تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,114
مستوى التفاعل
6
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
136026814515.gif


{ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [سورة المائدة]

لن نخوض في سبب القربان الذي قدمه قابيل الأخ الأكبر/ الزرع الفاسد/ ولا ما قدمه هابيل أخوه أصغر منه/ كبش أملح/ إنما نقف عند تهديد قابيلٍ هابيلَ .
لماذا هدده بالقتل؟ وهل التهديدُ بالقتل ينهي قضية الخصام ،أو يزيد أوار النار في القلوب؟
قدّم هابيل أفضل ما عنده قرباناً فتُقُبِّل منه وكان قربانُه في المستقبل كبش فداء لإسماعيل عليه السلام، وما أجلّه من قربان.
وقدم قابيل زرعاً يابساً ، فلم يُرضِ ربه . وكان عليه – لو كان ذا عقل وفهم – أن يستدرك مسيرته ، ويعلم أنه أخطأ في قربانه ، فقدم أفضل ما عنده تعبيراً عن إصلاح أمره، ورجاء الرضا من ربه.
لم يكن القتل يوماً حلّاً لمن يريد السلام والحفاظ على المودة والحياةَ الطيبة . وكم من امرئ سلك هذا الطريق فزُهقت روحه ثمناً لتهوره، أو زَرَع الشحناءَ والبغضاء في مجتمعه، أو هرب في شعاب الأرض عمرَه كله ،يخاف أن يظفر به من أساء إليهم ،فقتل منهم.

قال قابيل:
(لأقتلنّك) بدلَ أن يراجع نفسه فيصنع المعروف ويستغفر ربه.
(لأقتلنّك) قولٌ أحمقُ يدل على ضعف العقل وقصر النظر.
(لأقتلنّك) كلمة تدل على الحَمَق والتهوّر.
(لأقتلنّك) ظلمٌ ،واستبداد، ورعونة .

قال هابيل:
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } دعوة إلى الحق والتزام شرع الله والعمل بما يرضيه سبحانه.
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } فكر سديد، وقلب رشيد،
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } نظرة مستقبلية هادفة ، وعمل للحياة الخالدة.
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } هدف نبيل ، ومجد أثيل. وتصَرّفٌ أصيل

هابيل يمثل الحق والنور، وقابيل يمثل الظلم والظلام.
والناس جميعاً تبَعٌ لهابيلَ أو قابيلَ.
وسيبقَون فريقين متنافرين إلى قيام الساعة ...

4jiec1trcqy.gif





{ فَأَرْسِلُونِ..}

أ.د عثمان قدري مكانسي *


قال تعالى :
{ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)}[سورة يوسف]

1- قد ينسى الإنسان ، وهذا أمر عادي فالإنسان نسّاء.وقد يتذكر ما نسي حين يعيش قضية تشابه قضيته. فقد رأى الساقي نفسه في المنام – وهو في السجن - يسقي سيده خمراً ، وسيدُه الآن يرى حلماً أقضَّ مضجعه.فتذكر رؤيته قبل سنين .

2- من أسدى إليك معروفاً فبادله معروفاً بمعروف.إذ يرغب الساقي بتحرير يوسف وأن يقربه من الملك حين يُؤَوِّل حلمه.

3- { أَنَا أُنَبِّئُكُم } ( دليل ثقة) فقد رأى وعاين، رأى الساقي قدرة يوسف عليه السلام في تأويل حلمه ، ولسوف يفعل ذلك للملك.

4- الخادم لا يتنبأ، لكنه يعرف صاحب العلم الصحيح (يوسف عليه السلام) فعرض على الملك اسم من يفسّشرُ له حلمه حين عجز الكهنة عن ذلك.

5- أن تدلَّ الناسَ على أهل العلم ليستفيدوا منه أمر طيب. وهذا ما فعله الساقي حين ذكر يوسف عند الملك.

6-{ أَرْسِلُونِ } المفتاح عندي ، استطيع خدمتكم ومساعدتكم.ولأنه الساقي (الخادم) ليس له إلا أن يُخلص لسيده في تعريفه بيوسف ليسمح له بلقائه ويأتيه بالخبر اليقين.

7- { فَأَرْسِلُونِ }: الأمر لكم ،. وبهذا يتقرب للملك كذلك ويلقى عنده الحظوة.

8- ولعل مع النسيان الخوفَ من ردة الفعل ، فلم يعرض الخادم خدمته إلا حين أمِنَ ردة فعل السادة وأولي الأمر، وتبيّن ضعف حيلتهم. فقد أعلنوا فشلهم في تأويل رؤيا الملك فـ { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ... (44)}.

9- لكن الإيجابية في الكهنة أنهم استدركوا موقف الضعف فأعلنوا { ... وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)) .فأقرّوا بسقف معرفتهم ، ليمتصوا غضب الملك إن غضب، وليبحث هو عمّن يفسر له ما رأى...{ ... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)}[يوسف].

10- { بعد أمّة } : أي بعد مدّة ،ووردت كلمة أمّة مرات عدة في القرآن الكريم بمعان مختلفة (12) باثني عشر معنى، مما يدل على سعة اللغة العربية التي وسعت كتاب الله تعالى ،أذكر ثلاثة من معانيها، وأترك لكم العودة إلى كتابي ( كلمات في القرآن) لتتعرفوا على معانيها كلها.
11- من معانيها:
ا- الماضون من السلف: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } [البقرة] في موضعين
ب- الشريعة الواحدة والدين الواحد ، مثال ذلك في الآية 213 من سورة البقرة : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... }
ج- وتأتي بمعنى العلماء والدعاة والمصلحين ، مثال ذلك الآية 104 من سورة آل عمران : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }.

12- اختصار المواقف دون خلل في المعنى سمة ظاهرة في القرآن الكريم ، حين قال فأرسلون، نراه يخاطب يوسف فوراً { ييُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } ، فقد وافق الملك على إرساله إلى السجن ، وحمّله فحوى الرسالة ، وأمره أن يسأل يوسف تأويل الحلم. فذهب إليه وقابله، وسلم عليه ، وخاطبه، فقال: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ }

13- احترام الساقي سيدّنا يوسف واضح حين كلمه باحترام فناده بـ { الصِّدِّيقُ }، وهذه غاية التكريم ، فالمولى سبحانه وصف سيدنا إبراهيم بالصدِّقية في قوله تعالى:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41)}[مريم]

14- وأعلن انه رسول الملك إليه ، فلم يقل: أفتِني، وقال { أَفْتِنَا } بصيغة الجمع.فالأمر مهمٌّ جداً.

15- ولعل الملك أرسل ساقيه يجرب سيدنا يوسف ، ولو كان – ابتداءً- مطمئنّا لأمَرَ بحمله إليه.

16- فلمّا أعجب الملك بجواب يوسف أمر بحمله إليه ليراه, { ائْتُونِي بِهِ }

17- فلما اعتذر يوسف فلم يخرج من السجن إلا حراً طليقاً تسبقه براءته من ظلم المجتمع أعجب الملك به ، فزادت كلمة : { أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } بعد ثبوت براءته، فلن يكون مجرد مؤول عابر ، إنه سيكون نديمه المفضّل. ومستشارَه الخاص.

18- لم يرغب يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن بعفوٍ، فالعفو لا يبرِّئه من تهمة الفحشاء، وستبقى لاصقة به، والرضا بالخروج من السجن بعفو الملك، ثلمة ينأى (الداعية) سيدنا يوسف عنها.

