حقيقة النوم

إنضم
11/01/2012
المشاركات
3,867
مستوى التفاعل
11
النقاط
38
العمر
69
الإقامة
الدوحة - قطر
النَّوْم فترة من الراحة يفقد النائم خلالها إدراكه بما يحيط به ؛ وهو سر من الأسرار الإلهية الذي لم يوقف بعدُ على حقيقة كنهه ، فلا يزال العلماء يبحثون عن إجابات لأسئلة كثيرة عن الحاجة إلى النوم ؛ فهم لا يعرفون على وجه الدقة - على سبيل المثال - كيف يمكن للنوم أن يعيد للجسم حيويته ؟ وكيف يغيب الإحساس عن النائم وهو لا يزال حيًّا يتنفس ؟
إن النوم آية من آيات الله تعالى يقف الإنسان أمامها خاشعًا مسبحًا بحمد الله تعالى ، مقرًّا له بالربوبية والألوهية جلَّ في علاه .
وهو نعمة عظيمة من نعم الله تعالى ، إذ الإنسان المتعب من كدِّ الحياة ينام فيستيقظ وقد ذهب عنه تعبه وإرهاقه ، قد تجدد نشاطه لاستقبال عمله وكده من جديد ؛ فالنوم نعمة توجب شكر المنعم سبحانه .
والنوم ذكرى تذكر الموتَ والبعثَ ؛ فالنوم موت أصغر ، والاستيقاظ بعث أصغر .
من هنا علَّمنا الرسول الأعظم e آدابًا للنوم تُذكِّر المسلم بأن النوم آية وذكرى ونعمة يجب شكرها .
وللحديث صلة
 
دعوة للتأمل​

الليل والنهار آيتان من آيات الله تعالى ، دالتان على عظمته وقدرته ، وقدجاءت كثير من آيات القرآن العظيم تدعو الناس للتأمل والتدبر فيهما ، من ذلك قوله تعالى:] وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[[فصلت:37]، وقوله Y: ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[[آلعمران: 190 ] ، وقوله U : ] وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ [ النحل : 12 ] . وقوله سبحانه:] يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ[[النور: 44 ] ؛ وقوله جل وعلا :] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[[الفرقان:62]؛وقولهتعالى:] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا[[الإسراء:12].
فهذه الآيات وغيرها تدعوا أصحاب العقول والأبصار إلى التأمل والتدبر في هاتين الآيتين : الليل والنهار ؛ وجاءت آيات أخر في وصف الليل والنهار ، لتعميق فكر التدبر والتأمل ؛ من ذلك قوله تعالى : ] وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ [ آل عمران : 190 ] ، فاختلاف الليل والنهار من أعظم آيات الله Y الدالة على كمال قدرته ، ومن أعظم مننه على خلقه ؛ وهذا لا يخفى على أحد من العقلاء ؛لأن اختلاف الليل والنهار يترتبعليهاختلافحالتيالأرضمنضياء وظلمة ، وما في الضياء من الفوائد للناس ، وما في الظلمة من الفوائد لهم لحصول سكونهم واسترجاع قواهم المنهوكة بالعمل ؛ وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار لأن كل واحد منهما يخلف الآخر ، فتحصل منه فوائد تعاكس فوائدالآخر، بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضررًا، قال تعالى :] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ . وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[ [ القصص : 71 – 73]؛ وسرمدًا، أي : دائمًا، ليلاً واحدًامتصلاً لا يعقبه نهار ، أو نهارًا واحدًا متصلًا لا يعقبه ليل ؛ وقوله تعالى : ] لِتَسْكُنُوا فِيهِ [ يعني الليل ، أي : تنامون فتسكن جوارحكم، فتستريح من تعب الحياة؛ وقوله:] وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ[ يعني بالنهار ؛ وفيها كناية عن العمل والطلب لتحصيل الرزق ، قـال Y : ] وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ [ المزمل : 20 ] ، والرزق فضل من الله .
وأمرٌ آخر يحتاج إلى تأمل وتدبر في قوله تعالى : ] وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا [ [ الأنعام : 96 ] ، أي : مظلمًا ساجيًا ليسكن فيه الخلق ، فيستريحوا من تعب الكد بالنهار،كما بينَّه قوله تعالى: ] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [ [ يونس : 67 ] ، وقال Y : ] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [ [ غافر : 61 ] .
فعلاقة النوم بالليل علاقة واضحة - عند التأمل - فالليل وقت الراحة والسكون ؛ لأنه لا يتيسر فيه من الحركة وأنواع الأعمال ما يتيسر في النهار ؛ لما خص به الليل من الإظلام ، والنهار من الإبصار ، وأكثر الأحياء من الإنسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل وتأوي إلى مساكنها للراحة ، التي لا تتم ولا تكمل إلا بالنوم ، الذي تسكن فيه الجوارح والخواطر ببطلان حركتها الإرادية ، كما تسكن به الأعضاء سكونًا نسبيًا .
ومع أن أغلب النوم يكون ليلًا ، لكن الإنسان قد يحتاج إلى النوم نهارًا - أيضًا - فإذا به يجده بلا استدعاء منه .
إنه آية من آيات الله تعالى ؛ ونعمة امتن بها على الإنسان ، وهو يذكره بموته وبعثه ؛ فسبحان المنعم بآياته ، وله الحمد على نعمه كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه .
 
مراتب النَّوْمِ​
اعلم أن للنوم مراتب ، فالنوم العميق لا يصل الإنسان إليه إلا بتدريج ؛ قال الثعالبي في ( فقه اللغة ) :
أَوَّلُ النَّوْم النُّعَاسُ ، وهُوَ أَنْ يحْتَاجَ الإنْسَانُ إلى النَوْم .
ثُمَّ الوَسَن ، وهو ثِقَل النُّعاسِ .
ثُمَّ اَلتَّرْنِيقُ ، وهو مُخالَطَةُ النُّعاسِ العَيْنَ .
ثُمَّ اَلكَرَى والغُمْضُ ، وهُوَ أنْ يَكُونَ الإنسانُ بين النَّائِمِ واليَقْظَانِ .
ثُمَّ التَّغْفِيقُ ، وهو النَّوْمُ وأنْتَ تَسْمَع كَلاَمَ القَوْم .
ثُمّ الإغْفَاءُ ، وهُوَ النَّوْمُ الخَفِيف .
ثُمَّ التَّهْوِيمُ والغِرَارُ والتَّهْجَاعُ ، وهُوَ النَّوْمُ القَلِيلُ .
ثُمَّ الرُّقَادُ ، وهوَ النَّوْمُ الطَّوِيلُ .
ثُمَّ الهُجُودُ والهُجُوعُ والهُبُوغ ، وهُوَ النَّوْمُ الغَرقُ .
ثُمَّ التَّسْبِيخُ ، وهو أَشَدُّ النَّوْمِ .ا.هـ ( [1] ) .

[1] - انظر ( فقه اللغة ) : 1 / 607 ، بشيء من الاختصار ؛ وذكره القلقشندي في ( صبح الأعشى ) : 1 / 193 ، وذكر بعضه الفيومي في ( المصباح المنير ) مادة ( ن ع س ).
 
فوائد النوم
مع أنَّ النوم يذكِّرُ الإنسانَ بالموت الذي هو نهايةُ كلِّ إنسانٍ في هذه الحياة الدنيا ، وهي فائدة عظيمة ، إلا أن له أيضًا - كما يقول ابن القيم رحمه الله - فائدتان جليلتان ، إحداهما : سكونُ الجوارح وراحتُها مما يَعرض لها من التعب ، فيُريح الحواسَّ مِن نَصَب اليقظة ، ويُزيل الإعياء والكَلال .
والثانية : هضم الغذاء ، ونُضج الأخلاط ؛ لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم تَغور إلى باطن البدن ، فتُعين على ذلك ، ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى فضل دِثَار ( 1 ) .

1 - انظر زاد المعاد : 4 / 219 ، والدثار ما يلبس من ثوب على الثوب الداخلي ، والداخلي يسمى شعار .
 
النوم آية​
النوم آية من آيات الله تعالى ؛ قال Y : ] وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [ [ الروم : 23 ] .
نعم ؛ النوم آية دالة على قدرة الله تعالى ، وأنه الخالق العظيم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ؛ إذ النوم دليل ضعف وعجز ، وهذه صفة المخلوق ، أما الخالق Y فلا يحتاج إلى ذلك .. سبحانه ، قال U : ] اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ [ البقرة : 255 ] ، قال ابن كثير - رحمه الله : أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه ، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت ، شهيد على كل شيء ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يخفى عليه خافية ، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم ؛ فقوله : ] لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ [ أي : لا تغلبه سنة ، وهي الوسن والنعاس ، ولهذا قال : ] وَلا نَوْمٌ [ لأنه أقوى من السنة ( [1] ) ؛ وفي الصحيح عَنْ أَبِي مُوسَى t قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ e بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ : " إِنَّ اللهَ U لَا يَنَامُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " ( [2] ) ؛ وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا : يا موسى هل ينام ربك ؟ قال : اتقوا الله ؛ فناداه ربه U : يا موسى سألوك : هل ينام ربك ؟ فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ؛ ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش فضبطهما ، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا ، فقال : يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك ؛ فأنزل الله U على نبيه e آية الكرسي ( [3] ) .
والنوم آية دالة على ضعف المخلوق ، وأنه مفتقر إلى الله تعالى في كل أموره ؛ فهل أحد إذا أراد النوم يستدعيه ، فيقول : يا نوم أقبل ؟ أو يحتال على النوم فينام ؟ أم أن الإنسان مقهور أمام النوم ، لا سلطان له عليه ، بل النوم سلطان حتى على السلطان .
فما أحد من المخلوقات إلا ويهجم عليه النوم هجومًا ، فتراه قد ثقلت رأسه ، وفترت أعضاؤه ، وأغلقت جفون عينيه ، فإن حاول أن يغالب النوم نام على الحال التي هو عليها على رغم أنفه ... فليس للإرادة البشرية قدرة على دفع السَّنة ومنع النَّوم ، لأنَّه من الأمور القهرية الخارجة عن قدرة المخلوقين ... إنه آية من آيات الله تعالى .
وكذلك من أصيب بالأرق ، لا يستطيع أن يأتي بالنوم إلا عن طريق أسباب طبية وقتية جعل الله تعالى فيها ذلك ، لكنه مع ذلك إذا استيقظ لا يشعر بالراحة التي تكون عقب النوم الطبيعي الذي جعله الله تعالى آية لخلقه .
والنوم آية من آيات الله الدالة على قدرته على البعث والجزاء ؛ فالنوم موت أصغر ، والاستيقاظ بعث أصغر ، وهي عملية تتكرر كل يوم وليلة في هذه الحياة الدنيا .

[1] - انظر تفسير ابن كثير عند الآية ( 255 ) من سورة البقرة .

[2] - رواه أحمد : 4 / 395 ، 400 ، 405 ، ومسلم ( 179 ) ، وابن ماجة ( 195 ، 196 ) .

[3] - ابن أبي حاتم ( 2580 ) وإسناده حسن ، ومن طريقه رواه أبو الشيخ في العظمة : 2 / 452 : 454 ( 22 ) ، ورواه الضياء في المختارة : 10 / 113 ، 114 ( 111 ) ، من طريق ابن مردويه مرفوعًا ؛ والموقوف أشبه .
 
جزاكم الله خيرا، هل تكلّم ابن القيم في مفتاح دار السعادة في كون النوم يذكِّرُ الإنسانَ بالموت و الاستيقاظ منه بعث أصغر؟
 
وجزاك الله مثله - أخي الكريم ، ولم أجد في ( مفتاح دار السعادة ) الإشارة إلى ذلك ؛ والذي وجدته فيه بعد بحث ( 1 / 13 – دار الكتب العلمية ) : وجنة الخلد لا نوم فيها بإجماع من المسلمين ، لأن النوم وفاة ، وقد نطق به القرآن ؛ والوفاة تقلب حال ، ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال ، والنائم ميت أو كالميت .ا.هـ .
 
النوم ذكرى​

النوم يُذَكِّرُ الموت ، والاستيقاظ يذكر البعث ، ولذا كان رسول الله e إذا أوى إلى فراشه وضع يده تحت خده ، ثم يقول : " بِاسْمِكَ اللهم أَمُوتُ وَأَحْيَا " وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ : " الْحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " ( [1] ) .
فهو ذكرى للإنسان في كل يوم بالموت وبما بعد الموت .
قال الله تعالى : ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ [ الزمر : 42 ] .
والمعنى أن الله تعالى ينهي حياة العباد بقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم ؛ وهو يتوفاها كذلك في منامها وإن لم تمت بعد ، ولكنها في النوم متوفاة إلى حين ، فيحبسها عن التصرف كأنها ميتة ؛ ] فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [أي: يقبضها لحكمه بالموت عليها حال النوم فلا تستيقظ ، ] وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [ أي : التي لم يحكم بموتها يرسلها فتصحو ويحيى صاحبها إلى نهاية أجله المعدود له ، فالأنفس في قبضته دائمًا في صحوها ونومها ، ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ أي : في قبض الأرواح وإرسالها نومًا وموتًا واستيقاظًا دلائل وبراهين على قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره المشركون .
وفي قوله تعالى : ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ [ الأنعام : 60 ] ؛ تقرير للمعنى السابق من أن النوم والاستيقاظ يمثلان الموت الأصغر والبعث الأصغر ، وفيهما ذكرى للعاقل بالموت الأكبر والبعث الأكبر .
فقوله تعالى : ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ أي : بالنوم ، ] وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [ أي: ما كسبتم بالنهار ؛ ] ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [ أي : في النهار؛ فسمى الاستيقاظ بعثًا ، ثم ذكر بالأجل الذي فيه تذكير بنهاية الحياة بالموت ، والمرجع إليه والمحاسبة ، والذي فيه تذكير بالبعث بعد الموت .

[1] - رواه البخاري ( 6312 ، 6314 ، 6324 ، 73994 ) عن حذيفة t ؛ ورواه أيضا ( 5966 ) عن أبي ذر t؛ ورواه مسلم ( 2711 ) عن البراء t .
 
