فضائل حفظ الفروج

إنضم
03/01/2021
المشاركات
382
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الكريم, وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد: حِفْظُ الفُروج من الأُمور بالغة الأهمية؛ حيث انتشر في بعض المُجتمعات التحرُّشُ الجِنسي, وإطلاقُ النَّظرِ إلى الأجنبيات, والتَّبرجُ والسُّفور, وكان من آثار هذه المخالفات الشرعية انتشارُ الزنا, ومحاولاتُ البحث عن طُرُق غير مشروعة لتصريف الغريزة الجِنسية, مِمَّا يترتَّب عليه زِيادةُ الأطفال اللُّقطاء, وظهورُ أمراضٍ خَطِرة, وغيابُ الأمن المُجتمعي, واهتِزازُ الاستقرار الأسري.


ولِخُطورة هذه المُخالفات على المجتمعات؛ فإنَّ الإسلام بَيَّن سُبَلَ الوقايةِ منها, ووسائِلَ علاجِها, وسأكتفي هنا بإبراز فضائلِ حِفظِ الفُرُوج في الإسلام.

من أعظمها: الفلاح في الدنيا والآخرة, ودخول الجنة: فقد جاء في القرآن الكريم ما يُشِير إلى أنَّ الذي يحفظ فرجَه من المفلحين, ومن المُكْرَمين في جنات النَّعيم, قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...) (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 1 - 11].


فقد ذَكَرَ اللهُ -تعالى- بأنَّ من أسباب فلاحِهم وسعادتِهم حِفْظَهم لِفُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فلا يَطَؤون بها وَطْأً مُحَرَّمًا؛ من زنًا أو لِواطٍ، أو وطء في دُبُرٍ، أو حيضٍ، ونحو ذلك، وتَرْكَهم كُلَّ وسيلةٍ مُحرَّمة تدعو إلى فِعْلِ الفاحشة.


وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...) (أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)[المعارج: 29-34], فهؤلاء المَوصُوفون بتلك الصِّفات (فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)؛ أي: قد أوصَلَ اللهُ لهم من الكرامةِ والنَّعيمِ المُقيم ما تشتهيه الأنفس، وتلذُّ الأعين، وهم فيها خالدون, وهذا مِمَّا يُنَشِّط العامِلين؛ بأنْ يَذْكُرَ لهم من الثواب على أعمالهم، ما به يَسْتَعِينون على سلوك الصراط المستقيم.


وجاء في صفة الفردوس -الذي يَرِثُه الحافِظُون فروجَهم والحافِظاتُ- أنه أَعلى الجنة, كما في الحديث: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ, فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ, وَأَعْلَى الْجَنَّةِ, وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ, وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ"(رواه البخاري).


وأخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ مَنْ يَحْفَظُ فرجَه فله الجنة, كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ"(رواه البخاري), ففيه إشارةٌ إلى وجوب حِفْظِ اللسان والفرج, والمرادُ بالضَّمان هنا ترك المعاصي بهما.


وقال أيضاً: "اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ؛ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ, وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ, وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ, وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ, وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ, وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ"(حسن, رواه أحمد), وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا, وَصَامَتْ شَهْرَهَا, وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا, وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ"(حسن لغيره, رواه أحمد).


ومن عِفَّةِ مريمَ وإحصانِها لِفَرجِها, عندما تَمَثَّلَ لها المَلَكُ على صورة رجُلٍ, تعوذَّت بالله منه: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا)[مريم: 18], فامْتَدَحَها اللهُ -تعالى- بحفظها لِفَرْجِها, كما في قوله -سبحانه-: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)[التحريم: 12].


ومن فضائل حِفْظِ الفروج: مغفرةُ الذنوب, ونيلُ الأجور العظيمة: قال الله -تعالى-: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 35], ففي الآية تأكيدٌ على أنَّ حِفْظَ الفروج لا يختص به الرجال دون النساء, ولا العكس, وإنما الأمر على السواء, وكذلك الجزاء والأجر على السواء, نسأل اللهَ -تعالى- من فضله العظيم.


