكمال، فهذه حال ناقصة ظاهرة النقص، وليست هي حال الأنبياء.
وإن كانت الحال الباطلة هي حال المشركين الذين إذا سقطت الأسباب أو نقصت استدعوا مقام الإخلاص، ولكن إذا استقامت الأسباب ولو ظاهرا لهم، وقعوا في نقيض ذلك؛
( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصينَ لَهُ الدِّين) فصار المحرك للدين هو الأسباب (فلما نجاهم إلى البر) فظهر لهم استقامة السبب، (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ فهذه حال المشركين.
ولكن يعرض لبعض المسلمين ما ليس من حال المشركين، ولكنها من حال التقصير
-وهذا التقصير من أخص أسبابه: الجهل بمقامات العبودية، وحقيقة العبادة الله - سبحانه وتعالى- ولهذا يعرض ما هو من هذا المقام لبعض من له علم في الأمة.
من له علم: يعني أن العلم المجرد ليس هو علم الاستجابة،
علم الاستجابة: العلم الذي يوجب العمل.
-هو الإشكال في هذه المسائل: أن الناس صاروا يتعلمون الفقه ، وقصروا الفقه في الدين على فقه الأحكام، وما كان هكذا الأمر في كتاب الله لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نزال نقرأه إلى هذا اليوم بحمد الله، لا ترى أن هذا هو الفقه في كتاب الله ولا كان الفقه في هدي رسول الله، ولا كان الفقه في هدي الصحابة.
صحيح أنه مقام من الفقه، هو من أخص مقامات الفقه، لكن الفقه مقامات، وكما تفقه الأحكام، فيُعرف الحلال والحرام، وهذا من علم الشريعة والديانة المحفوظ المعروف.
-كذلك فقه تحقيق العبودية لله - سبحانه وتعالى - هذا لا بد أيضًا للمسلم ولطالب العلم خاصة أن يكون على معرفة ونقله فيه، ويتوهم بالغ التوهم من يظن أن هذه المسائل مسائل ظاهرة، أو مسائل مدركة، والحق أنها ليست كذلك، هي ظاهرة باعتبار أدلتها، وهذا الوصف تقوله في جميع الدين: أن الدين باعتبار دليله ظاهر.
لكن باعتبار التحقيق ومعرفة المناطات المؤثرة والمفصحة في أحوال العابدين والسالكين إلى الله - سبحانه وتعالى - هذا مقام يقع فيه تقصير ويقع فيه جهل ويقع فيه اضطراب من جنس التقصير والجهل والاضطراب في فهم الآراء الفقهية في مسائل فروع الشريعة.
وكما أنه في فقه الشريعة هنالك العلماء المحققون في مسائل الفقه، ففي هذا المقام من فقه العبودية كذلك.
الشرح :
هذه كلها داخلة في اسم الأسباب؛ وهي الأسباب المنفصلة ومهما اجتمعت الأسباب فإنها لا ترفع الصفة التي خلق الإنسان عليها من فقره إلى ربه، ولذلك لما أفصح قارون بأثر السبب، وأن السبب عنده رفع الصفة التي خلق الخلق عليها من الفقر إلى الله،
وقال: «إنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) [ سورة القصص : 78)، فرفع صفة الفقر عنه، لم يخسف الله به الأنه ذو مال ، - فقد يكون ذو المال من أخص المؤمنين، وقد أتى الله عبده ورسوله ونبيه داود المال، وصار ملكا، (وَلَقَدْ أَتينا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) [سبأ: 10]
وفي سادات المؤمنين وكبار الصحابة من هم من الأغنياء، فما خسف بقارون لأنه ذو مال،
[/
align]
-وقد يكون العبد كافرًا فاجرا مكذبا بدين المرسلين وهو من أقل الناس مالا ، وأدناهم فقرا، فقارون ما خُسف به لأنه ذو مال - وإنما خُسف به لأنه جعل السبب رافعا للصفة، فلما جعل السبب رافعا للصفة وهي صفة الفقر - فتكبر على الله وعلى دين الله - سبحانه وتعالى -
وفقر العبد إلى الله في التكوين وفي التشريع (أَنتُمُ الْفُقَرَاهُ إِلَى اللَّه) [فاطر: 15]
ولهذا الإنسان لا يستطيع أن يضع شرعًا له، وإذا كان هذا بديها في عبادته مع ربه، فهو حتى في معاملته مع غيره من بني آدم، فما يقدر من تشريع هنا إلا ويقع فيه من النقص والمخاطرة والقصور إلى غير ذلك.
ولذلك قال الله - جل وعلا-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)) [سورة القصص: 78] وكان جزاءه عند الله -جل وعلا : ما ذكره الله بقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: (81]
وصفة العذاب التي أصابته هي مبينة لبطلان اختصاص السبب بمعنى أنه لم يأته السبب من عدو.
ربما يقال: أنه لما قال هذا القول ما استصحب في عقله بعض الأبعاد، المنازع للسبب.
فما قدر الله أن هلاكه يكون بعدو يجتاح أمره، وإنما بمحض أمر الله المقطوع عن السبب، من جهة فعل فاعل، يسلطه الله عليه.
:1:
وإنما قال الله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: 81]
كل من رفع الصفة، وأوجب السبب، وجاءه عذاب من الله سبحانه وتعالى - أي قدر الله أن يعذبه،
وقد يرفع الصفة، ويجعل السبب موجبا، ويملي له الله - سبحانه وتعالى فإن ربنا جل وعلا - حكيم عليم، عذب قوما وأملى الآخرين.
وقال سبحانه : (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثمآ ﴾ [آل عمران: 178] ولكن من ذكر الله عذابه كقارون أو كفرعون، هم رفعوا صفة السبب في حق الله - سبحانه وتعالى - عليهم، وتركهم الإيمان بالله، والإخلاص له سبحانه وتعالى والإقرار بحقه في التدبير والملك والتأثير،
ورفع هذه الصفة التي تنازع مقام التوحيد في أصله، وترفع مقام التوحيد عند من استحكم عنده ، رفع هذه الصفة
كما كان من أمر قارون وفرعون الذي أغرقه الله هو وجنوده.
، وَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ قَلْبُهُ بِالْخُلُوقَاتِ أَنْ يَنصُرُوهُ أَوْ يَرْزُقُوهُ أَوْ أَنْ يَهْدُوهُ خَضَعَ قَلْبُه لهم، وصار فيهم من العبودية بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مديرا هم متصرفا بهم، بل العاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر،
فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له؛ يبقى قلبه أسيرا لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنها زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها،
فإن حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -
الذي هو ملك الجسم - رقيقاً، مستعبداً، متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب، و وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.)
الشرح :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو أن يرزقوه ... إلخ،
ثم تكلم المصنف -رحمه الله - عن التعلق بالمخلوقين، وذكر التعلق من قبل الرجل بالمرأة ونحو ذلك، وهذا التعلق كما تعلم على نوعين:
هنالك تعلق فطري، وتعلق طبيعي، وتعلق مباح، بل قد يكون تعلقا مشروعا كتعلق الولد بوالده محبة وبرا، ونحو ذلك، فمثل هذه الأوجه من التعلقات هي تعلقات عادية، وتعلقات فطرية، وتعلقات مباحة، قد تكون من التعلق المشروع، لكن هذا يجب أن يكون بالقدر الذي تقتضيه الفطرة، وتقتضيه العادة الصحيحة، وتقتضيه الشريعة.
فإذا كان الاتصال أو التعلق أو المصاحبة على هذه الرتب من جهة حال الفطرة، ومن جهة حال العادة الصحيحة، ومن جهة موافقة الشريعة؛ فهذا هو التعلق والمحبة الصحيحة.
ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام - محبا لزوجاته، ولأصحابه، ولأمته، ولبناته، ولآل بيته، وهكذا في سائر المؤمنين، بل هذا أمر مطرد في عموم الناس أجمعين.
وأما إذا زاد هذا التعلق، وصار فاحشا خارجا عن نظام الفطرة، وقانون العادة الصحيحة، وترتيب الشريعة القيمة؛
فهذه الأحوال إذا حصل فيها الخلل إما في درجتة أو رتبة الفطرة، أو رتبة العادة، أو في رتبة الشريعة؛ صار مما ينافي مقام العبودية.
لأنه إما أن يكون إفراطاً مشغلا عن حق الله سبحانه وتعالى، ومزاحها لما أوجب الله سبحانه وتعالى - من حقه.
وإما أن يكون تفريطاً فيكون منافيا لما شرع الله سبحانه وتعالى - من الحقوق الواجبة أو المشروعة بين الناس، ولا سيما بين درجاتهم التي لها اختصاص إما في قرابة أو دين كقوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، ونحو ذلك من الأوجه.
إذا ليس كل تعلق يكون مذموما، واسم التعلق : اسم ورتبة مشتركة بين التعلق الممدوح والتعلق المذموم.
وأما أن يتوهم أن من تحقيق العبودية قطع العلائق مع الناس أجمعين الذي تكون نتيجته وحقيقته التفريط فيها أوجب الله من صلة الأرحام، ورعاية الحقوق، وحفظ الأولاد، وبر الوالدين، والإحسان إلى الناس ونحو ذلك،
فهذا الانقطاع فيه تكلف، وليس هو من العبادة، بل هو مما ينافي مقام العبادة.
فإن الله جل وعلا الذي شرع لنا أن نخلص الدين له، وقال في كتابه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) [ البيئة: 5]
، هو الذي شرع لنا أن نصل الأرحام، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللهُ ﴾ [محمد : 22-23)
، فجعل أهل القطيعة لصلة الرحم من الذين غضب الله عليهم ولعنهم، ولذلك قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، كما أن صلة الرحم من الواجبات وأعظم القربات،
ومثله في الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، فالرب حقه العبادة، والمخلوق حقه الإحسان، وأخص المخلوقين في حق الإحسان هم الوالد والولد من جهة الوالد، الوالد من جهة ما يكون له.
أما الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ فحقهم أعظم من حق الوالدين، ومن حق الولد، وهو إيمان المكلف بهم، ومحبتهم، ونصرتهم، وتوفيرهم إلى غير ذلك من حقوق الرسل والأنبياء التي هي أعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه وتعالى.
المقصود أن هذه الآية قال الله فيها : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23]،
فاسم التعلق، أو رتبة التعلق هي رتبة مشتركة، ولكن صار في كثير من كلام العارفين يقصدون بالتعلق الذي هو الإطباق، وإذا كان التعلق على معنى الإطباق والانصراف؛ فلا شك أن هذا يكون منافيا للشريعة،
ومن هنا أشار المصنف إلى المثل في مسألة أنه يكون أسيرًا وما إلى ذلك، وإنما يقال إنما صار أسيرًا في قلبه إذا استتمت هذا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى.
ولهذا لم يكن هذا من الحكمة العقلية، ولا من الشريعة، ولا من مقتضى الفطرة الصحيحة، وإنما تكون الذي شرعه الله على الدرجة المعتدلة.
( وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله، وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك.)
الشرح :
هذا جاء في الصحيحين أن له أجرين، في حديث أبي موسى: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين»، وذكر منهم: «عبد مملوك أدى حق الله عليه، وحق سيده؛ فله أجران.
قال الشيخ رحمه الله
((ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك . لقول الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهُ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.))
الشرح :
لم يرد المصنف رحمه الله - أن يغلق هذه الصلة بين المخلوقين، لأنها أنواع، كما سبق، منها المشروعات ومنها الواجبات بقدرها الشرعي المعتدل، وإنما أراد - رحمه الله - أن ينبه إلى أن القلب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) وأن القلب - يجب أن يصان عما يزاحم مقام الفراغ والتعلق
أي : فراغ القلب بألا يكون القلب مشغولا، فتطبق عليه محبة الدنيا، أو محبة الولد، أو محبة الوالد، أو محبة العمل، أو محبة أي محبة من المحبات على هذا الإطباق الذي ينسيه ما ينسيه من حق الله وذكره.
ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من مقام الصلة في قرابته، ومع أزواجه وبناته، وآل بيته وأصحابه، وأمته، ومع من يأتيه، وكان رحيما رفقا رفيقا كما جاء في حديث مالك بن الحويرث وغيره، ولكنه مع ذلك كان قلبه عامرا بذكر الله سبحانه وتعالى.
وكذلك إبراهيم مع نظر نفسه إلى أبيه حتى إنه يسأل ربه نجاة أبيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في (صحيحه) في قول النبي صلى الله عليه وسلم: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، فيقول إبراهيم يا رب ألم تعدنى ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخرى من أبي الأبعد وهناك آزر يأتي إلى ابنه إبراهيم، وإلى خليل الله إبراهيم، فيقول اليوم لا أعصيك)، أي إنه يتبع، ولكن قد فات الأمر، فيقول إبراهيم: « يا رب ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خري أخرى من أبي الأبعد»،
فيقال انظر إلى ما بين يديك، فيقلب الله صورته ذيخًا، ولا يكون على صورة الآدمي.
الشاهد أن هذه النفس من بر إبراهيم، من صدقه، ومن إخلاصه في شأن أبيه، وهذا صدق يناسب الإنسان ليكون صادقاً معه، كقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩]،
أي من الصادقين مع الله، ومن الصادقين مع الخلق، فالصدق يضاف إليه مقام الخالق عبادة، وهو معاملة بين الناس، فيقال صدق وكذب.
الشاهد هنا أن أولئك الرسل والأنبياء هم على هذه الدرجة من فاضل الصلة والعلاقة، وكذلك نبينا مع عمه أبي طالب أنه كان مشركا، لكن نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، وما هو عليه من الرحمة حرص على دعوته كثيرا، ودعا ربه أن يهديه، وقال الله سبحانه وتعالى - له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
فإن الغنى غنى النفس، وهذا جاء في هذا الحديث، وهو حديث متفق على صحته في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس،))
وكذلك الفقر، وكذلك المحبة، وكذلك الحرية إلى غير ذلك من الأسماء.
( و هذا -لعمر الله - إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة - امرأة أو صبيا - فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب وهؤلاء من أعظم الناس عذابا، وأقلهم ثوابا، فإن العاشق الصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد )
الشرح :
قد يقول قائل: ما صلة هذا بمقام العبودية ؟
المصنف هنا يشير إلى بعض المناهج الغالية في مسائل السلوك، لأن بعض أصحاب الفلسفات العرفانية جعلوا هذا طريقاً للتصورات الصحيحة، ولتحقيق الصفاء، ولتحقيق العرفان، وهذا يقرره بعض من لهم مسالك في مسألة العرفان والتعبد على طرق فلسفية مبتدعة،
كما يقرر مثل هذه الطرق ليس بأعيان أمثلتها، وإنما بمنهجها الكلي، ليس بأعيان أمثلتها التي يضربها المصنف كعشق امرأة، أو صبي،
ليس كذلك حتى يكون القول فيه على درجة الإنصاف والأمانة العلمية، وإنها بالمنهج،
وهو ما يتعلق بالمنهج الذي سلكه بعض متفلسفة العرفانيين كالحسين بن عبد الله بن سينا، وأمثاله، ويقع ذلك في كلام بعض فلاسفة الصوفية، لكنه ليس مسلكا غالباً.