التعديل الأخير:
النوم نعمة عظيمة​

لما كان النوم آية عظيمة من آيات الله تعالى ، وفيها ذكرى للبشر ، كان نعمة جليلة ، وكان وقته الغالب وهو الليل نعمة - أيضا - كما أنَّ النهار نعمة ؛ وفي قوله e عند الاستيقاظ : " الْحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " إشارة إلى ذلك ، إذ الحمد واجب للنعمة ؛ ويبين هذا المعنى قوله U : ] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ . وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ [ القصص : 71 – 73 ] ؛ فقوله : ] لِتَسْكُنُواْ فِيهِ [ أي : في الليل ، وقوله : ] وَلِتَبتَغُواْمِن فَضْلِهِ [ أي : في النهار ؛ وقوله : ] وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ أي : نعمة الله عليكم في ذلك ؛ قال ابن عاشور - رحمه الله : ووصف الليل بـ ] تَسْكُنُونَ فِيهِ [[ القصص : 72 ] ، إدماج للمنة في أثناء الاستدلال ، للتذكير بالنعمة المشتملة على نعم كثيرة، وتلك هي نعمة السكون فيه[أي : في الليل]، فإنها تشمل لذة الراحة ، ولذة الخلاص من الحر ، ولذة استعادة نشاط المجموع العصبي الذي به التفكير والعمل ، ولذة الأمن من العدوِّ ( [1] ) . والعلم عند الله تعالى .

[1] - انظر التحرير والتنوير عند الآية ( 71 – 73 ) من سورة القصص .
 
النوم طبيعي وغير طبيعي​
قال ابن القيم - رحمه الله : النوم حالة للبدن يَتبعُها غوْر الحرارةِ الغريزية والقُوى إلى باطن البدن لطلب الراحة ، وهو نوعان : طبيعي ، وغيرُ طبيعي .
فالطبيعي : إمساك القُوى النفسانية عن أفعالها ، وهى قُوَى الحِسِّ والحركة الإرادية ، ومتى أمسكتْ هذه القُوَى عن تحريك البدن اسْتَرخى ، واجتمعتْ الرطوباتُ والأبخرةُ التي كانت تتحلَّل وتتفرَّق بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القُوَى ، فيتخدَّرُ ويَسترخِى ، وذلك النومُ الطبيعي .
وأمَّا النومُ غيرُ الطبيعي ، فيكونُ لعَرض أو مرض ، وذلك بأن تستوليَ الرطوباتُ على الدماغ استيلاءً لا تقدِرُ اليقظةُ على تفريقها ، أو تصعد أبخرةٌ رَطبة كثيرة كما يكون عقيبَ الامتلاء مِن الطعام والشراب ، فتُثقِلُ الدماغ وتُرخيه ، فَيتخدَّرَ ، ويقع إمساكُ القُوَى النفسانية عن أفعالها، فيكون النوم ( [1] ) .

[1] - انظر زاد المعاد : 4 / 219 .
 
أحسن الله إليـكم، وجزاكم خيرًا، لا سيمـا إدراجكم لكلمات ابن القيم ـ رحمه الله ـ ..
 
..أنواع النوم وما يتعلق بكل نوع
يتنوع النوم بحسب الوقت أو الحال أنواعًا ؛ أما بحسب الوقت فقال الله تعالى :  وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  [ الروم : 23 ] ؛ فالنوم نوعان ؛ الأول : نوم بالليل ، وهو الأصل ؛ والثاني : نوم بالنهار عند الحاجة .
..أنواع النوم بحسب الوقت
أنواع نوم الليل
لنوم الليل نوعان هما :
1 - النوم قبل العشاء الآخرة ؛ روى الجماعة عن أبي برزة  أن النبي  كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ( 1 ) ؛ قال الترمذي - رحمه الله : وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء ، والحديث بعدها ، ورخص في ذلك بعضهم ؛ وقال عبد الله بن المبارك : أكثر الأحاديث على الكراهية ، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان .ا.هـ . قال ابن حجر - رحمه الله : ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه ، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم ؛ وهذا جيد حيث قلنا : إن علة النهي خشية خروج الوقت ، وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء ، والكراهة على ما بعد دخوله ( 2 ) .
والعلة في كراهة النوم قبل صلاة العشاء لأنه مظِنّة تضييع صلاة العشاء ، فإن من كان يجهد في عمل النهار فإنه - غالبًا - إذا نام بعد المغرب فاتته العشاء ؛ قال النووي رحمه الله : قال العلماء : سبب كراهة النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم ، أو لفوات وقتها المختار والأفضل ، ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة ؛ وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه ، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل ؛ ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا ؛ قال العلماء : والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها ، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه ، وذلك كمدارسة العلم ، وحكايات الصالحين ، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم ، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك ، فكل هذا لا كراهة فيه ، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه ؛ ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء لا بعد دخول وقتها ( 3 ) .
وقال ابن الملقِّن : سبب الكراهة [ للحديث ] بعدها أن الصلاة قد كفَّرت خطاياه فينام على سلامة ، وقد خُتِم كتاب صحيفته بالعبادة .ا.هـ . وما أجمل هذا الوجه عند التأمل ؛ وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول لمن يسمر : أريحوا كُتَّابَكم ؛ تعني الملائكةَ الكاتبين ( 4 ) .

..مفهوم الحديث وواقع الناس
يعجب العاقل من أحوال الناس اليوم ، فإن كثيرًا منهم يخالفون الحكمة من خلق الليل والنهار ؛ وقد أشار إلى ذلك القرطبي - رحمه الله - في ( المفهم ) ، قال : ويظهر لي أن كراهة ذلك إنما هو لَمَّا أن الله جعل الليل سكنًا - أي : يسكن فيه - فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرَّف المعاش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده .ا.هـ .
قلت : هذا وجه حسن ، وقد رأينا آثاره السلبية في عصرنا هذا بعد اكتشاف الكهرباء واختراع أجهزة حولت ليل الناس من سكن إلى ضده ؛ حتى أصبح الذي لا يسهر يُستغرب حاله .
سبحان الله ! كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ  يَضْرِب النَّاس عَلَى ذَلِكَ وَيَقُول : أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيْل وَنَوْمًا آخِرَهُ ؟ يستغرب ممن يسهر أول الليل ثم ينام آخره مضيعًا بذلك على نفسه ما في آخر الليل من الفضل ؛ فما أحوج كثير من الناس اليوم إلى درة عمر  .
أما العقلاء فيكفيهم أن يراجعوا أنفسهم في فهم الحكمة من الليل والنهار ، ليصلحوا مسيرتهم ، فالقاعدة ( اضبط ليلك تنضبط حياتك ) .
وأمر آخر لابد من التنبيه عليه ، وهو أن الحديث المكروه بعد العشاء هو ما كان مباحًا قبله ؛ أما ما كان مكروهًا من الأحاديث قبل العشاء فتشتد كراهته بعد العشاء ، وما كان منها محرمًا فتشتد حرمته .
فإذا كان هذا في الأحاديث ، فما بالنا بالمشاهدات والأفعال ؟ أعاذنا الله تعالى مما يسخطه ، ووفقنا والمسلمين لما يرضيه ... آمين

( 1 ) - أخرجه أحمد : 4 / 420 ، 423 ، 424 ، والبخَارِي ( 516 ، 522 ، 574 ، 737 ) ، ومسلم ( 647 ) ، وأبو داود ( 398 ، 4849 ) ، والتِّرمِذي ( 168 ) ، والنَّسائي ( 495 ، 525 ، 530 ) ، وابن ماجة ( 701 ) .
( 2 ) انظر ( فتح الباري ) : 2 / 49 ؛ والمقصود بوقت الاختيار هو الوقت الذي لا تخرج الصلاة فيه عن وقتها .
( 3 ) شرح النووي على مسلم : 5 / 146 ن 147 .
( 4 ) ذكره ابن رجب في ( فتح الباري ) له : 3 / 377 .
 
النوع الثاني : النوم بعد صلاة العشاء​

هذا النوم هو الذي خلقه الله تعالى لراحة البدن ، وجعل وقته في الليل ، ويكون بعد صلاة العشاء ، إلا لمصلحة يكون معها شيء من السهر ؛ وهو أنفع النوم ، فإنه يتيح لصاحبه القيام آخر الليل لصلاة ، أو دعاء ، أو استغفار ، أو تلاوة .


أفضل النوم​

في حديث النبيe:" أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ؛ وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ " متفق عليه ( [1] ) ، ما يدل على أن أفضل النوم هو نوم داود u، وهو أن ينام الإنسان نصفالليل ، ثم يقوم ثلثه ، ثم ينام سدسه .
قال ابن القيم - رحمه الله: وأنفع النوم :ماكان عند شدة الحاجة إليه ؛ ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه ، وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ، ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ؛ ... إلى أن قال : وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير ، وهو مقدار ثمان ساعات ؛ وهذا أعدل النوم عندالأطباء ، وما زاد عليه أو نقص منه أثَّر عندهم في الطبيعة انحرافًا بحسبه ( [2] ) .
وهنا أجد لزامًا أن أذكِّر بالقاعدة التي نوهت إليها من قبل : ( اضبط ليلك تنضبط حياتك ) ؛ فإن السهر في غير فائدة شرعية يضر بصاحبه ، ويجعل حياته فوضى .


[1] - البخاري ( 1079 ، 3238 ) ، ومسلم ( 1159 ) .

[2] - انظر ( مدارج السالكين ) : 1 / 459 .
 
أنواع نوم النهار​
في ( المجالسة ) للدينوري أن عَبْدَ اللهِ بْنَ الْعَبَّاسِ - رضي الله عنهما - مَرَّ بِالْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى ، فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ لَهُ : قُمْ ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا ؟ قَالَ : وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ ؟ قَالَ : زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِأَةٌ لِلْحَاجَةِ ؛ ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّ ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؛ نَوْمُ خُرْقٍ ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى ، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ : قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ ، وَنَوْمَةُ الْحُمْقِ ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ ، لَا يَنَامُهَا إِلَّا سَكْرَانٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( [1] ) .
فقسم ابن عباس t نوم النهار إلى ثلاثة أقسام ، وقد جاء هذا التقسيم عن غيره من الصحابة y ؛ فعَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ t قَالَ : النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ ، وَأَوْسَطِهِ خُلُقٌ ، وَآخِرِهِ حُمْقٌ ( [2] ) ؛ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو t قَالَ : النَّوْمُ ثَلاثَةٌ : فَنَوْمٌ خُرْقٌ ، وَنَوْمٌ خُلُقٌ ، وَنَوْمٌ حُمْقٌ ؛ فأما نومة الخرق فنومة الضحى ، يقضي الناس حوائجهم وهو نائم ؛ وأما نومة الخُلُقِ فَنَوْمَةُ القائلة نصف النهار ؛ وأما نومة الْحُمْقِ فَنَوْمَةٌ حِينَ تَحْضُرُ الصَّلاةُ ( [3] ) .
ومعنى ( خُرْق ) أي : جهل ؛ وأما (خُلُقٌ ) فكأن المراد أن النوم في أوسط النهار خلق ممدوح ، ففيه إشارة إلى قوله e : " قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ " وسيأتي ؛ وقوله : ( وَآخِرِهِ حُمْقٌ ) حقيقة الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه .
وتفصيل هذه الأنواع الثلاثة كالتالي :
1 - التَّصَبُّح : نُوم الصُّبْحة ، والصَّبْحةُ ( بفتح الصاد وضمها ) ؛ ويقال له – أيضًا : نوم الضحى ، وهو نوم الغداة أول النهار ( [4] ) . وقد كره بعض العلماء النوم في أول النهار إلا لحاجة ؛ لأنه وقتُ الذِّكر ، ثم وقت طلب الكَسْب ، واستدلوا على ذلك بأحاديث ضعيفة ؛ منها ما رواه عبد الله بن أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " الصُّبْحَةُ تَمْنَعُ الرِّزْقَ " ( [5] ) .
والعرب تسمي هذه النومة : نومة الخُرْقِ ، فيقال : إِنَّهُ لَيَنَامُ نَوْمَة الْخُرْق ، وَهِيَ نَوْمَة الضُّحَى ؛ لأنه بذلك يضيع وقت السعي للرزق ، فهو أخرق ؛ وتقدم نهي ابن عباس لابنه عنها ؛ وفي ( شرح مشكل الآثار ) للطحاوي – رحمه الله – عن عبيد بن عمير أن عبد الله بن الزبير قال : يا عبيد بن عمير ، أما علمت أن الأرض عجت إلى ربها U من نومة العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم ( [6] ) .
وقال ابن القيم - رحمه الله : ونوم الصُّبحة يمنع الرزق ، لأن ذلك وقتٌ تطلبُ فيه الخليقةُ أرزاقَها ، وهو وقتُ قسمة الأرزاق ، فنومُه حرمانٌ إلا لعارض أو ضرورة ، وهو مضر جدًا بالبدن ؛ لإرخائه البدن ، وإفسادِه للفضلات التي ينبغي تحليلُها بالرياضة ، فيُحدث تكسُّرًا وَعِيًّا وضَعفًا ؛ وإن كان قبل التبرُّز والحركة والرياضة وإشغالِ المَعِدَة بشيء ، فذلك الداء العُضال المولِّد لأنواع من الأدواء ( [7] ) .

2 - القائلة والقيلولة : النوم في الظهيرة ، يقال : فُلانٌ يَنَامُ القَيْلُولَة ، وَالْقَائِلَة ؛ وقيل : نومة نصف النهار ، أو الاستراحة فيه ، وإن لم يكن نوم ( [8] ) ؛ ويقال لها أيضًا : الغائرة ، فالتغوير : نوم ذلك الوقت ( [9] ) .
وقد روى الطبراني في ( الأوسط ) عن أنسٍ t قال : قال رسول الله : " قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ " ( [10] ) ؛ وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : بلغ عمر t أن عاملا له لم يقل ، فكتب إليه عمر : قِلْ ، فإني حُدثت أن الشيطان لا يقيل ؛ قال مجاهد : إن الشياطين لا يقيلون( [11] ) ؛ وفي ( الأدب المفرد ) للبخاري عن السائب بن يزيد قال : كان عمر t يمر بنا نصف النهار أو قريبًا منه ، فيقول : قوموا فقيلوا ، فما بقي فللشيطان ( [12] ) ؛ وفيه – أيضًا – عن أنس t قال : كانوا يُجَمِّعُون ثم يقيلون ( [13] ) ؛ وفي الصحيحين عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ t قَالَ : مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ( [14] ) . قال العلماء : ويستحب نوم القائلة لأنها تعين على قيام الليل .

