تفسير القرآن العظيم ( أَحمد شريف النَّعسان)

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,055
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر


689764172.gif





1-أهمية علم التفسير

لذي يُهِمُّنَا أَنْ نَعْلَمَ أَهَمِّيَّةَ العِلْمِ في دِينِنَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وَلِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقَاً إِلَى الجَنَّةِ» رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

لَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تعالى عَلَى الأُمَّةِ تَدَبٌّرَ القُرْآنَ العَظِيمَ، قَالَ تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾.
بَلْ أَوْضَحَ اللهُ تعالى للمُرْتَابِينَ مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَيَهْدِيهِمْ سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَيُقْنِعُهُمْ إِذَا أَرَادُوا النَّجَاةَ وَالسَّعَادَةَ الحَقَّةَ الأَبَدِيَّةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَ تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافَاً كَثِيرَاً﴾. وَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟



2ـ الاستعاذة

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فَالاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعَاً، وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَغْلَبِ الفُقَهَاءِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِوُجُوبِهَا عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَاللهُ تَبَارَكَ وتعالى طَلَبَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ حَتَّى لَا يُشَوِّشَ عَلَيْهِمْ أَثْنَاءَ التِّلَاوَةِ، وَلَا يُوَسْوِسَ لَهُمْ فَيَصْرِفَهُمْ عَنْ تِلَاوَتِهِ، أَو يُشَكِّكَهُمْ في آيَاتِهِ.



مَحَلُّ الاسْتِعَاذَةِ مِنَ القِرَاءَةِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: اخْتَلَفَ القُرَّاءُ وَالفُقَهَاءُ في مَحَلِّ الاسْتِعَاذَةِ؛ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ القِرَاءَةِ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». فَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ هُوَ السُّنَّةُ.

وَذَهَبَ بَعْضُ القُرَّاءِ وَالفُقَهَاءِ إلى أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ القِرَاءَةِ عَمَلَاً بِظَاهِرِ الآيَةِ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وَقَالُوا: الفَاءُ هُنَا للتَّعْقِيبِ.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلى أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ القِرَاءَةِ وَبَعْدَهَا.


الجَهْرُ وَالإِسْرَارُ بِهَا:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: فَالاسْتِعَاذَةُ قَبْلَ القِرَاءَةِ سُنَّةٌ، وَلَكِنْ هَل يَجْهَرُ بِهَا القَارِئُ أَمْ يُسِرُّ؟

ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلى اسْتِحْبَابِ الجَهْرِ بِهَا، وَهُوَ المُخْتَارُ عِنْدَ أَئِمَّةِ القُرَّاءِ؛ وَقَالَ الحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو في جَامِعِهِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافَاً في الجَهْرِ بِالاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ القُرْآنِ.

وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى أَنَّ القَارِئَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الجَهْرِ وَالإِسْرَارِ؛ وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: لَكِنَّهُ يَتْبَعُ إِمَامَهُ مِنَ القُرَّاءِ، وَهُمْ يَجْهَرُونَ بِهَا إِلَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ يُخْفِيهَا.


صِيَغُ الاسْتِعَاذَةِ وَأَفْضَلُهَا:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: وَرَدَتْ صِيغَتَانِ للاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ القُرَّاءِ وَالفُقَهَاءِ؛ إِحْدَاهَا: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ كَمَا وَرَدَ في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وَهَذَا رَأْيُ الجُمْهُورِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في سَائِرِ تَعَوُّذَاتِهِ.فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ».

الثَّانِيَةُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، حُكِيَ هَذَا عَنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

الثَّالِثَةُ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ في النَّشْرِ.

الرَّابِعَةُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَهَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ» هَمْزُهُ: المُوتَةُ (يَعْنِي الجُنُونَ) وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ.




3ـ البسملة

لَقَدْ أَدَّبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِهِ ذِكْرَ أَسْمَائِهِ أَمَامَ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِهَا، وَسَبِيلَاً يَتَّبِعُونَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ ـ أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
فَقَوْلُ القَائِلِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عِنْدَ افْتِتَاحِ التِّلَاوَةِ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ مُرَادَهُ: أَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَفْعَالِ.