قال رحمه الله ( ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن فعل ذنباً ثم يتوب
منه، ويزول أثره من قلبه وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين كما قيل:
سكران سكر هوى وسكر مدامة **** ومتى إفاقة من به سكران )
(سكران)؛ أي هما تثنية، سكران التثنية سكران، ليس سكران بمعنى الوصف.
مثل بيتان، ونوعان، ومقامان
(وقيل:
سكران سكر هوى وسكر مدامة .. ومتى إفاقة من به سكران
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في حين
ومن أعظم أسباب هذا البلاء: إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا الذ ولا أطيب )
الشرح :
لكن هذا مقام يجب فيه الموازنة كما سبق، لأنه ليس المقصود بالشريعة أن من أقبل على حق الله، وزهد في الدنيا وما والاها فإنه يقصر فيها وجب، وهذا يقع لبعض ..... هذا يقع الحال الأخرى كما أن المصنف أشار إلى التعلق وإلى ما يكون عليه من المقاصد، وهو التعلق الذي كما أشرنا إليه فحش عن الفطرة، أي زاد عن الفطرة، أو زاد عن العادة الصحيحة، أو زاد عن ترتيب الشريعة،
فيقال ذلك من علا في تصفية حقه مع الله سبحانه وتعالى - على مقام من الجهل، فقصر فيها شرع الله من الصلة والعلاقة الصحيحة فيما بين الخلق،
فتجد أنه ذو جفاء لقرابته، وأنه قليل الصلة، وإذا وجدته وجدته مقبلاً في تعبده، وفي مسجده، وفي كثرة إقباله على الصيام، وعلى الصلاة، وعلى الذكر،
ولكن قد تجد أنه مع رحمه ذا قطيعة.
فهذه حال تقع لبعض الجهال، ويظنون أن هذا من باب الإعراض عن الناس، وأن الصلة بالناس يأتي عليها القيل والقال والكلام، وربما الغبية، فيتعللون بهذا الكلام، وينقطعون، فيكون في رحمه ذا قطيعة، وليس فاضل الصلة، ويكون ربهما مع بعض خاصته ذا جفاء،
ولربما صار له وجه من الجفاء حتى مع أهله، أو زوجه، أو ولده، أو ربما مع والده، أو والدته،
والجفاء أنواع، ليس الجفاء في سوء الكلمة، أو ثقل الكلمة، ولربما من الجفاء تخفيف المجالسة، والجلوس على قدر يسير مع الوالد أو الأم أو الأب أو غير ذلك،
فمثل هذه الأوجه من التخفف التي هي وجه من الجفاء، ويتوهم من يتوهم بذلك مقبل على طاعته، وعلى تعبده، وعلى تدينه، وأنه متعلق بالله.
ولهذا إذا دعي لاجتماع رحمه؛ لم يجب، وإذا دعي إلى زيارتهم لم يجب، وما إلى ذلك باعتبار أن ذلك سيقطع عنه ما يقطع من عبادته أو لزومها،
أو يقول أنا في هذا المسجد، أو لا بد أن أصلي في هذا المسجد؛ هذا كله من التكلف، ومن الجهل .
لأن الواجبات الشرعية لا يزاحم بعضها بعضا، والمسلم يأتي على هدي الشريعة.
و صحيح أن الأحوال تحتاج إلى مدارة، وإلى ضبط، وإلا قد الإنسان يزيد في هذه الأمور والعلاقات إلى شيء ليس واجبا، ولا مشروعا،
ولربما أنه يكون مما ينافي المشروع أيضًا كبعض المجالسات التي ليس فيها خير.
لكن المقصود بالتنبيه هنا ليس هذا، وإنما هو مقام المشروعات، إما مشروعًا واجبًا كصلة الأرحام، أو مشروعا مستحبا مما يكون فوق ذلك، ولكنه داخل في المستحبات.
لأن بعض الفضلاء ربما تكون حاله ثقيلة في الوصول إلى قرابته، ويكون إذا دعي إلى زواج، أو إلى غيره؛ هذا يكون منافيا،
وأحيانًا تكون بعض الأسباب التي يظن البعض أنها شرعية، وهي ليست شرعية، وقد تكون هنالك أسباب شرعية تمنع
فيكون الإثم على من تسبب بهذه الأسباب التي منعت بعض القرابة أن يصلوا البعض الآخر، هذا يقع أحيانًا من بعض الناس في بعض الأحوال والصلات بين قرابات الناس.
والشاهد في ذلك على كل حال أن الصلة بين الرحم وبين القرابة؛ هذا من الحقوق التي هي مشروعة في أصلها، ودرجاتها معروفة في الشريعة.
فصار هذا مانعا من وقوع الهم عليه، ومن وقوع الهم بها منه، وهذا هو الراجح لغة وشرعا.
وقال بعض أهل التفسير، وبعض الفضلاء من أهل التفسير ممن كتبوا في تفسير الآثار، وما يسمى بالتفسير بالمأثور بأن الهم وقع من يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم صرف بعد وقوع الهم، ثم صاروا يجيبون عن هذا بأن هذا الهم هو درجة دون العزم، وأنها هي الدرجة التي غفرت للمكلفين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا هم العبد بحسنة، فلم يعلمها؛ كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة، فلم يعلمها لم تكتب شيئًا»، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا»، قالوا هذا حديث نفس، وهو الحديث الذي جاء في الصحيحين وغيرهما أنه معفو عنه.
وهذا الجواب ضعيف غريب، لأن القول هنا في نبي، وفي رسول من رسل الله - عليهم الصلاة والسلام-، وهذا الهم وإن غفره الله؛ هل هو مقام محمود ؟
أو هو مقام مذموم من حيث هو ؟
الهمّ بالمحرم في أصله مقام مذموم، وصحيح أن الله من رحمته بعباده، وفضله عليهم تجاوز لأمة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها)) لكن أصل الحديث فيما هو من المعصية تحديث النفس بذلك هو في أصله ليس حالا كاملة.
ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام - لا يحدث نفسه بذلك، ولكن من رحمة الله بالمكلفين أن من حدث نفسه، فهذا الهمّ الأول الذي ليس هو العزم، ولا عمل القلب، فضلا عن عمل الجوارح قد غفر، هذا لا شك، وليس البحث الآن هل غفر ليوسف، أو لم يغفر له، هذا ليس بحثاً في آحاد المكلفين.
هذا بحث في قصة نبي مصطفى من عند الله سبحانه، فالأنبياء معصومون عن حديث النفس الكاذب، أي حديث النفس بالمعاصي، الأنبياء لا يحدثون أنفسهم بمعصية الله،
وإن كان هذه الدرجة من الحديث كما جاء في الحديث الآخر:( إن الله تجاوز لأمتي إذا هم العبد بحسنة، فلم يعملها؛ كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة، فلم يعملها؛ لم تكتب سيئة».
ليس البحث في السورة، وفي قصة يوسف عليه الصلاة والسلام - أكتب عليه أم لم يكتب، هذا ظاهر،
لكن البحث هل وقع منه الهمّ أم لم يقع ؟
الصحيح أنه لم يقع منه الهمّ، فضلا عما فوقه، لأن بعض الآثار التي نسبت لبعض الصحابة ولا تصح ذكرت فوق ذلك من ..... فوق درجة الهمّ، هذا كله خطأ،
والصحيح أن نبي الله عليه الصلاة والسلام - ما وقع في الهمّ أصلا، وما حدث نفسه بمعصية الله في أمر هذه المرأة.
وهذا قاعدة مطردة في جميع الأنبياء؛ ما حدثوا أنفسهم في معصية الله فضلا عن أن يعصوه سبحانه وتعالى، أو أن يتقحم الإثم الذي حرمه عليهم الموبقات ونحو ذلك.
الشاهد هنا أن هذا هو المقتضى الشرعي، وكذلك هو المقتضى اللغوي، وإن كان بعض من تكلم في هذه المسألة أغلقها من حيث اللغة، وقال إن هذا لا يأتي على وجه اللغة، والصحيح أنه يأتي، وفي الصحيح أنه يأتي، وفي شعر العرب، وكلام العرب في ذلك شيء معروف، وقرر ذلك كبار أئمة الكوفيين من علماء النحو، وطائفة من البصريين.
صحيح أن هذا من حيث الترتيب على خلاف القاعدة التي يسميها البصريون، أو كثير من البصريين من النحاة، ثم يجعلون ما خرج عنها خرج عن القياس، فهذا لا معنى له، لأنا على يقين بأن كل ما ورد به القرآن فهو من فصيح اللغة، وعمودها، وقانونها، ونظامها الأول، وليس فيه ما يكون على خلاف ذلك،
ومن اصطلح من النحاة على تسمية ما خالف قاعدته شاذا أو خلاف القياس؛ فهذا خطأ.
وهذه الطريقة تنسب تارة للبصريين من النحاة، وهي ليست قاعدة مطردة، ولا مذهبا منتظما، ولكن المقصود هنا أنه جاء في شعر العرب، وفي كلام أئمة النحو الكبار من أئمة الكوفة خاصة، وكذلك بعض البصريين ما يوافق هذا المعنى في تفسير الآية، لأن بعضهم، أعني بعض المفسرين من أهل العلم الذين ليسوا من أساطين العلم باللغة جعلوا ما قرره بعض النحاة في هذه الآية، جعلوه مانعا من القول أن يوسف لم يقع من الهم، وهذا ليس صحيحًا.
بل الراجح هنا أن هذا هو مقتضى اللغة على القول الراجح من طرق أهل اللغة، وهو مقتضى الشريعة، ولا سيما أن هذا في أمر أخلاقي،
وصار بعضهم يقارن ذلك بأمر آدم الذي أكل من الشجرة أنه عصى ربه كما هو صريح في القرآن، فهذا مقام مختلف،
فحال آدم إذا ذاك لم يكن نبيا وهو في الجنة، ولم يكن له نبوة، وآدم تكلم في نبوته بكلام معروف عند أهل العلم،
لكن يعلم أنه عندما كان في الجنة لم يكن من الأنبياء، هذا بالإجماع، إنما الكلام في نبوته بعد ذلك.
ثم إن هذا الذي صار من آدم - عليه السلام - إنما هو أكل من الشجرة، ليس في أمر يتنافى مع الأخلاق المنتظمة، بخلاف الزنا فإنه سماه الله سبحانه وتعالى، ومادته فحشا:
فهذا المعنى يفرق به، أي إن مادة المعصية هنا حتى ولو كانت طبعا بالإجماع أن يوسف لم يقع منه المعصية، وإنما وقع قالوا الهم.
وبعضهم فيما رووا من آثار في التفاسير، وهذه يذكرها تارة ابن جرير، وبعض الفضلاء، والعلماء الكبار في التفسير، لكن هذا ابن جرير في منهجه - رحمه الله - لم يقصد هنا التحقيق في كل آثار ذكرها، وإنما يذكر هذا المعنى، وحتى إذا رجع ابن جرير؛ فهو اجتهاد العالم، وغيره من أهل التفسير، أو جماعة أخرى من أهل التفسير رجحوا خلاف ذلك.
فإغلاق المسائل بأن هذا رجحه، أو قال به فلان من أهل العلم، هذا ليس منهجا معتدلا، لأن هذه المسألة أو غيرها من المسائل إذا نظرت إليها بعقل وحكمة؛ وجدت أن غيره من أهل العلم والتحقيق والتفسير قد قالوا بخلاف قوله، والأمور لا تغلق بهذه الطريقة،
إنما مقتضى الشريعة فيما يظهر، وتحقيق اللغة، وأما أن ذلك لا يصح لغة؛ فهذا وهم على اللغة.
وسبب هذا الوهم أن بعض البصريين من كبار أئمة البصرة في النحو يقررون قواعد، ويجعلون ما خالفها مخالفة القياس، أو يسمونه شادا، فيصير البعض إذا أراد التفسير حكم، أو استصحب في إمضاء فهم المعنى القاعدة البصرية، والتي تكون عند التحقيق ليست لجميع أهل البصرة، لأنه لما يقال مذهب البصريين، ومذهب الكوفين؛ هذا ترى فيه تجوز .
ما انتظم للبصريين مذهب كانتظام المذاهب الفقهية، ولهذا المذاهب الفقهية تضاف الفقيه واحد، فيقال مذهب مالك، ومذهب أبي حنيفة، أليس كذلك؟ ومع ذلك .... ومذهب الشافعي، وأحمد، ومع ذلك كثرة الخلاف بين الأصحاب في تحرير المذهب الواحد.
أما البصريون؛ فليس مذهبا لواحد رجع البصريون إليه، صحيح أنه قال من أئمة البصريين، فيسمون كبارًا من أئمة البصريين، أو يسمون كبارًا من أئمة الكوفيين، لكن هم جملة.
ولهذا القواعد التي تميز طريقة البصريين أو عن الكوفيين، فهي قواعد كلية في الغالب، وأما الضوابط؛ فهي لا تنتظم، ولذلك إذا جئت لما دونها مثل هذه المسألة ونحوها؛ تجد أن هذا في الغاية يكون قولا في أكثر البصريين، لا يكون مذهباً مستقرا الجميع البصريين.
وبولغ أيضًا في مسألة البصريين والكوفيين في التدريس، وصار يظن أن مدرسة البصريين هي المدرسة الراجحة، وهي المدرسة المنضبطة، وهي المدرسة التي راعت الفصاحة في نظم الكلام وإعرابه، وأن مدرسة الكوفيين دون ذلك، وهذا خطأ.
بل كثير من أهل العلم بالشريعة هم من الكوفيين، أكثر منهم في البصريين، كثير من العلماء الذين كانوا في ذلك الزمان في زمن مدرسة البصريين والكوفيين هم أميل إلى مدرسة الكوفيين منهم إلى مدرسة البصريين، وفي مدرسة الكوفيين الكبار من القراء على طريقة الكوفيين.
وإن كانت طريقة البصريين لا شك فيها تحقيق، وليس المقصود الترجيح هنا، لأن الترجيح فرع عن تصور التميز أصلا والتميز فيه نظر في أصله، هو الامتياز، فيه نظر في أصله، ولكن هناك، كما قلت، جملة من التميز في القواعد الأولى، لكن إذا جئنا في المذهب الفقهي؛ لاتجد التمييز يمتد حتى للفروع، ففي كل فرع يقول هذا مذهب الإمام أحمد، وهذا مذهب مالك مثلا، ووافقه أبو حنيفة إلى آخره، ليس البحث فقط في القواعد، ولهذا كما في علم أصول الفقه، هنا علم أصول الفقه على طريقة الشافعية، والحنفية، والمالكية يشتركون ويختلفون.