ومن فضائل حِفْظِ الفروج: إجابة الدعاء: فمَنْ حَفِظَ فرجَه عن الحرام؛ فإنَّ اللهَ -تعالى- يُفَرِّج كَرْبَه, ويستجيب دُعاءَه عند الشدائد, ويدل عليه قصة أصحاب الغار الثلاثة, والتوسل بصالح الأعمال, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ, فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ, فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ, فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ, فَادْعُوا اللَّهَ -تعالى- بِهَا, لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ" وفيه: "وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ, أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ, وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا, فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ, فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ, فَجِئْتُهَا بِهَا, فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا؛ قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ, وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ, فَقُمْتُ عَنْهَا, فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً؛ فَفَرَجَ لَهُمْ"(رواه مسلم).

قال النووي -رحمه الله-: "يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِ, وَيَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ -تعالى- بِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ, فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ, وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ, وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ, وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عن المُحرَّمات, لاسيما بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا, وَالْهَمِّ بِفِعْلِهَا, وَيُتْرَكُ لِلَّهِ -تعالى- خَالِصًا".

عباد الله: ومِمَّا يدلُّ أيضاً على أنَّ حِفْظَ الفروج من أسباب إجابة الدعاء: قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- بِسَارَةَ, فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً, فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ -أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ-, فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ, فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ! مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟, قَالَ: أُخْتِي, ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: لاَ تُكَذِّبِي حَدِيثِي؛ فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي, وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ, فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا, فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي, فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي؛ فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ؛ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ"؛ أي: أُخِذَ بِمَجارِي نَفَسِه وخُنِقَ, حتى سُمِعَ له غَطِيطٌ, وضَرَبَ بِرِجْلِه. (رواه البخاري), والشاهد: أنَّ الله استجاب دُعاءَها حين توسَّلَـتْ إليه بالإيمان, وحِفْظِ الفَرْج.


ومن فضائل حِفْظِ الفرج: أنه سبب في ظِلِّ الله يومَ القيامة, يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظله؛ فمِنَ السَّبعة الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يوم ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه: "رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ"(رواه البخاري), فقَلَّ مَنْ يجتمع فيها الجَاهُ والجَمَالُ من النساء, وهي الداعية له إلى الفاحشة, ومع ذلك لم يُجِبْها إلى ما دعته إليه؛ خوفاً من الله -تعالى-؛ فترتَّبَ على ذلك أنْ يُظِلَّه اللهُ في ظِلِّه يوم القيامة, إِذَا قَامَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ, وَدَنَتْ مِنْهُمُ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا, وَأَخَذَهُمُ الْعَرَقُ, وَلَا ظِلَّ هُنَاكَ لِشَيْءٍ إِلَّا لِلْعَرْشِ, فمَنْ حَفِظَ فَرْجَه عن الحرام في الدنيا؛ جَدِيرٌ وحقيقٌ بهذا الفَضْلِ في الآخرة, نسأل اللهَ -تعالى- من فضله.


ولله دَرُّ نَبِيِّ اللهِ يوسفَ -عليه السلام- في موقفه مع امرأة العزيز؛ لقد كان أُنموذَجاً للعِفَّة: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ)[يوسف: 23], فكلُّ الظروف مِنْ حولَه تدفعه إلى الفاحشة؛ حيث كان شابًّا عَزَباً, غَرِيباً لا يُبالي بالناس, مملوكاً عندها, وهي حسناء جميلة, وغاب الرقيب, وغَلَّقَتْ الأبواب, وتُهدِّدُه بالسِّجن إنْ لم يفعل, ولِخَوفه من الله -تعالى- وامتناعِه عن الحرام المُهَيَّئِ له؛ أكْرَمَه اللهُ -تعالى- فأظْهَرَ براءَتَه: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)[يوسف: 24], فلْيَقْتَدِ الشَّبابُ بهذا النبيِّ الكريم.


