حديث السبعة

إنضم
03/01/2021
المشاركات
501
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر






حديث السبعة (1).. تأملات إيمانية حول الحديث

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



مقدمة:
- يذكر فيها الخطيب الحديث، وينبه أنه سيتكلم عن نوع من الأصناف السبعة في كل جمعة، وأن حديث اليوم تقديم وتمهيد ببعض المعاني الإيمانية حول الحديث.
- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) متفق عليه.

- قال ابن عبد البر في التمهيد: "هذا أحسن حديث يـُروى في فضائل الأعمال وأعمها وأصحها".
- تعليق الخطيب: لأنه اشتمل على جميع أطراف المجتمع، فبدأ بقمته وهو الإمام العادل، وانتهى بقاعدته وهو الذي لا يعلم به أحد إلا الله: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).


1- حول موقف يوم القيامة لبيان عظيم مكانة هؤلاء:
- فناء الخلق جميعا؛ قال الله -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)(الرحمن:26-27).
- إحياء الخلق للبعث والحساب؛ قال الله -تعالى-: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا... )(الزلزلة).
- جمع الناس للحساب والعرض؛ قال الله -تعالى-: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)(الكهف:48).
- شدة هول هذا اليوم؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(الحج:1-2).
- شدة الموقف على الناس؛ قال الله -تعالى-: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(الجاثية:28)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ -قَالَ- فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ -خاصرتيه- وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَاماً) رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.


2- المراد بالظل:
- فسره أهل العلم بأنه ظل العرش؛ لما رواه سعيد بن منصور عن سلمان بإسناد حسن: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ).
- العرش أول المخلوقات؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ -قَالَ- وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) رواه مسلم.
- عظم العرش؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) رواه البيهقي في الأسماء والصفات وابن جرير في تفسيره، وقال الألباني: صحيح بطرقه.
- اسألوا الله ظل العرش وسقفه؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) رواه البخاري.


3- معاني إيمانية مشتركة بين الأصناف السبعة:
إن الأصناف السبعة يجمعهم تلك المعاني الإيمانية العظيمة وهي: (الخوف - المراقبة - الرغبة فيما عند الله).
- الإمام العادل: خوفه من الله، ومظالم العباد حمله على العدل، ومعلوم أنه لا سلطان فوقه على الناس.
- الشاب المتدين: لا يطلع على حقيقة عبادته إلا الله، ولولا الخوف والمراقبة لساير الشباب الغافلين.
- المتعلق بالمساجد: لرغبته فيما عند الله وخوفه لم يتعلق قلبه بامرأة أو دنيا يصيبها.
- المتصدق في الخفاء: تغلب على شح نفسه، طمعـًا في العوض من الله، ولم يرقب الناس لعلمه بمراقبة الله.
- الذي دعته المرأة: تغلب على دواعي الفاحشة، خوفاً من الله وطمعًا فيما عنده.
- الباكي من خشية الله: ما أبكاه إلا الخوف والمراقبة، والرغبة فيما عند الله.


4- تأثير الأصناف السبعة بعضها على بعض:
إن المتأمل للترتيب يجد أنهم يرتبطون ببعضهم؛ كالأسباب والمسببات، والمقدمات والنتائج.
- فالإمام العادل: سيقيم مجتمعاً فاضلاً، وهذه البيئة الطيبة من العبادة والفضائل يكون معها...
- الشباب الذين ينشأون في عبادة الله: وهؤلاء الشباب من أخص خصائصهم ارتياد المساجد، وسيكون منهم...
- من قلبه معلق بالمساجد: وهذه المساجد سيلتقي فيها أهل الطاعات المختلفة فيكون منهم...
- رجلان تحابا في الله: وهؤلاء إذا تحابوا في الله، تعاونوا على طاعته وتقواه، وإصلاح قلوبهم وتزكية نفوسهم، ومن هؤلاء...
- من إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال قال: إني أخاف الله، وتعوذ بربه ومولاه، ومن كان كذلك عظم إخلاصه فكان منهم...
- من تصدق بصدقة فأخفاها... لعظيم إخلاصه وتقواه، ومثل هذا سيكون عظيم الخوف من الله، فيكون منهم...
- من ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، وذلك لما اجتمع له من خصال الخير ومعاني التقوى.