وهنالك كتب الفقه التي فيها الفروع، أليس كذلك؟
في النحو ما في هذه الدرجة من التوارد على أحاد المسائل التي يتميز بها منهج البصريين عن منهج الكوفيين، فهذا لا يرفع أصل الامتياز، لكن يقال أنه ليس برتبة الامتياز الفقهي، مع أننا تعلم، ونرى في كتب الأصول والفقه، أنه حتى الامتياز الفقهي فيه تداخل، ليس ذلك الامتياز الذي هو على نظام واحد بمعنى أقوال الإمام أحمد أقوال واحدة ومنتظمة،
ولكن الخلاف داخل المذهب الحنبلي،
وكلمة المذهب في أصلها كلمة اصطلاحية لا تعني بالضرورة أقوال الإمام التي نص عليها، أو حفظت عنه، وهذا معنى معروف.
على كل حال المقصود هنا التنبيه على مسألة مهمة في دراسة التفسير :
وهي أنه قد يؤتى إلى قول من الأقوال..... لأن القرآن نزل بلسان العرب، ولا شك أنه لابد أن يُفسر القرآن على وفق قواعد لغة العرب، وهذا أمر مقدمة مسلمة ومنضبطة ومحكمة، لكن ما هي لغة العرب؟ وما الذي يجوز في لغة العرب؟
أحيانًا بعض المفسرين ينتصر لطريقة لغوية في مسألة في حقيقتها هي من خلاف أهل اللغة، علماء أهل اللغة والنحو، ثم يقول (وهذا خلاف اللغة)، أو لا يصح لغة، والمقصود أنه لا يصح عند من؟
عند بعض النحويين، وليس عند جميع النحويين، أو النحاة، أو أهل اللغة.
ثم الذين يقولون إنه لا يصح؛ إذا قعدوا قاعدة لا يريدون بذلك أنه إذا ورد ما يخالفها؛ كان خطأ صريحا على اللغة، وهذا منهج يجب أن يكون معلوما، لأن بعض علماء البصرة الذين راعوا المشهور وجعلوه هو الفصيح، فكلمة الفصيح عند جملة من البصريين هو جملة من اللغة، فيجعلون هذا الفصيح،
فيتوهم بعض الباحثين أنهم إذا ذكروا الفصيح هنا يكون ما يقابله على خلاف اللغة، وهذا وهم في تفسير الفصاحة في مصطلح أولئك من متقدمي علماء البصرة من النحاة.
ولذلك أولئك البصريون الذين يقولون أن هذا فصيح اللغة، أو هذا هو الواجب، ربما جعلوه واجباء أي في طريقة إتيان اللغة، وليس المقصود أن اللغة لم يرد فيها ما يخالفه، لأنهم؛ أعني أولئك النحاة علماء اللغة على علم بشعر العرب في الأمور المشهورة،
يعني أحيانا يقولون إن هذا هو الواجب، أو إن هذا هو الفصيح، وفي الشعر العربي الشائع، ليس في الشعر العربي الخفي .
بعض الأشعار الخفية التي ربما يقال بلغتهم، ولم تبلغ بعضهم، لا، في الشعر العربي الشائع مثل شعر المعلقات، فالمعلقات شعر شائع، قطعا علماء البصرة يعرفون المعلقات، فتجد أنه قد يأتي في شعر العرب الشائع ما يخالف قاعدتهم، فهل هم يقصدون لما قالوا يجب أن يستعمل كذا وكذا، ولا يجوز كذا وكذا)،
هل قصدوا أنه إن ورد بيت في شعر العرب الجاهلي مثلا، سيحكمون عليه بأنه كان خطأ لغويا كخطأ الإنسان الذي جاء بعد الفصاحة إذا تكلم فنصب الفاعل، ورفع المفعول . هل المقصود هذا ؟
لا، ولكن يقولون هو خلاف الفصاحة، وخلاف ما يجب اعتبار انتظام الكلام، ولذلك يجيبون على الثاني، وربما قالوا خلاف القياس، وربما قالوا إنه شاد، لكن ما يقولون إنه خطأ .
مثل ما تقول لمن جعل الفاعل منصوبا؛ تقول أخطأ، أليس كذلك؟ هذا لا شك أخطأ، بمعنى لا يتصور أن عربيا فصيحا في كلامه، ولذلك ما وجد في شعر الجاهليين أنهم نصبوا الفاعل، أليس كذلك؟
هذا هو الخطأ بمعنى لا يقبل الاحتمال، لكن ذلك يسمونه خلاف القياس، وربما قالوا شاذ.
فهذه العبارات مثل كلمة شاذ، فالفصيح يظن أن ما يقابله هو الخطأ، لا، ما يقابله هو ليس فصيحا، والشاذ يقابله الغالب، ولكن هم يعلمون أنه ورد، وربما جاء ذلك في القرآن، ولكن لا يسمون ذلك في كتاب الله على ما يسمونه في شعر العرب.
الشاهد في هذا أن هذا المسلك لبعض البصريين عليه موردان :
المورد الأول: في فهم حقيقة مصطلحاتهم، إذا قالوا هذا خلاف المشهور، أو خلاف الفصيح، أو ما إلى ذلك، فيتوهم البعض من كلمة خلاف الفصيح أنه خطأ لغة، وهذا ليس صحيحًا، العربي في جاهليته مثلا لا ينطق الكلمة التي ليس فصيحة.
ولذلك فيها هو أكثر احتمالا للخطأ فيه: الإعراب الإعراب أكثر احتمالا للخطأ، اليس كذلك ؟
لأن الإعراب فيها مادة من الإعمال العقلي، ولذلك لما ذبلت الفصاحة؛ صار الذين يتعلمون الإعراب وهو علم النحو، مهما أتقنوا علم النحو وحفظوا قواعده، يستعلمون المدارك العقلية لالتقاط نظام الكلام، ولربما فات العارف بعلم النحو، وهذا مشاهد، ربما تجد إنسانا يتحدث وهو من العارفين بعلم النحو، ثم فجأة يعرض له أن ينصب فاعلاً ، أو أن يرفع منصوبا، أو ينصب مرفوعاً.
هذا ليس خطأ بسب بالجهل، هذا سببه عارض من الذهول الذهني، لأن ربما ركز على المعنى الموضوعي، وتخفف، أو مع طول الاتصال في الكلام، وتأخر الخبر أو تقدم الخبر تأتي مثل هذا.
إذن الإعراب بطبيعته إعمال، لكن في وقت الجاهليين ما كانوا يحتاجون هذا لانتظام السماع، فإذا كان لم يُعرف عن أحد من الجاهليين الخطأ في الإعراب،
فمن باب أولى أنه لا يخطئ في الكلمة المجردة السماعية، أو في التركيب المجرد، وعليه فهذا إذا عبر عنه بأنه ليس .... يفهم على درجته.
طبعا كقاعدة فيما يظهر، وهذه يستعملها بعض الكبار والمحققين من متأخري النحاة كابن مالك أن ما ورد به القرآن لا يصح أن يقال أنه على خلاف ما وجب،
فمن قرر قاعدة نحوية أو لغوية، وجاء في كتاب الله في بعض موارد القراءة، أو في بعض القراءات المحفوظة ما يخالف ذلك،
لا يصح أن يوصف بأن هذا على خلاف ما وجب، هذا لا يصح
لأن القرآن هو أول الفصاحة، وهو أول اللغة وهو نظام اللغة، وجميع ما قالت العرب من شعر وخطب لا يبلغ أدنى درجة تقدر أو تصور مما جاء في كلام الله -سبحانه وتعالى - الذي جعله الله وأنزله قرآنا عربياً.
ولكن إذا قالوا يجب - أعني بعض علماء البصرة ، وهم يعرفون ما جاء في شعر العرب، بل جاء في كتاب الله ما يخالفه؛ فهذا الوجوب عندهم،
وإن كنا نقول إن طريقتهم فيه خطأ والراجح أنه لا يصح وصف ما جاء في القرآن على خلاف بعض طريقتهم بأنه وجب، فإنهم أيضًا متأدبون، أعني أولئك البصريون، فإنهم متأدبون مع القرآن، لا يصفون ذلك بأنه وقع على خلاف اللغة بتاتا،
وإنما يقصدون هنا ( بما وجب ) في الأصل، ثم يجعلون هذا لأنهم نظرهم للغة - البعض ينظر في بعض العلوم - بقواعد العلوم الأخرى.
فالفقه لما تقول هذا محرم، وهذا واجب، أو مالك يرى كذا، وأحمد يرى كذا، هو قول واحد في التعبد أو في التطبيق،
لكن في اللغة؛ اللغة تصور، فحينما يقولون ( يجب ) ليس هو بنفس الطريقة التي يكون يقابلها القول المنافي،
ولذلك الفقهاء مثلا في أصول الفقه يقولون ( الأحكام التكليفية خمسة)، أليس كذلك ؟
. فإذا قلت أنه واجب؛ فهذا يعني أنه ليس مستحبا، بل إنه فوق المستحب.
وإذا قلت أنه مستحب؛ فهذا يعني أنه ليس بالرتبة الأعلى، وهو الوجوب، وهكذا.
هنا في اللغة ليس المعيار هو نفس المعيار الذي تستعمل به الفقه، فإذا قالوا (يجب)؛ لا يقصدون بأن ما خالفه يكون الخطأ، لا، هم يعرفون أنه يقع في شأن العرب على خلافه، ولم يحكموا على شأن العرب، فضلا وتعالى كتاب الله عما جاء في القراءات، أو يجعلوا ذلك معيارا لرد، أو الحكم بشذوذ قراءة، هذا منهج يجب فهمه.
إذاً وقع أوجه من اللبس في مسألة البصريين والكوفيين، وقليل من يحرر هذه المسألة، ويعرف تراتيبها، وصار يتوهم أن هنالك انتظام مذهبي اسمه مذهب البصريين، وأن هنالك انتظاما مذهبيا اسمه مذهب الكوفيين، لا هي مسالك يغلب على هؤلاء بعض القواعد، وهؤلاء بعض القواعد، لكن لم تنتظم بالاسم الذي يقال في المذهب الفقهي مع أن المذهب الفقهي بطبيعته دون الانتظام التجريدي الذي يقال في التصورات المجردة.
إذا كان كذلك؛ فالطريقة التي يرتضيها بعض محققي علماء اللغة كابن مالك أن كل ما جاء به القرآن لا يصح أن يقال إن ( ما وجب ) على خلافه،
ومن ذلك مثلا ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء : 1]، فإنه قرى:
والمشهور عند أكثر البصريين أنهم يقولون إن العطف على ضمير الخفض لابد معه من إعادة الخافض الذي هو حرف الجر، فهذا هو الذي جعله جمهور البصريين جعلوه هو القاعدة، فقالوا (يجب)، وعلى طريقة كثير من النحويين ليس واجبا، مع أنه جاء في شعر العرب ما يخالفه، وجاء في هذه القراءة ما يخالفه.
ولهذا قال ابن مالك - رحمه الله - في [ ألفيته ]:
وعود خافض لدى عطف على... ضمير خفض لازما قد جعل
(لازما قد جُعل)؛ أي عند كثير من البصريين، أو أكثر البصريين، ويقول بعض المتأخرين بأن هذا هو مذهب البصريين، ( وعود خافض)؛ خافض الذي هو حرف الجر ،
لدى عطف على ضمير خفض)؛ أي ضمير جر، (لازما قد جعل)؛ قال ابن مالك مشيرًا إلى منهجه، ليس في هذه المسألة فقط، بل كأنه منهج قد اطرد عنده - رحمه الله - في [كافيته]،
وفي[الألفية]، قال: وليس عندي لازما إذ قد أتى ...في النشر والنظم الصحيح مثبتا
يقول جاء في كلام العرب نثرا ونظمها، وجاء فوق ذلك في كتاب الله، ومنه في قول العرب ما جاء في قول الشاعر :
فاليوم قررت تهجونا وتشتمنا **** فاذهب فما بك والأيامِ من عجب
(فما بك والأيامِ)؛ فصار العطف على ضمير الخفض، ولم يلزم كعادة الخافض.
وعليه فيكون مصطلح الفصيح هنا من المصطلحات التي تفسر بدرجة، لأنك إن قلت إنه بمعنى الخطأ، وهو قد جاء في شعر امرئ القيس، أو في شعر النابغة الذبياني، أو نحو هؤلاء، فهذا ليس متصورا، وإلا لورد الخطأ على اللغة بجملتها، وما انتظم الاحتجاج.
وفي بعض العصور مثلا في شعر جرير بن عطية احتجوا به، وإذا جئت من شعر الفرزدق؛ بعض العلماء، علماء اللغة تخففوا من الاحتجاج بشعر الفرزدق، مع أنهم قد تعاصروا، أليس كذلك، وبينهم الشعر المعروف والمعارضات المعروفة الفرزدق شاعر، وعارف بموارد كلام العرب،
لكن وقع في بعض كلامه ما يدل على فوات بعض فصاحته، لأنه فاته في بعض الكلام والشعر ما يتفق مع قواعد اللغة، فصار بعض اللغويين يتخفف من شعر الفرزدق.
الشاهد في ذلك أن مصطلحات النحاة يجب أن تفهم، وكنتيجة مهمة في هذا الاستطراد في فهم القرآن، وتفسير القرآن، أحيانًا البعض ممن ليس عالما باللغة، أو متذوقا لها، وعارفا بمسالكها من المفسرين - رحمهم الله، وإنما أخذوا جملة من علم اللغة، لأن هذا يختلف؛ فإذا جئنا للشافعي رحمه الله؛ فهو عالم في اللغة، وإذا جئنا بعض المفسرين؛ فهم مفسرون ولكنهم علماء في اللغة سواء صح منهجهم من حيث الاعتقاد، أو لم يصح أحيانًا،
وقد يكون مراعى أو مؤاخذا في منهجه العقدي كالزمخشري مثلا، هو معتزلي مثلاً، لكنه عالم في اللغة.
وبعضهم بالغ البحث في اللغة، قد لا يُعرف بأنه عالم لغوي، فالزمخشري بطبيعته عالم لغوي، وهو مفسر، وهو معتزلي تنقى اعتزالاته كما نعرف في كشافه،
لكن إذا جئنا مثلا الرازي صاحب [ مفاتيح الغيب] المتكلم المعروف، فهذا واسع البحث في اللغة، وخاصة في مذاهب علماء اللغة،
ولهذا يقع في تقرير الرازي للمذاهب اللغوية، لأنه - أعني أبا عبد الله الرازي، بطبيعته رجل واسع البحث، يعد من العلماء الموسوعيين في طريقة البحث حتى في علم الكلام.
