امانى يسرى محمد
New member
الشيخ د.خالد السبت
حديثنا عن سلامة الصدر، وسيكون هذا الحديث منتظمًا لأربع قضايا:
الأولى: أبين فيها المراد بسلامة الصدر.
الثانية: أذكر فيها الطريق إلى ذلك، كيف نحصل هذه الخَلة؟
الثالثة: في ذكر ثمراتها.
الرابعة: ذكر نماذج واقعية لهذه الصفة، تمثلت في رجال من السلف
فمن بعدهم.
أولًا: المراد بسلامة الصدر
يقصد بسلامة الصدر طهارته من الغل، والحقد، والبغي، والحسد، فهذه خَلة وشعبة وصفة مما يدخل في القلب السليم، الذي لا ينجو إلا من آتى الله به، كما قال الله -تبارك وتعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89،88].
والحديث عن القلب السليم حديث متشعب، وهو ينتظم أوصافًا كثيرة، هذه واحدة منها، فأحببت أن أتحدث عن هذه الصفة؛ لعظم شأنها، وأن أفردها بالحديث لشدة الحاجة إليها، ثم أتحدث -إن شاء الله تعالى- في مجلس آخر عن القلب السليم، الذي جاء في هذه الآية التي ذكرتها آنفاً.
فنحن في هذا المجلس إنما نتذاكر، ونتحدث عن شعبة واحدة مما يدخل في القلب السليم، وهي سلامة الصدر.
سلامة الصدر تارة تكون وهبية من الله -تبارك وتعالى- يتفضل بها على من شاء من عباده، فيكرم بعض خلقه بهذه الخَله، وبهذه الصفة، فيكون صدره سليمًا لإخوانه المسلمين، وهذا قد يوجد في بعض الذوات، وقد يوجد في بعض الأسر، فيكون ذلك طبعًا مركوزًا جبليًا فيه، فإن مثل هذه الصفات كسلامة الصدر، أو الحلم، أو الأناة، أو الحياء، أو الشجاعة، أو غير ذلك، قد تكون أوصافًا جبلية، كما قال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: إن فيك خلتين يحبهما الله، الحلم والأناة، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله[1].
فهكذا سلامة الصدر قد تكون موهبة من الله لبعض العباد، قد تجد أسرة بكاملها يتصفون بهذه الصفة، لا يحملون غلا، ولا غشًا، ولا حقدًا، ولا حسدًا، ولا ضغينة على أحد، قلوبهم كأفئدة الطير، قلوبهم بيضاء نقية، وإنك لترى ذلك في وجوههم، حتى إنك لربما رأيت وجه الرجل فعرفت أنه لا يصلح للغل، وأن الغل لا يجد طريقه إلى قلبه، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد يكون ذلك غير مركوز في نفس الإنسان، فيحتاج إلى أعمال ومزاولات من أجل أن يحصله، فإن مثل هذه الأمور تكون كسبية، بحيث إن الإنسان يمكن أن يتصف بها بعد المجاهدة، وكثرة المزاولة، فكما قيل: "كثرة المزاولات تورث الملكات" فيكون ذلك سجية، وصفة راسخة للنفس، والنبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم[2].
بمعنى أن الإنسان كما أنه يتعلم العلم ويتلقاه حتى يصير العلم صفة راسخة فيه، فيكون من الراسخين في العلم، فكذلك أيضًا هذه الأخلاق، الحلم يكون بالتحلم، بمعنى: أن الإنسان يروض نفسه على الحلم شيئًا فشيئاً، حتى يصير ذلك صفة ثابته، راسخة له.