19- البراءة من التهمة دليل الطهارة والصدق والعفة، وبهذا يستمر في الدعوة إلى الله تعالى دون أن يطعن فيه أحد، أو يلمزه هُمَزةٌ.

20- إصرار يوسف أن يخرج من السجن بريئاً ورفضُه الخروجَ بعفوٍ جعل الملك يصدقه دون أن يراه ، واتّهم النساء ،وبرّأ يوسف حين قال لامرأة العزيز وبقية النساء :
{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ... (51)} ؟ فاستخلص منهنَّ اعترافهنَّ بفعلتهنَّ بقوة المُلْك،وعظمة السلطان.{ ... قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ... (51)}

21- حين يُحاصَر الكاذب من كل الأطراف يعترف بفعلته بعد أن كابَر وادّعى، فهذه امرأة العزيز حين اعترفت النساء بالحق، لم تجد بدّاً من متابعتهنَّ والإقرار بذنبها إذ :
{ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)}

22- حين يسترد المرء الصالحُ حقه يعلو صوتُه بأنَّ عليه أن يكافئ المحسن إحساناً ، فالذي اشتراه، أكرم مثواه وعلّمَه ،وعامله معاملة طيبة ، فكان على يوسف أن يعامله بإحسانه إحساناً : { ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)}

23- ومن الشفافية المطلقة أن سيدنا يوسف وهو الشريف الطاهر يرى أن المرء حين تأتيه المغرِيات قد يضعف لولا رحمة الله تعالى به وعفوه وغفرانه

* بتصرف بسيط جداُ


4jiec1trcqy.gif



رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالمِين


قال تعالى :
{ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} [يونس]

1 ـ دعاء وتبتّل وتذلل للمليك العظيم.. { رَبَّنَا }
2 ـ لجوء إليه واعتماد عليه سبحانه.
3 ـ ادع بلسان الجماعة: ربنا ؛ فأنت لبنة في هذا المجتمع المسلم.
4 ـ { لَا تَجْعَلْنَا } من أفعال التحويل ؛ فالأصل نعمة والتحويل والتبديل إلى العقوبة نقمة.
5 ـ والفتنة نظرة مقلوبة فالعدو حين يظهر عليك يتفنن في تعذيبك وإذلالك ؛
وقد تكون الفتنة أنه حين يسيطر عليك يظن أنه على صواب وأنك على خطأ.
وقد تكون الفتنة في قلوب المسلمين واعتقادهم حين يرون أعداءهم يظهرون عليهم.
6 ـ { لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } : فهم قوم مجتمعون متآلبون وفي صف واحد على المسلمين كما أنهم ظلمة ؛ والظالم لا يرقب في مؤمن إلّاً ولا ذمة ؛وأولئك هم المعتدون.
7 ـ { وَنَجِّنَا } : فالنجاة بالله وصادرة عن الله؛
8 ـ ولا نجاة إلا برحمته سبحانه نجاة في الدنيا من مصائبها ؛ وسيطرة الكافر من أعظم المصائب؛
ونجاة في الآخرة من سخط الله ومن ناره. كما أن النجاة في الآخرة فوز بالجنة ونعيمها. وكرامة وسعادة.
9 ـ الكافر يغمط حق مولانا إذ يشرك به آلهة أخرى ويجعل له زوجة وولداً؛ وهو بهذا الجحود الظالم تراه من باب أولى يسيء إلى البشر ويأكل حقهم ويستعبدهم ؛
10ـ فالحياة الحرة الكريمة توجّهٌ بضراعة إلى الله ؛ وتمسك بشريعته؛ والتزام بأمره سبحانه

د. عثمان قدري مكانسي



4jiec1trcqy.gif



قال تعالى :
{ وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعضِ أَزواجِهِ حَديثًا فَلَمّا نَبَّأَت بِهِ وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعضَهُ وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَت مَن أَنبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ العَليمُ الخَبيرُ (3)} [التحريم]

- بين الرجل وزوجته أسرار لا ينبغي لأحدهما إذاعتها
- قد يُحَدِّث الرجل بسره إحدى نسائه ويكتمه عن غيرها
- وكلمة بعض: اثنتان فما فوق. فقد يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصّ اثنتين أو أكثر بسره
- ولعل واحدة منهن تكلمت به ( نبأت به) وما كان لها أن تفعل ذلك.
-لأهمية الحديث؛ وما عاد سرا نبأه الله به
- النبأ أمر عظيم فوق الخبر
- لا بد من العتاب أو أكبر منه أو أقل لمن لم يحفظ السر ؛ وقد يكون عقاباً؛ لأهميته.
- إن كان السر مُهمّا وفشا وجب تنبيه صاحب السر ليأخذ احتياطاته.
- قد يتصرف صاحب السر ببعض ما كان؛ نوعا من التنبيه اللازم دون أن يذكره كله، فيعاتب به كله أو ببعضه حسب أهميته ؛ أو حسب الموقف المناسب؛ هنا ذكر بعض الخبر وتغاضى عن بعضه؛
- للمخطئ أن يتحرى حقيقة من كشف إفشاء السر
- ولصاحب السر أن يكتمه أو يفصح عنه؛ ولهذا أخبر النبي من استفسرت عن المصدر به
- ذكر المصدر - هنا- وهو الله تعالى العليم بكل شيء الخببر به إنه توثيق متين يُسكت المخطئ فيعترف بذنبه.
- اثنتان فشتا السر ؛ وواحدة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المصدر فأخبرها وحدها؛ فهي من سألت.
- وهي من أخبرت ضرتها بما نزل على النبي بما فعلتا.
- ولأن الاثنتين أخطأتا أمرتا بالتوبة
- فإن تابتا -وتوبتهما دليل على صدقهما - أشرق قلباهما بنور التوبة والصفاء
- وإن أصرتا على ما فعلتا خابتا
- ودليل الخيبة أن الله تعالى يؤيد نبيه ؛ ومن كان الله معه ظهر وفاز .
- إن الله ولي الصالحين ورسول الله سيد الصالحين.
- مع أن تأييد الله تعالى يكفي للفوز فإن سبحانه يعلمنا دعم المواقف ما استطعنا؛ فجبريل عليه السلام وصالح المؤمنين والملائكة من مؤيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنّ حشدَ التأييد داعم رائع للمواقف ولو كان الداعم الأول يكفي ويزيد.

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ }

الأستاذ الدكتور عثمان قدري مكانسي

حين ألقي سيدنا إبراهيم في النار ، فقال الله تعالى لها : { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69)} [الأنبياء] ،فانقلبت روضة غنّاء ،فآمن به كثير من الناس .ولعل أحدنا يسأل نفسه: ما دام كثير من الناس آمنوا بدين إبراهيم فَلِم أفرد الله تعالى سيدنا لوطاً " ابن أخيه في تفسير ابن كثير ،وهو ابن أخته في تفسير القرطبي" بالإيمان ، فقال : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... (26)} [العنكبوت] ؟
والجواب أن لسيدنا لوط أثراً في الدعوة،فلم يكن إنساناً عادياً آمن ،إنه داعية ، والداعية أمة وحدَهُ كما وصف الله تعالى عمه سيدنا إبراهيم أنه كان أمة وحده.

