امانى يسرى محمد
New member
دروس مستفادة مِن قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- (1)
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة: مكانة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-:
- أبو الأنبياء: قال -تعالى- عنه: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت:27).
- عظيم درجته عند أهل الملل: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود المدينة عند النبي فتنازعوا أمر إبراهيم، كل ينسبه إليه، فأنزل الله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ . هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:65-68).
- المسلمون أعظم الناس وفاءً لإبراهيم -عليه السلام-: "التشهد في كل صلاة - آثار إبراهيم وتعلقها بعباداتهم، ومنها: الكعبة، والحجر الأسود، والمقام، وزمزم، والصفا والمروة، والحج والمناسك... ".
- عظيم الشبه بينه وبيْن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الخَلق والخـُلُق؛ ومراحل الدعوة وتنوعها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عُرِضَ عَلَىَّ الأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ-) (رواه مسلم). "دعوة المشركين عباد الأصنام - الهجرة والخروج عن أرض الكفر - كثرة الابتلاء والامتحان".
(1) دعوته -عليه السلام- لأبيه وعشيرته:
- الأقربون أولى بالخير: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) (الشعراء:214)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (متفق عليه).
- رزق إبراهيم -عليه السلام- الهداية منذ صغره، وكان ينكر على أبيه صناعة الأصنام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء:51).
- دعوة أبيه بأحسن الموعظة وألطف العبارة وأحسن إشارة: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم:41-45). (يَا أَبَتِ): يستخرج عطفه وحنانه، وغير ذلك. (راجع كلام المفسرين حول الآيات).
- كان رد أبيه الغلظة والقسوة والإصرار على الكفر: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (مريم:46).
دروس وفوائد:
1- ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الوالدين ولو كانوا كفارًا: (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ) (مريم:47)، لا يصلك مِني مكروه ولا أذى.
2- جواز الدعاء للكافر الحي بقصدالهداية؛ فقلوب الدعاة إلى الله رحيمة: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم:47). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (متفق عليه).
3- فضل العلم الذي يخضع له الكبير تواضعًا للشرع: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)، (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء:79).
4- الجزاء مِن جنس العمل "بر الآباء يبقى في الأبناء": (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102)، وقال إسماعيل -عليه السلام- لزوجته: (ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا) (رواه البخاري).
(2) دعوته -عليه السلام- لقومه:
- كانوا يعبدون الأصنام والكواكب التي هي رموز لأصنامهم كما يظهر مِن آيات سورة الأنعام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:75-79).
- إنكاره عليهم عبادة الأصنام: (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء:52).
- التذكير بربوبية الله فيهم: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ . قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (الأنبياء:55-56).
- مناظرته لهم وإقامة الحجة عليهم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشعراء:69-73)، (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (العنكبوت:17-18).
- تنزله في مناظرتهم لإبطال حجتهم أو هو مِن الكذبات في الله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:76-79). وفي حديث الشفاعة في رواية مسلم ذكر في الكذبات الثلاث قوله: "هذا ربي".
دروس وفوائد:
- حاجة الإنسان إلى العبودية خلافًا للملاحدة المصادمين لها: "تَنوع الانحراف في العبادة بسبب البحث عن ذلك".
- أهمية دور الشباب في الدعوة إلى الله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء:51). "إسماعيل وبناء البيت - أصحاب الكهف - أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-".
- خطر التقليد الأعمى والاتباع على غير بصيرة: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:53).
(3) جولة جديدة في مواجهة الباطل:
- إقامة الحجة على بطلان عبادة الأصنام ببيان عجزها الشديد: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) (الأنبياء:58-63).
- الإصرار على الكفر والانتكاس بعد البيان: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:64-67).
(4) موقف قومه مِن دعوته:
- البطش والغلظة ومحاولة قتله: قال الله -تعالى-: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (الأنبياء:61)، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) (الأنبياء:68).
- الظلمة يتفقون على جعله عبرة لغيره: (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (الأنبياء:61)، (ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات:97).
- المجتمع الظالم كله ضد إبراهيم -عليه السلام-: "جمعهم الحطب - صناعة المنجنيق - حضور المشهد".
- إن الله يدافع عن الذين امنوا: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69). روي عن ابن عباس وابن جبير: "جعل ملك المطر يقول: متى أؤمر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع".
دروس وفوائد:
1- قسوة قلوب أهل الكفر والجهل: "جمعهم الحطب شهرًا - صناعة المنجنيق - رميه عاريًا - الحضور العام للمشهد".
2- ولاية الله وحفظه لأوليائه: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:69-73).
3- لست وحدك أيها المؤمن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوزغ: (إنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إِلاَّ يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- إِلاَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- حِينَ أُلْقِىَ فِي النَّار، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (رواه البخاري).
4- نارهم في الآخرة لا تكون بردًا وسلامًا، ولا يلقون فيها تحية وسلامًا: (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الفرقان:66).
5- أهمية فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "ترك إبراهيم منكرًا وهو الصنم الكبير لهدم الشرك في قلوبهم - ترك محمد صلى الله عليه وسلم الأصنام إلى عام فتح مكة؛ لأنه كان يعمل على كسرها في القلوب قبْل التمكن مِن كسرها في الواقع".