فكيف الطريق لسلامة الصدر؟ كيف تكون قلوبنا وصدورنا سليمة لإخواننا المسلمين؟
أقول: هذا يكون العمل فيه على اتجاهين:
الجانب الأول: وهو ما يتصل بالتخلي عن كل ما يضاد هذه الصفة، وهذه الخَلة، جميع الأضداد، والعوائق، والعوارض، التي تحول دون الاتصاف بهذا الوصف العظيم، ينبغي على الإنسان أن يتخلى عنه، وأن يتباعد عن تلك المدنسات التي تدنس قلبه وتكدره وتلوثه، فيكون ضاغنًا على الناس، يكون ممن يحمل قلب جمل -كما يقال- يحقد على هذا، ويحنق على هذا، ويتغيظ من هذا.
أما الجانب الأول، وهو التخلي عن أضدادها فيكون ذلك بأمور:
الأول: بمجانبة الحسد، وأسباب العداوات، فتش عن الأمور الجالبة لهذه الأوصاف المذمومة، النبي ﷺ يقول ناهيًا لهذه الأمة -ومعلوم أن النهي يقتضي التحريم: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا....، فهذه أربعة أمور نهى النبي ﷺ عنها، وهي محرمة، بل لم يكتف النبي ﷺ أن ينهى أمته عن هذه القضايا الأربع، عن هذه الأوصاف الذميمة، بل قال: وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث[3].
فقوله ﷺ: لا تباغضوا هذا نهي عن البغضاء، كما أنه نهي عن جميع الأمور التي توصل إلى هذه البغضاء، فإن الشارع إذا نهى عن شيء فإنه يكون ناهيًا عنه، وعن كل ما يوصل إليه، كما هو معروف في القواعد الفقهية.
لا تباغضوا، نهي عن البغضاء، وعن كل ما يوصل إليها، ما هي الأمور التي توصل إلى البغضاء؟ ما هي الأمور التي تجذب البغضاء إلى قلوبنا؟ فالشارع ينهى عنها.
وهكذا في قوله ﷺ: لا تحاسدوا، فهو نهي عن التحاسد، كما أنه نهي عن كل ما يؤثره الحسد، فإن الحسد يجر إلى أمور، مما يتصل باللسان، ويتصل بالجوارح، فذلك منهي عنه جميعًا، كما أنه نهي عن كل ما يوقع في الحسد؛ وذلك أن خطاب الشارع إذا توجه إلى المكلف في شيء لا يقدر عليه، فإن الحسد يتسلل إلى القلب من غير إرادة الإنسان، البغضاء قد تتسلل إلى القلب من غير إرادة الإنسان، فعندها يكون خطاب الشارع متوجهًا إلى سببه، أو إلى أثره، وتارة يكون متوجهًا إليهما، فإذا قال النبي ﷺ: لا تباغضوا، قد يقول الإنسان: أنا لا أملك قلبي، البغضاء تتسلل إلى القلب من غير إرادة، نقول: خطاب الشارع عندها يتوجه إلى النهي عن كل الأسباب التي توصل إلى البغضاء، وعن كل آثارها التي تنتج وتنجم عنها.
وكذلك نقول أيضًا فيما يتصل بالحسد، وهكذا في قوله ﷺ: ولا تدابروا، فهو نهي عن كل ما يؤدي إلى ذلك، بمعنى التدابر أن يلقى أخاه فلا يلقاه بوجهه، وإنما يوليه دبره، يعني: يعرض هذا، ويعرض هذا، فهذا كناية عن القطيعة والتهاجر بين المسلمين؛ ولهذا قال ﷺ: ولا تقاطعوا، فهو نهي عن كل الأسباب التي توصل إلى القطيعة بين المسلمين.