والناس كإبل المئة ، لا تكاد تجد فيهم راحلة ، وفي الناس خير كثير ، والداعية بلسمٌ ودواء، وللروح غذاء .إنَّ من يتحمل المسؤولية في الناس قليلٌ، ومن ينهضُ بهِمَمِهم ،ويحملُ عبء الدعوة في قلبه، ويضيءُ شهاباً ،ويتحركُ نوراً وضياءً، مثلُ الكبريت الأحمر أو عنصر الذهب في خليط التراب.

ولئنْ ذُكِرَ لوطٌ وحده في الإيمان بعمه إبراهيم فلأنّ الإيمان بالله ملأ شَغاف قلبِه، وكان عوناً لنبيه وعمه أبي الأنبياء ، وعَرَف سيدُنا إبراهيم في تلميذه وابن أخيه النجابة والقوة في حمل الدعوة فأخذه معه إلى بلاد الشام ، فجعله الله تعالى نبياً كريماً ،وكلفه بدعوة أهل الغَور في فلسطين إلى عبادة الله ، فدوّت كلماته في المكان تصدح بكلمة الحق. فحذّرهم من مساوئهم ونبههم إلى خطرها ودعاهم إلى إصلاح أنفسهم:

قال عز وجلّ في سورة العنكبوت :
{ ... أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ ... } ، خالفوا الفطرة ،وأتَوا أمَّ الرذائل،
{ ... وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ... } ، فزرعوا الخوف ،وسلبوا الأموال ،وقطعوا الطرق.
{ ... وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ... (29)} ، لم يتركوا فاحشة إلّا اقترفوها، ولا رذيلة إلّا فعلوها.

جهر بكلمة الإيمان ودعاهم إليها، وحثَّهم عليها ،وخوّفهم من مغبة اجتناب الحق، فأبوا ذلك وتحدّوه أن يأتي بعقاب الله – وهذه وهدةُ الكبر والفجور- وكذّبوه ، قال سبحانه : { ... فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)} ، فلما يئس من هداهم ورأى فسادهم يشتدُّ دعا عليهم: { قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)} .

ووثق القرآن هلاكهم في سور عدة كالعنكبوت والقمر وهود وغيرها .

الداعية الحقُّ قويُّ الإيمان ،إيجابي الحركة،لمّاحٌ وذو شعور بالمسؤولية ، ولله درّ الشاعر طرَفةُ بن العبد حين يقول في معلقته:


إذا القومُ قالوا مَن فتىُ خِلتُ أنني * عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبَلَّدِ


والشاعر الفارس بشامة بن حزن النهشلي إذ يفخر بقومه:


لو كان في الألف منا واحدٌ فَدَعَوا * من فارسٌ خالهُ إيّاه يعنونا


ولن تكون داعية أيها الأخ إلا إذا عملت لدينك كما تعمل لبيتك وأسرتك أوأكثر، ولك من سيرة نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم الأسوة ،ومن أصحابه الكرام رضي الله عنهم القدوة، ومن حياة القادة المسلمين العظام نبراس .


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي






{ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي

تقرأ في سورة التوبة قوله تعالى:
{ ... فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ... (69)}

نظرت في معنى الخلاق فإذا المعجم يقول: الخَلاق بفتح الخاء الحظ والنصيب من الخير وهو المقصود بالآية الكريمة هذه، أما الخِلاقُ بكسر الخاء فضرب من الطيب ، أعظمُ أجزائه الزعفران. والمعنيان متناسقان في التمتع بالخير ومتعلقاته.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: يقول النبي صلى الله عليه وسلم موجهاً الحديث للمنافقين: إن الكفار تمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم،ورضُوا بذلك من نصيبهم في الدنياعوضاً من نصيبهم في الآخرة، وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم ،فهلكوا ، وأنتم على إثرهم.( بتصرف).

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب مَن قبلـَهم، وقد كانوا أشدَّ منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: ما أشبه اليوم بالبارحة! هؤلاء بنو إسرائيل، شُبِّهنا بهم ، لا أعلم إلا أنه قال: ( والذي نفسي بيده لتتبَعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضبٍّ لدخلتموه) ، ( أخذه من الحديث الشريف).

وقال القرطبي نحو ما قال ابن كثير

اما البغوي رحمه الله فقال: تمتع السابقون أو انتفعوا بخلاقهم، ونصيبِهم من الدنيا باتباع الشهوات، ورضُوا بها عوضاً عن الآخرة فاستمتعتم أيها الكفار والمنافقون بخلاقكم وخضتم بالباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهَدياً ، تتّبعون عملهم حَذوَ القُذَّة بالقُذَّة غيرَ أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟

أما القنوجي فيقول في فتح بيانه: انتم مثل الناس قبلكم فعلتُم فعلَ الذين مضوا من قبلكم.

ويقول الشوكاني: انتفعتم كما انتفعوا به ، والغرض من هذا التمثيل ذَمُّ هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمَن قبلـَهم من الكفارفي الاستمتاع بما رزقهم الله ، ومثلُ هذا قاله ابن القيِّم رحمه الله تعالى

وزاد ابن الجوزي وخضتم في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا

ويقول البقاعي في نظم الدرر: طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى بنصيبهم الذي قدّره الله وخلقه لهم، وكان الأليق بهم أن يتبلّغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى لآخرة .

أقول: إذا كانت الدنيا دار فناء وكانت الآخرة دار قرار ، أفلا يجدر بأصحاب القلوب المؤمنة والعقول النيِّرة أن يجِدّوا السير إلى البقاء متبلّغين في الدنيا بما يكفي ليكون زادُهم إلى الآخرة كافياً وركوبُهم إليها ضافياً ووصولـُهم إليها وافياً.

وأُثّنِّي شعراً فأنشد:




إن كنت إلى خير تسعى وافاك الخيرُ ونجّاكَ
وإلى الفردوس مع النّا جين بكل هناءٍ وافـاكَ
يا فرحة قلبك حين ترى أحبابَك جـذلى إذْ ذاكَ
والله تعالـى بالإكـرام وحور الجنّة أرضاكَ
بل تشـكر ربّك تحمده إذ جعـل الجنّـة مأواكَ
وحمـاك بمِنّتـه نــاراً بلظاها تشوي الأفـّاكَ
وأعاذك منها ، وحباكَ فضلاً ونعيماً يغشـاكَ
وغِراسُ الجنّة تسبيحٌ تهليلٌ ، فالزم ذكـراكَ
واعمل للجنّة في دَأَبٍ كي يحلُـوَ فيها مثواكَ


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي




{ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }

الدكتور عثمان قدري مكانسي*



قال تعالى في سورة البقرة :
{ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)}

من العجيب أن اليهود يعتقدون صدقاً أو كَذِباً – وقد قالوها- أنَّ النار في الآخرة لن تمسهم إلا أياماً معدودة! بعد كلِّ ما اجترحوه من آثام ، فقلوبهم قاسية ،إذ حرّفوا كتاب ربهم الذي أُنزِل عليهم ،وينافق بعضهم للمؤمنين إذ يدّعون أنهم آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالدين الذي يبشر به ويدعو إليه،وينهون مَن يذكر منهم صفة رسول الله في كتابهم للمسلمين كي لا يتخذها المسلمون حجة في وجوب إسلام اليهود والدخول في الدين الجديد،ويُوبِّخون من يفعل ذلك منهم ، ويحذرونهم أن الإقرار بذلك يعود عليهم حين يلقون ربهم بالخيبة والخسارة، وكأن الأمر يغيب – والعياذ بالله – على الله تعالى! وهو سبحانه يعلم السرَّ وأخفى، كما أن العالمين منهم بصفات رسول الله في التوراة يخفونها عن الأميين الجهلة منهم إبعاداً لهم ان يؤمنوا.

