فضل الزهد في الدنيا

إنضم
03/01/2021
المشاركات
484
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر



كتبه/ سعيد محمود

الغرض من الخطبة في مقدمة:
- التحذير من إقبال كثير من الناس على الدنيا وتنافسهم عليها مما يسبب قسوة في القلوب وغفلة عن العمل للآخرة.
- تعريف الدنيا: قيل سميت بالدنيا من الدنو، وكل شيء موصوف بالدنو فهو زهيد القيمة، قليل الشأن.
وقيل: لأنها أدنى الآخرة، قال -تعالى-: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى)(الضحى:4).
وقيل: لأنها بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها) رواه البخاري.
قلت: بل ولا طاعة من الطاعات في الدنيا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) رواه مسلم.


عناصر الخطبة:
1- القرآن يزهد في الدنيا ويحذر منها:

- قال -تعالى-: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(يونس:24).
- وقال -تعالى-: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ)(الحديد:20).
- وقال سبحانه وتعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(آل عمران:14)، وقال -تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ
. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ... )(التكاثر).

2- النبي -صلى الله عليه وسلم- يزهد في الدنيا ويحذرنا من فتنتها:
- عن عمرو بن عوف -رضي الله عنه-: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين قالوا أجل يا رسول الله قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)متفق عليه.
- عن جابر -رضي الله عنه-:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كـَنَفـَتـَهُ -أي: جانبه- فمر بجدي أسك ميت فتناوله بأذنه ثم قال أيكم يحب أن هذا بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا والله لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت فقال والله للدنيا أهون على الله عز وجل من هذا عليكم)رواه مسلم.
- وقال -صلى الله عليه وسلم-:
(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء)رواه الترمذي، وصححه الألباني.

3- الدنيا سريعة الانقضاء:
- مقدارها عند أهلها يوم القيامة (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)(المؤمنون:113).
- شبهها الله بالزهور؛ لأنها قصيرة العمر:
(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)(طه:131).
- مكث الإنسان فيها قليل فضلا عن قلتها، قال -صلى الله عليه وسلم-:
(ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)رواه الترمذي، وصححه الألباني.
- وقال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:
(كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل)رواه البخاري.

4- أعظم نعيم في الدنيا لا قيمة له:
- عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط)رواه مسلم.

5- الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة:
- ندم المفرطين في الدنيا: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)(الفجر:24).
- الآخرة هي دار الأهل والولد، ففي حديث فتنة القبر يقول الميت -العبد المؤمن-:
(رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي) رواه أحمد، وصححه الألباني.
- لن تأخذ من الدنيا معك إلا العمل، قال -صلى الله عليه وسلم-:
(يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله)متفق عليه.

6- صور مشرفة في الزهد:
- زهد النبي -صلى الله عليه وسلم-:

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فجعلت أقلب بصري في حجرته فلا أجد شيئا يرتد إليه البصر".
- عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول:
(والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار قال قلت يا خالة فما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقيناه)متفق عليه.
- زهد أبي بكر -رضي الله عنه-:
- قالت عائشة -رضي الله عنها-: "مات أبو بكر ولم يترك درهما ولا دينارا ولما كان مرض موته قال: كفنوني في ثوبي الحي أولى بالجديد".
- زهد عائشة -رضي الله عنها-:
قال عروة: "لقد رأيت عائشة -رضي الله عنها- تقسم سبعين ألفا وهي ترقع درعها".
- زهد عمر -رضي الله عنه-:
قيل له في عيشه الخشن، فقال: "أنسيتم عيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنسيتم عيش أبي بكر -رضي الله عنه-، والله إني لأرجو بعيشي الخشن هذا أن ألحق بهما في عيشهما الرخي".

صوت السلف



 

حقيقة الزهد وصفات الزاهدين​



ليس الزهد في الدنيا بتحريم الطيبات وكف النفس عنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس ولم يحرم على نفسه شيئا أباحه الله له، وهذا كلام نفيس في حقيقة الزهد وبم يتحقق ننقله من كلام العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ قال في مدارج السالكين ما عبارته:

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه

الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.


والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.


والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين.


وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته وهو من أجمع الكلام وهو يدل على أنه ـ رضي الله عنه ـ من هذا العلم بالمحل الأعلى وقد شهد الشافعي ـ رحمه الله ـ بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد.


والذي أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد كالزهد لعبد الله ابن المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم ومتعلقه ستة أشياء: لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها: وهي المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله، وليس المراد رفضها من الملك، فقد كان سليمان وداود ـ عليهما السلام ـ من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف والزبير وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي ـ رضي الله عنه ـ من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم، وكان عبدالله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء.


ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن، أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة


المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك ـ فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه وقد روي مرفوعا. انتهى.


فالزاهد هو الذي يقنع بما آتاه الله ولا يأسى على ما فاته من الدنيا ولا يعلق قلبه بغير ربه تعالى ويكون بما في يد الله أوثق مما في يده، ويعرض عن كل ما يشغله عن ربه وعبادته، فالزاهد الحق هو من سلك مسلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فمثل هذا هو الزاهد حقا، قال ابن رجب ـ رحمه الله: وقال الفضيلُ بن عياض: أصلُ الزُّهد الرِّضا عَنِ الله عز وجل، وقال: القنوع هو الزهد، وهو الغنى.


فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفاً ومنعه ذلك مِنْ طلب الدُّنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك، كان زاهداً في الدُّنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإنْ لم يكن له شيء من الدنيا. انتهى.


وهذه جملة من الآثار عن سلفنا الطيب نقلها عنهم الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم يتبين لك بها حقيقة الزهد وأنه ليس بتحريم الحلال والامتناع عن المباح، قال ـ رحمه الله: وسئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يغلب الحرامُ صبرَه، ولم يشغل الحلالُ شكره ـ وهذا قريبٌ ممَّا قبله، فإنَّ معناه أنَّ الزاهد في الدُّنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلالٌ لم يشغَلْهُ عَنِ الشُّكر، بل قام بشكرِ الله عليه.


قال أحمد بن أبي الحواري: قلتُ لسفيان بن عيينة: مَنِ الزَّاهد في الدُّنيا؟ قال: من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلي صبرـ فقلت: يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر، وابتلي فصبر، وحبس النِّعمةَ، كيف يكون زاهداً؟! فقال: اسكت من لم تمنعه النَّعماءُ مِنَ الشُّكر، ولا البلوى من الصَّبر، فذلك الزاهد.


وقال ربيعة: رأس الزهادة جمعُ الأشياء بحقها ووضعُها في حقِّها.


وقال سفيان الثوري: الزهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء، وقال: كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدُّنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تزوِها عنا، فترغِّبنا فيها ـ وكذا قال الإمام أحمد: الزُّهد في الدُّنيا: قِصَرُ الأمل، وقال مرة: قِصَرُ الأملِ واليأسُ مما في أيدي الناس. انتهى.


فهذا هو الزاهد المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين، يقول ابن القيم في صفته: فهذا هو المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين حقا القائم بهما صدقا ملبسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته ومجلسه حيث انتهى به المكان، ووجده خاليا لا تملكه إشارة ولا يتعبده قيد ولا يستولي عليه رسم، حر مجرد دائر مع الأمر حيث دار يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كل محق ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله والغضب إذا انتهكت محارم الله فهو لله وبالله ومع الله قد صحب الله بلا خلق وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها فواها له ما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه والله المستعان وعليه التكلان. انتهى.


والله أعلم.

إسلام ويب
 
عودة
أعلى