وقد امتدحَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الشَّبابَ الحافظين لفروجهم, ووَعَدَهم الجنة, كما في قوله: "يَا شَبَابَ قُرَيْشٍ! احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، لاَ تَزْنُوا, أَلاَ مَنْ حَفِظَ فَرْجَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ"(حسن, رواه الحاكم والبيهقي), ولَمَّا ذَكَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أهلَ الجنة, ذَكَر منهم: "عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ"(رواه مسلم).


عباد الله: ومن أعظم أسباب حِفْظِ العَورات: التربية الإيمانية, وتقوية الصِّلَة بالله -تعالى-, فتعلَمْ أنَّ الله -سبحانه- يراكَ في السِّر والعَلَن, يقول -تعالى-: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)[الأنعام: 3], يقول ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- في قوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)[غافر: 19]: "هو الرَّجُل يكون في القوم, فتَمُرُّ بهم المرأةُ, فيُرِيهم أنه يَغُضُّ بَصَرَه عنها, وإذا غَفَلوا لَحَظَ إليها, وإذا نظروا غَضَّ بصرَه عنها, وقد اطَّلَعَ اللهُ من قلبه أنه وَدَّ أنْ يَنظُرَ إلى عَورتِها".


وغَضُّ البصر سببٌ لِحِفْظِ الفَرْج, قال -سبحانه-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)[النور: 30, 31].


كُــلُّ الْحَــــوَادِثِ مَــــبْدَاهَا مِــنْ النَّظَرِ *** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ

كَمْ نَظْرَةً فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا *** فَتْكَ السِّــهَــامِ بِــلَا قَــوْسٍ وَلَا وَتَــرِ



وهناك آدابٌ شتَّى: للنظر, والاستئذان, والتَّستُّر, والتَّكشُّف, والزِّينة, وسفرِ المرأة, وخَلوَتِها, وعودةِ الرجل إلى بيته، وموقفِ المرأة من أقاربِها وأقاربِ زوجِها؛ كلُّ ذلك من أجل العِفَّةِ والعَفاف.


محمود بن أحمد الدوسري

ملتقى الخطباء
 
إن الله أثنى على المؤمنين في حفظهم لفروجهم، ومن أعظم ما يضاد هذه الصفة وينافيها الزنا، لما فيه من المفاسد والشرور والآثام والجنايات العظيمة الكثيرة منها:

1- الزنا جريمة خلقية تهدم الأخلاق الفاضلة، وتقضي عليها.

2- الزنا جريمة تذهب الغيرة الدينية.

3- الزنا جريمة تذهب بالحياء وماء الوجه.

4- الزنا جريمة مستفحشة شرعًا وعقلًا وفطرة.

5- الزنا تجرُّؤ على حرمات الله، واعتداء على حقوقه.

6- الزنا جناية على الزوج وانتهاك لحرمته.

7- الزنا جناية على الزوجة لما فيه من إلصاق العار بها، وعدم إعفاف الزاني لها.

8- الزنا فيه إفساد لفراش الزوج.

9- الزنا جناية على الإسلام لما فيه من الاستخفاف به، وإيجاد أولاد غير شرعيين.

10- الزنا جناية على المسلمين لما فيه من إيجاد البغضاء والأحقاد وزرعها فيما بينهم، ولما فيه من اختلاط الأنساب.

11- الزنا جناية على أهل الزوجة لما فيه من لحوق العار بهم.