كذبوا أوّلاً حين زعموا أنهم إنْ عُذِّبوا فأياماً معدودة، إذ ادّعَوا أنه لمْسٌ خفيف فقط، ودُنُوٌّ ليس فيه كثير عذاب،أو هو عذاب خفيف.

وسواء كان هذا أو ذاك فالعذاب بحدِّ ذاته عقوبة وتعبيرعن الغضب وتوبيخ وتقريع، وما ينبغي للعاقل أن يتعرّض له، والرضا بالعذاب دليل على إصرارهم على الكفر بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى مخالفته ومعاداته، وهذا هو الكفر بذاته.ولماذا الإصرار على الإعراض وما ذُكِرَت خصال رسول الله في التوراة إلا ليؤمنوا به حين يلقونه؟ وما الإسلام إلا سلوك الدرب الموصل إلى الهدف المنشود.

كما أنهم ما أقاموا في يثرب إلا انتظاراً لمبعثه واتخاذها دار هجرته، وقد كانوا يهددون به الأوس والخزرج ومَن حولهم أنهم - حين يُبعث- سيؤمنون به ويحاربون العرب فيقتلونهم قتل عاد وإرَم ويبيدونهم أو يظهرون عليهم! وكانوا يظنونه يهودياً ، فلمّا بُعِثَ عربياً نكصوا على أعقابهم وعادَوه ،إذ قال حيي بن أخطب زعيم بني النضير لأخيه الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة وعرفه بصفاته وسأله : أنؤمن به؟ قال : لا والله ، إنها العداوة أبداً.

فلمّا سمع عرب المدينة ببعثته كانوا سبّاقين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلوا بالظالمين الجاحدين من يهود ما فعلوا فقد مكر هؤلاء، وغدروا وتآمروا مع كفار قريش وغيرهم ، وحرّضوا القبائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، فنالوا جزاء ما فعلوه.

ولو جاريناهم جدلاً في زعمهم الصبر على العذاب أياماً معدودة، فالمرء لا يتحمل لفحة من نار خفيفة ثانيةً أو ثانيتين ، وهذه نار الدنيا التي تخف عن نار الآخرة سبعين مرّة. فكيف يتحملون نار الآخرة وجحيمها الايامَ والليالي المعدودة بزعمهم. ولئن اتخذوا عند الله عهداً بذلك ، فالله تعالى يحفظ عهده وينفذه سبحانه .

إن يهود كعادتهم يتقوّلون على الله تعالى ويهرفون بما لا يعرفون،فقد أكد المولى منذ الأزل، بقوله عز وجلّ :
{ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} [البقرة]
فليس للكافر المعاند سوى الخلود في عذاب جهنم لقد احاطت بهم دائرة الكفر من كل جانب فقذفت بهم في نار الخلد والعذاب المقيم.

ولن ينجو إلا المسلم الذي آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً ، ولا بد من القِران بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح فينال المسلم رضاء الله وعفوَه وجنّتَه ، قال سبحانه :
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} [البقرة].

إن سلامة المرء بصدقه وحُسن عمله ،أمّا الادّعاء فسبيلُ المتنطّعين ، يكُبهم على وجوههم في سقر، قال جل ثناؤه :
{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} [المدثر]

* بتصرف بسيط جدا.


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي




{ فَـغَـفَـرَ لـَهُ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي

رأى موسى عليه السلام قبطياً وإسرائيلياً يقتتلان حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستغاثه الإسرائيلي – وكان أقباط مصر إذ ذاك يستذلـّون اليهود - فما كان من موسى عليه السلام – وهو شاب قويّ - إلا أن وكز القبطي فمات على فوره ، ولم يكن موسى عليه السلام يريد قتله ، لكنّ وكزته القوية كانت السبب في انتهاء أجله ،
شعر موسى الكريمُ بالحزن والأسى لأمر لم يكن يقصده ، إنه أراد أن يمنع أذى القبطي المعتدي عن الإسرائيلي ليس غير، فوجد نفسه يقتله ، فأقر أن هذا التسرع من عمل الشيطان عدوّ البشرية ، فهو يهيّج في الإنسان غضبه فيفقده السيطرة على نفسه فيرتكب أخطاءه ، قال تعالى :
{ ... قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)} [القصص]
فاستغفر ربـّه نادماً من فعلته العفوية هذه :
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ... (16)}
قالها مخلصاً في دعائه وأسفه ، وتوجه إليه سبحانه أن يقيل عثرته ويغفر ذنبه فجاءه الفضل من ربه سريعاً فقال في نفس الآية
{ ... فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص] .

إن صاحب القلب المتصل بالله إن يخطئ فيتـُبْ يَقبَلِ الله توبته ويُقـِلْ عثرته ، ويستشعر موسى فضلَ الله عليه فيعاهده تعالى أن لا يكون ظهيراً للمجرمين ، وأن يكون معيناً للمظلومين ، قال عز وجلّ
{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17)} [القصص].

عدت إلى التفاسير أستجلي الطريقة التي علم فيها موسى عليه السلام أن الله تعالى قد غفر له ، فوجدتُها في أكثر من جواب:

أولها :
أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن في الأمم قبلنا رجالاً صالحين كانت الملائكة تحدثهم وتسدد خطاهم وتؤانسهم أما في أمتنا فليس فيها هذا الصنف . والسبب في ذلك أن الإسلام دين كامل أتمه الله علينا
{ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... (3)} [المائدة]
فلا مجال مطلقاً لزيادة المتخرّصين ، وكذب المدّعين ،

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها:
قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدَّثون فإن يكُ في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب
صحيح الجامع للألباني الصفحة أو الرقم: 4377
وعلى هذا فلا نقبل دجّالين يقولون : حدثني قلبي عن ربي ، ويعتبر نفسه موصولاً بالله يتلقى الوحي عنه بقلبه الطاهر !!! ويتقول على الله الأقاويل ، فيفتن الناس ويدلّس عليهم دينهم .

ومن الأحاديث التي رأينا الرجل ممن قبلنا يسمع الملائكة تتحدثُ ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
بينما رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان . فتنحى ذلك السحاب . فأفرغ ماءه في حَرَّة . فإذا شرجةٌ من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله . فتتبع الماء . فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّل الماء بمِسحاته . فقال له : يا عبدالله ! ما اسمك ؟ قال : فلان . كالاسم الذي سمع في السحابة . فقال له : يا عبدالله ! لِمَ تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان . لاسمك . فما تصنع فيها ؟ قال : أما إذ قلتَ هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثا ، وأرد فيها ثلثه . رواه مسلم .
فعرف الرجل سبب إكرام الله تعالى لهذا المزارع المؤمن الذي يتصدق بثلث ماله على الفقراء ،

ومن الأحاديث التي تظهر الملائكة تكلم المسلم فيما قبْلَنا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
زار رجل أخا له في قرية ، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته ، قال : أين تريد ؟ قال : أخا لي في هذه القرية ، فقال : هل له عليك من نعمة تربها ؟ قال : لا ، إني أحبه في الله قال : فإني رسول الله إليك ؛ إن الله أحبك كما أحببته

أما موسى عليه السلام فقد يكون أفضل المحدّثين الذين كانت الملائكة تكلمهم وتسدد خطاهم ، سيّما أن الله تعالى هيّأه ليكون من الرسل أولي العزم . فعلم أن الله تعالى غفر له لحديث الملائكة إياه صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

ثانيها :
أنه صار نبياً – لا رسولاً- وهو شابٌّ قبل هروبه إلى مدينَ، فقد قال الله تعالى في سورة القصص:
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)}

وقد قال سبحانه في حق يوسف عليه السلام :
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} [يوسف]
فيوسف عليه السلام صار نبياً حين بلغ مبلغ الرجال – صار أهلاً للزواج في سن الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة ، أما موسى فازاد كلمة { وَاسْتَوَىٰ } ،
فنقول : لعله صار نبياً في العشرين أو أكثر بقليل .وهذا ما أراه مناسباً واقرب إلى الصواب ،إن لم يكن الصوابَ عينَه.