3 - النوم بعد العصر ؛ تقدم من قول ابن عباس وخوَّات y إنها نومة الْحُمْقِ ؛ وعن النعمان بن منذر قال : كنت نائمًا بعد العصر بدابق ، فأتاني مكحول فركسني برجله ركسة ، ثم قال : قم ! فقد عوقبت ، قلت : وما ذاك يا أبا عبد الله ؟ قال إن هذه الساعة فيها خروج القوم وفيها انتشارهم - يعني الجن - وفي هذه الرقدة تكون الخبلة ( [15] ) .
قال ابن القيم - رحمه الله : ونومُ النهار رديءٌ يُورث الأمراضَ الرطوبية والنوازلَ ، ويُفسد اللَّون ، ويُورث الطِّحال ، ويُرخي العصبَ ، ويُكسل ويُضعف الشهوة ، إلاَّ في الصَّيفِ وقتَ الهاجِرة ؛ وأردؤه نومُ أول النهار ، وأردأُ منه النومُ آخره بعدَ العصر ، ورأى عبد الله بن عباس ابنًا له نائمًا نومة الصُّبْحَةِ ، فقال له : قم ، أتنام في الساعة التي تُقسَّمُ فيها الأرزاق ؟ وقيل : نوم النهار ثلاثة : خُلقٌ ، وخُرق ، وحُمق ؛ فالخُلق : نومة الهاجرة ، وهى خُلق رسول الله e ؛ والخُرق : نومة الضحى ، تُشغل عن أمر الدنيا والآخرة ؛ والحُمق : نومة العصر . قال بعض السَّلَف : مَن نام بعد العصر فاختُلِسَ عَقلُه ، فلا يلومنَّ إلا نفسه ؛ وقال الشاعر :
أَلاَ إنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى خَبَالاً وَنَوْمَاتُ الْعُصَيْرِ جُنُونُ ( [16] )​
قال مقيده - عفا الله عنه : لم يصح في النهي عن النوم بعد العصر عن النبي e شيء ؛ والذي ينبغي للإنسان أن ينام حيث يحتاج إلى النوم ، لأن لنفسه عليه حقًا ، ما لم يكن النوم مانعًا له من أداء واجب ؛ والأفضل أن لا ينام الإنسان بعد صلاة الصبح ، ولا بعد صلاة العصر وأن يشتغل قبل طلوع الشمس وقبل غروبها بذكر الله تعالى ؛ ولكن إذا غلبه النوم ولم يكن له وقت يريح فيه جسمه بحظٍ من النوم إلا في هذا الوقت فلا حرج ، ولا عبرة لقول القائل :
أَلاَ إنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى خَبَالاً وَنَوْمَاتُ الْعُصَيْرِ جُنُونُ​
فإنه لا تؤخذ الأحكام الشرعية إلا من الأحاديث الصحيحة ، لا تؤخذ من الأحاديث الضعيفة فضلا عن المكذوبة ، ولا تؤخذ من آراء الناس ؛ وما أكثر الذين ينامون بعد العصر عند الحاجة وهم من أعقل الناس ! والأصل هو الإباحة ، ولم يرد النهي عنه في حديث صحيح ؛ وروى ابن عدي عن مروان الطاطري قال : قلت لليث بن سعد ورأيته نام بعد العصر في شهر رمضان : يا أبا الحارث ، مالك تنام بعد العصر ، وقد حدثنا ابن لهيعة عن عقيل عن مكحول عن النبي e : " مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ " ( [17] ) قال الليث : لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل ( [18] ) ؛ قال الألباني - رحمه الله - بعد أن أورد هذا الحديث : ولقد أعجبني جواب الليث هذا ، فإنه يدل على فقه وعلم ، ولا عجب ، فهو من أئمة المسلمين ، والفقهاء المعروفين ، وإني لأعلم أن كثيرًا من المشايخ اليوم يمتنعون من النوم بعد العصر ، ولو كانوا بحاجة إليه ، فإذا قيل له : الحديث فيه ضعيف ، أجابك على الفور : يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ! فتأمل الفرق بين فقه السلف ، وعلم الخلف ! ( [19] )
وفي ( فتاوى اللجنة الدائمة ) سؤال نصه : سمعت من أناس تحريم النوم بعد العصر ، هل ذلك صحيح ؟ فجاء الجواب : النوم بعد العصر من العادات التي يعتادها بعض الناس ، ولا بأس بذلك ، والأحاديث التي في النهي عن النوم بعد العصر ليست بصحيحة ؛ وهذا القول هو الراجح ، لعدم صحة النهي عن النبي e ، وأما ما جاء عن السلف من الآثار التي تنهى عن نومة العصر ، فهي محمولة على الكراهة من جهة الطب لا من جهة الشرع ، يعني لما اشتهر عند العرب قديمًا وبين بعض الأطباء الأوائل أن النوم بعد العصر غير صحي ، وقد يؤدي إلى إضرار في البدن ، فكرهوا للإنسان النوم بعد العصر كي لا يضر نفسه ، من غير نسبة ذلك إلى السنة والتشريع ؛ فيرجع في الأمر إلى الطب ، فإن ثبت من جهته الضرر والأذى ، كره للمرء أن يضر نفسه ، وأما الشرع فلم يثبت فيه النهي عن ذلك ابتداء ( [20] ) ؛ والعلم عند الله تعالى .

[1] - انظر ( المجالسة وجواهر العلم ) : 5 / 221 – تحقيق مشهور حسن مشهور .

[2] - رواه ابن أبي شيبة ( 26677 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 1242 ) وصححه الحافظ في ( الفتح ) : 11 / 70 ، وكذا الألباني في صحيح الأدب المفرد ؛ ورواه - أيضًا - الطحاوي في ( شرح مشكل الآثار ) : 3 / 82 ، والبيهقي في ( شعب الإيمان ) رقم ( 4737 ) .

[3] - رواه الطحاوي في ( شرح مشكل الآثار ) : 3 / 82 ، والبيهقي في ( شعب الإيمان ) رقم ( 4738 ) .

[4] - انظر ( الفائق ) للزمخشري ( مادة : ص ب ح ) ، و( المحكم والمحيط الأعظم ) لابن سيده - (1 / 469) .

[5] - عبد الله بن أحمد في المسند : 1 / 73 ، وفيه ابن أبي فروة وهو متروك ؛ وانظر الضعيفة ( 3019 ) .

[6] - انظر ( شرح مشكل الآثار ) : 3 / 83 ؛ وعجت : صاحَت ورَفَعَت صَوْتَها .

[7] - انظر زاد المعاد : 4 / 221 .

[8] - انظر المحيط في اللغة : 6 / 26 ، والمعجم الوسيط ، والمصباح المنير ( مادة ق ي ل ) .

[9] - انظر المحكم والمحيط الأعظم - (2 / 453) .

[10] - الطبراني في الأوسط ( 28 ) ، ورواه أبو نعيم في ( أخبار أصفهان ) من طريق أخرى ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ( 4431 ) ، والصحيحة ( 1647 ) .

[11] - انظر ( مصنف ابن أبي شيبة ) رقم ( 26676 ) .

[12] - الأدب المفرد ( 1239 ) ، وحسنه الألباني .

[13] - الأدب المفرد ( 1240 ) ، وصححه الألباني .

[14] - رواه البخاري ( 897 ، 5923 ) ، ومسلم ( 859 ) .

[15] - انظر ( شرح مشكل الآثار ) : 3 / 82 ، 83 .

[16] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 221 ، 222 .

[17] - هذا مرسل ضعيف ، والحديث رواه أبو يعلى ( 4918 ) عن عائشة مرفوعًا بإسناد ضعيف أيضًا ، ولم يصح عن النبي e في هذا شيء .

[18] - رواه ابن عدي في ( الكامل في الضعفاء ) : 4 / 145 ، ومن طريقه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : 32 / 137 ؛ وانظر ميزان الاعتدال : 2 / 478 ، 479 .

[19] - انظر ( السلسة الضعيفة ) حديث رقم ( 39 ) .

[20] - فتاوى اللجنة الدائمة : 26 / 147، رقم ( 17915 ) .
 
فائدة :
في تذكرة الجلال السيوطي : النوم في أول النهار عَيْلُولَةٌ ، وهو الفقر ، وعند الضحى فَيْلُولَةٌ وهو الفتور ، وحين الزوال قَيْلُولَةٌ وهي الزيادة في العقل ، وبعد الزوال حَيْلُولَةٌ ، أي : يحيل بينه وبين الصلاة ، وفي آخر النهار غَيْلُولَةٌ ، أي : يورث الهلاك ( [1] ) .
ولشمس الدين محمد بن محمد بن أبي اللطف الشافعي ( [2] ) في ذلك نظم ، قال :
النوم بعد صلاة الصبح عيلوله ... فقرٌ وعند الضحى فالنوم فيلوله​
وهو الفتور وقبل الميلِ قيل له ... إذ زاد في العقل أي بالقاف قيلوله​
والنوم بعد زوالٍ بين فاعله ... وبين فرض صلاة كان حيلوله​
وبعد عصر هلاكًا كان مورِثًا ... كذاك قلةَ العقل بالإهمال غيلوله​
وقوله : وقبل الميل : أي ميل الشمس إلى الزوال ؛ ومعنى البيت الأخير ، أن نوم بعد العصر يورث الهلاك وقلة العقل .

[1] - نقلا عن ( تحفة الحبيب على شرح الخطيب ) المعروف بحاشية البيجرمي : 3 / 118 – الكتب العلمية .

[2] - له ترجمة في ( شذرات الذهب ) لابن العماد : 8 / 428 - الكتب العلمية ، و( الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة ) للغزي .
 
أنواع النوم بحسب حال النائم​

النوم بحسب حال النائم يتنوع إلى ثلاثة أيضًا : الاضطجاع على أحد الشقين ، والاستلقاء ، والانبطاح .
1 - الاضطجاع على أحد الشقين الأيمن أو الأيسر ؛ والسنة أن ينام على شقه الأيمن ابتداء ، كما سيأتي إن شاء الله ؛ وقد قيل : إنَّ الحكمة في النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرقَ النائم في نومه ، لأن القلبفيهميلٌإلىجهةاليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلبُ مُستقَرَّه من الجانب الأيسر ، وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه ، بخلاف قراره في النوم على اليسار ، فإنه مُستقَرُّه ، فيحصُل بذلك الدَّعةُ التامة ، فيستغرق الإنسان في نومه ، ويَستثقِل ، فيفوتُه مصالح دينه ودنياه ( [1] )؛ وقال ابن حجر - رحمه الله : وخص الأيمن لفوائد : منها أنه أسرع إلى الانتباه ، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم ، ومنها ما قال ابن الجوزي : هذه الهيئة نص الأطباء على أنها أصلح للبدن ، قالوا : يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن ساعة ثم ينقلب إلى الأيسر ؛ لأن الأول سبب لانحدار الطعام ، والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة ( [2] ) ؛ وقوله : ( ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم ) ذلك لأن مستقر القلب من الجانب الأيسر فإذا نام الإنسان على الشق الأيمن تعلق القلب فلا يثقل بالنوم .
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى قَتَادَةَ t قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ( [3] ) ، وفي رواية لأحمد : كَانَ e إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ ، وَإِذَا عَرَّسَ قَبْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَيْهِ وَوَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ ( [4] ) ؛ التعريس : نزول آخر الليل ؛ وقَالَ العلماءُ : إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلا يَسْتَغْرِقَ في النَّومِ ، فَتَفُوتَ صَلاَةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا ، أَوْ عَنْ أوَّلِ وَقْتِهَا ؛ وفي ذلك التنبيه على ترك ما يكون سببًا في فوات الطاعة .

2 - الاستلقاء ، وهو النوم على القفا ووضع الظهر على الفراش ، ولم يأت نهي مطلق عنه ، وإنما جاء النهي عن الاستلقاء على القفا ووضع الرجل على الأخرى مخافة أن تنكشف العورة ؛ فعَنْ جَابِرِ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ، وَالاِحْتِبَاءِ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ ( [5] ) ؛ وفي الصحيحين عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ t قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَىرِجْلَيْهِعَلَىالْأُخْرَى([6])؛قال ابن حجر - رحمه الله : قال الخطابي : فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة والجواز حيث يؤمن ذلك .ا.هـ . قلت : الثاني أولى من ادعاء النسخ ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال ، وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين ( [7] ) . وهذا القول هو الراجح جمعا بين حديث جابر t وحديث عباد بن تميم .
وحديث عباد رواه البخاري في مواضع ، منها كتاب ( اللباس ) ، وبوب له : ( باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى ) قال ابن حجر - رحمه الله : وجه دخول هذه الترجمة في كتاب اللباس من جهة أن الذي يفعل ذلك لا يأمن من الانكشاف ، ولا سيما الاستلقاء يستدعي النوم ، والنائم لا يتحفظ ، فكأنه أشار إلى أن من فعل ذلك ينبغي له أن يتحفظ لئلا ينكشف .ا.هـ .
قال مقيده - عفا الله عنه :وضع إحدى الرجلين على الأخرى يكون على صفتين ؛ إحداهما : أن تكون الرجلان ممدودتين إحداهما فوق الأخرى ؛ ولا بأس بهذا فإنه لا ينكشف من العورة بهذه الصفة شيء ؛ والثانية : أن تكون إحدى الرجلين منصوبة الساق ويضع الرجل الأخرى على ركبتها ؛ وهذا الصفة يمكن أن تنكشف بها العورة إلا أن يكون على صاحبها سراويل ، أو يكون إزاره أو ذيله طويلين لا تنكشف معهما العورة .
وروى الطبراني عن أبي قرصافة أنه رأى النبي e مستلقيًا على قفاه واضعًا إحدى رجليه على الأخرى ( [8] ) .
وعلى ذلك فيحمل النهي حيث يخشى بدو العورة ، والجواز حيث يؤمن ذلك ؛ والعلم عند الله تعالى .