خاتمة:
- تنويه على هجرته مِن أرض الكفر بعد إصرار أهلها على الكفر، مصطحبًا زوجته سارة وابن أخيه لوط، فإنه لم يؤمن به غيرهما: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت:26).
دروس مِن قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- (2)
"مواصلة الدعوة واتصال المحنة"
مقدمة:
- تذكير موجز بما سبق مِن دعوته -عليه السلام- وتكذيب قومه له، ومحاولة قتله حرقًا، ونجاته مِن ذلك.
- قلة مَن استجاب لدعوة الحق: قال الله -تعالى-: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت:26)، وقال -عليه السلام- لزوجته سارة: (يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ) (رواه البخاري).
(1) هجرته -عليه السلام-:
- لم يهلك الله قوم إبراهيم -عليه السلام- كمن سبقهم لتجري سنة الهجرة مِن أرض الكفر والكافرين إلى أرض جديدة لنشر دعوة الحق والدين: قال الله -تعالى-: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) (العنكبوت:26)، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:99-100)، (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:71).
- الهجرة سنة الأنبياء والمؤمنين إذا علا الكفر أرضًا: ففي حديث بدء الوحي قال ورقة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ)، قَالَ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا" (متفق عليه). "هجرة أصحاب الكهف - وأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-".
- حرمة البقاء في أرض الكفر مع الفتنة في الدين: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ لا تَرَاءَى نارُهُما) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).
- عظيم أجر الهجرة للمحافظة على الدين والابتعاد عن منكرات الكافرين: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (النحل:41).
(2) محنته -عليه السلام- مع النمروذ في أرض الشام:
- مناظرة الخليل -عليه السلام- مع النمروذ الجبار الذي اغتر بماله وملكه فادعى الربوبية: قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:258).
- دروس وفوائد:
1- مِن مهام الدعوة: "استعداد الداعي لمناظرة المخالفين، ولا يتأتى ذلك إلا بالعلم": (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه:114).
2- قوة قلب الداعي في مواجهة أهل الباطل على قدر التوحيد في قلبه: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام:81)، (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود:56)، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26).
3- هلاك الظالمين وهوانهم على الله: ذكر المفسِّرون أن هلاك النمروذ كان بسبب ذبابة دخلت في منخره فجعلوا يضربونه على رأسه لتخرج حتى أهلكه الله! "تأمل هلاك أبي جهل على يد غلامين، بل هلاك عاد كان بالهواء الشديد، وثمود بالصوت الشديد، وقوم نوح بالماء الشديد!".
(3) محنته -عليه السلام- مع الملك الغشوم في أرض مصر:
- كأنه -عليه السلام- قد سعى بالدعوة إلى حدود بلاد مصر فسمع به هذا الملك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ, فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ, فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ اللَّيْلَةَ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ, فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ, فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ, مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ ؟ قَالَ: هَذِهِ أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لا تُكَذِّبِينِي, فَإِنِّي قَدْ أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي, فَوَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ, قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ بِهَا, فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ, فَقَامَ إِلَيْهَا, فَقَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي, تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ, وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلا عَلَى زَوْجِي؛ فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ, قَالَ: فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلَيْهِ! قَالَتِ: إِنَّهُ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ: هِيَ قَتَلَتْهُ, فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي, وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ: هِيَ قَتَلَتْهُ, قَالَ فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ, فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلا شَيْطَانًا, أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ, وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ, فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ رَدَّ كَيْدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟) (متفق عليه).
دروس وفوائد:
1- الابتلاء والمحن والشدائد سنة الله في المؤمنين: قال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214). ولما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) (رواه أحمد والترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح).
2- إعمال القواعد الشرعية في حساب المصالح والمفاسد "كقاعدة ارتكاب أخف الضررين": "ضرر الاعتداء على سارة أخف مِن ضرر الاعتداء عليها وقتل إبراهيم عليه السلام - أكل الميتة أخف مِن الموت - نطق الكفر باللسان أخف مِن القتل مع اطمئنان القلب بالإيمان - بقاء الولد مع غير أمه حيًّا أخف مِن قتله، كما في قصة المرأتين اللتين مع نبي الله سليمان - وغير ذلك".
3- أدب المؤمن عند المحن والشدائد "صلاه ودعاء إبراهيم وسارة": (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة:45)، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى" (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أَقِمِ الصَّلاةَ يَا بِلالُ، أَرِحْنَا بِهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
4- إكرام الله ونصره لأوليائه الصادقين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ) (متفق عليه)، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2).
5- مع كل محنة منحة: "الرجوع بهاجر -عليه السلام-، وأم إسماعيل -بعد ذلك-، ومسببة زمزم، والسعي، وإحياء مكة، وغير ذلك مِن الخيرات".
دروس مِن قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- (3)
(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)
مقدمة:
- إشارة مختصرة إلى ما سبق، ورجوع إبراهيم وسارة -عليهما السلام- مِن أرض مصر إلى أرض الشام ومعها هاجر المصرية.