لقد كان موسى وهو فتى ثم شابٌّ ثم رجل يعلم أنه سيكون نبياً رسولاً وأن الله تعالى رباه على عينه ، واصطفاه لنفسه :
{... وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)} [طه]
{ ... وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)} [طه] .

وقد يتساءل أحدهم كيف يعلم سيدُنا موسى بنبوّتِهِ ولم يصِرْ نبياً بعدُ ؟ فالجواب أن أمه كانت تعلم منذ ولادته أنه سيكون رسولاً وقبل أن ترضعه الرضعة الأولى إذ أوحى الله إليها ذلك الأمر فيما نقرؤه في بداية سورة القصص :
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)}
فقد وعدها سبحانه أن يعيد رضيعها إليها وأخبرها أن ابنها سيكون ذا شأن في المستقبل ، إنه سوف يكون رسولاً .ولا شكّ أنها أخبرته أنه سيكون نبياً ورسولاً ، وربّته على الإيمان وهيأته ليكون ذاك النبي العظيم.

وأعتقد أنه كان نبياً وهو في مصر ثمَّ صار رسولاً في عودته إلى أهله بعد غياب عشر سنوات أمضاها في الغربة يعمل راعياً عند الرجل الصالح في مدين ، وبعد أن صار حراً لغيابه أكثر من ثماني سنوات أمضاها بعيداً عن سجن فرعون أو النجاة من القتل . وكلمه الله تعالى في سيناء قرب الشجرة وتوجَّه رسولاً إلى بني إسرائيل وإلى فرعون نفسه .

والرسالة درجة أعلى من النبوّة ففيها بالإضافة إلى الدعوة رسالة جديدة وكتاب منَزّل يخص الرسول نفسه والله اعلم.
 

{ وَأَعِدُّوا }

بقلم الدكتور عثمان قدري مكانسي​


قال تعالى في سورة الأنفال :
{ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60)}.

1- لا بد من إعداد القوة لهؤلاء الذين يستبيحون بيضة الإسلام.

2- الإعدادُ يُرهب العدو ويُخزيه .. فيسعى لمنعه.

3- المنافقون - وهم كفار ضمناً بنص القرآن- لُعب بيد الأعداء يحركونهم كما تًحرّك الدمى .

4- عدوُّنا هو عدوّ الله سواء بسواء

5- يجب الإعداد قدر ما نستطيع ، ولو كانت استطاعتنا قليلة ، لنكون أهلاً لنصر الله.

6- لا يُرهب العدوَّ ويهدم أحلامَه إلا القوة المسلمة .

7- في حالة ضعفنا لا يجد الأعداء حرجاً من إظهار حقيقتهم ، وفي حال قوتنا ينزوون وراء كثير من الأستار ، وهم أعداء في كل حال.

8- صيغة الجمع في { وَأَعِدُّوا } لا ترضى بأعذار المتخوّفين الجبناء الذين يدلّسون ويُرجٍفون.

9- لا يجعل العدوَّ ذليلاً سوى الجهاد ، ولا يكون السلام إلا بعد القوة .أما سلام الضعفاء فهو الذلُّ عينُه.

10- أعداؤنا هم الكفار ( ملة الكفر واحدة) والمنافقون ، والمثبطون الذين يعملون لحرف الأمّة وإضعافها .​


4jiec1trcqy.gif


{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }

وقف عندها : الدكتور عثمان قدري مكانسي*​



وقفت أمام قوله تعالى في سورة البقرة :
{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}
أنظُرُ في كيفية التلقّي والكلمة التي تلقاها سيدنا آدم عند خطئه ،فقالها، فغفر الله تعالى له ولأمنا حواء - في التفاسير- لعلي أجعل لها نصيباً فيما أردده من دعاء .
فأجد في معنى التلقّي الفهم والفطنة، فقد فهم آدم عليه السلامُ ما أوحاه الله تعالى إليه من الاستغفار

ومن معنى التلقّي القبولُ والتلقف والعملُ ، وكان آدم عليه السلام يتلقى الوحي فيستقبله ويأخذه ويتلقفه، وكل الأنبياء كذلك.

وحكى بعضهم في معناها أنه أُلهِمَها فانتفع بها. وقال الحسن البصري : تقبل الكلمةَ وتعلَّمها وعمل بها
ورأيت فيما بين يديّ من التفاسير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكلمة :
{ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف] ،
قالها كذلك الحسن البصري وسعيد بن جبير رحمهما الله.

ورُوِي عن التابعي مجاهد، أنّ الكلمةَ هي : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ،ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.

وروى القرطبيُّ أن طائفة قالت: إن الكلمةَ التي تلقاها آدم من ربه رآها مكتوبة على ساق العرش { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ } فتشفع بذلك، فهي الكلمات.

وقالت طائفة: المراد بالكلمات البكاءُ والحياءُ والدعاءُ بشكل عام ،وكأن البكاء استشعارُ الخطأ ،والحياءُ سببه الندم،والدعاءُ الإصرار على التوبة والاستغفار.

قال ابن عطية: وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الاستغفارَ المعهود.

وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقول المذنب ، فقال يقول ما قاله أبواه : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

ونذكر أن سيدنا موسى عليه السلام حين قتل القبطيَّ خطأً ندِمَ على ذلك وقال مستغفراً : { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص] فغفر الله تعالى له كما غفر لأبيه آدم وأمه حواء

ونعلمُ أن سيدنا يونس في بطن الحوت نادى { لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} [الأنبياء] ،
فاستجاب له ربه ونجّاه من الغمّ، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ... (88)} وهذا له عليه السلام ،وللمؤمنين جميعاً ، فنحن نقرأ قوله تعالى مباشرة :
{ ... وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء].

يروي بعض المفسرين أن ابن عباس ووهب بن منبه ذكرا أن الكلمات:"سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتُبْ علي إنك أنت التواب الرحيم" فذكرا الاستغفار والتوبة .

بعضهم ذكر الدعاء الأخير وتوّجَهُ بقوله: فارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فارحمني إنك أرحم الراحمين.

قال بعضهم: عطس فقال"الحمد لله" فتاب عليه، وقبل توبته، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما قاله القرطبي.