3 - الانبطاح ، وهو النوم على البطن ؛ وهي هيئة مكروهة عند النوم ؛ فعن أبي ذر t قال : مر بي النبي e وأنا مضطجع على بطني ، فركضني برجله وقال : " يَا جُنَيْدِبُ ، إنما هَذِهِ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ " ( [9] ) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ e رَأَى رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ : " إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ " ( [10] ) . وعَنْ أَبِي طِخْفَةَ الْغِفَارِيِّtقَالَ:أَخْبَرَنِيأَبِيأَنَّهُضَافَرَسُولَاللَّهِ e مَعَ نَفَرٍ ، قَالَ : فَبِتْنَا عِنْدَهُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ e مِنْ اللَّيْلِ يَطَّلِعُ ، فَرَآهُ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ : " هَذِهِ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ"، وفي رواية : " إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ " ( [11] ) ؛ وفي رواية : وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى وَجْهِي ( [12] ) ، وفي أخرى : " لا تضطجع هكذا ، فَإِنهَا ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ " ( [13] ) ؛ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ t قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ e عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ ، مُنْبَطِحٍ عَلَى وَجْهِهِ ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ ، وَقَالَ : " قُمْ ، وَاقْعُدْ فَإِنَّهَا نَوْمَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ " ( [14] ).
قال ابن القيم - رحمه الله : وأنفعُ النوم : أن ينامَ على الشِّق الأيمن ، ليستقرَّ الطعام بهذه الهيئة في المَعِدَة استقرارًا حسنًا ، فإن المَعِدَة أميَلُ إلى الجانب الأيسر قليلاً ، ثم يَتحوَّل إلى الشِّق الأيسر قليلاً ليُسرعَ الهضم بذلك ، لاستمالة المَعِدَة على الكَبِد ، ثم يَستقرُّ نومُه على الجانب الأيمن ، ليكون الغِذاء أسرعَ انحدارًا عن المَعِدَة ، فيكونُ النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايتَه ، وكثرةُ النوم على الجانب الأيسر مضرٌ بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه ، فتنصبُّ إليه المواد .
وأردأُ النومِ النومُ على الظهر ، ولا يَضرُّ الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم ، وأردأُ منه أن ينامَ منبطحًا على وجهه ، وفى المسند وسنن ابن ماجه عن أبى أُمامةَ t قال : مرَّ النبيُّ e على رجُلٍ نائم في المسجد منبطح على وجهه ، فضرَبه برجله ، وقال : " قُمْ أوِ اقْعُدْ فإنَّهَا نومةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ " .
والنومُ المعتدل ممكِّنٌ للقُوَى الطبيعية من أفعالها ، مريحٌ للقوة النفسانية ، مُكْثرٌ من جوهر حاملها ، حتى إنه ربَّما عاد بإرخائه مانعًا من تحلُّل الأرواح ( [15] ) .

[1] - انظر ( زاد المعاد ) لابن القيم : 4 / 219 .

[2]- انظر فتح الباري : 11 / 110.

[3] - مسلم ( 683 ) .

[4] - أحمد : 5 / 309 ، ورواه ابن حبان ( 6438 ) ، والحاكم ( 1631 ) بنحوه .

[5] - رواه مسلم ( 2099 ) .

[6] - البخاري ( 463 ، 5624 ، 5929 ) ، ومسلم ( 2100 ) .

[7] - انظر فتح الباري : 1 / 563 ، والسنن الكبرى للبيهقي : 2 / 224 ، 225 – دار الباز – مكة المكرمة ؛ وشرح السنة للبغوي:2/378.

[8] - المعجم الكبير : 3 / 18 ( 2515 ) .

[9] - ابن ماجة ( 3724 ) ، وصححه الألباني .

[10] - رواه أحمد : 2 / 304 ، والترمذي ( 2768 ) ، ورواه ابن حبان ( 5549 ) ، والحاكم : 4 / 302 ( 7709 ) وقال : صحيح على شرط مسلم .

[11] - رواه أحمد : 3 / 429 ، 430 ؛ 5 / 426 ، وأبو داود ( 5040 ) ، وابن ماجه ( 3723) .

[12] - رواها الطيالسي ( 1339 ) – دار المعرفة – بيروت .

[13] - أخرجه الطبراني : 8/327 ( 8226 ) .

[14] - رواه البخاري في الأدب المفرد (1188) ، وابن ماجة (3725) ، والطبراني : 8 /234(7914) ؛ وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة : 2 / 252 ) : هذا إسناد فيه مقال ؛ الوليد بن جميل لينه أبوزرعة ، وقال أبو حاتم: شيخ يروي عن القاسم أحاديث منكرة ؛ وقال أبو داود : ليس به بأس ؛ وذكره ابن حبان في الثقات ؛ وسلمة بن رجاء ويعقوب بن حميد مختلف فيهما ؛ وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن حبان في صحيحه .

[15] - انظر زاد المعاد : 4 / 220 ، 221 .
 
النوم بين الظل والشمس​
روى أبو داود من حديث أبى هريرة t قال : قال رسولُ الله e : " إذا كان أحدكم في الشَّمْسِ فَقَلَصَ عنه الظِّلُّ ، فصار بَعْضُهُ في الشَّمْسِ وبَعْضُهُ في الظِّل ، فَلْيَقُمْ " ( [1] ) ، وفي رواية لأحمد : " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ جَالِسًا فِي الشَّمْسِ فَقَلَصَتْ عَنْهُ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ " ( [2] ) ، وفي مسند أحمد عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ e أَنَّ النَّبِيَّ e نَهَى أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضَّحِّ وَالظِّلِّ ، وَقَالَ : " مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ " ( [3] ) ؛ والضح : ضوء الشمس ، وهو ضد الظل ؛ وفى سنن ابن ماجه من حديث بُريدَةَ t أنَّ رسولَ الله e نهى أنْ يقعُدَ الرَّجُلُ بين الظِّلِّ والشمس ( [4] ) ؛ قال ابن القيم - رحمه الله : هذا تنبيه على منع النوم بينهما .. وقال - أيضًا : والنومُ في الشمس يُثير الداءَ الدَّفين ، ونومُ الإنسان بعضُه في الشمس ، وبعضُه في الظل رديء ( [5] ) .

[1] - أبو داود ( 4821 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ، والصحيحة ( 835 ) .

[2] - أحمد : 2 / 383 .

[3] - أحمد : 3 / 413 ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 838 ) .

[4] - ابن ماجة ( 3722 ) وصححه الألباني .

[5] - انظر زاد المعاد : 4 / 222 .
 
هدي النبي e في النوم​
قال ابن القيم - رحمه الله : مَن تدبَّر نومه ويقظَته e وجدَه أعدلَ نوم وأنفعَه للبدن والأعضاء والقُوى ، فإنه كان ينام أوَّلَ الليل ، ويستيقظ في أول النصف الثاني ، فيقومُ ويَستاك ، ويتوضأ ويُصَلِّى ما كتبَ اللهُ له ، فيأخذُ البدن والأعضاء والقُوَى حظَّها من النوم والراحة ، وحظَّها من الرياضة مع وُفورِ الأجر ، وهذا غايةُ صلاح القلب والبدن ، والدنيا والآخرة ؛ ولم يكن يأخذ من النوم فوقَ القدر المحتاج إليه ، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه ، وكان يفعلُه على أكمل الوجوه ، فينامُ إذا دعتْه الحاجةُ إلى النوم على شِقِّه الأيمن ، ذاكراً الله حتى تغلبه عيناه ، غيرَ ممتلئ البدنِ من الطعام والشراب ، ولا مباشرٍ بجنبه الأرضَ ، ولا متخذٍ للفُرش المرتفعة ، بل له ضِجَاع من أُدم حشوهُ ليف ، وكان يَضطجع على الوِسادة ، ويضع يده تحت خدِّه أحيانًا ( [1] ) .

[1] - انظر زاد المعاد : 4 / 219 .
 
آداب النوم​

للنوم آداب قبل الذهاب إلى الفراش ، وعند الاضطجاع ؛ وتفصيلها كالتالي :


آداب قبل الذهاب إلى الفراش​

هاهنا آداب جمعها حديثا جابر وعبد الله بن سرجس ؛ ففي الصحيحين عن جَابِرٍ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " أَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ بِاللَّيْلِ ، وَأَطْفِئُوا السُّرُجَ ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ بِعُودٍ " ، وفيرواية:" وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا " ، وفي أخرى : " أَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ ، وَأَوْكِئُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَخَمِّرُوا الْإِنَاءَ ، وَأَطْفِئُوا السُّرُجَ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غُلُقًا ، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً ، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ " ، وفي أخرى : " وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ الْبَيْتَ " ، وفي لفظ : " وَاكْفِئُوا الإِنَاءَ " ( [1] ) .
وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ t أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْجُحْرِ ، وَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ فَإِنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَحْرِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَأَوْكِئُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَخَمِّرُوا الشَّرَابَ ، وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ بِاللَّيْلِ " ( [2] ) .
قال القرطبي في ( المفهم ) : تضمنت جملة هذه الأحاديث أن الله تعالى قد أطلع نبيَّه e على ما يكون في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين والفأر والوباء ؛ وقد أرشدنا النبي e إلى ما يُتَّقى به ذلك ، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا الله تعالى ، مُمتثلاً أمر نبيَّه e ؛ فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضررٌ بحول الله وقوته ، وبركة امتثال أوامره e ( [3] ) . وفي هذا بيان واضح إلى أن حفظ الإنسان ورعاية سلامته من قواعد الشرع .
وقال النووي - رحمه الله - في شرح حديث جابر t : هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا ؛ فأمر e بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان ، وجعل الله U هذه الأسباب أسبابا للسلامة من إيذائه ، فلا يقدر على كشف إناء ، ولا حل سقاء ، ولا فتح باب ، ولا إيذاء صبي وغيره ، إذا وجدت هذه الأسباب ؛ وهذا كما جاء في الحديث الصحيح ( [4] ) أن العبد إذا سمى عند دخول بيته ، قال الشيطان : ( لاَ مَبِيتَ ) أي : لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء ، وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله : " بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا " ( 5 )كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان ، وكذلك شبه هذا مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة ؛ وفى هذا الحديث الحث على ذكر الله تعالى في هذه المواضع ، ويلحق بها ما في معناها ( [6] ) ؛ قال ابن عبد البر - رحمه الله : في هذا الحديث من العلم - أيضًا - أن الشيطان لم يعط - مع ما به من القوة - أن يفتح غلقًا ، ولا يحل وكاءً ، ولا يكشف إناء ، رحمة من الله تعالى بعباده ورفقا بهم .ا.هـ ( [7] ) .

وإليك تفصيل هذه الآداب :
1 - إغلاق الباب مع ذكر اسم الله ، لقوله e : " أَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ بِاللَّيْلِ " ، " وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ " وفي رواية " وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ " ، يقال : أجفت الباب إذا أغلقته ؛ والعلة في ذلك ما قاله النبي e : " فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غُلُقًا " ، ولذكر الله تعالى هنا فائدة عظيمة ، فاسم الله هو السور الطويل العريض ، والحجاب الغليظ المنيع من كل سوء .
ومن فوائد هذا الأدب - أيضًا - لئلا يدخل عدو أو سارق أو حية أو عقرب ؛ وإنما ذكر النبي e الشيطان هنا لأنه خفي لا يرى ، فلا ينتبه الإنسان إلى دخوله وإفساده ، أما ما هو ظاهر فيحترز منه المرء ، والعلم عند الله تعالى .

2 - إطفاء السرج وما في معناها ؛ لقوله e في حديث جابر t : " وَأَطْفِئُوا السُّرُجَ " ، " وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ " ، وفي رواية : " وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ " ، وفي أخرى : " فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ " ، وفي حديث ابن سرجس t : " وَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ ، فَإِنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَحْرِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ " ، ومعنى " وَإِذَا نِمْتُمْ " أي: إذا أردتم النوم؛ والسرج جمع سراج ، وهومصباح كان له فتيل يشعل بالزيت ونحوه فيضيء ؛ والمراد بالفويسقة : الفأرة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها ؛ وتضرم، أي: تحرق سريعًا ؛ وذلك أنها إذا تناولت طرف الفتيلة وفيها النار فلعلها تمر بثياب أو بحطب فتشعل النار فيها ، فيلتهب البيت على أهله ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ t قَالَ:احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ e بِشَأْنِهِمْ قَالَ : " إنَّ هَذِهِ النَّارَ إنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ " ( [8] ) ، قال ابن العربي - رحمه الله : معنى كون النار عدوًا لنا أنها تنافي أبداننا وأموالنا منافاة العدو ، وإن كانت لنا بها منفعة ، لكن لا يحصل لنا منها إلا بواسطة ، فأطلق أنها عدو لنا لوجود معنى العداوة فيها ؛ والله أعلم ( [9] ) .
وروى البخاري في ( الأدب المفرد ) ، وأبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ e عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ ؛ فَقَالَ : " إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتَحْرِقَكُمْ " ( [10] ) ، قال ابن حجر - رحمه الله : في هذا الحديث بيان سبب الأمر - أيضًا - وبيان الحامل للفويسقة ( وهي الفأرة ) على جر الفتيلة وهو الشيطان ، فيستعين - وهو عدو الإنسان - عليه بعدو آخر وهي النار ، أعاذنا الله بكرمه من كيد الأعداء ، إنه رءوف رحيم ( [11] ) .
وفي الصحيحين عَنِ ابن عمرَ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " لاَ تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ " ( [12] ) ، وفي رواية لأحمد : " لَا تَبِيتَنَّ النَّارُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّهَا عَدُوٌّ " ( [13] ) ؛ قال النووي - رحمه الله : هذا عام تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء ، وإن أمن ذلك - كما هو الغالب - فالظاهر أنه لا بأس بها ، لانتفاء العلة ؛ لأن النبي e علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم ، فإذا انتفت العلة زال المنع ( [14] ) .
ويمكن الإشارة هنا إلى أن إطفاء مصابيح الكهرباء قبل النوم نوع من ترشيد استهلاك الطاقة ، والاقتصاد في استعمالها .