والواجب على أهل الإيمان أن يكونوا كما أمرهم الله ، وكونوا عباد الله إخوانا فهذا خطاب الشارع، وظاهره العموم، والعموم يتوجه إلى أربعة أشياء: هذا يتوجه إلى كل واحد منا إلى كل الذوات، لا يوجد أحد مستثنى، ويتوجه إلى جميع الأوقات، فهذا في زمن النبي ﷺ، وفي القرن الماضي، والذي قبله، وفي قرننا هذا إلى قيام الساعة، وهو يتوجه إلى المحال والأمكنة، فذلك في كل مكان في المدينة النبوية، وفي غيرها، كما أنه يتوجه إلى جميع الأحوال، في كل حال ليس لك رخصة أن تقاطع المسلمين، وأن تهجرهم، وأن تكون ضاغنًا عليهم، بل يجب أن تقوم بما أمرك الله به: وكونوا عباد الله أخوانا، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
يقول عبدالله بن خبيق "إنما هي أربع: عينك، ولسانك، وقلبك، وهواك، فانظر عينك، لا تنظر إلى ما لا يحل"، هو يعدد أربعًا تتحقق بها النجاة والسلامة "فانظر عينك لا تنظر بها إلى ما لا يحل، وانظر لسانك لا تقل به شيئًا يعلم الله خلافه من قلبك"، والقلم أحد اللسانين، لا تكتب شيئًا يعلم الله من قلبك خلافه، "وانظر قلبك لا يكون فيه غل، ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا يهوى شيئًا من الشر، فإذا لم تكن فيك هذه الأربع، فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت"[4].
فيجب أن نتباعد من جميع هذه الأمور التي نهى النبي ﷺ عنها، فيجتنب المؤمن ذلك، وما يسببه، وما يؤثره في الوقت نفسه، كما أنه على المربين، من الآباء والأمهات، والمعلمين، وغيرهم، في المحاضن التربوية وغيرها، أن يراعوا هذا في تعليمهم، وتوجيههم، وتربيتهم، فلا يتصرفون تصرفات من شأنها أن تبعث الغيرة في نفوس هؤلاء الأولاد أو التلاميذ، فيكون ذلك ناقلًا للأحقاد والحسد التي من شأنها أن تورث العداوة والبغضاء في نفوس هؤلاء الأبناء، أو الطلاب، والتلاميذ.
أحيانًا يكون التصرف في التفضيل الظاهر، أو الخفي الذي يلاحظونه من فلتات اللسان، ونظرات العيون، هذا التفضيل قد يحمل هؤلاء على الحقد والكراهية لهذا الذي يرونه مفضلًا عليهم، إخوة يوسف قالوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، فحملهم ذلك على ارتكاب هذه الأمور العظام، وهذه الجناية في حق أخيهم يوسف والجناية في حق أبيهم، وهو نبي من كبار الأنبياء -عليهم السلام.
فأقول: مثل هذه الأمور ينبغي للإنسان أن يتفطن لها، فلا يتسبب في تصرفاته في شيء من ذلك، وعلى الإنسان نفسه أن يراعي هذا المعنى في خاصة نفسه، فلا يلتفت إلى شيء مما يوغر الصدور، وإنما يكون مطلوبه -كما سيأتي- هو ما عند الله -تبارك وتعالى- فلا يلتفت إلى شيء مما يتوهمه، أو يلقيه الشيطان في قلبه أن هذا من قبيل التفضيل، سواء كان ذلك من تصرفات بعض الآباء، أو من تصرفات بعض المربين، أو المعلمين.
الثاني: أن نقطع الطريق الذي يؤدي إلى هذه الأمور التي ذمها الشارع، فتؤدي إلى إيغار الصدور، أن نقطع الطريق على الشيطان بالكلية، وتأملوا في قول النبي ﷺ: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس[5]، رواه مسلم.
فسماها النبي ﷺ "عضه"، والعضه من أسماء السحر، وذلك أن النميمة تفعل في النفوس فعل السحر، فتجد الرجلين بينهما من المصافاة والمحبة والأخوة والقرب ما لا يقادر قدره، ثم ينقلب ذلك في لحظه؛ بسبب نميمة تلقى في إذن واحد منهم، فتصل إلى قلبه، فتفتك به وتمزق هذه الأواصر والعلائق، فتتحول هذه المحبة والرابطة إلى جفوة وعداوة وبغضاء، هذه هي العضه، فهي تفعل في النفوس فعل السحر.