والتوبة والإثابةُ والإيابُ والإنابة : الرجوع إلى الحق والرغبة فيه

نكتة أدبية
لِمَ قال { فَتَابَ عَلَيْهِ } ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب فقد خوطبا معاً :
{ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} [البقرة]
{ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف] ،

فالجواب:
1 ـ أن آدم عليه السلام لما خاطبه ربُّه في أول القصة بقوله { اسْكُنْ } خصه بالذكر في التلقي فكملت القصة بذكره وحده

2 ـ ولأن المرأة حُرمة فأراد الله الستر لها فلم يذكرها في المعصية في قوله جل ثناؤه : { ... وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121)} [طه]

3 ـ ولما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تُذكَر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله { ... أَلَمْ أَقُل لَّكَ ... (75)} [الكهف] هذا بوجود الفتى ، لكنني أعتقد أن الفتى فارقهما حين التقى موسى بالرجل الصالح ، ولم يكن معهما في رحلتهما

4 ـ ولعلّ الرجل حين يُخاطَبُ – وهو رب الأسرة أو المسؤول - فقد خوطب من معه أيضاً قد كان أمرُها كأمره سواء بسواء، قاله الحسن.البصريّ واحتجّ بالآية { ... وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)} [التوبة] ،فحذف كلمة رسوله إيجازا واختصاراً

5 ـ تبدأ التوبة من الله تعالى على عباده فضلاً وتكرّما ، فهو سبحانه يحب أن يتوب عليهم إذ قال :
{ ... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة]،
{ وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... (27)} [النساء]،
ولهذا توَّجَها سبحانه بقوله: { ... إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} [البقرة] ،
فالله تعالى توّاب يحب التوّابين : { ... إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} [البقرة].
لكنّ الزيغ يبدأ به البشر الخطّاءون قال عز وجلّ في سورة الصف :
{ ... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... (5)} . فأنهى الآية بقوله :
{ ... وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} فهم من أراد الزيغ وبدأه .

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين

* بتصرف بسيط جداً

4jiec1trcqy.gif



{ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي​


قال تعالى في سورة القصص :
{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)} .

قال القرطبي : لا يُسألون سؤال استعتاب كما قال سبحانه :
{ ... وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)} (الجاثية) .
{ ... وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24)} (فصِّلت) ،
وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ،لقوله عز وجلّ :
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} (الحجر) ،قاله الحسن البصريُّ.

وقال مجاهد: لا تُسأل الملائكةُ غداً عن المجرمين ،فإنهم يُعرفون بسيماهم، فإنهم يُحشرون سودَ الوجوه زرقَ العيونِ،

وقال قتادةُ: لا يُسأل المجرمون عن ذنوبهم لكثرتها وظهورِها،بل يدخلون النار بلا حساب.

وقيل: أُهلكَ من أُهلك من القرون عن علمٍ منه بذنوبهم،فلم يحتجْ لمسألتهم عن ذنوبهم.

وقال الصابوني في صفوة التفاسير: لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميّتِها لأنه عالم بكل شيء،ولا يتوقف إهلاكُهم على سؤالهم،بل متى حقَّ عليهم العذابُ أهلكهم بغتة.

ويقول صاحب الظلال: فإن كان ذا قوة ومالٍ ( قارون) فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشد منه قوة وأكثر مالاً، وكان عليه أن يعلم هذا، فهذا هو العِلمُ المنجي، فليعلم، وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهونُ على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحَكَمَ ولا الأشهادَ.

أقول: إن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم إجرام المجرمين ، وإفسادهم، فيملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، فالله تعالى يمهل ولا يُهملُ، فإذا جاء الحساب أخذهم أخذ العالم بهم الخبير بأعمالهم ، لا يسألهم عما فعلوه ، فالأمر واضح ليس فيه خفاء،

اللهم بك الحَوْل وبك الطَّوْل ، لجأنا إليك واعتمدنا عليك، فخذ أعداءك وأعداءنا أخذ عزيز مقتدر وأرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود.​

4jiec1trcqy.gif




{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي​


تقرأ قوله تعالى في سورة الفرقان :
{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)}،
فما هذا اليوم؟ ولماذا يعض؟ وماذا ظلم ومن ظلمه؟ ولماذا عض على يديه ولم يعض على يد واحدة أو لم يعض على عدّة أصابع ،أو أصبع واحد؟

أسئلة كثيرة تعرض نفسها عليك في شريط متتابع تعرضها عليك أداة تصوير دقيقة تصور الحدث مشهداً نفسياً وجسمياً ، حركةً وشعوراً،تتغلغل في أعماق النفس مجلّيةً موقفاً مؤلماً في يوم عصيب تقف المخلوقات فيه إنساً وجِنّاً ،عُراةً غُرلاً، في موقف مخيف يقطع الأنفاس وتضطرب فيه القلوب والجوارح ،ويشيب لهوله الولدان، وينحسر فيه الجميع عن جزع واضطراب لا ينجو منه أحد.

والظالم نوعان : ظالم لنفسه وظالم لغيره، وغالباً ما يجتمع النوعان معاً ،فمن يظلم الناس ويتعدى حقوقه إلى حقوق غيره تنكمش نفسُه على الأنانية وحب الذات والنرجسية التي ترى ما عداه لا حقوق له ولا كيان، فليفعل ما يشاء دون رادع.هذا الظالم الذي جمع الظلم أحدَهما أو كليهما عرف نهايته المؤلمة قبل أن تعرض عليه أعماله، فيأكله الندم،ولن يُفيده، وتجتاحُه الحسرة ، وتغشاه الكآبة . وليس له إلا أن يعبر عما يعيشه من حالة المرارة من مصير مرعب ينتظره بين لحظة وأخرى، ليس له أن يتخطّاه ، ، فقد سبق السيف العذل، والشهود حاضرون ،والقاضي عادل، ولن يتغير الحكم ،ولو دفع ملء اللأرض ذهباً، ولا يجرؤ شافع أن يشفع، فالخلائق كلهم مسؤولون، وكلهم مشغول بنفسه يسعى إلى خلاصها ، قال سبحانه في سورة عَبَسَ :
{ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)} .

ولنتفحّص النادم قد امتقع لونُه وجحظت عيناه وارتجفت أعضاؤه وأخذ يعض يديه يدميهما ويكاد يقطعهما،أسفاً وحسرة على ما آل إليه ،وخوفاً واضطراباً من فجأة اللحظة التي تحمله إلى الحُطَمة ، أو تعلوه النار دون سابق إنذار..

يعود إلى الدنيا بذاكرته حيث عُرض عليه الإيمانُ فأبى ، وسُئل العملَ الصالح فعافه، وطولب بأداء الحقوق فتجبّر، أتاه الدعاة ينصحونه فسخر منهم ، وهددهم وتعالى عليهم فاعتقلهم وسجنهم ،وكمَّم أفاههم وقتل الكثير منهم ، وشرّد الباقين، ودمّر عليهم ،وأذاق الناس المرَّ والعلقم ، ولم يرحم أحداً.

تذكُرُ بعض الروايات أن عقبة بن أبي مُعيط كان يسكن في الحي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا يوماً اصحابه وأهل الحيِّ إلى وليمة ، ومن بينهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى رسول الله الدعوة ،فهو لا يأكل طعامَ كافر ، ورغب عقبة أن يستجيب الجميع لدعوته فذكر كلمة الإيمان ،وشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فلبى النبي صلى الله عليه وسلم دعوته.
لكنّ أبَيَّ بن خلف وهو صاحب عقبة وصديقه عاتبه : اصبأت وتركت دين آبائك وأجدادك، ؟ حرامٌ عليَّ لقاؤك إلا أن ترد على محمد دينه وتأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه لا أرضى منك غير ذلك.
جاءه الشقيُّ فوجده ساجداً قرب الكعبة ففعل ذلك ،ورد الله عليه بزقته فحرقت وجه الكافر اللعين ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
لا القاك خارج مكة إلا قتلتُك .فأُسِر يوم بدر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليَّاً رضي الله عنه ،فقطع عنقه.كما أن أبيّاً رماه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بسهم اصاب رقبته، فمات في الطريق عائداً إلى مكة.