5- يوسف -عليه السلام- جمع الأوصاف السبعة:
1- لما تولى المُلك كان إماماً عادلاً (أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)(يوسف:59).
2- وكان في شبابه نعم الشاب المتدين (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)(يوسف:6)، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(يوسف:22).
3- وجمعه ووالده الحب في الله (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)(يوسف:8).
4- وكان قلبه معلقا بالصلاة والمساجد، وهذا أمر مقطوع به في حق الأنبياء والمرسلين.
5- ولما دعته امرأة ذات منصب وجمال تعفف وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(يوسف:23).
6- وكان أكثر الناس تصدقاً وعطاءً (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)(يوسف:88).
7- وأما بكاؤه فثبت في مواطن كثيرة ذكرها المفسرون من أبرزها يوم جمع الله شمله بأهله وكان عنده المُلك، بكى شوقاً لما عند الله (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)(يوسف:101).





حديث السبعة (2).. الإمام العادل

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



مقدمة تمهيدية للإمام العادل:
- هو السلطان العدل في نفسه، العادل في حكمه، الذي يقيم دين الله في الأرض؛ إذ هو حق الله عليه إذ مكنه،
قال الله -تعالى- لنبيٍّ حاكم: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)(ص:26).
- يحفظ للرعية دينهم ودنياهم، قال -تعالى-: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(الحج:41).
- بصلاحه تصلح الأمة، قال الثوري -رحمه الله-: "صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة: السلطان والعلماء"، وقال الليث: "من رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت السواقي"؛ ولذا كان الإمام أحمد يقول: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ لأنه بصلاحه صلاح الأمة".
- ومتى لم يُقم دين الله في الأرض، وحكم بغير شرعه، أو أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة، إلا أن يأمر بالمعروف فتكون الطاعة حينئذٍ لله على الحقيقة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِق) رواه أحمد، وصححه الألباني.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن مسعود -رضي الله عنه-: (لَيْسَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ طَاعَةٌ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ) قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. رواه أحمد، وصححه الألباني.
وقال أحد الأمراء لأحد التابعين: "أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)؟"، فقال له: "أليس قد نـُزعت عنكم -يعني الطاعة- إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)؟". فتح الباري.
وقال الشوكاني -رحمه الله-: "وأولو الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كان له ولاية شرعية، لا ولاية طاغوتية". فتح القدير.


1- مكانته وتعظيم الشرع لذلك:
- أمر الله بطاعته،
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء:59).
- أمر الله بتوقيره وإجلاله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أجلَّ سلطان الله أجله الله يوم القيامة) رواه الطبراني، وحسنه الألباني.
- دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) رواه مسلم.
- جعل الله له دعوة مستجابة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرًا والمظلوم والإمام المقسط) رواه البيهقي، وحسنه الألباني.
- ورغبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء له، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا أُخْبِرُكم بِخِيارِ أُمَرَائِكُم وَشِرَارِهم؟ خيَارُهم: الذين تُحِبُّونَهم، ويُحِبُّونَكُم، وَتَدْعُونَ لَهُمْ ويَدْعُونَ لَكُمْ، وشِرَارُ أُمَرائِكم: الذين تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكم، وَتَلْعَنُونَهُمْ، ويَلْعَنُونَكُمْ) رواه الترمذي، وصححه الألباني.


2- عظم مسئولية الإمام:
- عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنِ الإِمَارَةِ وَمَا هِيَ؟ فَقُمْتُ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ، وثَالِثُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ عَدَلَ) رواه البزار والطبراني، وحسنه الألباني.
- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) رواه البخاري.
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح، ولذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول للبعير الأجرب من إبل الصدقة وهو يطليه ويداويه: "إني أخاف أن أسأل عنك يوم القيامة".
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلاَّ أَتَى اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- مَغْلُولاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلاَمَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْىٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أحمد، وحسنه الألباني.
- وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تأخذه الإغفاءة من النوم في المجلس مرات، فقيل له: فقال: لو نمت بالليل ضاعت نفسي، ولو نمت بالنهار ضاع الناس، وكان كثيرًا ما يدور في المدينة ليلاً يتفقد أحوال الناس وقصصه في ذلك معروفة، ومن أشهر ذلك: (قصة الرضيع الباكي في عام الرمادة - قصة بائعة اللبن - قصة حراسته أموال التجار الوافدين ليلاً).
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّمَا رَاعٍ غَشَّ رَعِيَّتَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ) أخرجه ابن عساكر وأبو عوانة والطبراني، وصححه الألباني.
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) رواه مسلم.
- كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع عظيم عدله يقول يوم موته: "الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي من المسلمين، ضعوا خدي على الأرض لعل الله يرحمني".


