سلسلة لأحاديث نبوية صحيحة

الترهيب من قطيعة الرحم من السنة النبوية المباركة



1- قطيعة الرحم من أبغض الأعمال إلى الله تعالى:

مر بنا الحديث الذي أخرجه أبو يعلى عن رجل من خثعم وفيه: ".....قال: فقلت يا رسول الله! أي الأعمال أبغَضُ إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: " ثم قطيعة الرحم"، قال: قلت يا رسول الله! ثم مه؟ قال: "ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف"؛ (صحيح الجامع: 166) (صحيح الترغيب والترهيب: 2522).



2- قاطع الرحم لا يُقبل عملٌ منه:

إن القاطع صدَّ ورد أقاربه عن التواصل والبر، فيُرد عمله ولا يقبل، والجزاء من جنس العمل؛ فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِن أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ"؛ (صحيح الترغيب والترهيب: 2538).



وأخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما على الأرض مسلمٌ يدعو اللهَ تعالى بدعوةٍ، إلا أتاه اللهُ إياها أو صَرَف عنه من السوءِ مثلَها، ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رَحِمٍ، فقال رجلٌ من القوم: إذا نُكثِرُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهُ أكثرُ"؛ (صحيح الترمذي: 3573).



وأخرج الإمام مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ في الصُّفَّةِ[1]، فَقالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَومٍ إلى بُطْحَانَ[2]، أَوْ إلى العَقِيقِ[3]، فَيَأْتِيَ منه بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ[4]في غيرِ إثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، نُحِبُّ ذلكَ، قالَ: أَفلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِن كِتَابِ اللهِ عز وجل خَيْرٌ له مِن نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ له مِن ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِن أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ".



فمفهوم الحديث أن العبد إذا تَحصَّل على هاتين الناقتين لكن بشرطين: من غير إثم، أو قطيعة رحم، فهما له حلال، ومفهوم المخالفة، أنه إذا تحصل عليهما بإثم أو بقطيعة رحم فهما عليه حرام، وعمله مردود غير مقبول.



تنبيه:

بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الشح سبب من أسباب القطيعة:

فقد أخرج أبو داود عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فإنَّهُ أَهلَكَ مَن كان قَبْلَكُم، أَمَرَهُم بالظلم فظلموا، وأَمَرَهُم بالقطيعةِ فقَطَعوا، وأَمَرَهُمْ بالفُجورِ ففَجَروا"؛
(صحيح أبي داود: 1698).



3- قطيعة الرحم من أعجل الذنوب عقوبة.

فقد أخرج البيهقي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسَ شيءٌ أُطِيعَ اللَّهُ فيهِ أعجَلَ ثوابًا من صلةِ الرَّحمِ، وليسَ شيءٌ أعجَلَ عقابًا منَ البَغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ[5] (الصحيحة: 918)، (صحيح أبي داود: 1698).



4- قاطع الرحم في منزلة خبيثة.

وقد مر بنا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ... وذكر منهم ...، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ.... الحديث"؛ (صحيح الجامع: 3024).



5- قاطع الرحم يعرض نفسه للعذاب.

فقد أخرج الطبراني في الكبير من حديث جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما مِن ذي رَحِمٍ يأتي ذا رَحِمِهِ، فيسأله فضلًا أعطاه الله إياه، فيبخل عليه، إلا أخرج اللهُ له يوم القيامة من جهنم حَيةً يقال لها: شجاعٌ، فَيُطَوَّقُ بها"؛ (الصحيحة: 2548).



6- قطيعة الرحم تخرِّب الديار، وتمحق البركة في الرزق والأجل:

مر بنا أن من فضائل صلة الرحم أنها تعمِّر الديار، وأنها من أسباب البركة في الرزق والعمر، فبمفهوم المخالفة أن قطيعة الرحم تخرب الديار، وتضيق الأرزاق وتمحق البركة من العمر.



ومر بنا أيضًا قول الطيبي رحمه الله: "إن الله يبقي أثر واصل الرحم طويلًا، فلا يضمحل سريعًا كما يضمحل أثرُ قاطع الرحم".