البَسْمَلَةُ جُزْءٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ البَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِنْ آيَةٍ في قَوْلِهِ تعالى، كَمَا قَالَ تعالى مُخْبِرَاً عَنْ كَلَامِ بَلْقِيسَ عِنْدمَا خَاطَبَتْ قَوْمَهَا بِقَوْلِهَا: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وَاخْتَلَفُوا في أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، أَمْ لَا؟
المَشْهُورُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وَالأَصَحُّ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ: أَنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الفَاتِحَةِ، وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، بَلْ هِيَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ القُرْآنِ كُلِّهِ، أُنْزِلَتْ للفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَذُكِرَتْ في أَوَّلِ سُورَةِ الفَاتِحَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثَاً غَيْرُ تَمَامٍ.
فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟
فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي ـ وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي ـ فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
فَالبَدَاءَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ أَوَّلَ آيَةٍ مِنَ الفَاتِحَةِ.
وَخَالَفَ في ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَقَالُوا: البَسْمَلَةُ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فَعَدَّهَا آيَةً ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَيْنِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثَلَاثُ آيَاتٍ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَجَمَعَ خَمْسَ أَصَابِعِهِ. رواه الحاكم.
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَرَأْتُمِ: الْحَمْدُ للهِ فَاقْرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَاهَا.



حُكْمُ البَسْمَلَةِ في الصَّلَاةِ:

أَمَّا حُكْمُ البَسْمَلَةِ في الصَّلَاةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِيهَا:
1ـ ذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى أَنَّ البَسْمَلَةَ تُسَنُّ قِرَاءَتُهَا سِرَّاً لِلإِمَامِ وَالمُنْفَرِدِ مِنْ كُل رَكْعَةٍ.
2ـ وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ وَالمَأْمُومِ وَالمُنْفَرِدِ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ قَبْل فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّلَاةُ فَرْضَاً أَمْ نَفْلَاً، سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً، كَمَا تُقْرَأُ البَسْمَلَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ سُورَةٍ في رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، وَيَجْهَرُ بِهَا في حَالَةِ الجَهْرِ بِالفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَكَذَا يُسِرُّ بِهَا في الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ.



حُكْمُ البَسْمَلَةِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلَاءِ:

أَمَّا حُكْمُ البَسْمَلَةِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلَاءِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ، وَذَلِكَ قَبْل دُخُول الْخَلاَءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول إِذَا دَخَل الْخَلَاءَ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» رواه ابن أبي شيبة عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.


البَسْمَلَةُ عِنْدَ الْوُضُوءِ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، روى الدارقطني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ تَطَهَّرَ جَسَدُهُ كُلُّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ لَمْ يَتَطَهَّرْ إِلَّا مَوْضِعُ الْوُضُوءِ».
وَإِنْ نَسِيَ المُتَوَضِّئُ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الوُضُوءِ، وَذَكَرَهَا فِي أَثْنَائِهِ، أَتَى بِهَا، حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْوُضُوءُ مِنِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى.


ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وَلَا تَجِبُ التَّسْمِيَةُ عَلَى نَاسٍ، وَلَا أَخْرَسَ، وَلَا مُكْرَهٍ، وَيَكْفِي مِنَ الأَخْرَسِ أَنْ يُومِئَ إِلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَصِيغَتُهَا أَنْ يَقُول: (بِاسْمِ اللهِ) عِنْدَ الْفِعْل؛ لِمَا رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي صِفَةِ ذَبْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِأُضْحِيَّتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ مَوْجُوأَيْنِ، فَأَضْجَعَ أَحَدَهُمَا فَقَال: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ أَضْجَعَ الآخَرَ فَقَال: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ، وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» رواه أبو يعلى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَعَمُّدُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ لَوْ تَرَكَهَا عَمْدَاً يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ وَيُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَ ذَبَائِحَ أَهْل الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وَهُمْ لَا يَذْكُرُونَهَا (التَّسْمِيَةَ)



البَسْمَلَةُ عِنْدَ الأَكْلِ:

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْبَدْءِ فِي الأَكْلِ مِنَ السُّنَنِ، وَصِيغَتُهَا: بِسْمِ اللهِ، وَبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ سَمَّى فِي بَاقِيهِ، وَيَقُول: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رواه أبو داود.