3- جزاء الإمام العادل:
- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ) رواه مسلم.
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَ... ) رواه مسلم.
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَ... ) متفق عليه، فذكره في أول السبعة.


4- ما جاء في الترهيب من الإمارة:
- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) رواه مسلم.
- وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْىٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) رواه مسلم.
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) متفق عليه.
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى) رواه البخاري.
فاللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، وقيض لهم البطانة الصالحة، والحمد لله رب العالمين.



 



حديث السبعة (3).. شاب نشأ في عبادة الله

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


مقدمة:
- الحديث فيها عن فضل من يظله الله في ظله في اختصار تذكير بما سبق.
- كذلك ذكر فائدة وهي: أيهما أفضل؟ الشاب الذي نشأ في عبادة الله، أم الذي قارف الذنوب والشهوات والملذات ثم تاب توبة نصوحا؟
العلماء على قولين: أصحهما الأول؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ) رواه الروياني في مسنده، وقال الألباني: إسناده جيد، والصبوة: الميل إلى الهوى والشهوات، ومنه تعوذ يوسف -عليه السلام-: (وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(يوسف:33).



لماذا كان الشاب المتعبد في ظل عرش الرحمن؟
الجواب على ذلك من وجهين عليهما تدور الخطبة تقريبا.


1- الوجه الأول (عظيم وأهمية مرحلة الشباب في عمر الإنسان):
- الشباب مرحلة القوة والبذل؛
قال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)(الروم:54)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) رواه الحاكم، وصححه الألباني، فذكر منها: (شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ).
- مرحلة يسأل الإنسان عنها يوم القيامة مرتين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ) رواه الترمذي، وصححه الألباني.
- الشباب حملة الدين والدعوة والجهاد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّوَالْعُمْرَةُ)رواه النسائي، وحسنه الألباني، لأن الشباب هم راية الجهاد.
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَنِبُوا السَّوَادَ) رواه مسلم، وأجازه للشيخ في المعركة لإغاظة الأعداء؛ لأن الشباب هم غيظ العدو.

كان كثير من الأنبياء والمصلحين من الشباب:
- إبراهيم -عليه السلام- كان شابا يوم حطم الأصنام
(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)(الأنبياء:60).
- إسماعيل -عليه السلام- كان شابا يوم رفع البيت (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(البقرة:127).
- يوسف -عليه السلام- كان شابا أكثر مراحل دعوته (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)(يوسف:22).

- داود -عليه السلام- كان شابا يوم مكـَّن الله له وبعثه (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)(البقرة:251).
- أصحاب الكهف كانوا شبابا (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(الكهف:13).
- الرعيل الأول من الصحابة كانوا شبابا، وقد تحملوا في سبيل الله كثيرا، كان أكبرهم بعد أبي بكر عمر بن الخطاب 26 عاما، والبقية تحت العشرين، وأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير، وعلى بن أبي طالب، وأبا موسى الأشعري -رضي الله عنهم- وكانوا شبابا.


2- الوجه الثاني (لأنه نشأ في ظل العبادة):
1- قلبه معلق بالمساجد، ويحافظ على الجماعة، ويتعلم العلم والدين،
وغيره معلق بالمعاصي والملاهي: (الكرة - الموضة - الأغاني والموسيقى).
2- يحب أهل الصلاح ويفارق أهل السوء (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)(الكهف:28).
3- يتصدق ويتعبد لله بإخلاص (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)(آل عمران:92)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة:103).
4- يتعفف عن الفواحش (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)(المؤمنون:3)، (الزنا وما تعلق به - وسائل الإعلام الماجنة).
5- يقوم الليل ويكثر القنوت لله (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)(الفرقان:64).
6- صاحب قرآن وتدبر وخشوع طلبا للهداية (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(المائدة:16).
7- يتعلم سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(الأحزاب:21).
3- صور مشرقة وصفحات عطرة من حياة شباب نشأوا في عبادة الله:
- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أول من أسلم من الفتيان (فدائي ليلة الهجرة - قاتل صناديد قريش وغيرهم - قامع بدعة الخوارج)، قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) متفق عليه، وقال له: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) متفق عليه.
- مصعب الخير (إسلامه وموقفه مع أمه - هجرته ودعوته - استشهاده يوم أحد وهو يردد: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)(آل عمران:144).
- الزبير وولده عبد الله (تربية أمه صفية الشديدة - يقاتل بسيفين - يصطحب ولده في المعارك - ابن الزبير وأدبه في الطريق مع عمر).
- أسامة بن زيد (قائد الجيوش قبل العشرين - شفيع الناس عند النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم المرأة المخزومية).
- محمد الفاتح (قائد المسلمين في العشرين - فاتح القسطنطينية وله 22 سنة - فاتح الكثير من بلاد أوروبا).