3 - إيكاء السقاء ، وتغطية الإناء ؛ لقوله e : " وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ بِعُودٍ " ، " وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ " ، " وَأَوْكِئُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَخَمِّرُوا الْإِنَاءَ " ، وإيكاء السِّقاء : شَدُّهُ بالخيط ، وهو الوكاء ، وهو اسم لما يسد به فم القربة ؛ والمعنى : اربطوها وشدوها ، وقوله : " وَخَمِّرُوا الْإِنَاءَ " أي : غطوه واستروه .
وعلة ذلك كما قال النبي e :" فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غُلُقًا ، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً ، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً "، وعلة أخرى وهي السلامة من نزول الداء في الآنية المكشوفة ؛ فعَنْ جَابِرٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ : " غَطُّوا الإِنَاءَ ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَمْ يُغَطَّ ، وَلاَ سِقَاءٍ لَمْ يُوكَ ، إِلاَّ وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ "،وفي رواية: " خَمِّرُوا الإِنَاءَ ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ، فَإِنَّ ِللهِ U دَاءٌ يَنْزِلُ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ ، لَمْ يُخَمَّرْ ، أَوْ سِقَاءٍ ، لَمْ يُوكَأْ ، إِلاَّ وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّاءِ"، وفي رواية:" وَاكْفِئُوا الإِنَاءَ" ؛ قَالَ اللَّيْثُ : فَالأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الأَوَّلِ ( [15] ) ، وكانون الأول هو الشهر المعروف في السنة الميلادية بديسمبر ؛ وقوله : " وَاكْفِئُوا الإِنَاءَ " أي : اقلبوه إذا كان فارغًا ، لا تدعوه مفتوحًا للعق الشيطان والهوام المؤذية .
وذِكْرُ اسم الله على ذلك كله هو السر الدافع والحجاب المنيع بين الشيطان والإنسان - كما تقدم ؛ وقوله : " وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ " أي : تضعوا عليه عرضًا ، " بِعُودٍ " أي : على رأس الإناء ، والمعنى: إن لم تغطه فلا أقل من ذلك.
ومن فوائد هذا الأدب أيضًا - ما أشار إليه القاضي عياض رحمه الله – من مخافة ما عساه يدخله من الهوام والحشرات المؤذية إذا لم يغط ، ولعل صاحبه يقوم إليه من الليل فيشرب منه ، ولا يعلم ما فيه ( [16] ) .

4 - الوضوء :
الوضوء من الآداب التي تسبق الذهاب إلى الفراش ، وقد جاء الندب إليه وبيان فضله في أحاديث كثيرة ؛ ففي الصحيحين عن البراء بن عازب t قال : قال رسول الله e : « إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ .. " الحديث ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله ( [17] ) ؛ وبوب له البخاري ( بَاب إِذَا بَاتَ طَاهِرًا )؛قالابنحجر - رحمهالله:الأمرفيهللندب؛ وله فوائد : منها أن يبيت على طهارة لئلا يبغته الموت فيكون على هيئة كاملة ، ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب ، لأنه أولى من طهارة البدن ، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق مجاهد قال : قال لي ابن عباس : لا تبيتن إلا على وضوء ، فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه . ورجاله ثقات إلا أبا يحيى القتات هو صدوق فيه كلام .ا.هـ ( [18] ) .
ومما جاء في فضله :
1 - ما رواه أحمد وأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ من حَدِيث مُعَاذ t رَفَعَهُ : " مَا مِنْ مُسْلِم يَبِيت عَلَى ذِكْر وَطَهَارَة فَيَتَعَارّ مِنْ اللَّيْل فَيَسْأَل اللَّه خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ " ( [19] ) ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ t مرفوعًا بلفظ : " مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا ، يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى يُدرِكَهُ النُّعاس ، لَمْ يَتَقَلَّبْ ساعةً مِنَ اللَّيلِ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ " ( [20] ) ، ورواه النسائي في ( الكبرى ) والطبراني في الأوسط عن عمرو بن عبسة ( [21] ) .

2 - وَأَخْرَجَ الطبراني واِبْن حِبَّانَ عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ : " مَنْ بَاتَ طَاهِرًا بَاتَ فِي شِعَاره مَلَك فَلَمْ يَسْتَيْقِظ إِلَّا قَالَ الْمَلَك : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِعَبْدِك فُلَان ، فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا " ( [22] ) ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي ( الْأَوْسَط ) عنِ ابْن عَبَّاس - رضي الله عنهما - أن رسول الله e قال : " طَهِّرُوا هذِهِ الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ الله ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٌ يَبِيتُ طَاهِرًا إلاَّ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ ، لاَ يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إلاَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِعَبْدِك ، فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا " ( [23] ) .
قوله e : " طَهِّرُوا هذِهِ الأَجْسَادَ " أي : من الحدثين والخبث عند النوم ، " طَهَّرَكُمُ الله " دعاء منه e لمن فعل ذلك ، والشعار بكسر الشين ، هو ما يلي بدن الإنسان من ثوب وغيره ؛ والملائكة أجسام نورانية فلا يلزم أن العبد يحس بالملك ولا أن يسمع دعاءه .
والطهارة عند النوم قسمان ؛ طهارة الظاهر وهي معروفة ، وطهارة الباطن وهي بالتوبة ، وهي آكد من الظاهرة ، فربما مات في نومه وهو متلوث بأوساخ الذنوب ؛ فيتعين عليه التوبة ، وأن يزيل من قلبه كل حقد وغل وغش ومكروه لكل مسلم .

وضوء الجنب : يستحب للجنب - إن لم يغتسل - أن يتوضأ قبل أن ينام ؛ لما في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ e كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ؛ وفي رواية : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ( [24] ) ، وَفِي رِوَايَة لمسلم أَنَّ رَسُول اللَّه e كَانَ إِذَا كَانَ جُنُبًا رُبَّمَا اِغْتَسَلَ فَنَامَ ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ ( [25] ) ؛ وفي الصحيحين أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ e: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ " ، وفي رواية : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ e : أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِذَا تَوَضَّأَ " ، وفي أخرى : ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t لِرَسُولِ اللَّهِ e أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ e : " تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ " ( [26] ) ؛ وعَنْ جَابِرِ t قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ e عَنِ الْجُنُبِ : هَلْ يَنَامُ ، أَوْ يَأْكُلُ ، أَوْ يَشْرَبُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ " ( [27] ) .
وَبيِّنٌ من الأحاديث أن الْمُرَاد بِالْوُضُوءِ وُضُوء الصَّلَاة الْكَامِل ؛ والحكمة فيه أنه يخفف الحدث ؛ وقيل : الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين ، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة - رضي الله عنها - أنه e كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم ( [28] ) ، ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء ؛ وَقِيلَ: بَلْ لَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَط إِلَى الْغُسْل إِذَا نَالَ الْمَاء أَعْضَاءَهُ ( [29] ) .
وفي الأحاديث استحباب التنظيف عند النوم ، قال ابن الجوزي : والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة ، بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك ، والله أعلم ( [30] ) .
ولا فرق في نوم الجنب بين نوم الليل والنهار ؛ حكاه إسحاق بنِ راهويه عَن بعض العلماء ؛ ذكره ابن رجب في ( شرح البخاري ) ثم قال : واختلفوا : هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل ، أم لا ؟ فقالت طائفة : هما سواء ، وَهوَ قول الليث ، وحُكي رواية عَن أحمد ، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل . والثاني أن الكراهة تختص بالرجل دونَ المرأة ، وَهوَ المنصوص عَن أحمد ؛ ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي e كانَ يأمرها بالوضوء ، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه ( [31] ) .
وهل ينسحب هذا الحكم على الحائض ؟ قال ابن دقيق العيد : نص الشافعي - رحمه الله - على أن ذلك ليس على الحائض ، لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثها بخلاف الجنب ، لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك ( [32] ) ؛وقَالَ الْمَازِرِيُّ : وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَاف فِي وُضُوء الْحَائِض قَبْل أَنْ تَنَام ، فَمَنْ عَلَّلَ بِالْمَبِيتِ عَلَى طَهَارَة اِسْتَحَبَّهُ لَهَا .ا.هـ. قال النووي بعد نقله : هَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ ؛ وَأَمَّا أَصْحَابنَا فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوء لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاء ؛ لِأَنَّ الْوُضُوء لَا يُؤَثِّر فِي حَدَثِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَائِض قَدْ اِنْقَطَعَتْ حَيْضَتهَا صَارَتْ كَالْجُنُبِ ؛ وَاللَّهُ أَعْلَم ( [33] ) .

[1]- رواه أحمد : 3 / 374 ، 386 ، 388 ، 395 ، والبخاري ( 3106 ، 3138 ، 5300 ، 5937 ) ، ومسلم ( 2012 ) ، وأبو داود ( 2604 ) ، والترمذي ( 2857 ) ، وابن ماجة ( 3410 ) .

[2]- رواه أحمد : 5 / 82 ، وأبو داود ( 5247 ) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ، وصحيح الجامع ( 817 ) ..

[3] - انظر ( المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ) : 7 / 378 ، باختصار .

[4]- رواه مسلم ( 2018 ) عن أبي جابر .

[5] - البخاري ( 141 ، 3271 ) ، ومسلم ( 1434 ) .

[6]- انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 13 / 185 .

[7]- التمهيد : 12 / 176.

[8] - البخاري ( 5936 ) ، ومسلم ( 2016 ) .

[9] - نقلا عن ( فتح الباري ) لابن حجر : 11 / 86 .

[10]- الأدب المفرد ( 1222 ) ، وأبو داود ( 5247 ) ، وصححه الألباني في ( صحيح الأدب ) ، و ( صحيح سنن أبي داود ) ، والصحيحة ( 1426 ) .

[11]- انظر ( فتح الباري ) : 11 / 86 .

[12]- البخاري ( 5935 ) ، ومسلم ( 2015 ) .

[13]- أحمد : 2 / 71 ، ورواه الحاكم ( 7765 ) وزاد : قال نافع : فما كان ابن عمر يرقد حتى لا يدع في البيت نارًا إلا أطفأها ، و كان آخر أهل البيت رقادا ، كان يصلي فإذا فرغ لم ينم حتى يطفئ السراج . ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .

[14]- شرح النووي على مسلم - (13 / 187) .

[15]- رواه أحمد : 3 / 355 ، ومسلم ( 5303 ) .

[16]- انظر ( إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ) : 6 / 246 .

[17] - البخاري ( 247 ، 6311 ) ، ومسلم ( 2710 ) .

[18] - انظر ( فتح الباري ) : 11 / 110 ، وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق ( 19844 ) ، وعنه أبو نعيم في الحلية : 3 / 295 ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 4711 ) .

[19]- أحمد : 5 / 234 ، وأبو داود ( 5042 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10642 ) ، وابن ماجة ( 3881 ) ، وصححه الألباني .

[20] - الترمذى ( 3526 ) وحسنه .

[21]- النسائي في ( الكبرى ) رقم 10644 ، والطبراني في الأوسط ( 1505 ) .

[22] - الطبراني في الكبير : 12 / 446 ( 13620 ، 13621 ) ، وابن حبان ( 1051 ) واللفظ له ، وحسنه الألباني في الصحيحة ( 2539 ) ، وفي صحيح الجامع الصغير ( 3936 ) ، وقال في صحيح الترغيب ( 597 ) : حسن لغيره .

[23] - الطبراني في الأوسط ( 5087 ) ، وحسن إسناده الهيثمى في (مجمعالزوائد:10/128)؛وجوَّدإسنادهالمنذريفي( الترغيب : 1 / 231 ) والحافظ في ( الفتح ) : 11/109) وقال الألباني في صحيح الترغيب ( 599 ) : حسن لغيره .

[24]- البخاري ( 384 ) ، مسلم ( 305 ) واللفظ له .

[25]- مسلم ( 307 ) .

[26]- البخاري ( 283 ، 285 ، 286 ) ، ومسلم ( 306 ) .

[27]- ابن ماجه ( 592 ) ، وصححه الألباني لغيره ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ( 217 ) .

[28]- رواه البيهقي في ( الكبرى ) رقم ( 915 ) ؛ وروى ابن أبي شيبة ( 676 ) عن عائشة في الرجل تصيبه جنابة من الليل فيريد أن ينام ، قالت : يتوضأ أو يتيمم .

[29]- انظر ( فتح الباري ) : 1 / 394 ، 395 ، و ( شرح النووي على مسلم ) : 3 / 218 .

[30]- نقلا عن ( فتح الباري ) : 1 / 395 .

[31]- انظر ( فتح الباري ) لابن رجب : 1 / 358 .

[32]- نقلا عن فتح الباري : 1 / 395 .

[33]- انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 3 / 218 .
 
التعديل الأخير:
التحذير من النوم على ظهر بيت ليس عليه حجاب​

عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَارٌ ( حِجَابٌ ) فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " ( [1] ) ؛ وفي مسند أحمد عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، وَغَزَوْنَا نَحْوَ فَارِسَ ؛ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَتْ لَهُ إِجَّارٌ فَوَقَعَ فَمَاتَ فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " ( [2] ) . وفي رواية عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ : كُنَّا بِفَارِسَ وَعَلَيْنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ : زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ e قَالَ : " مَنْ بَاتَ فَوْقَ إِجَّارٍ أَوْ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ يَرُدُّ رِجْلَهُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ " ([3])، وفي رواية : " مَنْ نَامَ عَلَى إِجَّارٍ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَدْفَعُ قَدَمَيْهِ فَخَرَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " ( [4] ) ؛ وعند الترمذي عَنْ جَابِرٍ t قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ e أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ ( [5] ) .
ومعنى " حِجَارٌ " أي : حائط مانع من السقوط ، والحجرة المنع ، تشبيه بالحجر الذي هو العقل المانع من الوقوع في الهلكة ، وفي رواية ( حجاب ) بالباء وهو الذي يحجب الإنسان من الوقوع ؛ والإِجَّارٍ : السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه ؛ والذمة والذمام : العَهْد ، والأمَانِ، والضَّمان، والحُرمَة، والحقِّ؛ و " بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " أي : حُرِمَ من حفظ الله وعنايته ، فإنَّ لكُلِّ أحَدٍ من اللّه عَهْدًا بالحفْظ والكلاءَة ، فإذا ألْقى بيده إلى التهْلُكة ، أو فعَل ما حُرِّم عليه ، أو خالف ما أُمِرَ به ؛ انقطع عنها لحفظ ، لأنه ألقى بيده إلىالتهلكة وغرر بنفسه ؛ والمعنى كما قال المناوي - رحمه الله : أزال عصمة نفسه ، وصار كالمهدر الذي لا ذمة له ، فربما انقلب من نومه فسقط فمات هدرًا ، من غير تأهب ولا استعداد للموت ( [6] ) .
والأحاديث تدل على عدم جواز المبيت على سطوح ليس لها حائط ؛ فمن نام على سطح لا ستر له ، فقد تصدى للهلاك ، وأزال العصمة عن نفسه ، وصار كالمهدر . والعلم عند الله تعالى .