12- الزنا جناية على أقارب الزوج لما فيه من تشويه سمعتهم وخدش كرامتهم، ومن أجل هذه الشرور والآثام والجنايات حرَّم الإسلام فاحشة الزنا، وتوعد صاحبها بوعيد شديد في الآخرة وعاقبه في الدنيا بأشد عقوبة وأعظمها، حيث أمر بقتله أشنع قتلة إن كان محصنًا، وذلك بأن يرجم بالحجارة حتى يموت ليصل الألم إلى كل جزء من أجزائه، كما وصلت اللذة المحرمة إلى جميع أجزائه، والله حكيم عليم.

ونفى الله الإيمان عن الزاني على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- لما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.

فجدير بالمسلم أن يبتعد عن فاحشة الزنا، وقد علم ما يترتب عليها من الشرور والآثام، وأنها من كبائر الذنوب العظام ليسلم من العقوبة في الدنيا، والوعيد الشديد في الآخرة، وليحصل على الوعد الكريم من الله لمن اجتنب الكبائر في قوله -تعالى-: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا.

وإن مما ينافي حفظ الفرج ويضادّه أيضا، اللواط؛ تلك الجريمة الأخلاقية المستبشعة في الفطر السليمة، فضلًا عن العقول والشرائع، بل إن البهائم العجماوات تأنف منها، وتنفر بطبعها من اقترافها فضلًا عن الإنسان الذي ميّزه الله وكرمه وفضله على كثير من مخلوقات الله، فضلًا عن المسلم الذي له مبدأ وعقيدة ومُثُل وأخلاق يعتز بها، ويشرُف بتطبيقها، والعمل بها، فقد شرفه بالإسلام والإيمان.

ولقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم باتصافهم بحفظ فروجهم، وإن جريمة اللواط تضاد هذه الصفة، وتناقضها تمام المناقضة، تلك الجريمة الخلقية الشنعاء التي تأنفها الطباع السليمة والفطر المستقيمة والعقول الصحيحة، وجاءت الشرائع بتحريمها وبتشنيعها، موافقة للعقول والفطر، فإن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح.

ولم تعرف هذه الجريمة قبل قوم لوط مبتدعي اللواطة، فهم الذين ابتكروها وابتدعوها وسنّوها لمن بعدهم، وذلك شيء لم تكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببال أحد، حتى صنع ذلك أهل سدوم - قوم لوط - عليهم لعائن الله.

قال الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق لولا أن الله عز وجل قصَّ علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا، ولهذا قال لهم نبيهم لوط -عليه الصلاة والسلام-: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.

فجريمة اللواط فاحشة بلغت في العظم والشناعة إلى أن استغرقت أنواع الفحش، وسماها الله إسرافًا؛ لأن هؤلاء الخبثاء عدلوا عن النساء اللاتي خلقهن الله للرجال، وهذا إسراف وجهل، ووضع للشيء في غير موضعه؛ إذ النساء فيهن المستمتع الموافق للشهوة والفطرة.

ولهذا عاقب الله قوم لوط عقوبة شديدة، لم يعاقب بها أمة غيرهم، وما ذاك إلا لشناعتها وبشاعتها وفحشها المتناهي، فإن الله عذبهم بأنواع من العذاب، فجمع لهم بين الرفع والقلب والقذف، فرفع الله قرى اللواطة، ثم قلبها عليهم، ثم أتبعوا بالحجارة قال -تعالى-: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ.

وقد توعد الله -سبحانه- من يفعل هذه الفعلة بقوله: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ والمعنى: وما هذه النقمة - وهي الحجارة التي أمطرت على قوم لوط - ببعيد ممن تشبّه بهم في ظلمهم، وفعل مثل فعلهم.

ولهذا ذهب الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- إلى أن اللوطي يُلقى من شاهق، ويُتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط.

وذهب الإمام الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن اللوطي يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن، عملا بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.

وذهب آخرون إلى أن اللوطي كالزاني؛ فإن كان محصنا رجم، وإلا جلد مائة جلدة وغرّب عامًا.