ولذلك ابن تيمية رحمه الله - في بعض كلام له يقول: (وأما أبو عبد الله بن الخطيب)، يقول شيخ الإسلام ( في أمور علم الكلام في الإلهيات)
ليس في هذه المسألة في الإلهيات يقول : ( وأما أبو عبد الله بن الخطيب، فإنها هو بحث وجدل ) رجل بطبيعته باحث .
ولذلك كتب الرازي إذا قارنتها بكتب أصحابه من المتكلمين، كتب أصحابه فيها اختصار، يعني لو نظرت في كتب الجويني، والغزالي، بطبيعتها فيها تحرير، لكن ليس فيها تطويل،
لكن الرازي له كتب بالمجلدات، ويتوسع في البحوث العلمية، والمناظرات، والمناقشات.
فهو عنده مذهب عنده ملكة الاستقراء والبحث قوية في تحصيل مذاهب الطوائف أو ما إلى ذلك، كثير الاستقراء، ولذلك إذا بحث في تفسيره في اللغة يختلف عن الزمخشري، الزمخشري ليس كثير الإيراد للمذاهب، ولكنه أبلغ علماً باللغة من الرازي ولا شك،
والزمخشري اللغة فيها انطباع عنده، ولهذا لديه إدراك لذوق اللغة وانطباعها وبلاغتها على ما عنده من الاعتزال والبدع التي خالطها في تفسيره، أو خلط تفسيره بها.
وأما الرازي؛ فهو دونه في هذا المسلك، ولكنه أوسع مسلكا في الجانب الاستقرائي البحثي، ولهذا يتتبع، وإن كان تتبعه لشعر العرب ليس كالزمخشري، لأن الزمخشري إنما انطبعت اللغة، ولا تنطبع لمن يقرأ مذاهب النحاة، اللغة ، هذا يجمع، ويحفظ قوانين اللغة التي نظمت،
لكن الزمخشري كان واسع النظر في كلام العرب، في شعر العرب، وبلاغتها، وبيانها أكثر مما هو متوسع في استقراء الآراء النحوية من هذا الاعتبار.
والرازي العكس، الرازي ليس كثير التذوق، أو النظر في شعر العرب، واستقراء أوصافهم، أو تصويرهم في شعرهم، أو ما إلى ذلك، كالدرجة، طبعا لا نقول ليس المقصود النفي، المقصود هنا المقارنة بين الرجلين؛ بين الزمخشري، وبين الرازي.
الزمخشري أكثر انطباعًا في اللغة، اللغة لديه انطباع، ولديه معيار فيها، بخلاف الرازي؛ فهو أوسع في البحث والاستقراء، وتعيين الآراء لعلماء النحو، وماذا كانوا يقولون، رجل واسع البحث والاستقراء، وإذا قرأت في تفسيره؛ بان لك ذلك كثير البحث الرازي كثير البحث في تفسيره.
-------------------
قال الشيخ رحمه الله «فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها».
الشرح :
(الله يصرف عن عبده؛ إنما المقصود في قوله سبحانه: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾
في يوسف عليه الصلاة والسلام، أن الله صرف عنه السوء في الإرادات، والفحشاء في الأفعال، فلم يقع منه ذلك، لا إرادة ولا هماً، فضلا عن الفعل،
وهذا هو اللائق بمقام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.
(فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه الله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية الله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه؛ انقهر له هواه بلاعلاج قال الله - تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ) [العنكبوت: 45]
فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله سبحانه وتعالى، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة الله وعبادة القلب الله مقصودة لذاتها،
وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك،
فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (۹) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (۱۰)) [الشمس : ٩-١٠]
فجعل سبحانه - غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور، من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك ) ا.هــ كلام الشيخ رحمه الله
الشرح :
هذا التقرير لكلام الشيخ - رحمه الله- وذلك عند قول الله وعلا:( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [يوسف: ٢٤] ، بين الشيخ - رحمه الله - في قوله: (ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج).
القلب خلقه الله سبحانه وتعالى على حال من الفضل، ومن الشرف في خلقه، ولهذا كان الأصل فيه هو القبول للحق، وهو الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى - العباد عليها، ولكن ما من محل إلا وهو لابد له من ملاء ، فالقلب إن لم يملأ بالحق امتلأ بالباطل، ومن الباطل فراغه، والفراغ وجه من الباطل،
لأن الفراغ لابد أن يحصل عنه من الآثار الفاسدة ولذلك المسائل العدمية التي لا تقابل الحقائق الصحيحة هي وجه من النقص التي يعرض لبعض النفوس .
وهذا إذا تكاثر أثره في القلب أورده الشر ولا بد، بخلاف إذا كانت مادة الفراغ يسيرة أو قليلة، فإن هذه لا تكون غالبة على الحال الغالبة، بل تكون الحال الغالية هي المؤثرة، وهي الفاعلة للمحل، ولكن إذا كان الفراغ غالبا، صار ذلك مؤثراً ولهذا بنيت الشريعة على العبادة التي تكون لازمة لحال الإنسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليقين ) [الحجر: ٩٩]،
وكما قال الله وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَعَيَايَ وَمَانِي اللهُ رَبِّ العالمين ) [الأنعام: ١٦٢]،
ولهذا بنيت أحكام الشريعة وقواعدها على هذا المعنى.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)) فصارت النية هي التي تجعل للعمل صفة من الشريعة، ولو كان العمل عاديا، أو كان من من أحاد المباحات، فيتصل بالشريعة بموجب هذه النية التي شرعها الله -سبحانه وتعالى - لعباده، وهي من مقامات عبادته، وإخلاص الدين له، ومقامات ابتغاء وجه سبحانه وتعالى.
فهه المعنى من الفقه الذي كان عليه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم - من أن حياتهم كانت على هذه الصفة،هو المشروع في كتاب الله، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ولهذا كانت العبادات جاذبة لهذا المعنى من جهة اتصالها، ومن كونها دافعة للشر عن القلب، ومن كونها موجبة لمزيد من الطاعات، فإن الطاعات العالية توجب الطاعات التي دونها، ولهذا المحافظة على الفريضة تحقق من معاني العبودية ما ذكره الله بقوله: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
فإنها؛ أي الصلاة إذا صلحت صلح العمل، لأنها محرك إلى فعل الخيرات، وإلى ترك المنكرات، وإلى طاعة الله سبحانه وتعالى.
فهذا هو المعنى في قوله - رحمه الله: (فإن الصلاة فيها دفع للمكروه) إلخ، وإذا غلبت هذه المادة في القلب؛ انقهر الهوى بقوتها وبغلبتها، وصار ما يعرض في القلب من الشر هو اللحم الذين قال الله فيه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم:2]، فهذا يعرض ويعرض الهم، وتعرض الخطرات، فهذا يعرض حتى للصالحين، بخلاف الأنبياء المعصومين؛ فإن الله برأ قلوبهم من مادة الشر، وجعلهم أئمة هدى في عامة وجميع أمرهم .
ثم بعد ذلك بين رحمه الله - ما يكون في حال القلب من أن المواد التي تداخله هي كالمواد التي تداخل الزرع، وهي تفسده بحسب قوتها، بخلاف المداخل اليسير ليس يكون له ذلك الأثر، وقال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها (۹) وقد خاب من دساها (١٠)) (الشمس ٩-١٠)
التزكية من حيث الدلالة اللغوية تدل على رفعة الشيء، وصونه، وما إل ذلك، فتضمن هذا الوصف أن الأصل في الإنسان هوالفطرة على الخبر، بخلاف الشر، فإنه غريب على الفطرة وغواية.
وهذا المعنى متحقق في النفوس، ولهذا تجد أن النفوس، حتى نفوس غير المسلمين، إلا في حالات شاذة، وتكون هذه الحالات الشاذة أيضًا متكلفة في الغالب، لكن في المعاني الفطرية الشرعية تجد أنها لا يُفاخر بالمعاني المنافية للفطرة كحالة عامة، قد يقع من أحاد من الناس، أو جملة من الناس، أو من الناس؛ هذا شيء
ولذلك العفاف مثلا بجملته محل احتفاء، وإن كانت درجة العفاف ما هي ؟ هذه تختلف باختلاف دين الناس، وباختلاف أيضًا أحوال متعددة لهم، لكن إذا جئت للقدر الذي يتفق على أنه ليس عفافًا بين بني آدم؛ تجد أن هذا القدر، وهذه النسبة يتقيها الناس حتى لو اختلف دينهم، إلا في حالات شاذة.
وهذا موجود في تاريخ الأمم، وما إلى ذلك، ومثله مثلا فيما ينافي الفطرة حتى في الأطعمة، أو ما ينافي الفطرة في الأشربة يكون لهذا الأمر قدره، إلا أن تتبدل أحوال بتشريع موهم، أو ما إلى ذلك، ولذلك مثلا العرب في جاهليتها تشرب الخمر مثلا، لكن ماکانت الخمر تتخذ على سبيل المفاخرة بها في مجالسهم مثلا.
ولهذا لم تكن في نواديهم التي يجرونها، يمضون بها شؤونهم، ويجرون بها عقولهم، ويفصلون فيها بقضاياهم، وهي النوادي التي ذكرت في القرآن، مثل قول الله:( فَلْيَدْعُ نَادِيه ) [العلق : ۱۷]، هذه المجالس التي يتنادى بها كبارهم، فتسمى ناديهم وتسمى حلقتهم، تسمى حلقة، وتسمى ناديًا، هذه ما كانوا يديرون فيها الخمر، وإنما الخمر كان لها مجالس لها اختصاص مثلا، لماذا ؟ مع أنهم قوم مشركون، ولكن هذا المعنى من جذوة الفطرة يبقى مفرقا بين الأشياء.
ولهذا النبي لما أوتي بإناء من الخمر، وإناء من لبن في مسراء و معراجه لما جاء بيت المقدس، قال: «فأوتيت بإنائين، بأحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي خذ أيهما شئت، فاخترت اللبن كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال: «قال لي جبريل : أهديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر؛ غوت، قال: «أهديت الفطرة»، وفي رواية «أصبت الفطرة».
وهنا سميت الخمر غواية، وسمي اللبن فطرة، إنما هو فطرة لأنه مباح، ليس لمعنى ديني في اللبن، لا، هو مباح، هو فطرة بمعنى أن شرب اللبن، وشرب الماء، وشرب العسل ؛ هذا فطرة، بمعنى أنه على قاعدة الإباحة، وقاعدة الفطرة، بخلاف المحرمات فهي على خلاف الفطرة.
والمقصود أن هذا المعنى موجود في الأمم، ولا يُعامل في بعض الحالات التي تطرأ أحيانًا على بعض المجتمعات، ولها أسباب، لكن الأصل في التاريخ البشري أنهم يراعون القدر، وكما قلنا لما نقول مثلا العفاف معنى مشترك بين البشر في الأرض، ولكن يختلف البشر في تفسيره ودرجاته، من تجد أنها مراعاة مع اختلاف الديانات، أو مع اختلاف ......
طبعا لا يضبط هذا العرف البشري، لابد من الشريعة، الشرائع هذا التي تضبط ذلك، وهي التي تحكمه، ولكن المقصود ما هو ؟
المقصود التنبيه على أن التشريع الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام - يلاقي الفطرة، ولهذا تجد إما أنه يتفق مع ما عليه غير المسلمين وإذا اختلف فلا تجد أن الاختلاف هنا يكون اختلافًا من الأصل، وهذا المعنى الدقيق إذا فهمته بان لك شرف الشريعة الإسلامية، وأنها على درجة الكمال الذي أكمله الله سبحانه وتعالى.
فالخمر مثلا عند العرب في جاهليتها تشرب، أليس كذلك؟ والشريعة حرمتها، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والمبيرُ والأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ ) [المائدة: ٩٠]
وأجمع أهل العلم قاطبة على أن الخمر رجس، لكن اختلفوا هل هي الرجس الحسي، أو المعنوي، أما أنها رجس؛ فهذا أمر صريح في القرآن، رجس لأنها تؤثر على العقول، ولهذا الخمر هي المسكر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : (كل مسكر خر، وكل خمر حرام) فالخمر هي ما أسكر.
وأما بعض الفقهاء رحمهم الله - الذين قالوا الخمر هي كان من من التمر، أو كان من من العنب، أو كان من كذا، - وبعضهم زاد عن ذلك وقال ( ويقاس عليها كان ما من كذا من طعام آخر) كما هي طريقة بعض الفقهاء من أهل الكوفة أو غيرهم الذين يمثلون في قواعدهم للقياس، بعض الأحناف يمثلون للقياس بالخمر، هذا خطأ
لأن النبي عليه الصلاة والسلام - قال: (كل مسكر خمر) النصوص ليس فيها تسمية شيء من الطعام، والخمر لي مرتبطة بعين طعام، سواء كانت صنع من العنب، أو الشعير، أو التمر، أو التفاح، أو أي نوع من الأنواع، أو ركبت من أكثر من نوع، أو أدخل فيها المواد المصنعة، وركبت من هذا ومن هذا إلى آخره; فهي العبرة بكونها مسكرة.
فإذا أسكرت سميت الخمر، فإذا لم تكن مسكرة؛ هي ليست الخمر - فالماهية ماهية الإسكار، هي الماهية الموجدة للإثم والرافعة له، أما المادة أن أصلها من العنب، أو أصلها من التمر، أو من الشعير، أو غيره; هذا الأصل بذاته ليس الأصل، وغيره مقيس عليه، هذا توهم لبعض الفقهاء.
، ما في القرآن تسمية طعام دون طعام، ولا في نصوص النبوة، في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي في حديثه يخالفه، كقوله في الصحيح وغيره: (كل مسكر خمر)
فالمسكر هو يسميه الشارع خمرا، وإذا كان النبي سماه خمراء فلا معنى لحاجته لدليل القياس هنا، بل نقول كل مسكر ثابت تحريمه بدليل النص، وليس بدليل القياس.
والمقصود أن العرب كانت تشرب الخمر في جاهليتها، ولكنها مع ذلك ما كانت تتباهى به في نواديها، وإنما كانوا يتباهون بجزالة شعرهم، وجزالة خطبهم، وبعض معانيهم ويتباهون ويظهرون كرمهم وما إلى ذلك، صحيح أنهم ما كانوا يتقون شرب الخمر، لكن فرق بين الشيء الذي يكون على أحوال، وبين الشيء الذي يكون مما يشاد به،
ولذلك ما كان يشاد بأحدهم بأنه كثير الشرب مثلا، أو كثير الإهداء لها، أو ما إلى ذلك، لكن كانوا يتباهون بكثرة ما يأتونه من الشعر، أو من الخطب، أو حتى من الكرم في الإنفاق، أو سخاء اليد، أو ما إلى ذلك.