7- قاطع الرحم تعجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة:

ودليل ذلك ما أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنبٍ أجْدَر[6]أن يُعجِّل اللهُ تعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدَّخره له في الآخرةِ: من قطيعةِ الرحمِ، والخيانة، والكذب، وإنَّ أَعْجَلَ الطاعةِ ثوابًا – وفي رواية: وإن أعجل البرِّ ثوابًا: لصلَةُ الرَّحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونوا فجَرةً، فتنمو أموالُهم، ويكثُرُ عَدَدُهم، إذا تَوَاصَلوا"؛ (صحيح الترغيب والترهيب: 2537) (الصحيحة: 915) (صحيح الجامع: 5705).



ورواه ابن حبان في صحيحه، ولم يذكر: "الخيانة والكذب"، وزاد في آخره: "وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون".



وفي رواية عند أبي داود: "
ما مِنْ ذَنْبٌ أجدر أنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصاحِبِه العُقُوبَةَ في الدنيا، مع ما يَدَّخِرُ لهُ في الآخرةِ من البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ واليَمينُ الفاجرةُ، تَدَعُ الدِّيارَ بلاقعَ(صحيح أبي داود: 1698) (الصحيحة: 918).



وأخرج البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ليسَ شيءٌ أُطِيعَ اللَّهُ فيهِ أعجَلَ ثوابًا من صلةِ الرَّحمِ، وليسَ شيءٌ أعجَلَ عقابًا منَ البَغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ"؛ (صحيح الجامع: 5391).



8- قاطع الرحم يقطعه الله يوم القيامة:

فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله"؛ والقطع هنا بمعنى الحرمان من الإحسان (انظر فتح الباري: 10 /31).



وقد مر بنا جملة من الأحاديث حذَّر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من قطيعة الرحم ومنها:

ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ[7] – وفي رواية: حتى إذا فرغ من خلقه - قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مقَامُ الْعَائِذِ بِكَ[8] مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قال: فذَلِكَ لَكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا [9] فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ[10] وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [سورة محمد: 22، 23].



وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرحمَ شجنةٌ من الرحمنِ، فقال الله تعالى: "من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته".



وقال ابن جرير - رحمه الله - في الآية السابقة:
"أي هل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام".



وأخرج البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ".



وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: "أنا الرَّحمنُ خلَقْتُ الرَّحِمَ وشقَقْتُ[11]
لها اسمًا مِن اسمي، فمَن وصَلها وصَلْتُه ومَن قطَعها بَتَتُّه[12] (صحيح الجامع: 4314) (الصحيحة: 5200) (صحيح أبي داود: 1486).



وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرحمَ شجنةٌ [13] من الرحمنِ[14] تقولُ: يا ربِّ إني قُطِعت، يا ربِّ إني أُسِيءَ إليَّ، يا ربِّ إني ظُلِمت يا ربِّ، يا ربِّ ، فيجيبُها ألا ترضينَ أن أصِلَ مَن وصلك وأقطعَ مَن قطعَك"؛ (صحيح الترغيب والترهيب: 2530).



وأخرج البزار من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرَّحِمُ حجنة[15] متمسِّكةٌ بالعرشِتَكلمُ بلسانٍ ذلِقٍ[16] اللَّهمَّ صِلْ من وصلني، واقطَعْ من قطعني، فيقولُ اللهُ تبارك وتعالَى: أنا الرَّحمنُ الرَّحيمُ، وإنِّي شققتُ للرَّحِمِ مناسمي فمن وصَلها وصلتُه ومن بتَكها[17] بَتكْتُه"، وفي رواية: "من نكثها[18] نكثته".



وأخرج الإمام أحمد والحاكم والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الرحمَ شجنةٌ من الرحمنِ تقولُ يا ربِّ، إني ظُلِمت يا ربِّ إني أُسِيءَ إليَّ يا ربِّ، إني قُطِعت يا ربِّ يا ربِّ، فيجيبُها ألا ترضينَ أن أقطعَ مَن قطعَك وأصِلَ مَن وصلك"؛ (حسنه الألباني في تخريج أحاديث السنة: 5384).



9- قاطع الرحم لا يدخل الجنة مع الداخلين:

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي محمد جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة قاطع"؛ قال سفيان بن عيينة - أحد رواة الحديث -: يعني قاطع رحمٍ.