وجريمة اللواط فيها من المفاسد والمضار الخلقية والدينية والفطرية ما يكفي بعضها لتحريمها، وبعد العاقل عنها، فضلا عن المسلم ذي الخلق والمبدأ والعقيدة؛ فهذه الجريمة النكراء تنطوي تحتها أمور عظيمة منها:

1- أن جريمة اللواط فاحشة عظمى من أعظم أنواع الفواحش، فارتكابها وقوع في فحش عظيم.

2- أن مرتكبها متجرؤ على حرمات الله، متعرِّض لسخطه وأليم عقابه.

3- أن جريمة اللواط من أعظم كبائر الذنوب، ومرتكب الكبائر على خطر عظيم قد توعده الله بالعقوبة والعذاب والهوان.

4- أن ارتكاب هذه الجريمة هدم للأخلاق الفاضلة.

5- أن مرتكبها قد ذهب عنه الحياء وماء الوجه.

6- أن مرتكب جريمة اللواط قد دنّس عرضه، وشوّه سمعته.

7- أن مرتكب جريمة اللواط جاني على الإسلام وعلى حرماته.

8- أن مرتكب جريمة اللواط جنى على المجتمع الإسلامي بإشاعة الفاحشة، وإفساد الأخلاق.

9- أن مرتكب هذه الجريمة جانٍ على أقاربه بتشويه سمعتهم، وإلحاق العار بهم.

10- أن مرتكب هذه الجريمة جان على أقارب المفعول به أيضا، بتشويه سمعتهم وخدش كرامتهم، وإلصاق العار بهم.

11- أن جريمة اللواط شذوذ في الأخلاق، وخروج عن مألوف الإنسانية، بل الحيوانية؛ إذ أن كثيرا من الحيوانات تأنفها وتأباها.

12- أن مرتكب جريمة اللواط قد انتكست فطرته، وعميت بصيرته.

أيها المسلم: جدير بك وقد أنعم الله عليك بنعمة الإسلام، أن تحذر كل الحذر من الوقوع في هذه الفاحشة المستخبثة شرعًا وعقلًا وفطرة، وأن تبتعد عن الأسباب الموصلة إليها، فإنها شنعاء إنها جريمة نكراء، إنها فساد في الأخلاق، إنها دعارة، إنها فساد في التصوّر، إنها انحراف في الفطرة، إنها خروج عن المألوف، إنها وضع للشيء في غير موضعه، إنها قذارة، إنها قضاء على المروءة، إنها قضاء على الشهامة، إنها إذهاب للرجولة، إنها ذهاب للحياء، إنها قضاء على الاحتشام والستر، إنها تزعزع العقيدة الإسلامية، وتضعفها، وقد تقضي عليها، إنها تميت الغيرة الدينية.

فاحذرها -أيها المسلم- ابتعد عنها لا تقربها، لا تفكر فيها ابتعد عن أسبابها لتسلم من الويلات والمصائب التي تجرّها، ولتكون في عداد الحافظين لفروجهم، والحافظات الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.


و إن مما ينافي هذه الصفة الحميدة أيضا - حفظ الفروج - ويضادها: ما يسمى بالعادة السرية، التي بُلي بها بعض الناس، والعادة السرّية عبارة عن الاستمناء باليد، أو بمعنى أعم: هي عبارة عن استدعاء خروج المني، سواء كان باليد أم بغيرها، وتعرف عند العلماء -بجلد عميرة- وعميرة كناية عن الذكر، ويقال لها: الخضخضة، وهي حرام عند جمهور العلماء مطلقًا، وقد دل الكتاب والسنة على تحريم العادة السرّية، وذلك لما يترتب عليها من الأضرار الجسمية والعقلية والدينية.


فمن أدلة تحريمها من الكتاب: قوله -تعالى- في سورتين من كتابه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ.