ولهذا تجد في شعرهم ما يدل على هذه المعاني، وأنهم إذا دخلوا في محكمات الأمور، ودراسة موضوعاتهم، ما أدخلوا الخمر في هذا السياق، فهذه البقية عندهم نسميها جذوة الفطرة، بقية الفطرة،
ولهذا مثلا تجد في معلقة "طرفة بن العبد" الشاعر الجاهلي لما يقول:
وإن تبغني في حلقة القوم تلقني ***وإن تلتمسي في الحوانيت تصطد
لما ذكر له؛ ذكر مجلسين المجلس الأول : حلقة القوم، ويريد أن يبدي أنه ذو شأن، يقول
لاحظ الفرق بين المجلسين؛ مجلس الخمر، ومجلس النادي مجلس إدارة الرأي، لما ذكر مجلس إدارة الرأي والشورى وتداول الموضوعات القبلية وغيرها، قال إن تبغني ما قال إن تلتمسني)، قال (وَإِن تَبِعَنِي فِي خَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِي) هنا قال (إن تبغني)؛ يعني إذا ذهبت بحثت عني؛ مجرد أنك تنظر في حلقة القوم ستجدني بارزًا و ظاهرا،
(في حَلْقَةِ القَوْمِ تلفني)؛ يعني لا يحتاج أنك تكثر السؤال، من يوم تدخل حلقة القوم؛ مستجد طرفة بن العبد.
ولما ذكر مجلس الخمر، ماذا قال ؟ قال ( وَإِنْ تَلْتَمِسني)، والالتماس يكون ماذا؟ الشيء الذي فيه خفية، يحتاج إلى بحث يقال (تحسس)، كما قال الله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ ) [يوسف: ۸۷]، ويقال (التمس)، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «الشمس ولو خاتما من حديد)
يعني واضح أن حالك ليست ظاهرة بهذا الشيء، ما هو بيدك، لكن لعلك تجد ذلك، قال ( وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد ) الصيد .... ولذلك سمي الصيد صيدا لأنه فيه خفاء، وفيه انغلاق، وفيه إلى آخر، وقد يخطأ أليس كذلك ؟
قد يصيب الصياد صيده، وقد يكثر إخطاؤه، بل كثير الإخطاء، لماذا لما ذكر مجلس الخمر قال ذلك ؟
هذه جذوة، من بقية الفطرة عندهم.
ولهذا الدين جاء على وفق العقل، وعلى وفق الفطرة، لكن العقل لا يشرع، لكن ليس في شرع الله ما يخالف العقول، أو يخالف الفطرة، ومثله حتى في قصائد بقية الشعراء، حتى الذين يكانوا يظهرون الخمر كامرئ القيس الذي يذكر الخمر أكثر من طرفة بن العبد، وإنما يرونها لذة عارضة، لكن لا يجعلونها قواما في شأنهم.
هذا لا ينافي مدحهم للخمر، حتى طرفة بن العبد يقول:
ولولا ثلاث هن من همة الفني***وجدك لم أجزع متى قام عودي
وذكر منها الخمر، فهذا الجانب الذي هذا اللهو في الحياة، أو لهو الحياة، أو متعة الحياة عندهم، هذا جانب، لكن أصل التقدير للمعنى واضح.
(وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد ميع لهم.
والتحقيق: أن كلاهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونها على العلو في الأرض بغير الحق؛ كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين -الذي استعبده و استرقه - يستعبده الآخر».)
الشرح :
هذا من فاضل إشارات المصنف، وهو يشير - رحمه الله - إلى أن الهوى الذي ذمه الله في كتابه إلى أنه أوجه، وإلى أنه أنواع،
وبعض الناس سواه في رئاسة وبعض الناس سواه في مال، وبعض الناس سواه في وجه آخر من وجوه الدنيا، أو التعلق بها إلى غير ذلك،
فحيث غلب هذا الأمر، فإن هذا الأمر على وجهين:
إما أن يكون في أمر مباح.
. أو أمر محرم.
يعني إما أن النفس والهوى يتعلق بما أصله الإباحة، وإما أن يتعلق بما أصله التحريم،
فإذا تعلق بما أصله التحريم؛ اجتمع الفسادان على الناس، فساد الفعل المحرم، وفساد التعلق،
وربما كان فساد التعلق أظهر، ولهذا الشريعة كفّت أسباب التعلق، ومن أسباب التعلق الإجهار والمجاهرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافاة إلا المجاهرون»،
كل ذلك إغلاق لبعد، وشرعت التوبة، وما إلى ذلك.
والوجه الثاني أن يكون التعلق بما أصله الإباحة، كالمال مثلا، فالأصل في المال الإباحة، ولكن إذا تم التعلق بها صار عدوا، ولهذا يُذكر المال
في ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾
فيأتي المال ويكون عدوا، متى يكون المال عدوا؟ إذا صرف عن طاعة الله، إذا ترك العبادة الواجبة، ترك الصلاة مثلا لأن متعلق بالمال، وهذا أيضًا مما يتوهم فيه البعض، يظن أن المال المذموم الذي هو عدو، أو التعلق إنما يكون لمن كثر ماله، إذا شافوا من كثر ماله سموه ماذا؟ متعلقا بالمال، وهذا ليس شرطاً، لأن كثرة المال وقلته ليست بالضرورة تعود إلى هذا الأمر، فقد يكون كثير المال، وهو ليس متعلقا به، وإنما سبق له رزق، ويسر له رزق، وفتح له رزق.
وقد يكون بعض الناس قليل المال، وهو كثير التعلق بالمال، أليس كذلك، ؟
ولهذا كان من من الصحابة رضي الله عنهم - من التجار و الأغنياء وهم من من أئمة الصالحين، و كان خير الصحابة رضي الله عنهم، وهو أبو بكر الصديق يعرف بأنه من تجار المسلمين في بعض تجارات المدينة إذ ذاك وتجارات مكة، وفوقه من أبي بكر كانت تجارة يغلب عليها أنها متوسطة، لكن كان هنالك مثل عبد الرحمن بن عوف، و كان هنالك الزبير بن العوام - رضي الله عنه، هؤلاء بلغت تجارتهم شأوا كبيرًا، وقبلهم عثمان بن عفان، مع أن هؤلاء إذا نظرت إليهم جميهم من العشرة المبشرين بالجنة.
فيغلب أو يكثر أن كثرة المال توجب كثرة العمل والبحث وما إلى ذلك، هذا يقع، لكن فرق بين كثرة العمل، وبين التعلق، فالتعلق أمر قلبي، ليس بالضرورة أنه العمل، بعض الأوجه الكاشفة له، وعلى كل حال المقصود أن التعلق قد يكون بما أصله المحرم، وقد يكون التعلق بما أصله المباح.
فإذا كان أصله محرمًا، أي الأصل فيه التحريم اجتمع الفسادان فساد الفعل للمحرم، وفساد التعلق به، فالتعلق في الغالب يكون شرا من الفعل من حيث هو أحاد، وهذا المذکور الهوى، هنا يسمى هوى، بخلاف الفعل الواحد، فهذا عارض لصفة الإنسان.
وأما ما كان أصله مباحًا؛ فإذا تعلق به، فهذا التعلق مذموم في الشريعة، كان و الأصل فيه الإباحة
والمقصود بالتعلق هنا؟ التعلق الذي يصرف عن الطاعة، أو يزاحم الطاعة، أو بعبارة أخرى (إذا زاحم حق العبد)؛ العبد له حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقاً) والله شرع الحقوق؛ حقوق الوالدين، وحقوق ذوي الحقوق، هذا أمر معروف، حق الله وحق بين الناس.
فإذا زاحمت الحقوق البشرية أو حقوق العباد إذا زاحم فعلها ما هو من طاعة الله، أو ما هو حق الله صار التعلق من هذا الوجه مذموما، ولهذا التعلق هنا المذموم ليس هو المحبة،
وكما سبق معنا في محبة النبي لبناته، ومحبة النبي لأزواجه، ومحبة النبي لقرابته، ومحبة النبي لأصحابه، ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام - لأمته،
إلى غير ذلك من الوجوه، وهذا ليس هو التعلق الذي يذم.
وأما من فهم أن صلاح القلب إنما يكون بإرخاص هذه الحقوق، أو هذه المتعلقات التي جبل الإنسان على محبتها، وما إلى ذلك كالولد، والوالد، والقريب إلى آخره; فهذا جهل بالأحكام، وليست هذه الطريقة الشرعية التي شرعها الله، فإن الله شرع المحبة بين المؤمنين، أليس كذلك ؟
شرع المحبة بين المؤمنين، وشرع التواد بين المؤمنين، فليس كل محبة هي التعلق المذموم،
من تجاوز ذلك واتقاه من اتقاه فهذا الاتقاء من الجهل، هو ليس تحقيق العبودية كما شرعها الله سبحانه وتعالى.
(وهكذا أيضًا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك،
فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه وببساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده فيكون هلوعًا، (َإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21))
ومنها مالايحتاج العبد إليه فهذا لاينبغي أن يعلق قلبه به فإذا تعلق قلبه به صار مستعبداً له وربما صار معتمداً على غير الله فلايبقى معه حقيقة العبادة لله ولاحقيقة التوكل على الله
بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله - صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط وإنها عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله.))
الشرح :
هذا الحديث في قول النبي وهو حديث من الأحاديث الثابتة الصحيحة، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار))
هذا الوصف الذي جاء في حقه أنه قال عليه الصلاة والسلام (تعس)
ولم يذكر هنا الحكم المتعلق بمحض الآخرة، وإنما تعس بمعنى أنه حتى في حالته الدنيوية لا يكون سعيدًا
لأن هذه الشرائع التي شرعها الله هي سعادة في الدنيا والآخرة، وهذه المحرمات التي حرمها الله على العباد، أو أمرهم بترك أسبابها، أو ما إلى ذلك
إتيانها؛ أي إتيان هذه المحرمات هو شقاء في الدنيا والآخرة.
بمعنى لا يتوهم أن ثمة انفصال بين الدنيا وبين الآخرة، ما يوجب السعادة في الآخرة في الحقيقة يوجب السعادة في الدنيا، وما يوجب التعاسة في الدنيا هو أسباب الشقاوة في الآخرة، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى - أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي تتحقق به الحياة الطبية : ( فَلَنُحْيِيَنَّ هُ... حَيَاةً طيبة ) [النحل : ٩٧]
، أهل التقوى، وأهل الإيمان هم أهل الحياة الطيبة.
لكن ربما النفس تستمع، ويعرض لها من أوجه الاستمتاع، لكن إذا جئت النفس على جميع حالها؛ أمرها ليس كذلك، ولهذا من جوامع كلم الرسول عليه الصلاة والسلام - هنا:
(( تعس عبد الدينار»، أي أنه في حاله ليس سعيدا، وهذا أمر مشاهد، أن من استعبده المال، من كان ذا مال، واستعبده هذا المال، ومعنى استعبده هذا المال أنه أشغله عن حق الله وأشغله عن حق نفسه، وأشغله عن حق أهله، وأشغله عن حق قرابته، وصار المال هو لازم حاله، وهو تفكيره، وهو حركته إلى آخره؛ هذا لا يكون سعيدا، ويتعذر أن يشعر بالسعادة، أي السعادة التي تألفها النفوس .
ولهذا البخل كان مذموما، فليس من الإنصاف البخل والإمساك، ليس محمود، والشريعة نديت وجاءت شرائعها محركة للبذل، أليس كذلك؟
قال الله - تعالى - كما في الحديث القدسي: ((يا ابن آدم! انفق؛ انفق عليك )) فالشريعة جاءت بتحريك اليد، ويبذل اليد، واليد العليا خير من اليد السفلى فالبذل الأصل فيه المشروعية،
قال: «وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله - تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: (من أحب الله وأبغض الله، وأعطى الله، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان).
الشرح :
وهذا من كمال الشريعة أنها في جميع شرائعها عدل ووسطية، في عباداتها، وفي حقوقها، وفي حقوق العباد، وفي المعاني التي هي من طبيعة البشر، ولهذا شرعت في هذا المال حتى من أكثر ما يؤثر على الناس الأموال، والأموال لها أخلاق، ومما قصر فيه كثير من الناس الدراسة لعلم أخلاق المال، وبعضهم يعتني مثلا بأحكام المال من حيث الأحكام التي يقال هذا عقد صحيح، وهذا ليس صحيحًا، إلى آخره.
ولكن الشريعة فيها أحكام المال، وفيها أخلاق المال، فإذا جئت مثلا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، هذا من أحكام المال، أليس كذلك؟ وإن كان كل حكم هو خُلق باعتبار، لكن في الوصف الأول له أنه حكم(( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، يعني هذا ليس واجبًا بالأثر الأخلاقي ابتداء، ولهذا هو حكم منشأ في الشريعة وهو وفق الأخلاق ولا شك .
ولهذا اختلف فيه الفقهاء لو كان الذى يجب إدراكه بالأخلاق ضرورة؛ ما كان محل خلاف، ولهذا الفقهاء أجمعوا على تحريم الغش، ليس لأنه جاء فيه حديث: «من غش؛ فليس منا»، بل لأن الغش منكر أخلاقي ثابت كذلك، وهذا الإجماع ليس متفرعًا عن هذه الرواية وحدها، بل عندك جملة من أدلة الشريعة التي .... لأنه وجه من الظلم إلى آخره، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا )) هذا حكم في المعاملة، ثم قال: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)).
فإن ((صدقا وبينا )) هذا حكم أخلاقي، وهذا الحكم، كما تعلم، له آثار فقهية، بصلة صحة العقد، وفسخ العقد، ورد السلعة، وما إلى ذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام - لما ذكر الأثر الأغلب والأعظم، وهو الأثر المتفرع عن الخلق: ((فإن صدقا وبينا»، ما جاءت العبارة بما يدل على أن العقد يصح، ولا ما يصح صح بيعها، ولا وجب بيعهما، ما قال الشارع هنا (وجب بيعهما ) مثلا، وإنما قال: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما».
ويكون هذا الوصف يُرتب عليه الأحكام المعلقة بالجانب، أو بالصفة الفقهية المجردة من جهة الصحة، والفساد، والبطلان، والرد، والفسخ، وما إلى ذلك.
لكن أنت تتأمل هنا في فيه حكم أخلاقي، وفيه حكم مالي، ((البيعان بالخيار»، خيار المجلس هذا الذي أقر به، أو قال به جمهور العلماء، لكن(( فإن صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعهما )) ما تحتمل أن هذه الجملة يكون فيها خلاف بين الفقهاء أن الصدق واجب، وأن البيان واجب في المعاملات.