ومعنى الحديث: أنه لا يدخل الجنة مع أول الداخلين (ما إن لم يكن مستحلًّا لهذا الذنب)، أو لا يدخل جنان معينة تكون لمن يصل رحمه، أو يدخل الجنة بعد أن يعذب في النار، (إن لم يغفر له العزيز الغفار)، ولا بد من هذا التفصيل حتى نُفارق الخوارج في مذهبهم بتكفير أصحاب الكبائر.



وأخرج ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يدخلُ الجنَّةَ مدمنُ خمرٍ، ولا مؤمنٌ بسحرٍ، ولا قاطعُ رحِمٍ"؛ (صحيح الترغيب والترهيب: 2539).



وأخرج الإمام أحمد عن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ من أرْبى الرِّبا الاستطالةُ في عِرضِ المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وإنَّ هذه الرَّحِمَ شِجنةٌ من الرَّحمنِ عز وجل، فمن قطعها حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ"؛ (صحيح الترغيب والترهيب: 2532).




[1] الصُّفَّة: موضع مظلل في المسجد الشريف، كان فقراء المهاجرين يأوون إليه وهم المسمون بأصحاب الصفة وكانوا أضياف الإسلام.
[2] بطحان اسم موضع بقرب المدينة قديما، والآن شرق مسجد قباء داخل المدينة.
[3] قيق: واد بالمدينة.
[4] كوماوين: الكوماء من الإبل: العظيمة السنام.
[5] بلاقع: أي خرابا، وذلك لذهاب الرزق وحلول الفقر.
[6] أجدر: أي أولى وأحق.
[7] حتى إذا فرغ منهم: أي كل خلقهم.
[8] العائذ: أي المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه.
[9] ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾: أي فهل يتوقع منكم "﴿ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾" أمور الناس ﴿ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22].
[10] وأعمى أبصارهم: أي عن رؤية الهدى.
[11] شققت: الاشتقاق وصياغة كلمة من أخرى كالفرع من أصله وهو أيضا التقاء الكلمة مع مضادها في المعنى والمراد أخذت لها اسما من اسمي.
[12] بتته: أي قطعت ما بينه وبين رحمتي.
[13] شجنه: وأصل الشجنة: عروق الشجر المشتبكة، والشجن: مفرد شجون، وهي طرق الأودية، ومنه قولهم: الحديث ذو شجون، أي يدخل بعضه في بعض. قال أبو عبيد: ومعنى الشجنة: يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، وفيها لغتان: شجنه بكسر الشين وبضمها وإسكان الجيم.
[14] شجنه من الرحمن: قال الإسماعيلي - رحمه الله - معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به علاقة وليس معناها أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
[15] والحجنة بفتح الحاء المهملة والجيم معًا بعدهما نون مخففه: هي صنارة المغزل وهي الحديدة العقفاء التي يعلق بها الخيط ثم يفتل الغزل.
[16] ذلق: أي فصيح بليغ.
[17] بتكها: ببناء موحدة ثم تاء مثناة فوق محركها أي قطعها.
[18] النكث: نقض العهد، والمراد من قطعها.
 
حديث «إنما الأعمال بالنيات..»




حديث «إنما الأعمال بالنيات..»


- إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : [عمر بن الخطاب] | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى | الصفحة أو الرقم : 20/223
| التخريج : أخرجه البخاري (1)، وأبو داود (2201) كلاهما بلفظه، ومسلم (1907