البَسْمَلَةُ عِنْدَ التَّيَمُّمِ:

التَّسْمِيَةُ عِنْدَ التَّيَمُّمِ مَشْرُوعَةٌ: سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَصِيغَتُهَا: بِسْمِ اللهِ، وَالأَكْمَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل التَّيَمُّمِ وَذَكَرَهَا فِي أَثْنَائِهِ أَتَى بِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدَاً لَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ فَعَلَهَا يُثَابُ.


البَسْمَلَةُ لِكُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ:

اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَشْرُوعَةٌ لِكُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ، عِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَتُقَال عِنْدَ الْبَدْءِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالأَذْكَارِ، وَرُكُوبِ سَفِينَةٍ وَدَابَّةٍ، وَدُخُول الْمَنْزِل وَمَسْجِدٍ، أَوْ خُرُوجٍ مِنْهُ، وَعِنْدَ إِيقَادِ مِصْبَاحٍ أَوْ إِطْفَائِهِ، وَقَبْل وَطْءٍ مُبَاحٍ، وَصُعُودِ خَطِيبٍ مِنْبَرَاً، وَنَوْمٍ، وَالدُّخُول فِي صَلَاةِ النَّفْل، وَتَغْطِيَةِ الإِنَاءِ، وَفِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ، وَعِنْدَ تَغْمِيضِ مَيِّتٍ وَلَحْدِهِ فِي قَبْرِهِ، وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَى مَوْضِعِ أَلَمٍ بِالْجَسَدِ، وَصِيغَتُهَا (بِاسْمِ اللهِ) وَالأَكْمَلُ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ أَوْ تَرَكَهَا عَمْدَاً فَلَا شَيْءَ، وَيُثَابُ إِنْ فَعَلَ.
وَمِمَّا وَرَدَ: حَدِيثُ: «كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَهُوَ أَقْطَعُ» وَفِي أُخْرَى: «فَهُوَ أَجْذَمُ» رواه الإمام أحمد وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.



بَرَكَةُ البَسْمَلَةِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: البَسْمَلَةُ فِيهَا مِنَ البَرَكَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تعالى، يَشْعُرُ بِبَرَكَتِهَا أَيُّ إِنْسَانٍ، فَلَو أَكَلَ العَبْدُ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حُرِمَ الشَّيْطَانُ الطَّعَامَ، وَلَو دَخَلَ العَبْدُ بَيْتَهُ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حُرِمَ الشَّيْطَانُ المَبِيتَ في ذَاكَ البَيْتِ، وَلَو جَامَعَ العَبْدُ زَوْجَتَهُ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، يُصْرَفُ الشَّيْطَانُ عَنْهُ وَعَنْ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ رُزِقَا وَلَدَاً بَرِئَ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلَو دَخَلَ العَبْدُ الخَلَاءَ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ حُفِظَ بِإِذْنِ اللهِ تعالى، وَإِنْ نَزَعَ العَبْدُ الثِّيَابَ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ؛ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْيُنِ الشَّيْطَانِ سِتْرٌ وَحِجَابٌ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.


خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾: إِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَعَوْنٌ عَلَى كُلِّ دَوَاءٍ. / كذا في تفسير القرطبي
فَلْنُحَافِظْ عَلَى التَّسْمِيَةِ في جَمِيعِ شُؤُونِنَا، وَخَاصَّةً عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا. آمين.


موقع
( أَحمد شريف النَّعسان)
​


يتبع

​
 
عودة
أعلى