يقول الظالم في موقف اليوم الأخير متحسراً على ما فعل مع الرسول ، كما قال تقدست أسماؤه :
{ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً } ،
لكن ذلك اليوم مضى ولن يعود " ليتَ وهل تنفع شيئاً ليتُ؟"
أو لمْ يكن الإيمان بالله ورسوله أولى؟ أو ليس العمل الصالح أجدى؟ أوليست صحبة الصالحين أنفع ، ولات حين مندم

يقول الظالم والألم يأخذه كل مأخذ كما قال عز وجلّ :
{ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً (28)} (الفرقان) ،
فقد كان أبيٌّ وأمثالُه شياطين الإنس يضلون من يصاحبُهم ،وما ينبغي للعاقل أن يتخذهم مجالسين ولا صِحاباً .
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( لا تُصاحِبْ إلَّا مؤمنًا ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ )

واقرأ معي اعتراف الظالم بخطئه ، ولن ينفعه ذلك ، قال جل ثناؤه :
{ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)} (الفرقان)
ضَيّعَ الفرصة التي جاءته، فلم يغتنمها، وصاحَبَ شيطان الإنس، فابعده عن الحق وأضلّه،
وجاءت { خَذُولاً } ) في صيغة المبالغة.

الشيطانُ يعلن في النار أن وعد الله حق تركه الضالون ، وأنّ وعده كذب وزور يمس الهوى فأخلفهم إذ تبعوه فخسروا.

فليكن إلى الله مسيرنا ، والعمل الصالح زادنا ،والشرع القويم ملاذنا ..

اقول:

لجأت إليك يا رب العبادِ * وحبُك في الصدور وفي الفؤادِ
وذكرك قد جعلتُ خمير زادي * فهبني النور في سبُل الرشاد
وكن عوني على فعلِ السدادِ * وأكرمني إلهي في المعادِ

بتصرف بسيط جداً​

 

مفاز المتقين
الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال سبحانه وتعالى في سورة النبأ :
{ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)} .

للمتقين الذين ابتعدوا عمّا حرم اللهُ تعالى في الآخرة جزاء كبير، إنه الفوز،

فما الفوز والمفاز؟
إنه جزاء من اتقى مخالفة أمر الله ، وهو النجاة والخلاص مما فيه أهل النار- كما قال القرطبي- ويقال للفلاة مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها.

وماذا ينال الفائز في الآخرة يا أحبابي؟

1 ـ { حَدَائِقَ } الحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المُسَوّرُ؛ يقال أحدق به: أحاطه. فالجنات تحيط بمقام المسلم في الفراديس وأمثالها.

2 ـ { وَأَعْنَابًا } الأعناب : جمع عنب، وهي الكروم وأنواع الفواكه يندرج فيها كلُّ ما لذّ وطاب

3 ـ { وَكَوَاعِبَ } فالكواعب جمع كاعب وهي الفتاة الناهد؛ وأثداء الفتاة ابنة السابعة عشرة إلى العشرين نافراتٌ إلى الأمام تدلُّ على فتوتهنَّ وشبابهنّ المتفجر، وقال الضحاك: هنَّ العذارى .

4 ـ { أَتْرَابًا } : والأتراب الأقران في السن. ذوات العمر الواحد، فلا يكبرنَ.

5 ـ { وَكَأْسًا دِهَاقًا } : هي:
أ ـ المملوءة ، قالها الحسن وابن عباس؛
ب ـ المتتابعةُ، قالها سعد بن جبير وعكرمة ومجاهد: متتابعة، ، متلازمة، بعضُها وراء بعض والمتتابع كالمتداخل،يشربون متى شاءوا.
ت ـ الصافية، قالها عكرمة أيضا وزيد بن أسلم: صافية؛والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمرا ذات دهاق ( صفاء)،
ث ـ المعصورة؛ قالها القشيري.
ج ـ وفي الصحاح: وأدهقتُ الماء أفرغته إفراغا شديدا، فيشرب المرء ما شاء له أن يشرب .
هذا في الشراب ،أمّا الطعام الدهاقُ: فهو ليِّنُه ، وطيبُه ورقته، وكذلك كل شيء لين؛ ومنه حديث عمر: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكنَّ الله تعالى عاب قوما فقال في سورة الأحقاف :
{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ... (20)} ،

6 ـ { لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا } : إنَّ أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو ؛ بخلاف أهل الدنيا، فلا يُكذبُ بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا.

7 ـ { جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ } وهو الثوابُ الجزيل من رب العالمين ،

8 ـ {عَطَاءً حِسَابًا } وهو العطاء الكثيرُ والهبة من خالق كريم .
أ ـ قال قتادة: أحسبت فلانا: أكثرت له العطاء حتى قاله حسبي. وذاك دليل على كثرة ما يأخذ حتى يقول: اكتفيتُ.
ب ـ وقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا.
ت ـ وقال مجاهد: حسابا لما عملوا، فالحساب بمعنى العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم بسبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا؛ كما قال سبحانه:
{ ... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} (الزمر).
ث ـ وقرأ أبو هاشم "عطاء حَسَّابا" على وزن فَعّال ، فكفاهُ؛
ج ـ قال الأصمعي: تقول العرب: حسَّبتُ الرجل بالتشديد: إذا أكرمته.
ح ـ وقرأ ابن عباس. "حِسانا" بالنون. فهو العطاء الحسَنُ من الله تعالى.

هذا بعض ما علِمْنا للمتقين عند ربهم في رضوانه ونعيمه ، وظنُّنا في الله سبحانه وتعالى العفو والغفران ، وهو أكرمُ مما نظنُّ ،فسلوه ، إنه سبحانه يحب عباده ويغمُرُهم بعطائه الذي لا ينفد.


4jiec1trcqy.gif



{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أقرأ قوله تعالى في سورة الروم :
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)}

فأرى الناس كلٌّ باختصاصه
الدنيوي: عالمٌ بحياته ومعيشته وعمله :
يحذق الطبيب طبه ، والمهندس عمله، والمزارع زرعه ، والتاجر تجارته ، يحسنون ذلك مادة على الأغلب ، إذ لا يقرؤون ما وراء السطور .

وكان للطبيب الذي يعشق مهنته أن يرى دقة خلق الإنسان ظاهراً وباطناً، دماً وماء ، طفلاً ومشيمة، جلداً وعظماً ، خلقة منظمة ،بصراً وسمعاً ، ويتفكر في روعة خلق الإنسان في قوله سبحانه :
{ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} (الذاريات).
فيعلم أن وراء الحياة والموت حكمة وأمراً وابتداء وانتهاءً.

وكان للزارع الذي وهب نفسه لعمله أن يُدرك حكمة تنوع الثمار والخضار في الفصول ، واختلاف الطعم واللون في الثمار والخضارمع أنها تُسقى بماء واحد وأن الناس تفضل بعضها على بعض في الأُكل، وينتبه لنوع البذور والجذور والسوقِ ليعلم بديع صنع الله وعظمة الخالق فيما خلق.

وقل هكذا في كل مهنة ترى صاحبها صناعاً ماهراً بل حُجّة فيها . إلا أن علمه يتوقف في فهمها المادي الدنيوي ، ويغفل عن حقيقة الخلق والبداية التي لا بد لها من نهاية.

