حكم إحداث معنى جديد في التفسير لم يَرِد عن السلف الصالح

إنضم
13/05/2025
المشاركات
107
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
الإقامة
صنعاء - اليمن
حكم إحداث معنى جديد في التفسير لم يَرِد عن السلف الصالح

بقلم د. محمد بن جميل المطري

أنزل الله سبحانه كتابه الكريم لنتذكر به ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، والقرآن الكريم كتابٌ مجيد، كثيرُ المعاني والوجوه، كثيرُ الخير والبركات، وصفه الله بأنه مجيد، والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، فقد احتوى القرآن الحكيم على ما يحتاجه الأولون والآخرون، فكل ما نحتاج إليه بينه الله في القرآن العظيم نصًّا أو دَلالة أو استنباطًا، علِمَه مَنْ عَلِمه، وجَهِله مَنْ جَهِله، ومِنْ عظمة القرآن أنه لا تنقضي عجائبه، وأنه يهدي للتي هي أقوم في كل زمان ومكان، ولم يزل العلماء يستنبطون من القرآن الكريم الهدايات القرآنية الظاهرة والخفية، ويستدلون بالآيات القرآنية على كثير من مسائل العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والرد على المخالف وغير ذلك.

سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: (لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ مسلمٌ) رواه البخاري في صحيحه (111)، قال القسطلَّاني في إرشاد الساري (1/204): "يُفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين إذا وافق أصولَ الشريعة".

■ ومن تدبَّر آيات القرآن العظيم تبين له كل ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، قال الإمام الشافعي في كتابه الرسالة (ص: 19): "ليست تنزِل بأحد من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها".

وقال ابن قتيبة: "ولا نعلمه خص بالعلم قوما دون قوم، ولا وقفه على زمن دون زمن، بل جعله مشتركا مقسوما بين عباده، يفتح للآخر منه ما أغلقه عن الأول، وينبه المقل فيه على ما أغفل عنه المكثر، ويحييه بمتأخر يتعقب قول متقدم، وتال يعتبر على ماض، وأوجب على كل من علم شيئا من الحق أن يظهره وينشره". يُنظر: إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث (ص: 45 - 46).

وقال ابن القيم في بدائع الفوائد (1/ 83) :"أسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر".

وقال الموزعي في تيسير البيان لأحكام القرآن (2/ 229): "لم يزل العلماء يبدون من التأويلات التي يحتملها الخطاب في المآل بضرب من النظر والاستدلال ما لا تُحصى كثرته على تعاقب الدهور والأعصار، ولا حجر إلا في التفسير المنصوص الذي بيَّن الشارع صلى الله عليه وسلم مراد الله جل جلاله".

وقال الشوكاني في أدب الطلب (ص: 148): "المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثيرة العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده، وقدر ملَكَته في العلوم".

■ ويجوز الاستنباط من القرآن العظيم بشرطين اثنين، هما:

الشرط الأول: أن يحتمل المعنى المستنبَط ظاهر لفظ القرآن الكريم، بما يوافق قواعد اللغة العربية في الإفراد والتركيب.

الشرط الثاني: أن لا يخالف المعنى المستنبَط صريح القرآن الكريم أو ما صح من السنة النبوية، فإنَّ القرآن الكريم حقٌ يصدق بعضه بعضًا، والسنة الصحيحة حق توافق القرآن ولا تخالفه، فمن باستنباط يخالف ما قرره القرآن الكريم أو السنة الصحيحة فإنه استنباط خاطئ يقينًا لا يُقبل بحال.

■ ومن أتى باستنباط جديد يحتمله لفظ القرآن ولا يخالف ما قرره القرآن أو السنة الثابتة فإنه معنى صحيح، يُقبل منه؛ لأن القرآن الكريم حمَّال أوجه، وهذا من عظمة القرآن، روى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (21397) وابن أبي شيبة في مصنفه (30163) عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: (لاَ تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً).

قال ابن الحاج في كتابه المدخل (1/75): "عجائب القرآن والحديث لا تنقضي إلى يوم القيامة، كل قرن لا بد له أن يأخذ منه فوائد جمة خصه الله بها، وضمها إليه؛ لتكون بركة هذه الأمة مستمرة إلى قيام الساعة".

■ وهذه نماذج لمعان واستنباطات صحيحة ذكرها بعض المتدبرين من المتأخرين والمعاصرين ولا نعلم ورودها عن السلف الصالح:

1- قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]، المنقول في كتب التفسير القديمة أن المعنى: جعل لكم وخلق لكم، ورجح ابن تيمية معنى آخر فقال كما في مجموع الفتاوى (12/ 254): "ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها تأتي بطون أمهاتها"، وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق (ص: 442): "الأنعام تُخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يُقال: أنزل ولم يُنزل، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها بالوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل".

2- من أدلة عذاب القبر قوله تعالى عن أصحاب الأخدود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، فقد أخبرنا الله في هذه الآية أن أصحاب الأخدود الذين حرَّقوا المؤمنين والمؤمنات لهم عذابان وليس عذابًا واحدًا، والأصل في الواو المغايرة، فعذاب جهنم في الآخرة، وعذاب الحريق في قبورهم، وقدَّم ذكر عذاب جهنم لأنه أعظم وأدوم، وقد فتح الله عليَّ بهذا الدليل، ثم رأيت ابن عاشور ذكره في تفسيره التحرير والتنوير (30/ 247)، والحمد لله على توفيقه.

3- قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/ 146): "لم نر أحدًا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل، ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ"، وذكر كلامًا فتح الله به عليه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91].

4 - فسر الشنقيطي في كتابه أضواء البيان (2/ 258 - 259) قوله تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: 10، 11] بتفسير قيِّمٍ لم يُسبق إليه، وقال أثناء كلامه: "الآية الكريمة يُفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه، وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ... كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون، وما ذكرنا أيضًا أنه يُفهم منها؛ لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة، تعين حملها على الجميع".

وكل من يقرأ في كتب التفاسير عبر العصور يجد عند بعض المفسرين المتأخرين والمعاصرين من استخراج بعض المعاني والاستنباطات والتحقيقات الموفقة ما لا يجده عند المتقدمين، والله يختص بفضله من يشاء، وفوق كل ذي علم عليم، وما أكثر ذلك في تفسير السعدي وابن عاشور وابن عثيمين!

■ ولا يعني هذا أن يخالف المتأخر الإجماع، ويتكلم في العلم بالهوى والظنون والأوهام، فإن هذا ضلال مبين، وجهل عظيم، فإياك أن تقول قولا لا يكون لك سلف فيه مما يخالف أصول الشريعة ومقاصدها وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وإنما المراد أن العالِم المتأخِّر قد يفتح الله عليه بأشياء من العلم فاتت كثيرٌ من المتقدمين، فيستنبط من القرآن الكريم والسنة الصحيحة ما لم يستنبطه مَنْ قبلَه، أو يظهر له دليلٌ لم يستدل به مَن قبلَه، أو يظهر له ضعفُ قولٍ راجَ على كثيرٍ ممن قبلَه، ونحو ذلك مما لا يخالف النصوص، ولا الإجماع الصحيح، مع الاعتراف بفضل علم السلف على علم الخلف، وللحافظ ابن رجب في تقرير ذلك رسالة نافعة معروفة بعنوان: (فضل علم السلف على علم الخلف).

وما أحسن ما قاله بكر أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم (ص: 174): "احذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخِر، وصوابه: كم ترك الأول للآخر! فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: كم ترك الأول للآخِر!".
 
عودة
أعلى