هذا الحديثُ العَظيمُ قاعدةٌ مِن قواعدِ الإسلامِ، وأصلٌ مِن أُصولِ الشَّريعةِ، حتَّى قِيلَ فيه: إنَّه ثُلثُ العِلمِ، حيثُ قال فيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الأعمالُ بِالنِّيَّةِ»، فلا تصِحُّ جَميعُ العِباداتِ الشَّرعيَّةِ إلَّا بوُجودِ النِّيَّةِ فيها، «ولِكلِّ امرِئٍ ما نَوى»، فإنَّما يَعودُ على المسلمِ مِن عَملِه ما قصَدَه منه، وهذا الحُكمُ عامٌّ في جَميعِ الأعمالِ مِنَ العباداتِ والمعاملاتِ والأعمالِ العاديَّةِ، فمَنْ قصَدَ بعَملِه مَنفعةً دُنيويَّةً لم يَنلْ إلَّا تلكَ المَنفعةَ ولو كان عِبادةً، فَلا ثَوابَ له عليها، ومَن قصَدَ بعَملِه التَّقرُّبَ إلى اللهِ تعالَى وابتغاءَ مَرضاتِه، نالَ مِن عَملِه المَثوبةَ والأجرَ ولو كان عمَلًا عاديًّا، كالأكلِ والشُّربِ، ثُمَّ ضرَبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأمثلةَ العمليَّةَ لِبيانِ تَأثيرِ النِّيَّاتِ في الأعمالِ فبيَّنَ أنَّ مَن قصَدَ بِهجرتِه امتثالَ أمْرِ ربِّهِ، وابتغاءَ مَرضاتِه، والفرارَ بِدِينِه مِنَ الفتنِ؛ فهِجرتُه هِجرةٌ شرعيَّةٌ مَقبولةٌ عندَ اللهِ تعالَى ويُثابُ عليها لصِدقِ نيِّتِه، وأنَّ مَن قصَدَ بِهِجرتِه مَنفعةً دُنيويَّةً وغرَضًا شخصيًّا، مِن مالٍ، أو تجارةٍ، أو زَوجةٍ حَسناءَ؛ «فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»، فلا يَنالُ مِن هِجرتِه إلَّا تلك المنفعةَ الَّتي نَواها، ولا نَصيبَ له مِنَ الأجرِ والثَّوابِ


الدرر السنية


حديث «إنما الأعمال بالنيات..»



كل مطلب من المطالب الدنيوية، إذا كان هو المقصود بالعمل، فإن الإنسان لا يؤجر على ذلك، ولا يكون عمله بذلك صالحاً، وغاية ما هنالك أن من الأعمال ما يكون مباحاً، يعني: قال ﷺ: فهجرته إلى ما هاجر إليه فلو أنه انتقل من أجل تجارة، أو انتقل من أجل امرأة يتزوجها، فهذا لا يؤجر، لكن هل يقال: بأنه يأثم بهذا القصد؟ الجواب: لا؛ لأن هذا من المطالب المباحة، لكن لو أنه هاجر رياءً وسمعة، فإنه يأثم، ويكون عليه من الوزر ما عليه؛ لأن ذلك من الإشراك والله -تبارك وتعالى- يقول: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48]، وقد أدخل بعض أهل العلم الشرك الأصغر والخفي في هذا العموم إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، وإن أقروا بأنه لا يخلد في النار، ولكن لا يكون مما يغفر بالحسنات، أو ما إلى ذلك، ولكن قد ينغمر في الموازين بحسنات عظيمة، أو يحصل للإنسان مصائب عظيمة، أو يكون هذا الإنسان ممن ترجحت كفة حسناته.

مراتب مقاصد العاملين


يقول الله -تبارك وتعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:8]، المقصود أن مقاصد العاملين تتنوع، وبناءً عليها يحصل الثواب أو العقاب أو قبول الأعمال، أو رد الأعمال، أو يكون العمل لا له ولا عليه، وقد ذكرت في بعض المناسبات هذه الأقسام:


فأعلى المراتب: أن يتمحض القصد لله -تبارك وتعالى- أي: يكون مخلصاً، لا يلتفت مع ذلك إلى شيء مما يجوز الالتفات إليه، ولا ما لا يجوز الالتفات إليه، ما يجوز الالتفات إليه، مثل لو أنه حج، وهو يريد ما عند الله ، ويريد العبادة والتقرب إلى الله، وفي الوقت نفسه يريد بهذا العمل التجارة.


والله  يقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة:198] يعني: التجارة في الحج، وهكذا لو أنه غزى يريد ما عند الله، لإعلاء كلمة الله، ويقصد مع ذلك أمراً مباحاً وهو الغنيمة، فهذا لا إشكال فيه، لكن المرتبة العليا أن يريد ما عند الله، ولا يلتفت إلى شيء سواه.


المرتبة الثانية: أن يريد ما عند الله، ويلتفت على سبيل التبع، وليس بالقصد الأول، إلى أمر يجوز الالتفات إليه من هذه الأمور المباحة، كالذي يصوم يريد ما عند الله، ويريد أن يصح بدنه، يمشي إلى المسجد يريد ما عند الله، ويريد بهذا المشي الرياضة مثلاً، وهكذا في أمثلة كثيرة.
يزكي المال يريد ما عند الله، ويريد أن يزكو هذا المال وينمو، يصل الرحم، يريد ما عند الله، ويريد أيضاً أمراً آخر وهو أن ينسأ له في أثره، فإن هذه الأمور تترتب على صلى الرحم، أو على هذه الأعمال، فهذا يجوز، ولكن المرتبة الأولى أعلى، فهاتان مرتبتان العمل معهما صحيح، ومقبول، ولكن إحدى المرتبتين أعلى من الثانية.