وەذا نظام الشريعة أنها تذكر الأحكام وأخلاق هذه الأحكام، ومن تأمل ذلك في نصوص الكتاب والسنة؛ وجد ذلك مستفيضا، فالشريعة قررت العدل في المال، فالبخل مذموم، وكذلك ما يقابله مذموم - وهذا كما قلت مثل الخمر عند العرب، صحيح أن العرب بالغت في أمر البخل، حتى ربما تضر من يكون بخيلا يتضرر غيره، يعني يمضون الأثر المتعدي، فإن طال الضرر لولده، فشؤم بخل هذا المعين، وهذا الشريعة لا تقول به الشريعة لا تأتي بهذا التعدي بالأثر.
العرب لا عندها في البخل مذهب شديد وتجعل البخيل متروكاً وعليه يتحاشون الزواج منه يتقون الزواج منه ومن بناته، ومولياته، لأن لهم مذهب متشدد كثيرًا في أمر البخل، لأن البخل الحقيقي ليس اختياريا، وقوة في النفس، قد يكون له أسباب محركة، لكن في الغالب إنه ليس إراديا محضا، يعني لا تستطيعه الإرادة.
ولهذا قد يتكلم من يكون بخيلا بكلام من من أجود الكلام، وهو مقتنع فيه في فضل الإنفاق والكرم، لكنه ليس كذلك، ولهذا فيما كان لازما جعلته الشريعة واجبا، لأنه لو بقيت تشريعات المال كلها على الندب في قوم؛ لا يفيد فيهم الندب ولهذا الزكاة وجبت فريضة.
ويذكرون أن أحد العرب الذين شاع بخلهم، بقيت بناته لم تتزوج لبخله، فأشير عليه بأن يمدح بالكرم ليغسل هذا الأثر، وأن يتقوى على نفسه، وأن يقهر على نفسه، وأن يجري فعلا يُعد عند العرب لا يجريه إلا كرماؤهم، فتحامل على نفسه، وفعل ذلك مع الشاعر الأعشى من مشاهير شعراء العرب، وتعرض للأعشى، وكان الأعشى معروفًا، وهو من أهل اليمامة، لكن كان معروفًا أنه له ترحال، فتعرض للأعشى لما كاد يمربقومه، وبر له، واستقبله، وذبح له، وبالغ في إكرامه،
فقال فيه الأعشى بعض الأبيات، و كان يلقب بالمحلق، فقال الأعشى في شعره:
العمري لقد لاحت عيون كثيرة .*** إلى ضوء نار بالفلاء تحرق
تبيت المقرورین يصطليانها *** وبات على النار الندى والمحلق
فبالغ في مدحه بالكرم، كأنه يقول أن الكرم كائن، يفترض في هذا المثال في الشعر والوصف أن الكرم عبارة عن كائن حي، وأن المحلق شابين هذه النار و جالسين فقط ينتظرون قدوم طارق الطريق والضيفان، وما إلى ذلك، وأنه ما صبر على هذا الأمر إلا اثنين من من الكائنات الحية، من هم؟
الكرم نفسه والمحلق، يعني المبالغة فاستدعى الكرم، وجعله حيا، قال (تبيت)، وقال (وبات على النار)، من الذي بات ؟ ما قال المحلق وعبده مثلا، أو وصاحبه وما إلى ذلك، لا، قال: (وبات على النار الندى); أي الكرم جالس ينتظر ذهب ليله كله ينتظر ، و (بات) مثل ما قال المتنبي لما أراد أن يمدح كافور
الإخشيدي في شعره، وإن كان جعل في قصيدته عودًا، قال أبو الطيب المتنبي:
قطعت المرور والشناخيب دونه ***وجبت هجيرًا يترك الماء صابيا
(وجبت هجيرًا) يعني قطعت ، يقول يا كافور إني مشيت من الشام إلى مصر في النهار الشديد الحر، في شدة الحر، (جبت) بمعنى قطعت، (( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر : ٩]، أي قطعوا، قال (وجبت هجيرًا)؛ كثير الذين يمشون بالظهر، لكن أبو الطيب قال لا، الهجير الذي مشيت فيه أنا يختلف، هذا الهجير لو الماء مشى فيه، الماء تحول إلى
كائن حي، ويمشي فيه؛ لتوقف الماء، وقال أريد ماء.
يقول (وجبت هجيرًا يترك الماء); الماء سيكون عطشانا، الذي هو مصدر الإرواء، يقول (وجبت هجيرًا يترك الماء صابيا)
وبالمقابل الكرم الذي كانت تتمدح به العرب، ترى كرم من نوع معين، وأما الإنسان الذي كرمه عشوائي مطلقاً هذا حتى العرب ما كانت في الجاهلية تسميه كرما، تسميه غواية، أو فسادًا، أو ما إلى ذلك.
الشاهد في ذلك أن هذه المعاني التي تقولها العرب سواء في جاهليتها سواء في الخمر، أو في المال، في تصاريف العمل معه يدلك على أن ما جاءت به الشريعة على وفق قواعد الفطرة.
إذا قلنا إن العرب في مثل هذا إذا أشاروا إلى كذا في الخمر؛ فهي جذوة الفطرة، فهي جذوة، لكن فعلهم بشرب الخمر وفعلهم بمدح الخمر في كثير من أمرهم، هذا على خلاف الفطرة، ولهذا فيهم جذوة الفطرة، وليس فيهم تمام أو ظهور الفطرة،
يوجد في نفوسهم جدوة الفطرة في مثل هذه الأمور الأخلاقية . [/td]
( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) فهذا وافق ربه فيها يحبه وما يكرهه، ف كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».
الشرح :
محبة الله هي عبادة بذاتها، وقال الله في كتابه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله) وبعض الذين تكلموا في مسائل السلوك جعلوا المحبة أثرا، فقالوا إن المحبة دليلها وبرهانها الطاعة، وصحيح أن الطاعة دليل، لكن هذا يعود على المسألة الدور كما يقال، لأن الطاعة هي طاعة الله، وطاعة الله هي طاعته بما شرع، ومما شرع الله المحبة أي محبة الله سبحانه وتعالى وإذا ترك العبد بعض الفعل من العبادات الفعلية؛ لا يقال إنه ترك جميع الأفعال، أليس كذلك ؟
فمن قصر في فعل؛ لا يقال إنه قصر في جميع الأفعال، ومن فعل معصية ما، ولو من نوع واحد، فضلا عن كونها من جنس واحد، فضلا عن كونها من أجناس مختلفة، حتى في النوع الواحد مع ضيقه لا يق بالأنه فعل جميع المعاصي من هذا النوع !
أليس كذلك؟
كالغيبة مثلا، والنميمة، وما إلى ذلك التي تقرن في ذكرها، والسخرية من الإنسان، المعاني التي هي أشبه ما تكون بالأمور الاجتماعية، الخطأ من الأخلاق الاجتماعية، الخطأ التي هي الغيبة والنميمة، وما في مادتها.
فهذا النوع، هل من فعل الغيبة يجب أن يكون فعل النميمة؟ لا يلزم، أليس كذلك؟
من باب أولى إذا استعملت جنس المعاصي الظاهرة، أو جنس معاصي الأقوال، لا يلزم أن من فعل معصية قولية يكون فعل جنس المعاصي القولية، من باب أولى إذا اختلفت ماذا؟ الأجناس،
تقول المعاصي الظاهرة من جنس الظاهرة، وجنس الباطنة مثلًا، (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَة ) صحيح أنه ما من معصية إلا وتؤثر في تحريك النفس إلى المعاصي الأخرى، هذا معنى آخر، لكن تتكلم عن الفعل؛ هل السارق يلزم أن يكون هو الزاني ? هل يعاقب أو يؤاخذ بأن السارق يكون مؤاخذا بكبيرتين السرقة والزنا ؟
لا، صحيح أن إتيان الكبيرة يحرك، ويخفف الكبيرة الأخرى على النفوس، ويجرئها عليها، لكنها ليست هي تماما، لا في النوع، ولا في الجنس الواحد فضلا عن الأجناس المختلفة.
فإذا كان كذلك، فبعض الذين قرروا مسألة المحبة الله، قررت على وجهين:
عند بعض الصوفية جعل المحبة وصفًا من جنس محبة المخلوقات، وهو الجمال والتعلق بالمعاني المجردة التي ليس فيها تحقيق العبودية، كمحبة الوالد لابنه، أو لولده، أو تجد أن هنالك تعلقا مفتوحا بغض النظر عن كون هذا الولد له مصلحة على أبيه، أو له نفع، أو أدى حقوقاً، أو لم يؤد حقوقًا قد يكون طفلا، أليس كذلك؟ ومع ذلك تجد تعلق الأب به تعلقا، أومحبة الله له محبة بالغة، ومحبة عارمة، هذه فطرة.
ليست المحبة فرع عن الحق في الولد أو المصلحة، قد لا يكون، قد يكون أصلا طفلا كما تعرف، ليس الآن محل أنه يفعل البر، أو لا يفعل البر، أو يفعل خلافه وهو العقوق، فمحبة الله ليست كمحبة المخلوق، المحبة التي شرعها الله لنا في محبات العباد الله سبحانه وتعالى - ليس كمحبتهم لولدهم ووالدهم، بل هي محبة عبادية كاملة، لا تليق بمخلوق أصلا.
فهذا النوع من المحبة أخطأ في فهمه بعض الصوفية، فجردوه تجريدا، ولم يجعلوا العبادة تابعة له، ولهذا تركوا كثيرا من الأمر، أو قصروا فيه باسم تعلقهم بمسألة المحبة، وانصرافهم لها، وتجد أن الشرعيات التي شرعها الله فيها تقصير كثير، وفيها غفلة كثيرة، أو فيها مخالفات كثيرة، لم يلت إليها بهذا الشكل من الصورة التي يسمونها المحبة، وهي محبة صورية، وإذا قبل إنها صورية؛ لا يلزم أنها صورية من كل وجه.
. وبالمقابل بعض من أراد الميل عن هذا النوع من طريقة بعض الصوفية اتخذ المحبة أثرا، وجعل الأصل هو الاستجابة للأمر، وأن هذا هو المحبة فقط، أن تفعل الفعل، هذا هو المحبة، وهذا مسلك كثير الإجمال والتداخل، ويعود بالدور كما قلنا سابقا.
لأنك إذا قلت الطاعة المحبة، (من صدق في محب؛ فليطع ) يقول هذا صحيح، لكن لا تغلق فهذه شعيرة بذاتها،
محبة الله هي: شعيرة بذاتها، ومن عصى الله بعض المعصية لا يقال أنه كاذب في محبته، لأنه أصلا من عدم المحبة الله ؟ هذا لا إيمان له، ما من مسلم إلا وعنده من محبة الله بقدر إيمانه، أليس كذلك؟
هي فريضة لا يتصور عدمها مع وجود الإيمان والإسلام، فما من مسلم إلا وهو يحب الله سبحانه وتعالى - مهما كانت معاصيه، لكن لاشك أن محبة النبي عليه الصلاة والسلام - لربه سبحانه وتعالى - ليس كمحبة جملة الناس.
ومحبة أبي بكر، ومحبة الصحابة عندهم تحقيق فمثل ما نقول هم محققون في مسألة الإيمان، وكما يتفاضل الناس في تحقيق الصلاة، وفي تحقيق الأفعال، يتفاضلون في تحقيق المحبة، وفي تحقيق آثارها، وفي تحقيق مقتضياتها، المقصود أن المحبة نفسها المقصود أنها هي شعيرة وعبادة.
ولذلك أثرها أن يذوق طعم الإيمان;(( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان )) هذا الأثر، ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»؛
هذه عبادة، هذه شعيرة مثل شعيرة الصلاة، ومثل شعيرة صلة الرحم، فكيف نجعل صلة الرحم عبادة، ولا نجعل محبة الله بذاتها عبادة؟ هي عبادة بذاتها، ويدخلها التفاضل بين المؤمنين، مثل تفاضلهم بالصلاة،
ومثل تفاضلهم في صلتهم لرحمهم، ومثل تفاضلهم في برهم لوالديهم، وغير ذلك من الأعمال .
فهي عبادة مشروعة وليست أثرا لعبادة، منهم من غلا في المحبة، فجعلها صورية من جنس محبة والتعلق المقطوع عن الأحكام والتشريعات والاستجابة، ولذلك كما ضربنا مثلا بالأب يحب ولده أو طفله مع أن طفله لا استجابة له، ولا أمر له، ولا نهي له، الأب لا يستجيب لأمر ابنه لأنه يعرف ليس له أمر، وليس له عقل قد انتظم واستتم، ليس مميزا، لا يزال طفلا، وأيضا ليس له أثر على أبيه.
فتجريد المحبة بمثل هذه الطريقة هذا تجريد ليس هو الوجه الشرعي الذي عطل به بعض الصوفية الأمر والنهي باسم أنهم اتخذوا مقام المحبة، لا فالمحبة شعيرة، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله، هذه عبادات، ونعلم أن الإيمان قول وعمل، وهذه من أصول الأعمال الشرعية، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله هذه من أصول الأعمال الشرعية، هذه الطريقة من طرق بعض الصوفية، حتى الذين التفتوا للمحبة حتى عطلوا بها الأعمال، أو عطلوا بها الأعمال القلبية الأخرى.
كتعطيل أثر الخوف من الله، أو أثر الرجاء، وهذه الطرق عرضت لبعض الأمم، ولهذا نهي في كتاب الله عن القنوط من رحمة الله، وعن الأمن من مكر الله، ولم يوصف به إلا القوم الخاسرون، وقوم ضالون، وقوم خالفوا نهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن الدين نزل كاملا، لا يتخذ نوع منه لا، يصح أن تتخذ بعض الشرائع، وتغلق بها بقية الشرائع، ولهذا نهي عن الرهبانية، كله تحتاج المادة، وهذا نظام، من نظام الشريعة، نهي عن الرهبانية ونهي عن التبتل،
وجعلت الرهبانية بدعة في دين الرسل ( وَرَهْبَانِيَّة ً ابْتَدَعُوهَا ﴾ .
المقصود هنا أن المحبة شعيرة، فهذه طريقة من طرق الصوفية ليست لجميع الصوفية، ولكن لبعض الصوفية الذين جعلوا المحبة هي الشعيرة التي يدار عليها، - طبعا هذا لابد أنه يكون خطأ في فهم المحبة، يعني ليس كنتيجة - لهذا أنك تقول حققوا المحبة، وتركوا غيرها، يتصور هذا، في التشريع لا يتصور أنه يحقق المحبة، وهو معطل للخوف والرجاء مثلا، من تحقيق المحبة تحقيق عبادة الخوف والرجاء، وكذلك العبادات الأخرى .
فمن أراد لزوم المحبة، وقصر في غيرها؛ يلزمه ضرورة مخالفة التشريع، حتى من حيث الأحوال لما تكلم في السلوك والأحوال، هذا نقول خطأ لكن حتى من حيث السلوك والأحوال هل ستكون النتيجة أنه يحقق المحبة، وتكون محبته تامة لكنه في الأعمال الأخرى ناقص أو مقصر أو .... لا ، حتى لا يتصور تمام المحبة مع التقصير في إيش؟
في الواجبات الأخرى التي هي على نفس المقام من حيث الوجوب .