إذا ماذا نفعل؟ لا نصغي إلى كل قائل يكدر صفو النفوس، ويغير القلوب، فإذا جاءك من ينقل لك عن أحد من إخوانك شيئًا تكرهه، فاقطع عليه الطريق.
وانظر إلى هذا المثال، والنموذج الرائع: وهب بن منبه من التابعين، جاءه رجل فقال: "إني مررت بفلان وهو يشتمك -هذه نميمة- فغضب، وقال: ما وجد الشيطان رسولًا غيرك، ثم ما لبث ذلك الرجل أن جاء، فسلم، فرد عليه وهب السلام، ومد إليه يده وصافحه، وأدناه وأجلسه إلى جانبه"[6].
فهذا هو الطريق، ولكن أفعال الشياطين حينما تجد آذانًا قد أصغيت فإنهم يلقون فيها ما شاءوا، فتتكدر القلوب، وتتغير النفوس، والله يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].
بعض أهل العلم يقول: وَلَا تَقْفُ فسرها بالغيبة والنميمة؛ لأنها تقال في القفى[7]، والواقع أن هذا بعض ما يدخل في معنى الآية، لا تتبع، سواء كان ذلك عن طريق نميمة، أو قالة سوء، أو غيبة تقال في قفى الإنسان، أعرض عن هذا كله، واقطع الطريق، وبهذا يسلم لك قلبك، لا تصغي إلى أقوال هؤلاء النقلة ممن ينقلون لك هذه الآفات، فإنها تفسد قلبك، وتفتك بالعلائق والأواصر، وتزيل المحبة، وتذهبها، وتبطلها من أساسها.
لي بنفسي شغل عن كل من للهوى قرظ قومًا أو قذف
الثالث: أن نحذر من الأدواء الخفية، هذا الإنسان الذي يغار، إذا رأى أحدًا قد تميز، فإذا سمع من يثني على هذا الإنسان، ويطريه، أو يحبه، أو رأى القلوب تقبل عليه وتحبه، تميز من الغيظ، فكان ذلك كالرحى يفري كبده، مع أن هذا لم يصل إليه منه مكروه، لم يكن منه إساءه، ولكنه يتغيظ، يغار حينما يرى أحدًا يتميز، تجد هذا في التلاميذ الصغار في بدايات المراحل العمرية، بل تجد ذلك في الصغير الذي لا يميز، الطفل الصغير، إذا جاء مولود بعده، فإنه يجد بسبب ذلك من الغيظ والكراهية ما لا يقادر قدره، فإذا رأى التفضيل والحفاوة بهذا الصغير وهذا المولود الجديد، فإن ذلك لربما يحمله على تصرفات عجيبة غريبة، وهي غير خافية علينا، إذا كان هذا في هؤلاء الصغار دون سن التمييز، فكيف بالكبار الذين يعقلون ويدركون ويميزون؟ كيف يؤثر ذلك فيهم؟
وهذا المثال الذي ذكرته في أخوة يوسف كاف في بيان أثر هذا التغاير، أو التفضيل الذي يستشعرونه، هذا كله بسبب هذه الأدواء الخفية في هذه النفوس، فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد، تجد هذا الإنسان يتحرك قلبه إذا وجد من ينافسه، أو من يتفوق عليه في دراسة، في علم، في معالي الأمور، في صنعة، في مال، في تجارة، في ذكاء، إلى غير ذلك مما يتمايز فيه الناس ويتفاضلون، فتارة تتصور هذه النفس بصورة وهيئة وكيفية الله أعلم بها؛ إذ يتصل ذلك بنوع من الغيب، فيصل أثر ذلك الحاسد إلى المحسود بإذن الله وقد يرتفع عنه هذا الشيء الذي قد تميز به، وقد يتمثل ذلك بما يتفوه به هذا الإنسان، أو يصدر عن جوارحه، وقد يكون ذلك تحت ستار رقيق يغطيه بشيء آخر من قصد النصيحة، أو بيان أخطاء لا يجوز السكوت عنها، إلى غير ذلك مما يمكن أن نجمله تحت قوله تعالى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:15،14].