كلمة ختام:
أخي المسلم:
قد يقول قائل: "لقد جاوزت مرحلة الشباب، فلست معنيا بالحديث"!!
فنقول لك: هذا الكلام غير صحيح، فأنت معني بالحديث وبالشباب بوجه من الوجوه؛ فأنت إما أب لشاب، أو أخ لشاب، أو صاحب لشاب، أو جار لشاب.


فاللهم أصلح شباب المسلمين، وانصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

 



حديث السبعة (4).. رجل قلبه معلق بالمساجد



مقدمة:

- الحديث فيها عن سبب كونه في ظل عرش الرحمن، وذلك لسببين عظيمين يتم بناء الخطبة عليهما بعد ذلك.


السبب الأول: لأنه تعلق بأشرف بقاع الأرض.




السبب الثاني: لأن "قلبه" وليس جسده هو المعلق بالمساجد.


1- حول السبب الأول "فضل المساجد وفضل بنائها":


- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق) (رواه الحاكم والطبراني، وحسنه الألباني).


- التنويه من خلال الحديث على أن هناك من تعلقت قلوبهم بما هو أدنى من الأماكن أو ما هو محرم "البيوت - الملاعب والملاهي".


- ومن فضائل المساجد: "تكرار النداء العظيم "الأذان" - تحفها الملائكة - تتجرد فيها النفوس من مناصب الدنيا - ملتقى الأحبة في الدنيا".


قال -تعالى-: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور:35-38).


قال ابن كثير -رحمه الله-: "لما ضرب الله -تعالى- مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقدة من زيت طيب وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله -تعالى- في الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها".اهـ.


- ومما يدل على عظيم مكانة المساجد؛ ما أحيط بها من معانٍ شرعية مثل:


الدعاء عند التوجه إليها: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَعَظِّمْ لِي نُورًا) (متفق عليه).


- الدعاء عند دخولها: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).


- فضل السعي إليها: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) (متفق عليه).


- فضل بنائها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علمًا أو كرى نهرًا أو حفر بئرًا أو غرس نخلاً أو بنى مسجدًا أو ورث مصحفًا أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته) (رواه البزار وأبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).


2- حول السبب الثاني "سيد البشر خير من تعلق قلبه بالمسجد":


- جعل بيوته إلى جوار المسجد؛ وهذا شأن المحب مع المحبوب.


- (كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا) (رواه مسلم).


- كان إذا رجع من سفر أو غزو بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين ثم ينقلب إلى بيته.


- وفي مرض موته وبين السكرات والإفاقة يسأل عن أحوال المسجد والمسلمين فيقال: هم ينتظرونك. ولما وجد في نفسه خفة خرج يهادى به بين الرجلين حتى أقيم إلى جنب أبي بكر في الصلاة.




من قلبه معلق بالمساجد؟


1- أحرص الناس على صلاة الجماعة:


- قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).


- يقول سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة".


2- يحملون إلى المساجد وهم مرضى:


- قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ" (رواه مسلم).


3- الحرص على الموت في المسجد في حال انتظار الصلاة:


- قيل لعبد الرحمن السلمي لما حضرته الوفاة وهو في المسجد: "لو تحولت إلى الفراش فإنه أوثر وأوطأ. قال: حدثني فلان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلاَّهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ) (رواه مسلم)، وإني أريد أن أموت في مسجدي".


4- الحرص على تكبيرة الإحرام:


- قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).


5- التبكير في يوم الجمعة إلى المساجد:


- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) (متفق عليه).


6- يجدون فيها مخرجا من هموم الدنيا:


- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقصد المسجد، ويأوي إليه لما تشاحن مع زوجته فاطمة -رضي الله عنها-.


- أبو أمامة يقصد المسجد بالدعاء والصلاة لما تراكمت عليه الديون، وكثرت عليه الهموم.


- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المسجد بيت كل مؤمن) (رواه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).

فاللهم اجعلنا ممن تعلقت قلوبهم بالمساجد، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، والحمد لله رب العالمين.
 
عودة
أعلى