- لا يزال في قصة إبراهيم مِن الأحداث الكثير، والتي لا يتسع الوقت للوقوف عليها كلها، ولكننا نقف اليوم على حادثتين عظيمتين تضمنتا شيئًا مِن عظيم بلاء أبي الأنبياء الخليل إبراهيم -عليه السلام-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124).
(1) الحادثة الأولى: مهاجرة الخليل بابنه إسماعيل وأمه إلى أرض فاران:
- ذكر القصة مجملة، ثم تلاوة حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المطرز بكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ) (إبراهيم:37) حَتَّى بَلَغَ (يَشْكُرُونَ)، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ: هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا) فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ -تُرِيدُ نَفْسَهَا-، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ-، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا) قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ" (رواه البخاري).
دروس وفوائد:
1- عظيم بلاء إبراهيم -عليه السلام-: "ترك الذرية في مكان لا يصلح للحياة، ومفارقتهم إلى بلد آخر ـ أكثر الناس قد حبسهم الشيطان عن أبواب الخير بسبب تعلقهم بأولادهم وأهليهم": قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ (الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) (رواه أحمد والترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح).
2- قوة التوحيد في قلب هاجر -عليها السلام- "الوحيدة بيْن الجبال الشاهقة، والظلمات الحالكة، والوادي الذي لا أسباب فيه للحياة": ففي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قالت: "آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا".
وفي حديث علي -رضي الله عنه- قال: "فَنَادَاهَا جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَإِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا؟ قَالَتْ: إِلَى اللَّهِ, قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ" (رواه الطبراني، وحسنه الحافظ ابن حجر). (قوية التوحيد: تعرف مَن هو الله، تعرف أنه الخالق، المالك، المدبر، المحيى، المميت، العليم، الحكيم، القدير، الرحيم).
3- حفظ الله لأوليائه: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ" (رواه البخاري). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
4- فضل الدعاء "بدعوة واحدة تَحول الوادي الميت إلى أعظم بقعة للحياة": (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37).
ويأتي السؤال: لماذا ندعو كثيرًا ولا يستجاب لنا؟!
الجواب: الاستجابة ترجع إلى قوة الدعاء: "التضرع - والتوسل"، وحال الداعي: "الإخلاص".
5- إكرام الله لأوليائه: "ذكرك لا ينقطع بالسعي بيْن الصفا والمروة - الشرب مِن زمزم بعد الطواف - الرمل في الوادي".
6- فضل بئر زمزم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، وعن عروة -رحمه الله- قال: "كَانَتْ عَائِشَة -رضي الله عنها- تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَحْمِلُهُ فِي الأَدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ" (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
(2) الحادثة الثانية: امتحان الخليل بذبح ولده إسماعيل "نيل درجه الخـُلة":
- ذكر القصة مجملة، ثم تلاوة الآيات: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:99-112).
دروس وفوائد:
1- عظيم ابتلاء إبراهيم -عليه السلام- "الأمر بذبح ولده الوحيد الذي جاء بعد انتظار طويل، مع كماله وجماله": (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم:37).
2- الجزاء مِن جنس العمل "بر إبراهيم بأبيه بقي له في ولده": (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم:45)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم:41)، (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).
3- إن الله لا يضيع أجر المحسنين: "بقاء آثار إبراهيم -عليه السلام- في عبادة العالمين": (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات:107-111).
فائدة: إسماعيل -عليه السلام- هو "الذبيح":
- حسد اليهود للعرب جعلهم يدَّعون أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل -عليهما السلام-، وإن تأثر بقولهم بعض مَن أخذ عنهم!
أدلة كون إسماعيل هو الذبيح:
1ـ سياق آيات قصة الذبح؛ حيث ذكر الله البشارة بإسحاق بعد حكاية الذبح؛ مما يدل على الترتيب الزمني.
2- قول الله -تعالى-: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:112)؛ فكيف يبشره بكبره حتى يصير نبيًّا، ثم يأمره بذبحه في الصبا؛ فيكون الأمر ليس على وجه الجد، وليس الأمر كذلك.
3- قوله -تعالى-: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71)؛ فلو كان إسحاق -عليه السلام- هو الذبيح؛ فكيف سيكون مِن ذريته يعقوب -عليه السلام-؟
4- الولد الأول يتعلق به قلب الأب أكثر مِن سائر الأولاد؛ فهو الذي يكون به الامتحان.
5- إخبار ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره، أنهم لما فتحوا مكة وجدوا قرن الكبش معلق داخل الكعبة، ومعلوم أن الذي كان في مكة هو إسماعيل -عليه السلام-.
خاتمة:
- هكذا نجح إبراهيم -عليه السلام- في كل الامتحانات التي اُبتلي بها، ووفـَّى بأمر ربه: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم:37).
- لم يبقَ لإبراهيم -عليه السلام- إلا أعظم الكلمات وخاتمتها، وهي التي جاء بذريته مِن أجلها إلى مكة، ألا وهي بناء بيت الله الأعظم، قبلة الدنيا، ومهوى أفئدة المؤمنين.
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.
صوت السلف