[1]- البخاري في ( الأدب المفرد ) رقم ( 1192 ) ، وأبو داود ( 5041 ) ، وصححه الألباني ، وانظر الصحيحة ( 828 ) .

[2]- رواه أحمد : 5 / 79 ، والبخاري في ( الأدب المفرد ) رقم ( 1194 ) ، وحسنه الحافظ في ( الفتح ) : 6 / 88 ؛ والألباني في صحيح الأدب ؛ ومعنى ارتجاجه : هيجانه وكثرة أمواجه .

[3]- رواه أحمد : 5 / 79 ، قال الهيثمي في ( مجمعالزوائد:8/187):رواهأحمدمرفوعًاوموقوفًا،وكلاهمارجالهرجالالصحيح .

[4]- رواه أحمد : 5 / 271 .

[5]- الترمذي ( 2854 ) ، وضعفه ، وصححه الألباني لغيره ، فيشهد له الأحاديث السابقة ؛ وانظر الصحيحة ( 828 ) .

[6]- انظر ( فيض القدير ) : 6 / 91 .
 
آداب عند الفراش​

هذه آداب أخرى عندما يأوي المسلم إلى فراشه لينام ، جمع منها حديث أبي هريرة t ثلاثة آداب ، وحديث عائشة رضي الله عنها واحدًا ، أما حديث أبي هريرة t ففي الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ، وَلْيَقُلْ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّى ، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ " لفظ مسلم ( [1] ) ، وأما حديث عائشة – رضي الله عنها - ففي الصحيحين أنها قالت : كَانَ e إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا ، فَقَرَأَ فِيهِمَا : ] قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ وَ ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [ وَ ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ( [2] ). وترتيبهذهالآدابكالتالي:
الأول : ينفض فراشه بداخلة إزاره أو ثوبه ، والمراد بداخلة إزاره : طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده؛ وخص النفض بالإزار لا لأنه لا يكون إلا به ، بل لأن العرب لا تترك الائتزار فهو به أولى لملازمته للرجل ، فمن لا إزار له ينفض بما حضر ؛ وأمره بداخلة الإزار دون خارجته لا لأنه أبلغ وأجدى ، وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل ، لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه على ما يلي جسده والآخر بشماله ، فيرد ما أمسكه بشماله على بدنه وذلك داخلة الإزار ، ويرد ما أمسك بيمينه على ما يلي جسده من الإزار ؛ فإذا صار إلى فراشه يحل ببمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة ، وبها يقع النفض ( [3] ) ؛ وقوله : " فَإِنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ " أي : ما صار بعده خلفًا وبدلا عنه إذا غاب ؛ قال الطيبي : معناه لا يدري ما وقع في فراشه بعدما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام .ا.هـ . وقال القرطبي : يؤخذ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن أراد المنام أن يمسح فراشه لاحتمال أن يكون فيه شيء يخفى من رطوبة أو غيرها .ا.هـ ( [4] ) . وقال ابن بطال - رحمه الله : فيه أدب عظيم علمه النبي e أمته ، وذلك أمره بنفض فراشه عند النوم خشية أن يأوي إليه بعض الهوام الضارَّة فيؤذيه سمها ، والله أعلم ( [5] ) .

الثاني : يجمع كفيه وينفخ فيهما بالإخلاص والمعوذتين ويمسح بهما ما استطاع من جسده ؛ كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها .

الثالث : يضطجع على شقه الأيمن ؛ لقوله e : " فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ " ، وتقدم ذكر الحكمة في ذلك ؛ ولا مانع بعد ذلك أن يتحول إلى الشق الأيسر .

الرابع : يذكر الله تعالى ؛ وقد جاءت أحاديث كثيرة في بيان هذا الأدب ، وجاء - أيضًا - التحذير من الاضطجاع دون ذكر الله تعالى ، فروى أبو داود والنسائي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ U فِيهِ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( [6] ) ، والتِرَةُ : النقص ، وقيل : التبعة .
ومن هذه الأذكار ما في حديث أبي هريرة المتقدم : " وَلْيَقُلْ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّى ، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ " ، وفي رواية البخاري : " ثُمَّ يَقُولُ : بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ " الباء للاستعانة ، أي : بك أستعين على وضع جنبي ورفعه ؛ " إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا " ، وعند البخاري : " فَارْحَمْهَا " أي : إذا قبضت روحي في نومي فارحمها ( فاغفر لها ) ، " وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا" أي: رددت الحياة لي وأيقظتني من النوم ، إشارة إلى قوله تعالى: ]اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً[ [ الزمر : 42 ] ، " فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ " أي : القائمين بحقوقك؛ وذكر المغفرة والرحمة للميت ، والحفظ عند الإرسال ، مناسب للحال المذكور في كلٍّ ؛ والله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ، وأن لا يهنوا في طاعته بتوفيقه ، وفيه ندب هذه الأذكار عند الأوي إلى الفراش ليكون نومه على ذكر وتختم يقظته بعبادة ([7]).
هذا والعلم عند الله تعالى .... وللحديث صلة .

[1] - البخاري ( 6320 ) ، 7393 ) ، ومسلم ( 2714 ) ، والترمذي ( 3401 ) .

[2] - البخاري ( 5018 ، 5748 ) عن عائشة رضي الله عنها .

[3] - انظر ( فيض القدير ) للمناوي : 1 / 308 .

[4] - انظر ( فتح الباري ) : 11 / 126 .

[5] - انظر ( شرح صحيح البخارى ) لابن بطال : 10 / 89 ، ونحوه قاله النووي في شرح مسلم : 9 / 79 .

[6] - أبو داود ( 4856 ، 5059 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10237 ) ، والطبراني في الشاميين ( 1324 ) ، وحسنه الألباني .

[7] - انظر ( فيض القدير ) للمناوي : 1 / 309 .
 
ومما ورد من الأذكار عند النوم​
1 - كان رسول الله  إذا أوى إلى فراشه وضع يده تحت خده ، ثم يقول : " بِاسْمِكَ اللهم أَمُوتُ وَأَحْيَا " وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ : " الْحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " ( 1 ) ؛ وسر ذلك أن النوم موت أصغر ، والاستيقاظ نشر أصغر ، وفي هذا تذكير بالموت وما بعد الموت .
2 - كان رسول الله  إذا أراد أن ينام وضع يده اليمنى تحت خده ، وقال : " اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ ( تَجْمَعُ ) عِبَادَكَ " وفي رواية أنه كان يقول ذلك ثلاث مرات ( 2 ) .
3 - روى مسلم عن أبي هريرة  قال : كان رسول الله  يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول : " اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ " ( 3 ) .

4 - عَنْ أَنَسٍ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لاَ كَافِىَ لَهُ وَلاَ مُؤْوِيَ " ( 4 ) ؛ أي : لا راحم ولا عاطف عليه ، وقيل : لا وطن له ولا سكن يأوي إليه ( 5 ) .

5 - وعن أنس  قال : قال رسول الله  : " من قال إذا أوى إلى فراشه : الحمد لله الذي كفاني وآواني ، الحمد لله الذي أطعمني وسقاني ، الحمد لله الذي منَّ علي فأفضل ، اللهم إني أسألك بعزتك أن تنجيني من النار ؛ فقد حمد الله بجميع محامد الخلق كلهم " ( 6 ) .

6 - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كَانَ يَقُولُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي ، وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي ، وَالَّذِي مَنَّ عَلَىَّ فَأَفْضَلَ ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ " ( 7 ) .
قوله : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي " أي : دفع عني شر كل مؤذٍ من خلقه ، وكفى مهماتي ، وقضى حاجاتي ، أو أغناني عن الخلق ؛ " وَآوَانِي " أي : جعل لي مسكنًا يقيني الحر والبرد وأحرز فيه متاعي ؛ " وَالَّذِي مَنَّ " أي : أنعم " عَلَىَّ فَأَفْضَلَ " أي : زاد في المنِّ أو أكثر ، " وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ " أي : فأعظم العطاء ، أو أكثر من النعمة ؛ وقدم المنَّ لأنه غير مسبوق بعمل العبد ، بخلاف الإعطاء فإنه قد يكون بإزاء عمل من العبد ومسبوقًا به .

( 1 ) رواه البخاري ( 6312 ، 6314 ، 6324 ، 73994 ) عن حذيفة رضي الله عنه .
( 2 ) حديث صحيح رواه أحمد : 1 / 394 ، 400 ، وابن ماجة ( 3877 ) عن ابن مسعود ؛ ورواه أحمد : 5 / 382 ، والترمذي ( 3398 ) وصححه عن حذيفة ؛ ورواه أحمد : 4 / 281 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 1215 ) ، والترمذي ( 3399 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10588 ) ، والطبراني في الأوسط ( 1636 ) عن البراء ؛ ورواه أحمد : 6 / 287 ، وأبو داود ( 5045 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10588 ) ، والطبراني في الكبير : 23 / 215 ، عن حفصة .
( 3 ) مسلم ( 2713 ) .
( 4 ) مسلم ( 2715 ) ، ورواه أحمد : 3 / 153 ، وأبو داود ( 5053 ) ، والترمذي ( 3396 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10635 ) .
( 5 ) انظر شرح النووي على مسلم : 17 / 34 .
( 6 ) رواه الحاكم ( 2001 ) وصححه ، والبيهقي في الشعب ( 4382 ) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ( 609 ) .
( 7 ) أبو داود ( 5058 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10635 ) ، وصححه ابن حبان ( 5538 ) .
 
ومن أذكار النوم​
7 - ولأبي داود عَنْ أَبِى الأَزْهَرِ الأَنْمَارِىِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي ، وَفُكَّ رِهَانِي ، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى " ( [1] ) . وقوله : " وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي " أي : اجعله خاسئًا ، أي : مطرودًا ؛ " وَفُكَّ رِهَانِي " أي : خلصني من عقال ما اقترفت نفسي من الأعمال التي لا ترتضيها بالعفو عنها ؛ والرهان كسهام الرهن ، وهو ما يجعل وثيقة بالدين ؛ والمراد هنا نفس الإنسان لأنها مرهونة بعملها ، ] كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [ [ الطور : 21 ] ؛ وقوله : " وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى " أي : الملأ الأعلى من الملائكة ، والندي : القوم المجتمعون في مجلس ، ومنه النادي ؛ وهذا دعاء يجمع خيري الدنيا والآخرة فتتأكد المواظبة عليه كلما أريد النوم ( [2] ) .


8 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبيِِّ e قَالَ : " خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ لاَ يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ ؛ يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ عَشْرًا ، وَيَحْمَدُ عَشْرًا ، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا ؛ فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ ؛ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ ، وَيَحْمَدُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَيُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ؛ فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ ، وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ " ؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ ؟ قَالَ : " يَأْتِي أَحَدَكُمْ - يَعْنِى الشَّيْطَانَ - فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ ، وَيَأْتِيهِ فِي صَلاَتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا " ( [3] ) .

9 – وفي الصحيحين عَنِ عَلِىٍّ t أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا ، وَأَتَى النَّبِيَّ e سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ e أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا ، فَجَاءَ النَّبِيُّ e إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا ، فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ النَّبِيُّ e : " عَلَى مَكَانِكُمَا " ، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي ، ثُمَّ قَالَ : " أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَنْ تُكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ " واللفظ لمسلم ( [4] ) ، قال ابن القيم - رحمه الله - في ( الوابل الصيب ) : قيل : إن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم .ا.هـ ( [5] ) ؛ قال ابن حجر رحمه الله : وفيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء ، لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها e على ذلك ، كذا أفاده ابن تيمية ؛ وفيه نظر ، ولا يتعين رفع التعب ، بل يحتمل أن يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل ، ولا يشق عليه ولو حصل له التعب ، والله أعلم ( [6] ) . قلت : الذي نقله ابن القيم في ( الوابل الصيب ) عن شيخه أنه قال : بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ومن غيره .ا.هـ ( [7] ) ؛ وفرق بين (لم يصبه إعياء ) ، وبين ( لم يأخذه إعياء ) ، فاللفظة الأولى فيها النظر الذي ذكره الحافظ رحمه الله ، أما الثانية ففيها المعنى الذي ذكره الحافظ ، فليتأمل .

10 - عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ لِنَوْفَلٍ : " اقْرَأْ ] قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [ ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا ، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ " ( [8] ) ، وروى أحمد والنسائي عَنْ جَبَلَةَ بن حَارِثَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ : ] قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [ حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا ، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ " ( [9] ) .

11 - عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ ، وَقَالَ : " إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ " ( [10] ) ؛ والمسبحات ستًا : الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى ؛ قال ابن كثير - رحمه الله : والآية المشار إليها في الحديث هي - والله أعلم - قوله تعالى : ] هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ [ الحديد : 3 ] ( [11] ) .

[1] - أبو داود ( 5054 ) ، وصححه الألباني ؛ ورواه الطبراني في الكبير : 16 / 162 ( 18210 ) .

[2] - انظر ( فيض القدير ) للمناوي : 5 / 91 ، 92 .

[3] - أحمد : 2 / 204 ، وأبو داود ( 5065 ) ، والترمذي ( 3410 ) وصححه ، والنسائي ( 1348 ) ، وصححه الألباني .

[4] - البخاري ( 2945 ) ، ومسلم ( 2727 ) ، ورواه مسلم عن أبي هريرة ( 2728 ).

[5] - ص 106 ، عند الفائدة الحادية والستين .

[6] - انظر ( فتح الباري ) : 11 / 124 ، 125 ؛ وما ذكره عن ابن تيمية أورده ابن القيم في ( الوابل الصيب ص 131 ) قال : قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ومن غيره .

[7] - انظر ( الوابل الصيب ) ص 131 .