على كل حال، أقول: هذه الأدواء، حب الظهور، حب الرئاسة، حب الرفعة، حب التقديم، حب التصدير، هذه إذا لم تروض هذه النفوس، وتحمل على طاعة ربها ومليكها جل جلاله، ويقام القلب على الصراط المستقيم، فيكون متوجهًا إلى ربه وخالقه جل جلاله، وإلا فإن هذا الإنسان سيركب المراكب الصعبة؛ من أجل أن يفرغ هذه المشاعر.
يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله: "ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير"[8].
قد تجد الإنسان أحيانًا إذا نظرت في خصومه وأعدائه، ومن يبغضهم، ومن يطلق لسانه فيهم، قد تجد أن هؤلاء هم الأماثل، هم الأخيار في المجتمع، هم المتميزون، فهم أشد أعدائه، ما السبب في هذا؟
السبب أنه يحمل نفسًا مريضة، لا يتميز أحد إلا عاداه، فهو يرى أن الطريق إلى الكمالات، والصعود إلى الدرجات، إنما يكون فوق هامات هؤلاء الناس، وأنهم يحولون بينه وبين تحصيل مطالبه، وهذا نظر ضيق قاصر، فالآفاق واسعة، وليس أحد يأخذ رزق أحد، وليس أحد يأكل رزق أحد، والأرزاق بجميع أنواعها من المال، والعلم، والعمل هذه كلها أرزاق، والنبي ﷺ يقول: لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها[9]، ما كتبه الله للإنسان سيصل إليه، ولن يزاحمه أحد فيه، ولن يستولي أحد، أو يستحوذ على قليل منه، أو كثير، ولكن النفس أحيانًا تضيق، يضيق العطن أحيانًا، فتوجد مثل هذه الأدواء في نفوسنا.
الرابع: مما ينبغي التخلي عنه وهو التعصب، التعصب للشيوخ، التعصب للطوائف، التعصب لأي شيء يتعصب له، قد يكون هذا التعصب لقبيلة، قد يكون هذا التعصب لقول من الأقوال، لمذهب من المذاهب، فهذا فاقم الخلاف بين الناس، وسبب كثيرًا من الافتراق، فصار كثير من الناس شيعًا.
يقول الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين: "كل فرقة تنصر متبوعها، وتدعو إليه، وتذم من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا. هذا والنبي واحد، والقرآن واحد، والدين واحد، والرب واحد"[10].
إذا لماذا هذا التفرق؟
إذا نظرت إلى حال الأمة في ميادين الدعوة تجد هذا الانشطار والتفرق، والعقيدة واحدة، الكتب التي يدرسونها في العقيدة واحدة، الكتب التي يدرسونها في الحديث واحدة، وكتابهم واحد.
وقل مثل ذلك أيضًا فيما يحصل من هذا التفرق والتناحر والانقسام في ميادين الدعوة، وميادين الجهاد والله يقول: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، فإن هذا كله بسبب التعصب.
أحيانًا تتحول الدعوة إلى شعار يدور الناس حوله، فكأن هذا الاسم هو الشيء الذي يدعى إليه، ويجتمع عليه، فكل من دخل فيه حصل له من المصافاة والمؤاخاة ولو كان مقصرًا في طاعة ربه -تبارك وتعالى- ومن لم يكن كذلك فإنه قد يحصل له من الجفاء ولو كان من أهل الإيمان والعمل الصالح، هذا لا يجوز، نحن نقع في مثل هذه الأمور ولا نتبصر، ولا نتدبر فيما ينبغي علينا في مثل هذه المقامات، وإنما المؤمن يحب إخوانه بقدر ما عندهم من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ويكون للواحد منهم من البعد بقدر ما عنده من المخالفة.
فهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، دون اعتبار آخر، هذا على مذهب، وهذا على مذهب، هذا على رأي، وهذا على رأي، هذا له شيخ، وهذا له شيخ، كل ذلك لا يحسن، ولا يجمل أن تكون هذه الأمور سببًا للفرقة والعداوة والبغضاء، فلا تسلم صدورنا لإخواننا والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].
فهذا هو الجانب الأول، التخلية، أن نخلص هذه القلوب، فتسلم، فيكون ذلك كتنقية الأرض؛ من أجل أن تكون صالحة للزرع والنبات، فينمو ويشتد، فإن طيب المحل يكون سببًا لطيب هذا الزرع ونمائه وزكائه، هذه حقيقة التزكية، فإنها تجمع بين الأمرين التخليص والتطهير.
يتبع
الثالث: أن نحذر من الأدواء الخفية، هذا الإنسان الذي يغار، إذا رأى أحدًا قد تميز، فإذا سمع من يثني على هذا الإنسان، ويطريه، أو يحبه، أو رأى القلوب تقبل عليه وتحبه، تميز من الغيظ، فكان ذلك كالرحى يفري كبده، مع أن هذا لم يصل إليه منه مكروه، لم يكن منه إساءه، ولكنه يتغيظ، يغار حينما يرى أحدًا يتميز، تجد هذا في التلاميذ الصغار في بدايات المراحل العمرية، بل تجد ذلك في الصغير الذي لا يميز، الطفل الصغير، إذا جاء مولود بعده، فإنه يجد بسبب ذلك من الغيظ والكراهية ما لا يقادر قدره، فإذا رأى التفضيل والحفاوة بهذا الصغير وهذا المولود الجديد، فإن ذلك لربما يحمله على تصرفات عجيبة غريبة، وهي غير خافية علينا، إذا كان هذا في هؤلاء الصغار دون سن التمييز، فكيف بالكبار الذين يعقلون ويدركون ويميزون؟ كيف يؤثر ذلك فيهم؟
وهذا المثال الذي ذكرته في أخوة يوسف كاف في بيان أثر هذا التغاير، أو التفضيل الذي يستشعرونه، هذا كله بسبب هذه الأدواء الخفية في هذه النفوس، فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد، تجد هذا الإنسان يتحرك قلبه إذا وجد من ينافسه، أو من يتفوق عليه في دراسة، في علم، في معالي الأمور، في صنعة، في مال، في تجارة، في ذكاء، إلى غير ذلك مما يتمايز فيه الناس ويتفاضلون، فتارة تتصور هذه النفس بصورة وهيئة وكيفية الله أعلم بها؛ إذ يتصل ذلك بنوع من الغيب، فيصل أثر ذلك الحاسد إلى المحسود بإذن الله وقد يرتفع عنه هذا الشيء الذي قد تميز به، وقد يتمثل ذلك بما يتفوه به هذا الإنسان، أو يصدر عن جوارحه، وقد يكون ذلك تحت ستار رقيق يغطيه بشيء آخر من قصد النصيحة، أو بيان أخطاء لا يجوز السكوت عنها، إلى غير ذلك مما يمكن أن نجمله تحت قوله تعالى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:15،14].
على كل حال، أقول: هذه الأدواء، حب الظهور، حب الرئاسة، حب الرفعة، حب التقديم، حب التصدير، هذه إذا لم تروض هذه النفوس، وتحمل على طاعة ربها ومليكها جل جلاله، ويقام القلب على الصراط المستقيم، فيكون متوجهًا إلى ربه وخالقه جل جلاله، وإلا فإن هذا الإنسان سيركب المراكب الصعبة؛ من أجل أن يفرغ هذه المشاعر.
يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله: "ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير"[8].