ووجه الاستدلال: أن الله أثنى على الحافظين لفروجهم، واستثنى التمتع بالزوجة وملك اليمين، فمن تجاوزهما فقد اعتدى وتجاوز الحد فهو ملوم ومذموم، والتلذذ عن طريق العادة السرية سواء كان باليد، أم بغيرها خارج عن هذين القسمين، فالمتلذذ بذلك من العادين بنصّ هاتين الآيتين الكريمتين.



من الأدلة -أيضا- قوله -تعالى-: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ومن الأدلة قوله -تعالى-: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فقد أمر الله العاجز عن الزواج بالاستعفاف.


وفعل العادة السرية يضاد الاستعفاف.



ومن أدلة تحريم العادة السرية من السنة ما ثبت في الصحيحين من قوله -عليه الصلاة والسلام-: يا معشر الشباب من استطاع الباءة منكم فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.


فأرشد -عليه الصلاة والسلام- العاجز عن الزواج إلى الصوم.


وعدل عن الإرشاد إلى فعل العادة السرية، فدل على تحريمها، ولو كانت جائزة لبيّنها؛ إذ المقام يقتضيها، والقاعدة الأصولية تقول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.



ومن الأدلة أيضا: حديث أنس بن مالك: سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمني الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره.


فقد توعّد الناكح يده بوعيد شديد، مما يدل على تحريم فعل العادة السرية، وإن كان هذا الحديث في إسناده من لا يعرف لجهالة، إلا أنه يستأنس به فينضم إلى الأدلة السابقة.



قال بعض العلماء إنها كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجرها بين الناس حتى صارت قيله، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، فإنها عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير، هذه العادة السرّية يترتب على فعلها مضار جسيمة وعقليه ودينية

فمن المضار الجسمية:




1- أنها تضعف البصر.


2- تضعف عضو التناسل.


3- تحدث ارتخاء جزئيا أو كليا.


4- توقف نمو الأعضاء الإحليل والخصيتين.


5- تورث التهابًا منويا في الخصيتين، فيصير صاحبه سريع الإنزال.


6- تورث ألمًا في فقار الظهر في الصلب الذي يخرج منه المني.


7- تورث رعشة في بعض الأعضاء كالرجلين.


ومن المضار العقلية أنها تضعف القوة المدركة، مما يؤدي إلى البله، وقد تؤدي إلى الخبل في العقل.



ومن المضار الدينية:
أنها تضعف النسل الذي حث الإسلام على الإكثار منه، ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة.




فجدير بالمسلم وقد علم مضار هذه العادة السيئة أن يجتنبها ويبتعد عنها، وكلُّ ما فيه ضرر فالإسلام يمنعه وينفيه، ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: لا ضرر ولا ضرار.



فالحديث يدل على المنع من كل ما يضر وتحريمه، فتدخل العادة السرّية في عموم الحديث؛ لأنه ثبت ضرارها جسميًا وعقليًا ودينيًا.


فاحذر -أيها المسلم- من استعمالها لتكون في عداد الحافظين لفروجهم والحافظات، فتحصل على الوعد الكريم الذي وعدهم الله به، وابتعد عن كل الأسباب التي تؤدي إلى الإخلال بهذه الصفة " حفظ الفروج " فاحفظ سمعك وبصرك ويدك ورجلك عن الحرام؛ فلا تنظر إلى ما حرم الله من النساء والمصورات الخليعة، ولا تسمع اللغو والهذيان والغزل المؤدي إلى هتك حفظ الفروج، ولا تمسّ بيدك ما حرم الله عليك من النساء وغيرها، ولا تمش برجلك إلى ريبة، ولا تتمنَّ ولا تهوى ما حرمه الله عليك، فكل ذلكم وسائل تؤدي إلى هتك حفظ الفروج.



وفي الحديث: كُتب على بني آدم حظه من الزنا فمدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.


ونسأل الله أن يجعلنا في عداد الحافظين فروجهم والحافظات، إنه على كل شيء قدير.

الكلم الطيب
 
عودة
أعلى