فهذه طريقة لبعض الصوفية قابلها بعض من أراد التباعد عن هذا المسلك، وتكلم عن مسألة المعاصي، وعن شر المعاصي، ولم يجعل للمحبة إلا حقيقة ترك المعصية، وكأن المحبة صارت هنا بهذه الطريقة التي يشير إليها بعض من كتب في السلوك ممن حاول الابتعاد عن طريقة الصوفية، فجعل المحبة في طريقته هنا جعلها أثرًا،
فتلك الطريقة الصوفية الغالية جعلت المحبة شعيرة لا أثر لها، وهذا ليس صفة شرائع الإسلام، فشرائع الإسلام شرائع لها آثارها، آثار الخير، فالشريعة والشعيرة توجب وتحرك النفس للشعيرة الأخرى، ولذلك قال الله - تعالى - عن شعيرة الصلاة ماذا؟
في المناسك قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ تَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ الشعائر هذه حقائق في القلوب والنفوس لها آثار، والحسنة تتبعها الحسنة إلى غير ذلك.
فهذا النهج الذي سلكه بعض الصوفية جعلها شعيرة مقطوعة الآثار، وصارت محبة صورية، وهذه موجودة في بعض الفلسفات قبل الإسلام، عندهم محبة الإله، حب الخالق محبة أشبه ما تكون في الفلسفات العرفانية والإشراقية الموجودة في بعض الأمم من الهنود وغير الهنود، وطبعا يغلب في بعض الأمم تعدد الآله،
لكن حتى الذين يميلون منهم إلى الوحدانية يقفون عند مسألة شهود المحبة كجمال، محبة جمالية وما إلى ذلك، فهذا النوع من المحبة ليس هو المحبة التي شرعها الله، أن تكون شعيرة لا أثر لها، أو تعطل بها الشرائع الأخرى.
ويقابل ذلك : المسلك الذي استعمله بعض المائلين للسنة، ولكنهم لم يحققوا طريقة القرآن وهدي الصحابة وطريقة السلف في فهمهم لأعمال القلوب، فيجعلون المحبة - وهذا يفعله كثير من الواعظين، أو بعبارة أدق بعض الواعظين الذين هم بعيدون - يخشون التصوف ومادته، والبدعة مادتها، ثم لا يجعل للمحبة إلا أثرا، والصحيح أن المحبة شعيرة المحبة شعيرة من الشعائر، وهي بذاتها عبادة من العبادات.
مثل ما نظر البعض، وسبق معنا في كلام الشاطبي في (الموافقات) وإن كان كتابا في قواعد التشريع والأصول والمقاصد، لكنه تكلم عن العلم،
وقال إن العلم وسيلة لعلم الشريعة وسيلة للعمل، التعبير بأن العلم وسيلة هذا خطأ، فالعلم بذاته غاية، العلم بذاته عبادة، العلم بالله، الدين قائم على العلم، ومعرفة الله هي عبادة بذاتها.
أحيانًا بعض الأساليب ألفت، وهي ما يسمى بالمقدمات المسلمة، تكون مسلمة بالإلف؛ بالإلف أحيانًا الاجتماعي، أو الإلف العلمي البسيط، الإلف الاجتماعي؛ هذا يُعرف أنه ليس قانون علمي.
ألإلف مثل بعض الإلف الاجتماعي مثل بعض الذين عند القبور يفعلون عندها البدع، وأسباب الشرك، هذا إلف اجتماعي أحيانًا، في بعض حالات أو البيئات، لكن أحيانًا حتى بعضهم الذين لهم عناية بالعلم هناك إلف علمي لبعض الكلمات، تصبح كأنها أصبحت قاعدة (العلم وسيلة للعمل) وبعض الناس يرى أن هذه الآن قاعدة، ويقرر ....
هذا خطأ أصلا، أيش العلم الذي وسيلة للعمل العمل غاية، والعلم غاية، بل هما في الحقيقة ماهية واحدة، هل يتصور عمل من دون علم الإن المعاي المسلمين لما يجي ويصلي الظهر أربع ركعات بكذا سجود، وكذا ركوع إلى آخر، ويركع بصفة كذا؛ هذا عنده علم، هذا ما حقق عملا فقط، هذا حقق عملا، وحقق علماً يعرف أن الصلاة هذا وقتها وهذا قدرها، وهذه صفتها.
فلا يتصور انفكاك العمل عن العلم، ما يعلم ما يمكن يعمل الآن لو قلت لشخص (قم)؛ قام، لأنه يعلم معنى قم، لو قلت له (اقعد)؛ قعد، لو أتيته بمصطلح أو بكلمة من لغة أخرى خاطبته بها، ما يقول، ولا يقعد، و.... لأنه ما علم المقصود، فقضية أن العلم ماهية منفكة، والعمل ماهية منفكة؛ هذا وهم ذهني أصلا.
صحيح أن الله سبحانه وتعالى أوجب على العباد أن يعملوا بما علموا ، لكن هذا لا يجعلنا نحول العلم إلى كلمة وسيلة، لأن الوسيلة دائما أضعف ، وليس مقصودة لذاتها، الله يقول: ﴿وَاللَّهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها )) شرع لنا معرفتها، وشرع لنا دعاءه سبحانه وتعالى - بها.
وكما قلت أن العبادة مبنية على العلم والعمل، لا يوجد عبادة هي علم محض لا عمل فيه، لا يوجد هذا ولهذا إذا تجرد العلم تجردا تاما؛ لا يكون عبادة الله، ولا يسمى العلم المطلق، بل هذا من جنس المعرفة التي كانت لبعض أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وقوله عن المشركين((وَلَئِ نْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾
هذه المعرفة المجردة ليست هي العلم الذي قال الله فيه ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
فالعلم هو الذي يوجد الإيمان، هذا التلازم، وهذا فيه عقيدة أهل السنة في فهمهم لمسألة الإيمان، ولهذا توهم المرجئة، وقالوا كيف العمل الظاهر يسمى إيمانًا ؟ الإيمان التصديق، وين العمل الظاهر الذي ما فيه تصديق؟
ما فيه أصلا عمل ما فيه تصديق، كما ذكرنا في كثير من الدروس لو أن شخصا يدور بالكعبة يبحث عن مفقود له شخص معتمر ويقوم يطوف، فقد طفلا، فصار يدور بين الطائفين يبحث عن هذا الطفل المفقود.
فهو الآن ما نوى الشروع في الطواف، هل نقول والله ما دام أخذ ثلاث مرات من الحجر إلى الحجر، ولقيت طفلا، وربما سبع مرات، ثم لقاه في الثامنة مثلا، نقول والله أنت كملت سبع ؟ هذا لم يقم بركن العمرة أو بركن حج، أو حتى بمشروع
مع أن الصورة الظاهرة للذي مايعرف يظن أنه طائف ومستعجل وهو في الحقيقة ماقصد الطواف .
فلا يوجد في الشريعة العمل المجرد، فأصلا كل عمل واجب فيه الإخلاص لله، و كل عبادة لابد فيها من العلم والتصديق والإخلاص، وما إلى ذلك.
الشاهد في ذلك أن بعض من تجافى طريقة الصوفية التي جعلتها شعيرة على خلاف قاعدة الشريعة في الشعائر، لأن قاعدة الشريعة في الشعائر هي ما ذكر في قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ﴾ .
ولكن المقابل الذي لا يجعل للمحبة حقيقة شرعية بذاتها، وإنما يسميها أثرا أو وسيلة أو ما إلى ذلك، هذا خطأ في فهم هذه الشعيرة فالمحبة شعيرة بذاتها، ولها آثار مثل ما الصلاة لها آثار ألم يقل الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والمنكر ) هذه قاعدة، ومحبة الله تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن وقع في معصية لا تكون محبته باطلة، مثل من وقع في معصية هل تكون صلاته باطلة، لا ما تكون باطلة، ولكن هل تكون على الدرجة الرفيعة في التحقيق، أوهي ناقصة ؟ نقول هي ناقصة ؟
ولهذا ذكر الله أن الإيمان يزيد وينقص، أو يزيد في القرآن، ولم يصرح بذكر النقص، ولكن كما قال الإمام مالك لما سئل عن نقص الإيمان، قال يا هذا أليس هو يزيد في كتاب الله ؟) يعني ألم يذكر الله في كتابه أن الإيمان يزيد، مثل قوله: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى )) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) قال (أليس هو يزيد في كتاب الله؟) فكما يزيد؛ ينقص،
يعني هذا حكم ضروري أن ما قبل الزيادة قبل النقص .
ماهوالإيمان الذي يزيد وينقص وأجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الأصل خالفوا به؟ هذا هو الفقه، هذا معنى فقه كلام السلف، وفقه عقيدة السلف، أنك تفقه معنى يزيد وينقص ما تأتي تقول العلم وسيلة، معرفة الله لا تكون وسيلة.
لكن أحيانا تأتي بعض الطرق الغالية، فتجرد بعض المعاني، فيرغب بعض المتأخرين الذين لم يحققوا رسوحا بالغا في هذه المعارف، وحسن ابتداء مبني على تفاصيل العلم، وليس على الإرادة والمحبة للسلف فقط، فيقصر ويكون هذا التباعد عن البدع يأتي بأقوال غريبة أو ناقصة، فلما وجدوا بعض أهل البدع يقول في مسائل أول الواجبات في كلام المعتزلة يقول أول واجب النظر)، وجملة يقولون (أول واجب من أهل الكلام يقولون أول واجب المعرفة)، فلما وجدواکلمة (المعرفة)، كلمة (النظر)، (القصد إلى النظر)، (أول جزء من النظر؛ هذه كلمات المتكلمين، البعض يريد أن يتكلم ليحقق مسألة العبادات الظاهرة، فيتباعد عن هذا، ويقول لا ، أو النظر أو العلم هو وسيلة للعبادة.
لا، هو عبادة، والصلاة عبادة، والحمد الله الله سمى الصلاة شعيرة، يعني وصفها بأنها عبادة، ووصف الصيام بأنه عبادة، والحج بأنه عبادة، وكذلك محبة الله عبادة، وخوف الله عبادة، وهكذا، فهذه كلها شعائر ظاهرة، أو شعائر باطنة.
هذا المسلك مسلك خطأ، وقع فيه بعض من كتب في السلوك ممن تباعد عن التصوف، ولم يفقهوا به مذهب السلف على وجهه، ويقع فيه أحيانًا بعض الوعاظ الذين يختصرون مسألة المحبة، ويختصرون مسألة المعاني التي شرعها الله عظيمة من العبادات كمحبة الله ورجائه وخوفه، وما إلى ذلك.
لكن نشوف حتى في الخوف، كثير من الناس يدور خوفه على الجنة والنار، الخوف من النار، وفي الرجاء يدور على رجاء النعيم ولا شك أن الخوف من النار خوفٌ مشروع، ورجاء الجنة رجاء مشروع، لكن كونه يكون محور عبادة الخوف والرجاء؛ هذا مقام قاصر ، لأن الخوف الخوف من سخط الله، الخوف من غضب الله .
الرجاء أعظمه رجاء الله المقام الذي أعطاه الله وتفضل به على خاصة المؤمنين ( رضي الله عنهم ورضوا عنه )
وبعدها ذكر الثواب الآخر الذي الجنة،(( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، أول مقامات الخبر في السياق قوله الله إنها يقدم في هذا المقام ما هو الأشرف، والفضل الأعظم، ما هو ؟
قال(( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ))، هذا لا شك من فضل الله عليه، لكن أول مقام هو مقام الرضا.
فالعبادات يجب أن تفقه على الوجه الشرعي، والعبودية فقه عظيم، ودقيق، وكما أخطأ فيه الصوفية؛ أخطأ فيه بعض المتأخرين على أوجه يريدون التباعد عن هذه البدعة، فيقعون أحيانًا في بعض الكلام الذي يقوله لينفكوا به عن بدعة التصوف، يبالغون في مسألة، فلا يقعون على وفق الشريعة، وهذا المعنى طبعا لم يعرض للمتقدمين من الأئمة، ولكنه يعرض لبعض المتأخرين.
وهذا له نظائر مثل ما في صفات الله، لما كـثر عند المتكلمين، وتأثر به بعض الفقهاء، صار بعض الفقهاء ليتقيه يبالغ في الإثبات، طبعا المبالغة لا تصل إلى حد التشبيه، لكن فيه زيادة بالإثبات، وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام مثلا في الصفات عن بعض الحنابلة مثلا ، طريقة ابن عقيل مائلة إلى التأويل في الجملة.
لكن جاء بعض من تباعد عن التأويل واستنكار التأويل، فبالغ، أو صار عنده زيادة في الإثبات، ولهذا ذكره ابن تيمية عن مثل أبي عبد الله بن ابي حامد من الحنابلة أن عنده زيادة في الإثبات، وفيما هو موضوعات كثيرة.
وأحيانًا درجة الإنكار للخطأ تزيد مثل مسلك أبي إسماعيل الهروي الأنصاري صاحب [منازل السائرين] لما كان كثير التباعد عن بدع متكلمة الصفاتية، بالغ في ذمهم، وفي ذم بدعتهم لدرجة أنه وقع في التكفير في بعض المسائل، على خلاف ما كان معروفًا عند السلف، ولذلك قال ابن تيمية بأن طريقته في هذا مخالفة لما عليه الأئمة كأحمد وأمثاله، فأحيانا المسائل المتقابلة، وفي الغالب أن هذا يقع من عدم التحقيق والعلم.
وتُفهم الآيات أحيانًا على غير وجهها، فبعضهم يجعل المحبة أثرا، ولا ينصبها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام والإيمان يستدل أو يتوهم الفهم الخطأ في قول الله - تعالى - ((قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهُ فَاتبعوني يُحْبِبْكُم الله ) فيتوهم من هذه الآية أن المحبة أنها أثر، وليست هي شعيرة لها آثارها.
وهذا التوهم كتوهم من توهم في قول الله - تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ كما جاء عن جملة من الصحابة ومنهم أبوبكر أنكم تقرأون آية تضعونها في غير موضعها، فهذا كذلك من يقرأ قول الله -تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله)) يجعل هذا أن المحبة أثر، وليست شعيرة قائمة بذاتها، يُعبد بها الله سبحانه وتعالى، فالله يعبد كما يُعبد بالصلاة، يُعبد بالمحبة.
