امانى يسرى محمد
New member
الخطبة الأولى
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته :
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) (21) ،(22)السجدة
إخوة الإسلام
إن المصائب والبلايا والمنغصات التي تصيب الإنسان لها حالتان:
الأولى: فإذا أصابت المسلم المستقيم على دينه ،الصابر على بلاء ربه، فهو امتحان واختبار ، لتكفير ذنبه ،ورفعة درجته، وهي ليست دليلاً على غضب الله عليه، بل هي دليل حب الله إياه، ففي الصحيحين : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ »
وفي مسند أحمد وغيره (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِى مَالِهِ وَفِى وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ »
وفي سنن الترمذي وغيره (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ رَضِىَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ »
الثانية: أن تصيب الكافر ،والمسلم العاصي ، تنبيها له في الدنيا قبل الآخرة، حتى يتوب ويرجع، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى : عقاب العصاة ،والمقصرين ،ببعض الابتلاءات في الدنيا ،عسى أن يتذكروا عذاب الآخرة ،فيتوبوا ، ويعودوا ،
فما عاقبهم الله إلا ليتوب عليهم ، ثم يدخلهم الجنة في حال توبتهم قال الله تعالى :
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة 21]
قال السعدي في تفسيره: أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى :
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} الانعام (93)
ولما كانت الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ،ويتوبون من ذنوبهم ،كما قال تعالى:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم 41،
وفي تفسير ابن كثير: لقوله تعالى:
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة 21]
قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه،
وفي تفسير الميزان ،قال : (لما كان غاية إذاقتهم العذاب رجوعهم المرجو ،والرجوع المرجو هو الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة ،كان المراد بالعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا النازل بهم للتخويف ،والإنذار ليتوبوا ،دون عذاب الاستئصال، ودون العذاب الذي بعد الموت ،وحينئذ فالمراد بالعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة.
والمعنى الاجمالي للآية : أقسم ، لنذيقنهم من العذاب الأدنى أي الأقرب مثل السنين ، والأمراض ،والقتل ،ونحو ذلك ،قبل العذاب الأكبر يوم القيامة ،لعلهم يرجعون إلينا بالتوبة من شركهم و جحودهم.
وقيل: سمي عذاب الدنيا أدنى ولم يقل: الأصغر، حتى يقابل الأكبر ،لأن المقام مقام الإنذار والتخويف ،ولا يناسبه عد العذاب أصغر، وكذا لم يقل دون العذاب الأبعد ،حتى يقابل العذاب الأدنى ،لعدم ملاءمته مقام التخويف.
أيها المسلمون
إن الابتلاء سنة كونية ،وحكمة ربانية ، وكما أنها من مقتضيات الألوهية ،فإن الصبر عليها من مقتضيات العبودية، فالعبد مبتلى بالعبادة وأعماله عليه مستحقة، وطالما أنه عبد فهو مملوك لربه ،يضعه حيث شاء ، ويأمره بما يريد .
وقد يُبتلى العبد بالسراء تارة ،وبالضراء أخرى ،فلا السراء علامة على رضا الله ،ولا الضراء كذلك ، قال الله تعالى:
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا.. ) الفجر 15: 17
ولكن للابتلاء حكم عظيمة ، ومقاصد جليلة ، ومنها :
أولا: تحقيق العبودية لله رب العالمين : فإن كثيراً من الناس عبدٌ لهواه ،وليس عبداً لله ، نعم هو يعلن أنه عبد لله ، ولكن إذا ابتلي ،نكص على عقبيه ،خسر الدنيا والآخرة ،ذلك هو الخسران المبين , قال تعالى :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) الحج 11 .
ثانيا : في الابتلاء إعداد للمؤمنين للتمكين في الأرض ، فقد قيل للإمام الشافعي رحمه الله : أَيّهما أَفضل : الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين ؟ فقال : التَّمكين درجة الأنبياء ، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة ، فإذا امتحن صبر ، وإذا صبر مكن .
ثالثا : في الابتلاء كفارة للذنوب ، فقد روى الترمذي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ».
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي
رابعا : في الابتلاء حصول الأجر ورفعة الدرجات روى مسلم (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً ، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً )
خامسا : الابتلاء فرصة للتفكير في العيوب ، عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية لأنه إن كان عقوبة فأين الخطأ ؟
سادسا : البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل ،يطلعك عمليّاً على حقيقة نفسك، لتعلم أنك عبد ضعيف ، لا حول لك ولا قوة إلا بربك ، فتتوكل عليه حق التوكل ، وتلجأ إليه حق اللجوء ، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء ، والعجب والغرور والغفلة ، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه ، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه .
قال ابن القيم في” زاد المعاد “: ” فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا ، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله ، يستفرغ به من الأدواء المهلكة ، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه : أهَّله لأشرف مراتب الدنيا ، وهي عبوديته ، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه ”
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الشيخ حامد إبراهيم