طاغوت (حقوق الإنسان)

إنضم
20 أبريل 2003
المشاركات
531
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
طاغوت (حقوق الإنسان)

لابن القيم - رحمه الله- يد حميدة في مشروع تحطيم الطواغيت ، وقد عمل معوله في الطواغيت المستعلية في عصره ، وأخطرها آنذاك اثنان : طاغوت العقل وطاغوت التأويل (أما طاغوت المجاز الذي خصص له حيزا واسعا في كتابه الصواعق فهو في الحقيقة جزء من طاغوت التأويل لأن المجاز آلية له وفرع عنه).

المقصود بالطاغوت ماكان في أصله حميدا مقبولا لكن التجاوز للحد يجعله مذموما مهلكا، وصح لنا بهذا المعنى الاصطلاحي (لا اللغوي) أن نقول العقل طاغوت والكفر ليس كذلك ،لأن العقل في حجمه الفطري ممدوح شرعا لكنه إذا تجاوز حده أهلك نفسه وأهلك ما حوله، أما الكفر فهو مذموم مطلقا في كل صوره سواء أكان قليلا أو كثيرا، خفيا أو ظاهرا، أصلا أو فرعا، وليس له مرتبة يكون فيها طاغوتا ولا يكون كذلك في مرتبة أخرى.

ونرى اليوم أن مشروع ابن القيم يستحق أن يبعث ويواصل فقد تجددت الطواغيت القديمة وأشفعت بطواغيت مبتدعة فتعين على أهل العلم إشهار معاولهم ....

1-

من الطواغيت المبتدعة طاغوت (حقوق الإنسان).

وليس لبادي الرأي أن يستنكر وسمنا بالطاغوت لهذا العنوان الجميل (حقوق الإنسان) بعد التسليم بالحد السابق للطاغوت ضمن المبدإ العام "إذا تجاوز الشيء حده انقلب إلى ضده".

تطغى حقوق الإنسان من جهتين:

1- عندما تكون حقوقا (للنوع) لا (للأفراد)

جاء في صحيح البخاري :

آخَى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ سَلْمَانَ وأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: ما شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أخُوكَ أبو الدَّرْدَاءِ ليسَ له حَاجَةٌ في الدُّنْيَا. فَجَاءَ أبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ له طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فإنِّي صَائِمٌ، قَالَ: ما أنَا بآكِلٍ حتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ. فَصَلَّيَا فَقَالَ له سَلْمَانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فأتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكَرَ ذلكَ له، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ.

شاهدنا في هذا الأثر الصحيح مقولة (أعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ).

فمناط الحق الفرد المتعين في الواقع لا النوع الذي لا وجود له إلا في الذهن...

فقولهم (حقوق الإنسان) يعني أن الإنسانية علة الحق ومصدره : فأنت إنسان إذن لك الحق في الحرية!

وهذا باطل إذ يلزم عنه عدم سجن أي إنسان ولو قتل أو نهب ، لأنه إنسان في كل الأحوال ، ومن حقوقه أن يكون طليقا....

إن تهافت حقوق النوع واضح كما ترى ....

فلا ينبغي أن يقال "حقوق الانسان" و"حقوق المرأة " و"حقوق الطبقة العاملة" بل ينبغي يقال "أعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ في الناس"، "أعْطِ كُلَّ ذات حَقٍّ حَقَّها في النساء"، "أعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ في العمال" فالمعتبر في كلٍ الفرد المتحقق في الواقع ولا عبرة بالنوع....وإنما تمسكوا بالنوعية لأنها أكثر ديماغوجية وأحسن وقعا في الآذان لجلب الناس إلى الأهواء باغراء من بريق الحقوق!

إن حقوق النوع هي بالضرورة نظرية ،لأن مقولة النوع من المعقولات الثانية التي حيزها الذهن فقط ، فلا تصلح إلا في الجدال والكلام النظري... وإذا أريد لهذه الحقوق أن تكون حقيقية عملية فلا بد أن تتعلق بالأفراد فيعطى (كل ذي حق حقه)...وهكذا إذا قيل لك " حقوق النساء "فاسأله أولا: من فيهن ؟ فلا يعقل أن يكون حق العفيفة هو نفسه حق الزانية والفاجرة والمتردية والساقطة....مالكم كيف تحكمون!

2-

نأتي الآن إلى المعضلة الكبرى من يحدد الحق ومن يضبط لائحة الحقوق؟

ليس للمعضلات إلا القرآن ...

والأعحب أن القرآن يحل هذه المعضلة ويسحب البساط من تحت أقدام جماهير المتهافتين ، كل ذلك في جزء من آية لا تزيد كلماتها عن أربع:

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [البقرة : 228]

الحكم بخصوص النساء ولكن التعميم الدلالي يفضي إلى نظرية كاملة في مسألة الحقوق!

الآية قرنت الحق بالواجب...

لهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات

وكلمة "مثل" تفيد التعادل والتشبيه...ومن المقرر- في البلاغة وغيرها- أن يكون المشبه به أعرف وأقوى من المشبه ...فالحقوق إذن من حيز المجهول والواجبات من حيز المعلوم فلا يتحدد المجهول إلا على ضوء المعلوم وبالتالي فالواجب أصل والحق فرع ولا يمكن أن يوجد حق مستقلا عن الواجب...فلو ترجمنا الآية إلى لغة الرياضيات التجريدية لقلنا :

إن "س" مثل "ص"

لا بد أن يكون( س) مجهولا لأن العبارة تتوخى تعريفه،

ولا بد أن يكون (ص) معلوما لأن المجهول لا يعرف مجهولا آخر،

وفصل (س) عن (ص) يجعل (س) مجهولا مطلقا لا أمل في معرفته.

القرآن المبين يقول: إذا أردت أن تعرف حق فرد فانظر إلى الواجب عليه...فإن قام بواجب واحد فله حق واحد ،وإن قام بواجبين فله حقان اثنان ،وإن لم يقم بأي واجب فلا حق له، فالعلاقة هي دائما معادلة ومماثلة : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [البقرة : 228]

وأمر آخر، الحق والواجب وجهان لعملة واحدة ،وبعبارة أدق :الشيء الواحد هو حق وواجب في وقت واحد لا يتغايران إلا بالاعتبار، فالتوحيد مثلا واجب وحق معا ، فهو باعتبار العبيد واجب عليهم وباعتبار رب العبيد هو حق له، فمن لم يقم بواجب التوحيد فقد هضم حقا من حقوق ربه ...وتربية الطفل ورعايته واجب على الأم وهو حق للطفل ....والقوامة واجبة على الزوج والزوجة لها الحق في المأكل والملبس والمأوى فالمعنى واحد ، هو حق باعتبارشخص الرجل وواجب باعتبار شخص المرأة!

وطاغوت حقوق الإنسان ينشأ من فصل الحق عن الواجب واستقلاله عنه فتراهم يتحدثون عن حق فلان وعلان ولا ينبسون ببنت شفة عن الواجب عنهما...فلا يكون كلامهم إلا جهلا وضلالا وهراء....

قد يقال إن كان الحق لا يعرف إلا بالواجب - كما فهمتم من الآية - فمن له صلاحية وضع الواجبات؟

نقول هذا موضوع آخرقد يعالج لاحقا، وعلى العموم هناك ثلاث مصادر: أولها الشرع ،ثم العقل، والعرف ...

وفي جزء الآية المستشهد بها إشارة إلى العرف وإحالة عليه:

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة : 228]

والله أعلم.
 
عودة
أعلى