شهادة الجوارح

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,026
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر


شهادة الجوارح

أتدرون ما شهادة الجوارح؟ إنها شهادة جوارحنا وأعضائنا، يوم تشهد علينا في ذلك اليوم العظيم، عندما يسألنا الله عن كل صغيرة وكبيرة، وجليلة وحقيرة، فتشهد جوارحنا على معاصينا، وتعترف أعضاؤنا بما عملته من معاصي وآثام. يقول الله -سبحانه وتعالى- مصوراً ذلك المشهد الرهيب والموقف الصعب: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس : 65].

في ذلك اليوم يخرس الله -سبحانه وتعالى- أفواههم فلا يقدرون على الكلام، ولا يستطيعون النطق، ولا يقدرون على المجادلة والمناقشة التي لم تعد تنفعهم ولا تغني عنهم شيئاً، فإذا خرست ألسنتهم وتجمدت أفواههم ولم تنطق؛ شهدت عليهم جوارحهم، فتتكلم أيديهم بما اقترفته من أخذ الحرام، وسرقة أموال الناس، وظلم الآخرين والتعدي عليهم بالضرب والفعل، وتشهد أرجلهم بما فعلته من آثام وموبقات مشوا إليها بأرجلهم، ومارسوها بتلك الأرجل التي تتجه إلى الحرام وتمشي إليه.

وفي موقف آخر تشهد اللسان نفسها بما قالته من كذب وغيبة ونميمة وزور وبهتان وافتراء، فتقول: قلت كذا وكذا، ونطقت بكذا وكذا، وشهدت زوراً وبهتاناً على كذا وكذا، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور : 24].

إنه عدل الله -سبحانه وتعالى- ينطق عليهم ألسنتهم ويجعلها شاهدة عليهم، فماذا سيقولون حينما تشهد عليهم جارحة من جوارحهم؟ وكيف سيعترضون أو ينكرون حينما يرونها تشهد ضدهم وتقف خصماً لهم وتكون شاهدة عليهم لا لهم؟.

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَضَحِكَ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟" قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ" [مسلم (2969)].

يسب العبد أركانه ويتبرم من أعضائه لأنها فضحته وشهدت عليه، فيقول لهن: هلاكاً لكن، وسحقاً وبعداً لكنَّ، فعنكن كنت أجادل وأدافع حتى لا تقعن في العذاب وتصطلين في النار، واليوم تأتي فضيحتي منكن، وتصدر الشهادة علي من خلالكن، فيا للحسرة والندامة، أُخَاصِمُ لِخَلَاصِكُنَّ، وَأَنْتُنَّ تُلْقِينَ أَنْفُسَكُنَّ فِيهَا.

روى أبو يعلى الموصلي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وَخَاصَمَ فَيُقَالَ: هَؤُلاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: أَهْلُكَ عَشِيرَتُكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وَتَشْهَدُ أَلْسِنَتُهُمْ ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ" [مسند أبي يعلى الموصلي (1392)].

أيها الناس: إنها -والله- قاصمة الظهر أن تشهد عليك جوارحك، وتنطق أعضاؤك ضدك، فكيف الموقف في تلك الساعة الحرجة؟ وماذا يقولون حينئذ؟ اسمعوا إلى الجواب يقول الله -جل وعلا-: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت 20: 24].

هذا حالهم -أعاذنا الله وإياكم- إذا وردوا على النار، أو أرادوا إنكار ما عملوه من المعاصي، شهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا فإذا شهدت عليهم عاتبوها، وقالوا لها نحن ندافع عنكن؟ فتقول لهم: (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ)، فليس في إمكاننا الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا يستعصي عن مشيئته أحد، ولا يقدر على رد أمره أحد.

ثم تقول لهم جوارحهم على سبيل التبكيت والذم: لم تكونوا في الدنيا تخفون أعمالكم السيئة خوفاً من أن نشهد عليكم, ولكنكم كنتم تخفونها لاعتقادكم أن الله -تعالى- لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولكنه -سبحانه وتعالى- يعلم ما تظهرونه منها وما تخفونه.

ولكن لم يحملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله -تعالى- وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم، فهذا الظن السيئ أهلككم فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

لنتقي الله في كل أعضائنا وجوارحنا، فإن أنفسنا التي بين جنبينا ليست ملكاً لنا، وإنما عهدة عندنا وستعود إلى الله، ويبعثها من جديد كما كانت فيحاسبها على كل شيء، فإيانا ثم إياناً أن نكون سبباً في شقاء أنفسنا وتعاستها، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم : 6]، ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة : 105]، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [يونس : 23].

فهذه الآيات الثلاث كلها تأمرنا بأن ننتبه لأنفسنا، ونبعدها من عذاب الله وسخطه، فكل واحد منا مسؤول عن نفسه ولا دخل له بغيره، فليحرص على هداية نفسه وإبعادها عن الضلال والضياع، فمن بغى وأصر فليعلم أنه بغيه سيكون في النهاية على نفسه.


ملتقى الخطباء


 
عودة
أعلى