المرتبة الثالثة: أن يريد بهذا العمل أمراً دنيوياً، هذا الذي الورد في الحديث أراد بهذا العمل أمراً دنيوياً مباحاً، كالذي يهاجر ليتزوج امرأة، أو يهاجر من أجل أن يتجر، من أجل مكاسب دنيوية من أجل مال، فهذا لا يؤجر على العمل المعين.


المرتبة الرابعة: هي أن يعمل العمل يريد وجه الله، ويلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه، وهو الرياء والسمعة، فهذا يرد معه العمل إن كان من أوله، يعني: من ابتداء العمل النية مخلوطة، فإن طرأت النية الفاسدة أثناء العمل، فإن دفعها صح العمل، على الأرجح من أقوال أهل العلم، فإن استرسل معها أبطل عمل المكلف، كان عمله باطلاً، فهذه المرتبة الرابعة.


المرتبة الخامسة: أن يتمحض العمل للدنيا، المكاسب والتجارات، هذا في جميع الأعمال لا يريد إلا الدنيا، فهذا نسأل الله العافية يصدق عليه قول الله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ۝ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15-16]، كل الأعمال لا يريد بها إلى الدنيا، كل الأعمال، يصلي ليثبت عدالته، ولتقبل شهادته، وسمع أن هذه الصلوات من هذا الكلام الذي يروج للناس للأسف، فتفسد به مقاصدهم، الآن تؤلف كتب وتقام دورات، إنه الشحانات الكهربائية، وإذا سجد امتصتها الأرض، هو يريد يحط يضع جبهته على الأرض من غير الصلاة، وتمتص هذه الشحنات الكهربائية بدون صلاة، لماذا تفسد مقاصد الناس، ويعبدون للجسد، وللمطالب الدنية الدنيوية، فيقال لهم مثل هذا الكلام، وأنه إذا خرج صلاة الفجر غاز الأوزون، غاز الأوزون لازم يصلي! يمكن يفتح النافذة ويشم غاز الأوزون وهو في بيته، لا يحتاج أن يخرج إلى المسجد، وها هم يخرجون يمشون في أماكن المشي والرياضة وما أشبه ذلك من الفجر، ويشمون غاز الأوزون، نحن نخرج تعبداً لله، ونسجد تعبداً لله، ولا نحتاج أن نؤلف كتباً، وأن ندعو الناس إلى مثل هذه المطالب المادية الجسدية، فالتعبد ليس لتعمير الأجساد، فيكون الإنسان عبداً لجسده، وإنما يكون عبداً لله، بعمارة القلب بالإيمان، هذا الصحيح.


على كل حال فهذا الذي لا يريد بأعماله إلا الدنيا، هذا يصدق عليه آية هود هذه، وآية الإسراء مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء:18].
والله  يقول في سورة آل عمران: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران:145]، فهذه ثلاث في كتاب الله -تبارك وتعالى-.


بقي مرتبة أخيرة وهي: أن يتمحض العمل للرياء، كل الأعمال، ابتداء من الإيمان، دخل بالإيمان رياءً وسمعة، وكل أعماله رياء، الصلاة رياء، والصيام يسمع به، والأذكار رياء، وقراءة القرآن رياء، وكل شغله رياء، نسأل الله العافية، فهذا عمله باطل، وتجارته خاسرة، وقد جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، ذكر منهم القارئ والمجاهد والمنفق، أبو هريرة  قرأ هذه الآية مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ [هود: 15]، عند هذا الحديث، وبكى بكاءً شديداً، ومعاوية بن أبي سفيان حمل ذلك يعني ما في هذه الآية آية هود على الرياء وأهل الرياء[1].
فالمقصود أن لا شك أن من تمحضت أعماله، حتى الدخول في الإيمان، نسأل الله العافية، للرياء والسمعة فصفقته خاسرة.`



رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت)
الكلم الطيب​
 
عودة
أعلى