[8] - أحمد : 5 / 456 ، وأبو داود ( 5055 ) ، والترمذي ( 3403 ) والنسائي ( في الكبرى ( 10637 ، 11709 ) ، وابن حبان ( 790 ، 5526 ) ، والحاكم : 1 / 565 وصححه ووافقه الذهبي ، وصححه الألبان في صحيح التغيب ( 607 ) .

[9] - أحمد : 5 / 222 ، والنسائي في الكبرى ( 10636 ) ، وصححه ابن حجر في الإصابة : 1 / 223 .

[10] - أحمد : 4 / 128 ، وأبو داود ( 5057 ) ، والترمذي ( 2921 ) ، 3406 ) وحسنه ، والنسائي في الكبرى ( 8026 ، 10549 ) .

[11] - انظر تقدمته لسورة الحديد من تفسيره .
 
ومن أذكار النوم ​
12 - وعن أبي هريرة t عن النبي e قال : " من قال حين يأوي إلى فراشه : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ؛ غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر " ( [1] ) .

13 - وعن جابر t أن رسول الله e قال : " إذا أوى الرجلُ إلى فراشِهِ أتاه ملكٌ وشيطانٌ ، فيقولُ الملكُ : اختمْ بخيرٍ ، ويقول الشيطانُ : اختمْ بشرٍّ ، فإذا ذكر الله ثم نام ، ذهب الشيطانُ وبات يكلؤه الملكُ ؛ فإذا استيقظ ابتدره ملكٌ وشيطانٌ ، قال الملك : افتحْ بخير ، وقال الشيطانُ : افتحْ بشرٍّ ؛ فإن قال إذا قام : الحمدُ لله الذي رد على نفسي ولم يُمِتْها في منامها ، الحمدُ لله الذي يُمْسِكُ السماءَ أن تقع على الأرضِ إلا بإذنِهِ إن الله بالناس لرءوفٌ رحيمٌ ، الحمد لله الذي يمسك السمواتِ والأرضَ أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده إنه كان حليمًا غفورًا ، الحمد لله الذي يحيى الموتى وهو على كلِّ شيء قديرٌ ؛ فإن وقع عن سريره فمات دخل الجنةَ ، فإن قام فصلى صلى في فضائلِ " ( [2] ) ؛ ومعنى يكلؤه : يحرسه ويحفظه .

14 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ e بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ : وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ e ، قَالَ : إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ ، قَالَ : فَخَلَّيْتُ عَنْهُ ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ e : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ؟ " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ، قَالَ : " أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ " فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ e إِنَّهُ سَيَعُودُ ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ : لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ e قَالَ : دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ ؛ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ e : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ؟ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ، قَالَ : " أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ " فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ : لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ ، قَالَ : دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا ، قُلْتُ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ : ] اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ e : " مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ؛ قَالَ : " مَا هِيَ ؟ " قُلْتُ : قَالَ لِي : إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ : ] اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ وَقَالَ لِي : لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ؛ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ e : " أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " ذَاكَ شَيْطَانٌ " ( [3] ) .

15 - وفى الصحيحين عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ e : " إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ؛ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ " قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ e فَلَمَّا بَلَغْتُ : " اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ " قُلْتُ : وَرَسُولِكَ ، قَالَ : " لَا ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ " لفظ البخاري ، وفي رواية : " وَقُلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ " ، وفي رواية : " فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا " ( [4] ).
قال ابن القيم - رحمه الله : لما كان النائمُ بمنزلة الميت ، كان النائم محتاجًا إلى مَن يحرُس نفسه ، ويحفظُها مما يَعْرِضُ لها من الآفات ، ويحرُسُ بدنه أيضاً من طوارق الآفات ، وكان ربُّه وفاطرُه تعالى هو المتولي لذلك وحدَه، علَّم النبيُّ e النائمَ أن يقولَ كلماتِ التفويضِ والالتجاء ، والرغبة والرهبة ، ليَستدعىَ بها كمال حفظِ الله له ، وحراسته لنفسه وبدنه ، وأرشده مع ذلك إلى أن يَستذكِرَ الإيمانَ ، وينامَ عليه ، ويجعلَ التكلُّمَ به آخرَ كلامه ، فإنه ربما توفاه الله في منامه ، فإذا كان الإيمانُ آخِرَ كلامه دخل الجنَّة ، فتضمَّن هذا الهَدْىُ في المنام مصالحَ القلب والبدن والروح في النوم واليقظة ، والدنيا والآخرة ، فصلواتُ الله وسلامُه على مَن نالتْ به أُمتُه كُلَّ خير ( [5] ) . وقال الطيبي – رحمه الله : في نظم هذا الذكر عجائب لا يعرفها إلا المتقن من أهل البيان ، فأشار بقوله : " أسلمت نفسي " إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه ، وبقوله : " وجهت وجهي" إلى أن ذاته مخلصة له بريئة من النفاق ، وبقوله : " فوضت أمري " إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره ، وبقوله : " ألجأت ظهري " إلى أنه بعد التفويض يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب كلها ؛ قال : وقوله رغبة ورهبة منصوبان على المفعول له على طريق اللف والنشر ، أي : فوضت أموري إليك رغبة وألجأت ظهري إليك رهبة ( [6] ) ؛ وقال الكرماني : هذا الحديث يشتمل على الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إجمالا من الكتب والرسل من الإلهيات والنبوات ، وعلى إسناد الكل إلى الله من الذوات والصفات والأفعال ، لذكر الوجه والنفس والأمر وإسناد الظهر مع ما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، وهذا كله بحسب المعاش ، وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرًا وشرًا وهذا بحسب المعاد ( [7] ) .
وهذا شرح إجمالي لهذه المعاني الجليلة الموجودة في الحديث :
قوله : " اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ " وفي رواية : " أَسْلَمْتُ نَفْسِي " أي : جعلتُها مُسلَّمَةً لك تسليمَ العبدِ المملوك نفسَه إلى سيده ومالكه ؛ فمعنى أسلم ، أي : استسلم وانقاد ، والمعنى : جعلت نفسي منقادة لك ، تابعة لحكمك ، إذ لا قدرة لي على تدبيرها ، ولا على جلب ما ينفعها إليها ، ولا دفع ما يضرها عنها .
وقوله : " وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ " أي : رددت أمري كله إليك ،وذلك يُوجب سُكون القلب وطمأنينته ، والرِّضى بما يقضيه ويختارُه لهممايحبهويرضاه، والتفويضُ من أشرف مقامات العبودية .
وقوله : " وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ " فيه معنى التوجُّهِ والقصد ؛ ويتضمَّن إقبالَه بالكلِّية على ربه ، وإخلاص القصد والإرادة له ، وإقراره بالخضوع والذلوالانقياد ، قال تعالى : ] فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [ [ آل عمران : 20 ] .
وقوله : " وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ " أي : اعتمدت في أموري عليك ، لتعينني على ما ينفعني ؛ لأن من استند إلى شيء تقوى به واستعان به ، وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه ؛ فإلجاءُ الظَّهر إليه سبحانه يَتضَمَّنُ قوةَ الاعتماد عليه ، والثقة به ، والسكونَ إليه ، والتوكلَ عليه، فإنَّ مَن أسند ظهره إلى ركن وثيقٍ ، لم يخف السقوطَ .
ولَمَّا كان للقلب قوَّتان : قوة الطلب ، وهى الرغبة ؛ وقوة الهرب ، وهى الرهبة ، وكان العبد طالبًا لمصالحه ، هاربًا من مضارِّه ، جمع الأمرين في هذا التفويض والتوجُّه ، فقال : " رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ " أي : رغبة في رفدك وثوابك ، وخوفا من غضبك ومن عقابك.
ثم أثنى على ربه ، بأنه لا مَلجأ للعبد سواه ، ولا منجا له منه غيره ، فهو الذي يلجأ إليه العبدُ ليُنجِيَه من نفسه، كما في الحديث الآخر : " أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ ، وبمُعَافَاتِكَ من عُقُوبَتِكَ ، وأعوذُ بِكَ مِنْكَ " ، فهو سبحانه الذي يُعيذ عبدَه ويُنجيه من بأسه الذي هوبمشيئتهوقُدرته،فمنهالبلاءُ،ومنهالإعانةُ، ومنه ما يُطلب النجاةُ منه ، وإليه الالتجاءُ في النجاة ، فهو الذي يُلجأ إليه في أن يُنجيَ مما منه ، ويُستعاذُ به مما منه ، فهو ربُّ كل شيء ، ولا يكون شيء إلا بمشيئته : ] وَإن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ [ [ الأنعام : 17 ]، ] قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللهِ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً [ [ الأحزاب : 17 ] .
ثُمَّ ختم الدعاءَ بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله الذي هو مَلاكُ النجاة ، والفوز في الدنيا والآخرة .
وقوله : " فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ " أي : على الدين القويم ملة إبراهيم ، فإنه u أسلم واستسلم ، قال الله تعالى عنه : ] إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ [ الصافات : 84 ]، وقال عنه : ] أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ [ البقرة : 131 ] ؛ وقيل : المراد بالفطرة هنا دين الإسلام ، وهو بمعنى الحديث الآخر " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " ؛ وقوله : " وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا " أي : صلاحًا في المال ، وزيادة في الأعمال .
وأولى ما قيل في الحكمة في رده e على من قال ( الرسول ) بدل ( النبي ) أن ألفاظ الأذكار توقيفية ، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس ، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به ؛ وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ، ولعله أُوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها ( [8] ) .
تنبيه :
لا يلزم المسلم أن يجمع بين هذه الأذكار كلِّها عند اضطجاعه ، بل يختار منها ما يناسب حاله ، فإن جمعها كلها فهو خير عظيم ، والمقصود أن ينام على ذكر الله تعالى ؛ فلا يزال المسلم يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو يذكر الله ، فيكون منامه عبادة وزيادة له في قربه من الله Y .
هذا والعلم عند الله تعالى .

[1]- رواه ابن أبي شيبة ( 26527 ) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ( 722 ) ، وابن حبان ( 5528 ) .

[2] - أخرجه النسائي في الكبرى ( 10689 ) ، وأبو يعلى ( 1791 ) ، وقال الهيثمي (10/120) : رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي ، وهو ثقة . ا.هـ . وأخرجه ابن حبان ( 5533 ) ، والحاكم ( 2011 ) ، وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي .


[3] - البخاري ( 2311 ، 3275 ، 5010 ) معلقا بصيغة الجـزم ، ووصله النسائي في الكبرى ( 10795 ) ، وفي عمل اليوم والليلة ( 965 ) ، ورواه ابن خزيمة ( 2424 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2388 ) موصولا .

[4] - البخاري ( 247 ، 6311 ، 7050 ) ، ومسلم ( 2710 ) .

[5]- انظر زاد المعاد : 4 / 219 ، باختصار .

[6]- نقلا عن 0 فتح الباري ) : 11 / 111 .

[7]- انظر فتح الباري : 11 / 113 .

[8]- انظر : زاد المعاد : 4 / 219 ، 220 ، وفتح الباري : 11 / 112 ، 113 ، فقد جمعت هذا الشرح منهما ، وألفت بين كلامهما مع الاختصار والتصرف .
 
آداب الاستيقاظ​

الاستيقاظ هو الانتباه من النوم ، وقد يكون انتباهًا طبيعيًّا بعد أن يأخذ الجسم راحته من النوم ؛ وقد يكون استيقاظًا لعارض من قلق أو كابوس أو نحو ذلك ؛ ولكل حالة من حالات الاستيقاظ أدبٌ وذكرٌ يخصها .
ولنذكر أولا آداب الاستيقاظ الطبيعي ، والتي جمعها حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t في الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللَّه e قَالَ : " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ : عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ ؛ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ " ولفظ مسلم : " فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَتَانِ ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ " ( [1] ) ، وقافية الرأس : مؤخرتها ؛ وقيل : القفا ، وآخر كل شيء قافيته ، ومنه : قوافي الشعر ، لأنها أواخر الأبيات ، ومنه قيل لنبينا e : المقفى ، لأنه آخر الأنبياء .
وكيف يعقد الشيطان على رأس ابن آدم ؟ قال النووي - رحمه الله : واختلف العلماء في هذه العقد ؛ فقيل : هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام ؛ قال الله تعالى : ] النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [ [ الفلق : 4 ] ؛ فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كتأثير السحر ؛ وقيل : يحتمل أن يكون فعلا يفعله كفعل النفاثات في العقد ؛ وقيل : هو من عقد القلب وتصميمه ، فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلا طويلا فتأخر عن القيام ؛ وقيل : هو مجاز كنى به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل ( [2] ) ؛ أما القول بإنها كعقد السحر فلا يقف على حقيقته أحد ؛ وقال ابن عبد البر : إن الشيطان ينوِّم المرء ، ويزيده ثقلا وكسلا بسعيه وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه ، إلا عباد الله المخلصين ( [3] ) .
والحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسانفيالسحر، فإن اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرات لم تنقض النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل ؛ قاله أبو العباس القرطبي في ( المفهم ) ، وقال البيضاوي : التقييد بالثلاث إما للتأكيد ، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء : الذكر والوضوء والصلاة ، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه ، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم ومجال تصرفه ، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته ( [4] ) .
ومعنى قوله : " يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ : عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ " أي : يضرب بيده على العقدة تأكيدًا وإحكامًا لها ، قائلا ذلك ؛ وقيل: معنى يضرب يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ ، ومنه قوله تعالى : ] فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ [ [ الكهف : 11 ] أي: حجبنا الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا ( [5] ) ؛ وذلك مقصود ذلك العقد ومراد الشيطان منه ، ويعني بقوله : " عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ " تسويفه بالقيام ، والإلباس عليه بأن في بقية الليل من الطول ما له فيه فسحة ؛ ونقل ابن بطال عن المهلب قال : قد فسر النبي e معنى العقد ، وهو قوله : " عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ " كأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى حزبه ، فيعتقد في نفسه أنه بقيت من الليل بقية طويلة ، حتى يروم بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت حزبه ( [6] ) .
وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله Y يُطرد به الشيطان ، وكذلك الوضوء والصلاة ؛ وقال النووي - رحمه الله : ومنها التحريض على الوضوء حينئذ وعلى الصلاة وإن قلَّت ( [7] ) ؛ فقد بين الحديث ثلاثة آداب لحل عقد الشيطان الثلاثة :
الأول : ذكر الله تعالى ؛ لقوله e : " فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ " فقد استفيد منه الحث على ذكر اللّه تعالى عند الاستيقاظ ، وأنه يحل عقدة من عقد الشيطان الثلاثة ، وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة من سنة النبي e ، ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر مخصوص لا يجزئ غيره ، بل كل ما صدق عليه ذكر الله U أجزأ ، ويدخل فيه : تلاوة القرآن ، وقراءة الحديث النبوي ، والاشتغال بالعلم الشرعي ؛ لكن الأذكار المأثورة أفضل ( [8] ) .
ومما ورد من أذكار الاستيقاظ ؛ ما تقدم من حديث حذيفة وأبي ذر والبراء y أن النبي e كان إذا اسْتَيْقَظَ قَالَ : " الْحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " ( [9] ) ؛ وفي رواية الترمذي لحديث أبي هريرة t المتقدم في الذكر عند النوم: " فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ " ( [10] ) .
ومن ذلك حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الْحَمْدُ للهِ ، وَسُبْحَانَ اللهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا ، بِاللهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ " رواه أحمد والبخاري وأهل السنن ، وهذا لفظ البخاري،ولأحمد: " ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي (أَوْقَالَ: ثُمَّ دَعَاهُ اسْتُجِيبَ لَهُ) ، فَإِنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى تُقُبِّلَتْ صَلَاتُهُ " ونحوه عند الباقين ( [11] ) ؛ قال الخطابي - رحمه الله : يتعار معناه : استيقظ من النوم ، وأصل التعار : السهر والتقلب على الفراش ، ويقال : إن التعار لا يكون إلا مع كلام وصوت ، وهو مأخوذ من عِرار الظليم .ا.هـ. زاد ابن الأثير في (النهاية): وقيل: هو تمطى وأنَّ ([12]) .