طبعا الصلاة هي من محبة الله، الصلاة يعني المحبة تدخل على سائر العبادات، فالحج ضمنت فيه المحبة، والصوم ضمنت فيه المحبة، هذا الفهم الشرعي للمحبة، ليس كفهم الفلسفة للمحبة أنها المحبة الجمالية المجردة، ولهذا في الصيام في الحديث القدسي قال: «يدع طعامه وشرابه، وشهوته من أجلي»، و قال الله «الصوم لي، وأنا أجزي به، لأن العبد يفعله محبة الله، واستجابة له...
والمقصود على كل حال هذا مقام من مقامات المسائل، وهذه الرسالة لمن تأملها رسالة جامعة في إشارات هذه الحقيقة الشرعية العظيمة، وهي عبادة الله بمحبته سبحانه وتعالى، لأنه وقع فيها إفراط أو تفريط.[/td]
( وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من الله ورسوله أحب إليه مما سوهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقله الله منه كمايكره أن يلقى في النار))
فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ))
الشرح :
قال المصنف رحمه الله: "وفي الصحيح الحديث متفق على صحته، ولكن تعلم أن العلماء - رحمهم الله - يقصدون بمثل هذا التنبيه على أن الحديث من المخرج في الصحيح، وليس هذا من الفوات على المصنف، فهو من أهل العلم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - علماً مستفيضاً واسعاً عرف به - رحمه الله -.
قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان )
وهذا حديث أنس، قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، وجاء بلفظ:
((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،
وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))
فهذا حديث عظيم، وهو من جوامع أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي -عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح وغيره قد أوتي جوامع الكلم،
فهذا حديث عظيم القدر، وفيه بين النبي - صلى الله عليه وسلم - الأسباب الشرعية التي يحصل بها تحقيق الإيمان
وأعظمها وأجلها: محبة الله - سبحانه وتعالى، فإن قيل : فالإخلاص ؟
قيل: ما من محبة الله - سبحانه - إلا ويصاحبها الإخلاص، ومن تحققت محبته تحقق إخلاصه، كما قال الله - جل وعلا :
((قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْيِيكُمُ الله)) فهذا مما لا ينبغي أن يلتبس على الناظر بآيات الكتاب وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم،
فإذا ذكر الله في مقام وجهاً من مقامات العبودية أو سمى مقاماً من مقاماتها، لم يدل هذا السياق في القرآن أو في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على عدم دخول غيره، بل إن غيره من المقامات إما أن يدخل فيه تضمناً، وإما أن يدخل فيه لزوماً،
فإن محبة الله سبحانه وتعالى وكذلك محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي متضمنة ومستلزمة لسائر أوجه العبادة والطاعة ولسائر أوجه الإيمان من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))
ولهذا عرف بهذا الحديث أن محبة الله من أخص مقامات العبودية له، ولهذا يعبد الله - وعلا - محبة له، وهذا هو التحقيق المقام العبودية، وليست العبادة على سبيل المعاوضة والنظر في ما سمي من الثواب والجزاء في الآخرة، فتنقطع نفس المكلف عند هذه الدرجة،
فإن هذا النظر - وإن كان استصحابه صحيحاً وشرعياً - ولكنه لا يصح أن يكون هو منتهى مقصود العابدين ونظر العارفين،
وإنها عبادة الله هي حق الله سبحانه وتعالى - تجب له، ويُعبد ربنا - سبحانه وتعالى من عابديه ومنا حامديه ومن مسبحيه ومن ذاكريه ومن المصلين ومن الساجدين ومن القائمين المؤمنين بالله يعبدون ربهم بهذا الدين العظيم،
يعبدون الله بأنه وعلا - مستحق للعبادة، وما آتاهم من النعم وما وعدهم به من الثواب فهذا فضل من الله ورحمة.
قال: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله)
وهو تحقيق المحبة بين المؤمنين بأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه،
وجاء في الحديث الآخر وهو حديث أنس أيضاً، قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه،))
وهذا من جهة جملة المقصودات فيما يحب المرء لنفسه، ولهذا فإن دين الإسلام دين عظيم من جهة مقاصد النفوس وأصلها الأمانة التي ذكرها الله في قوله:
قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام ( وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)
الشرح :
وهو البراءة من الكفر في حق من كان كان كافراً فهداه الله إلى الإسلام، فلثبوته في الإيمان ولتثبيت الله له في إيمانه، فإنه يكره مادة الكفر كما يكره أن يقذف في النار، وهذا دليل على تحقق إيمانه وصدق إيمانه وأنه دخل هذا الدين إيماناً واستجابة وليس طمعاً في الدنيا أو نحو ذلك من الأسباب التي قد تحرك بعض النفوس إلى ذلك،
قال شيخ الإسلام، قال:( فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه)
الشرح :
أي أحب ما يحبه الله، وكره ما كرهه الله - سبحانه وتعالى - وائتمر بما أمره الله وانتهى عما نهاه الله عنه.
قال شيخ الإسلام :
فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق الله لا لغرض آخر، فهذا من تمام حبه الله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بقَوْمٍ تُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
ولهذا قال الله تعالى: ﴿قلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهُ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ))
فإن الرسول يأمر بما يحبه الله وينهى عما يغضبه الله، ويفعل ما يحبه الله ويخبر بما يحب الله التصديق به))
الشرح :
وهذا بين في قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ،)) فبَينَ الله في كتابه أن طاعة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - هي من محبة الله فضلاً عن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم ، ولهذا شعائر الإيمان بينها تلازم، وهي أصول وكل أصل منها له فروعه، ولذلك من اعتنى بمقام الأصول من جهة حقها وحفظها والعناية بها وتعظيمها ولزومها، تحقق له في الجملة مقام الفروع،
سواء كان ذلك في المقام العلمي أو المقام العبادي أو المقام السلوكي والأخلاقي،
ومن الجهل الالتفات إلى الفروع والإقبال عليها مع عدم الحظ الوافر الذي يلازم مقام الأصول.
فإن من سلك هذه الطريقة ضعف حاله والتبست حاله بمقام من الجهل ومقام من الظلم، يدريه تارة، ولا يدريه تارة أخرى،
ولذلك تجد أن كتاب الله - سبحانه وتعالى - عظمت فيه أصول الشريعة، وعظمت فيه أصول العلم، وبينت في قصص الأنبياء وفي قصص الرسل عليهم الصلاة والسلام،
وذكرت مقاماتها تترا في كتاب الله - سبحانه وتعالى، وبعض المفصل من التشريع ذكر في القرآن:
إما مجملاً تارة،
أو لم يذكر، وذكر في السنة،
أو هو من المستنبط من الكتاب والسنة.
وإن كان يقع ما هو من مفصل التشريع صريح المسمى في الكتاب والسنة، لكن فيما يتعلق بالأصول:
الأصول ليست مستنبطة، أصول الشريعة وأصول الديانة وأصول العدل وأصول الأخلاق وأصول العلم، هذه ليست قائمة في أصلها على الاستنباط، بل أصلها محكم.
فإن المستنبط يدخله الاختلاف والاجتهاد، ولذلك إنما سبق الصحابة رضي الله تعالى عنهم بما هم عليه من العناية بالأصول - أصول العلم وأصول العمل وأصول الأخلاق وأصول العبادة وأصول السلوك والأحوال إلى غير ذلك،
ونقص كثير ممن جاء بعدهم أو بجملة أسباب، ولكن قد يكون منها: هذا الخلل في المنهج وهو العناية ببعض الفروع والإقبال عليها مع ترك لكثير من الأصول من جهة العناية بمقامها فيكتفي بما هو أصل بجملته ويقبل على كل مفصل فرع وهذا إذا دخل على أي طريقة أو أي باب لم يصب صاحبه التحقيق .
واعتبر ذلك بمقام العلم فإن من لم بتقن أصول العلم في أي باب من أبواب الشريعة أو علم من علومها التي سماها العلماء بعد ذلك فإنه لايكون علماً بالفروع
فمن جاء إلى الفقه مثلاً وأراد أن يأخذ الفقه كمسائل منفكه كل مسألة عن أختها وعن بابها وعن سياقها، وصار ينظر إلى المسائل باعتبارها أحكاماً مختصة كل حكم يختص بحاله وحده، فإن هذا مهما جمع من الأقوال ومهما ساق من الاستدلال، فإنه لا يكون على مقام الفقه الصحيح .
بل يكون فقهه في غاية مرامه وفي أوسع نظامه يكون من باب الجمع وإن علت فيه بعض الألفاظ أو زادت فيه بعض الجمع من جهة كثرة التحصيل.
فإنه لا يأتي على مقام الفقه إلا من وفقه الله للفقه أولاً ثم ابتغى السبب من جهة الكسب باعتبار مقام الأصول - وهي أصول الفقه التي يبنى عليها فقه الشريعة - وأصول الفقه في هذا المقام لا تختص بعلم أصول الفقه وحده، وإن كان علم أصول الفقه من هذا المقام، ولكن العلم بأصول الفقه في كتاب الله و كيف رتبت الأحكام وكيف رتبت الشريعة وكيف ضمنت أحكامها المستنبطة في الأمر والنهي وفي الخبر تارة أخرى،
وما هي القواعد الحاكمة لهذا الأمر والنهي ولهذا التشريع.
وهذا المعنى المستفيض تترا في كلام الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام - الذي ابتغى العلماء والبصراء والفاحصون من علماء الشريعة أن يقربوه وأن يصنفوه، وصنفوا لذلك ونتيجة عن ذلك ما سموه بعلم أصول الفقه وما سموه بعلم القواعد الفقهية وعلم مقاصد الشريعة ونحو ذلك.
فعلم الشريعة علم قائم على الفقه، والفقه منحة ومنة ونعمة من الله يؤتيها الله من يشاء، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين،))
ولما دعا لابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (اللهم فقهه في الدين)) فالفقه في الشريعة والفقهاء هم العارفون بقواعد الشريعة وأصول المبينة في كلام الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام التي قربها العلماء بهذه العلوم المسماة، سواء كانت مسائل الفروع فيما سموه بعلم الفقه، وعلم أصول الفقه في الاستدلال والدلالات والأدلة أو علم القواعد الفقهية أو علم مقاصد الشريعة،
ثم إذا ابتغى هذا المقام العلمي ليحصل له الفقه في الدين لم يكفه ذلك وحده حتى يلتفت إلى مقام المعرفة والنفس ويصير على مقام من تحقيق الأخلاق الصحيحة التي كان عليها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام ؛ لأنها من مقصود نبوتهم، بل من أعظم مقاصد نبوتهم تزكية النفوس،
فالعالم والفقيه لابد أن تكون نفسه على مقام من التزكية في العناية بعلمه وبأخلاقه.
والعلم والأخلاق هنا وعلم السلوك والأحوال منهج واسع، ويتحقق بذلك العلم بقواعده العلمية وتطبيقاته الفرعية، ومن قواعده العلمية أن يدرب طالب الفقه نفسه وملكته على الاعتدال، فإن البعض قد يجهد ملكته ونفسه على البحث وكثرة التتبع، ولكنه لم يدرب نفسه على فقه الاعتدال وفقه الوسطية التي جاءت بها الشريعة في نظره إلى المسائل وفي نظره إلى أقوال الفقهاء حتى يكون فقهه فقهاً عدلاً وفقها منتظماً مع حرمة الشريعة ومنيف أمرها ومنيف مقامها،
فلا يقع في إفراط ولا يقع في تفريط، بل يقع فقهاً وسطاً عدلاً؛ لأن القول في الدين و من الشهادة،
والله جل - وعلا- يقول في كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .
فطالب العلم لابد أن يربي نفسه، فإن العلم ليس تقحماً، وهذا قانون مطرد في الأشياء.
فإنك لو جئت أهل التجارات لقالوا لك إن التجارة ليست تقحماً، ومن تقحم التجارة على درجة من الاندفاع وعدم الأخذ بقواعد الاستثمار و قواعد التجار وقع في كثير من الخلل والسخط وربما أرهقته الديون أو أهرقته الديون بأسباب تسرعه وتقحمه ونحو ذلك.
فإذا كان هذا شأناً مشهوداً وعلماً مشهوداً يدرسه البشر باختلاف دينهم، يدرسون علوم الاستثمار وعلوم التجارة وعلوم المال وما إلى ذلك، فمن باب أولى أن يعتبر هذا المقام لمن أراد أن يتعلم علم الشريعة، وأن يعرف أن علم الشريعة علم رفيع منيف له قواعد وله أخلاق وله أدب وله حرمة ومن حقه أن يحفظ وأن يُصان عما لا يليق به.
وأخص ذلك القواعد المسماة في الكتاب والسنة، هذا أخصه وهذا أعظم أصله، والعناية بمقام النفس وتزكيتها في العبادة والصدق والأمانة والبر والخير، والعناية بقواعده العلمية الأخلاقية العامة كالعدل والوسطية وسعة الفقه ومعرفة كليات الشريعة من يسرها وسماحتها ورفعة مقامها وحفظها لحقوق الناس وما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من التيسير في الدين وأن الدين وضع الآصار والأغلال عن الناس،
فحتى يكون دين الله - سبحانه وتعالى كما أراده الله -جل وعلا - صراطاً مستقيماً بهندي به الناس ويستيرون به لأنه نور لهم في حياتهم ونولم بعد مماتهم ونور لهم بين يدي لقاء ربهم سبحانه وتعالى- وهو العمل الصالح.
فالعلم الشرعي من أخص الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله - سبحانه وتعالى، ولكنه علم منيف رفيع يحتاج إلى هذه الدرجة من الصبر ومن العقل ومن الحكمة ومن التؤدة وقبل ذلك من الإخلاص الله وأن يقبل الإنسان بدعاء الله -سبحانه وتعالى وسؤاله أن يرزقه الفقه في الدين،
فإن الفقه في الدين أصله فضل من الله يصطفي به من يشاء، وتمامه نعمة من الله يهدي إليه من يشاء، أصله فضل من الله، وفضل لدني من الله سبحانه ، وتمامه نعمة من الله وفضل منه يهدي إليه من يشاء
فالعبد في توفيق الله له هو قاصر، وحتى فيما كسبه من تعلمه، إنما كسبه بما آتاه الله وخلقه الله عليه من قبوله لهذا العلم وما هداه له وبصره فيه، وهو الذي خلق الإنسان وقدر له ما قدر - سبحانه وتعالى، فالعبد لا يزال في نعمة الله.
ولهذا دعا رسول الله - عليه الصلاة والسلام لابن عباس بقوله - عليه الصلاة والسلام-: (اللهم فقه في الدين))
فعلم الفقه ليس هو أن ينتسب الإنسان إلى هذا العلم فيكون من أهله ولابد، صحيح أن من بذل نفسه فيه ودراسته أتاه الله منه حظاً والله لطيف بعباده،
لكن من أراد أن يكون من أهل التحقيق فيه و المعرفة بقواعده، فليعلَ في الفقه على أصل الشريعة وقاعدتها ونظامها الذي جاء ليكون برهاناً مبيناً إلى قيام الساعة .