قد تجد الإنسان أحيانًا إذا نظرت في خصومه وأعدائه، ومن يبغضهم، ومن يطلق لسانه فيهم، قد تجد أن هؤلاء هم الأماثل، هم الأخيار في المجتمع، هم المتميزون، فهم أشد أعدائه، ما السبب في هذا؟
السبب أنه يحمل نفسًا مريضة، لا يتميز أحد إلا عاداه، فهو يرى أن الطريق إلى الكمالات، والصعود إلى الدرجات، إنما يكون فوق هامات هؤلاء الناس، وأنهم يحولون بينه وبين تحصيل مطالبه، وهذا نظر ضيق قاصر، فالآفاق واسعة، وليس أحد يأخذ رزق أحد، وليس أحد يأكل رزق أحد، والأرزاق بجميع أنواعها من المال، والعلم، والعمل هذه كلها أرزاق، والنبي ﷺ يقول: لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها[9]، ما كتبه الله للإنسان سيصل إليه، ولن يزاحمه أحد فيه، ولن يستولي أحد، أو يستحوذ على قليل منه، أو كثير، ولكن النفس أحيانًا تضيق، يضيق العطن أحيانًا، فتوجد مثل هذه الأدواء في نفوسنا.
الرابع: مما ينبغي التخلي عنه وهو التعصب، التعصب للشيوخ، التعصب للطوائف، التعصب لأي شيء يتعصب له، قد يكون هذا التعصب لقبيلة، قد يكون هذا التعصب لقول من الأقوال، لمذهب من المذاهب، فهذا فاقم الخلاف بين الناس، وسبب كثيرًا من الافتراق، فصار كثير من الناس شيعًا.
يقول الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين: "كل فرقة تنصر متبوعها، وتدعو إليه، وتذم من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا. هذا والنبي واحد، والقرآن واحد، والدين واحد، والرب واحد"[10].
إذا لماذا هذا التفرق؟
إذا نظرت إلى حال الأمة في ميادين الدعوة تجد هذا الانشطار والتفرق، والعقيدة واحدة، الكتب التي يدرسونها في العقيدة واحدة، الكتب التي يدرسونها في الحديث واحدة، وكتابهم واحد.
وقل مثل ذلك أيضًا فيما يحصل من هذا التفرق والتناحر والانقسام في ميادين الدعوة، وميادين الجهاد والله يقول: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، فإن هذا كله بسبب التعصب.
أحيانًا تتحول الدعوة إلى شعار يدور الناس حوله، فكأن هذا الاسم هو الشيء الذي يدعى إليه، ويجتمع عليه، فكل من دخل فيه حصل له من المصافاة والمؤاخاة ولو كان مقصرًا في طاعة ربه -تبارك وتعالى- ومن لم يكن كذلك فإنه قد يحصل له من الجفاء ولو كان من أهل الإيمان والعمل الصالح، هذا لا يجوز، نحن نقع في مثل هذه الأمور ولا نتبصر، ولا نتدبر فيما ينبغي علينا في مثل هذه المقامات، وإنما المؤمن يحب إخوانه بقدر ما عندهم من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ويكون للواحد منهم من البعد بقدر ما عنده من المخالفة.
فهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، دون اعتبار آخر، هذا على مذهب، وهذا على مذهب، هذا على رأي، وهذا على رأي، هذا له شيخ، وهذا له شيخ، كل ذلك لا يحسن، ولا يجمل أن تكون هذه الأمور سببًا للفرقة والعداوة والبغضاء، فلا تسلم صدورنا لإخواننا والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].
فهذا هو الجانب الأول، التخلية، أن نخلص هذه القلوب، فتسلم، فيكون ذلك كتنقية الأرض؛ من أجل أن تكون صالحة للزرع والنبات، فينمو ويشتد، فإن طيب المحل يكون سببًا لطيب هذا الزرع ونمائه وزكائه، هذه حقيقة التزكية، فإنها تجمع بين الأمرين التخليص والتطهير.
يتبع