الثاني : الوضوء ؛ لقوله e : " فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ " ، وعند مسلم : " وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَتَانِ " وفيه التحريض على الوضوء في هذه الحالة ، وهو كونه تنحل به إحدى عقد الشيطان وإن لم تنضم إليه في تلك الحالة صلاة ؛ فإذا انضم إلى ذلك حل العقدة بالذكر كان المنحل من العقد بالذكر والوضوء عقدتان ، وهو معنى رواية مسلم .
قال ابن حجر - رحمه الله : إنما خص الوضوء بالذكر لأنه الغالب ، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال ، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك ؟ محل بحث ؛ والذي يظهر إجزاؤه ؛ ولا شك أن في معاناة الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم ، لا يظهر مثله في التيمم ( [13] ) .

الثالث : الصلاة : " فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ " ، وعند مسلم : " فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ " المراد أنه انحل بالصلاة تمام عقده ، فإنه قد انحل بالذكر والوضوء اثنان منها ، وما بقي إلا واحدة ، فإذا صلى انحلت تلك الواحدة ؛ وحصل حينئذ تمام انحلال المجموع .
وفيه حض على قيام الليل ؛ لأن فيه أنه يصبح طيب النفس نشيطًا بعد ذكر الوضوء والصلاة .
وقوله e : " فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ " يريد أنه بذكر الله تعالى وبالوضوء وبالصلاة تنحل عقد الشيطان كلها ، وينجو المسلم من كيده ، ومن شر عقده ؛ فيصبح نشيطًا قد انحلت عنه عقد الشيطان التي تكسله ؛ فينشط لما يرد عليه من عبادات أُخر ، من صلوات وغيرها ، وينشط لما يحتاجه من أمور حياته ؛ " طَيِّبَ النَّفْسِ " بما عمل في ليله من عمل البر ؛ لرجاء ثواب ما فعل ؛ ولانشراح صدره بما يستقبل، فيصبح مسرورًا بما قدم، مستبشرًا بما وعده الله من الثواب والغفران، مع ما يبارك له في نفسه وتصرفه في كل أموره ؛ والله أعلم ، واستظهر ابن حجر - رحمه الله - أن في صلاة الليل سرًّا في طيب النفس وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذكر ، وكذا عكسه ؛ قال : وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : ] إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً [ [ المزمل : 6 ] ( [14] ) .
وقوله e : " وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ " أي : متغيرًا بشؤم تفريطه ، وهمِّه بما فاته من حزبه ؛ ولما عليه من عُقَد الشيطان - التي لم تزل - وآثار تثبيطه واستيلائه وإتمام خديعته عليه ؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل؛ وكسَّله عن النشاط في أعمال البر ؛ وقوله : " كَسْلَانَ " ؛ أي : متثاقل عن فعل الخيرات ؛ وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات ( [15] ) ؛ قال النووي - رحمه الله : وظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة - وهي الذكر والوضوء والصلاة - فهو داخل فيمن يصبح خبيث النفس كسلان ( [16] ) .
هذا والعلم عند الله تعالى .

[1] - رواه البخاري ( 1091 ، 3096 ) ، ومسلم ( 776 ) .

[2]- انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 6 / 65 ، وانظر ( التمهيد ) : 19 / 45 ، 46 ، و( الاستذكار ) : 2 / 375 لابن عبد البر ؛ و( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 25 ، 26 .

[3]- انظر ( التمهيد ) : 19 / 45 ، 46 .

[4]- نقلا عن ( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 26 .

[5]- انظر ( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 25 .

[6]- نقلا عن ( شرح صحيح البخارى ) لابن بطال : 3 / 135 .

[7]- شرح النووي على مسلم - (6 / 66) .

[8]- انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 6 / 66 ، و( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 26 .

[9] - رواه البخاري عن حذيفة وأبي ذر ؛ ورواه مسلم عن البراء y .

[10] - الترمذي ( 3401 ) .

[11] - أحمد : 5 / 313 ، والبخاري ( 1154 ) ، وأبو داود ( 5060 ) ، والترمذي ( 3414 ) ، والنسائي في الكبرى (10697)، وابن ماجة ( 3878 ) .

[12] - انظر معالم السنن : 7 / 316 مع المختصر ، والنهاية في غريب الحديث والأثر : مادة ( عرر ) .

[13]- انظر ( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 27 .

[14]- انظر(شرح ابن بطال على البخاري): 3 / 135 ، و( شرح النووي على مسلم ) 6 / 66 ، و( فتح الباري ) لابن حجر :3/ 26 .

[15]- انظر ( شرح النووي على مسلم ) 6 / 67 ، و ( فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 26 .

[16]- شرح النووي على مسلم - (6 / 67) .
 
التعديل الأخير:
فائدة : قال العلماء وليس هناك تعارض بين قوله e : " وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ " ، وبين قوله e : " لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلْيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِي " ( [1] ) ؛ لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء إلى نفسه لفظ ( الخبث ) وهو مذموم ، فيضيف الذم إلى نفسه ، وهو ممنوع في مثل هذا ، كراهية لتلك اللفظة ؛ والحديث الثاني إنما هو خبر عن حال من لم يذكر الله في ليله ولا توضأ ولا صلى فأصبح خبيث النفس ، ذمًّا لفعله وعيبًا له ؛ ولو أضاف الإنسان لفظ الخبث إلى غيره مما يصدق عليه ، لم يكن ذلك مذمومًا ولا ممنوعًا ، لأنه إخبار عن صفة غيره ؛ والله أعلم ( [2] ) .

[1] - رواه البخاري ( 5825 ) ، ومسلم ( 2250 ) عن عائشة رضي الله عنها ؛ ومعنى ( لقست نفسي ) : خبثت ، أي : حصل لها الكسل والخمول أو المرض ؛ وكره لفظ ( خبثت ) لبشاعته ، لأن من معانيه الباطل في الاعتقاد ، والكذب في القول ، والقبح في الفعال .

[2] - انظر ( التمهيد ) : 19 / 47 و( الاستذكار ) : 2 / 375 لابن عبد البر ؛ وشرح النووي على مسلم : 6 / 67 ، و(فتح الباري ) لابن حجر : 3 / 27 .
 
الاستيقاظ الغير طبيعي ​
ينتج عن الأرق أو عن الكابوس ( الخانوق ) ؛ والأرق : ذهاب النوم لعلة .
والكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه ليلًا ( [1] ) ؛ وقد ذكره الأطباء قديمًا كابن سينا في كتابه ( القانون ) ( [2] ) وحديثًا ، وقرروا أن سببه إما عضوي مادي ، كتأثير طعام أو دواء ؛ وإما بسببِ تسلط الجن ، ويكون علاج الأول بالحجامة والفصد وتخفيف الطعام وغيرها ، ويكون علاج الثاني بالقرآن والأذكار الشرعية .
وفي كتابه ( النوم والأرق والأحلام ) قسَّم الدكتور حسَّان شمسي باشا الكوابيس إلى كوابيس العارضة ، وكوابيس متكررة ، قال :
الكوابيس العارضة ؛ تحدث لسببين ، أحدهما : تحيز بخارات في مجرى النفس تتراقى إلى الدماغ أو تنصب منه دفعة حين الدخول في النوم ؛ فيشعر المصاب بثقل في الحركة والكلام أو شعور بالفزع ، وهو مقدمة الصرع العضوي ، ويحدث - أيضًا - عند التعرض لضغوط نفسية .
الثاني : تعاطي أدوية يمكن أن تسبب الكوابيس وهي : الرزربين ، حصرات بيتا ، ليفودبا ، مضادات الهمود ؛ كما يحدث بعد التوقف عن استعمال الأدوية المهدئة ، كالفاليوم .
الكوابيس المتكررة : هذا النوع من الكوابيس يدل على تسلط وإيذاء الأرواح الخبيثة للإنسان . انتهى بتصرف .
ولا تختلف آداب الاستيقاظ هنا عن سابقتها ؛ غير أنه قد جاء في السنة علاجًا لذلك ؛ فقد روى الإمام أحمد عن الوليد بن الوليد t أنه قال : يا رسول الله ! إني أجد وحشة ؛ فقال : " فَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ ، وَشَرِّ عِبَادِهِ ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لا يَقْرَبَكَ " ( [3] ) ؛ وعن عمرو بن العاص t : أن رسول الله e كان يعلمهم من الفزع : " أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ " ( [4] ) ومعنى : وأن يحضرون : أن يصيبوني بسوء .
ولا يخفى مناسبة هذه العوذة لعلاج هذا الداء ؛ فكلماته التامات - كما قال ابن تيمية - رحمه الله : هي التي كوَّن بها الأشياء ، كما قال تعالى : ] إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ [ يـس : 82 ] ؛ لا يجاوزها بر ولا فاجر ، ولا يخرج أحد عن القدر المقدور ، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور .ا.هـ ( [5] ) ؛ وغضب الله تعالى من صفاته الفعلية التي يفعلها إذا شاء على الوجه اللائق به Y ، ولا يشبه غضبه غضب أحد من خلقه ، ونصفه U بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله e ، من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ؛ قوله e : " وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ " الهمزات جمع همزة ، وهي النخس ؛ والمعنى أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي ، ويغرونهم عليها ، فاستعاذ من نخاستهم ، ومن أن يحضروه أصلاً ، فقوله : " وَأَنْ يَحْضُرُونِ " أصله يحضروني ، حذفت الياء للتخفيف ؛ أي : وأن يحضر الشياطين عندي في جميع الأحوال .

[1] - انظر لسان العرب باب الميم فصل الجيم ، فالكابوس في اللغة هو الجاثوم والجثام .

[2] - انظر ( القانون ) : 2 / 466 .

[3] - أحمد : 4 / 57 ، 6 / 6 ، ورواه في الموطأ بلاغا : 2 / 950 ( 9 ) عن خالد بن الوليد ، ووصله ابن عبد البر في التمهيد : 24 / 109 .

[4] - أحمد : 2 / 181 ، وأبو داود ( 3893 ) ، والترمذي ( 3528 ) وقال حسن غريب ، والحاكم : 1 / 548 ، وصححه .

[5] - مجموع الفتاوى : 8 / 46 .
 
هدي النبي e في الاستيقاظ​
قال ابن القيم - رحمه الله : وأمَّا هَدْيُه e في يقظته ، فكان يَستيقظ إذا صاح الصَّارخُ وهو الدِّيك ، فيحمَدُ اللهَ تعالى ويُكبِّره ويُهلِّله ويدعوه ، ثم يَستاك ، ثم يقوم إلى وضُوئه ، ثم يَقِفُ للصلاة بين يَدَي ربه ، مُناجيًا له بكلامه ، مُثنيًا عليه ، راجيًا له ، راغبًا راهبًا ، فأىُّ حفظٍ لصحةِ القلب والبدن ، والرُّوح والقُوَى ، ولنعيم الدنيا والآخرة فوقَ هذا .ا.هـ ( [1] ) .

خاتمة​
هذا ما يسره الله الكريم المنان في كتابة هذه السطور ، وقد ترك كثير من الناس هذه الآداب في زماننا هذا ؛ فجعلوا الليل نهارًا والنهار ليلا ، مخالفين سنة الله تعالى في الكون ؛ مما كان له الأثر السلبي على حياة الفرد والمجتمع .
فإن من يسهر ليلا لابد أنه يحتاج إلى راحة بالنهار ، مما يؤثر على وقته وعمله بلا شك ؛ فإنه إذا ذهب إلى العمل بحالة إرهاق بسبب قلة النوم ، يقل إنتاجه ، وربما أضاع مصالح الناس الذين وكل إليه إنهاء معاملاتهم .
هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من تضييع كثير من الواجبات التي أهمها صلاة الفجر .
فيا ليت الناس ينتبهون إلى خطأهم في هذا الأمر لتنضبط حياتهم ، وتصلح مجتمعاتهم ؛ أسأل الله تعالى أن يوفقنا والمسلمين لذلك .
ومع أن ذلك جهد مَنْ بضاعته مزجاة ، وعمل البشر محفوف بالنقص ؛ إلا أنني أطمع في فضل الله تعالى وكرمه أن يتقبله مني وأن يجعل له القبول في الأرض ، فهو سبحانه ولي ذلك والقادر عليه ، لا رب غيره ، ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت ، وإليه أنيب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

[1] - انظر زاد المعاد : 4 / 225 .
 
عودة
أعلى