روى القرطبي رحمه الله أن الحسن قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي.

وقال أبو العباس المبرد: قسَّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج.
فما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. { وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } والعلم بها والعمل لها { هُمْ غَافِلُونَ }

قال الشاعر:

ومن البلية أن ترى لك صاحبا * في صورة الرجل السميع المبصر
فَطِنٌ بكل مصيبة في ماله * وإذا يصاب بدينه لم يشعرِ

هذا والله ما نراه فيمن حولنا من المسلمين الذين لا يفقهون من دينهم شيئاً يعيشون كما تعيش الأنعام ، وهمّهم العملُ وجمع المال ،ثم النكاح والبحث عن المسرّات الدنيوية ، لا يعرفون غير ذلك ، ولعلهم رضُوا بهذا فلا يرغبون بغيره.فماذا تقول بغيرهم من أهل الكتاب الذين حرّفوا دينهم ، وما تقول بالكافرين والمشركين؟!!

لقد أمرهم الله عز وجلّ في كتابه الكريم أن يتفكروا ويتدبروا -تدبُّر اللبيب الأريب ، والحاذق الفهيم - في خلقهم وخلق الأرض والسموات ليعلموا أنهم في هذه الدنيا في امتحان واختبار فيجتازوا بأمانٍ هذا الامتحانَ إلى الحياة الحقيقية التي سبقنا إليها سلفُنا ، فلنلحق بهم على نور وبصيرة :
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)} (الروم)

فإذا فقه الناسُ أن خلق الناس والسموات والأرض بالحق والعدل علموا أن هناك ثواباً وعقاباً وجنة وناراً وفوزاً وخسارة ولكل مخلوق أجل، ولن يخلد أحد من المخلوقات حتى السموات والأرض ، فإن لها أجلاً مسمّى ،والأجل المسمى وهو يوم القيامة. إذا فقهوا ذلك سارعوا إلى التخطيط السليم والعمل القويم ، ولقُوا الله وهو عنهم راض



4jiec1trcqy.gif



{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


كثير من الناس في هذه الدنيا يشعر في قرارة نفسه بخطئه، ولا يعترف به ، وتراه يجحد جميلة غيره ،ويتعاظم في غيِّ نفسه ،( ولسان حاله: عنزة ولو طارت) .

وقد تكون انتخاباتٌ ،وغيرُه أولى بالترشح منه،لأنهم أقدر منه وأوعى وأذكى، لكنه ينافسهم بطرق ملتوية ليزيحهم ،ويأخذ مكانهم ،فهو بالمنفعة أولى منهم!ولعله يشترى ضمائر الضعفاء والمتنفّعين أو يقهر الفقراء والمساكين ويضغط بشتى الوسائل على الناس ليحقق هدفه بالطرق كلها، ويدّعي في كل ما يفعل أنه على صواب،

قد يطمس على الحق ويغتال أهله، ويسحق مخالفيه لأنه – بزعمه-المنزّه من كل نقيصة أو عيب -وهو العيب نفسه والنقيصةُ ذاتها-ويدّعي أنه يسمع ويعقل،وأنه الذكاء عينُه والفهم كلُّهُ.
رأينا كثيراً من هؤلاء لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم ، يسعون لها بكل الأساليب الملتوية دون أن ترِفَّ لهم عينٌ، أو يشعروا بتأنيبٍ لعيب صنعوه، فالعيب بعيد عنهم!.
هؤلاء يحيَونَ في زحمة مفاسد الحياة ،فلا يسمعون النصيحة ، فهي لمن يحتاجها، ولا يُقِرّون بالزلل، فهو بعيدٌ عنهم! ما طلعت الشمس ولا غربت على أنصح منهم ولا أعقل منهم!.
هؤلاء حين يُلقون في نار يوم القيامة فيسمعون شهيقها وهي تفور، وتزفر زفرتها الرهيبة غضباً منهم وغيظاً تكاد تتفجر من غيظها،ثمّ تحرقهم، فتجعلهم رماداً ثم يعودون كما كانوا مرات ومرات يعترفون بذنوبهم ويقولون : { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ }..أجل يعترفون.
في هذه الحالة يندمون حيث لا ينفع الندم، ويقرون بذنوبهم حيث لا مفرّ من العقوبة،

ويصوِّر التابعي مجاهد رحمه الله حالهم المخيفة فيقول: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: تغلي بهم غليانَ المرجل من شدة لهب النار المنبثق عن غضبها الشديد منهم.هذا هو العذاب المادي.
أما العذاب المعنوي فيتجلى في الحوار بين هؤلاء المنبوذين المعذبين وبين ملائكة العذاب في سورة الملك:

{ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } – على وجه التقريع والتوبيخ والاحتقار-
{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)} ؟ - والواقع المرير يحكمهم-
{ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا } - الدعاة والمصلحين فقتلنا بعضهم وسجنّا بعضهم، واذقناهم الذل والهوان ، وتلذذنا بإيذائهم -
{ وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ } وهذا شأن المكذبين وديدنهم.
وقد كانوا يخاطبون الرسل والانبياء مستهزئين :
{ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)} فالمصلحون في عرف المجرمين ضالون ومفترون وبعيدون عن الواقع، إذ يدعون إلى الأخلاق والمُثُل القديمة التي تخطتها الحياة الحديثة الراقية ،وعفا عليها الزمن!!
{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } للأنبياء والرسل والمصلحين
{ أَوْ نَعْقِلُ } الهدى الذي جاءوا به
{ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} تعبير يُجَلّي ألمَهُمُ العميقَ لحالهم الزّريّ
{ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ } ـ اعتراف من لا يملك إلا أن يعترف ـ فكان جواب ملائكة العذاب :
{ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} سحقاً لهم وعذاباً وهلاكاً وبعداً عن رحمة الله.

حوار مخيف بين أهل النار وبين زبانية العذاب الأقوياء لا ينجو من بطشهم إلا :
{ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33)} (ق) .

4jiec1trcqy.gif



{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


سخّر الله تعالى بعض الحيوانات لخدمة البشر، فمما قال سبحانه في سورة النحل :
{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ،
فالحيوانات المُسَخَّرة نوعان: أحدهما نعلمه ،ذُكِر في هذه الاية ، والثاني نعلمه ولم يُذكرْ هنا ،مثالُه (الإبل). وهناك ما ليس حيواناً ، كالسفُن والمراكب .

قد يقول أحدهم : إن السفن من صنع البشر فكيف تكون مِن خَلق الله؟!
والجواب أن البشر صنعوا الفلك من الخشب وهو مما خلق اللهُ، كما أنها لا تسير إلا بأمر الله، فلولا أنها أخف من الماء لغاصت ، ولولا الريحُ التي تتحرك بامر الله سبحانه لبقيت واقفة لا فائدة منها. وهذا يدخل فيما نعلم ، ولعل الطائرات وما يستجِدُّ– على مبدأ السفن صناعةً وطيَراناً - مما لم نكن نعلم. وقد يأتي في المستقبل – مصداقاً لقول ربنا سبحانه- مما يخدم البشريةَ ما لا ندريه ..

فالبشر يستعينون ببعض الحيوانات وغيرها من مخلوقات الله المسخّرة لحمل الأثقال والسفر البعيد والقريب ، وقد منَّ الله علينا سبحانه بذلك فقال في نفس السورة :
{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ (7)} ،

وهذا من فضل الله علينا إذ سهّل لنا طرائق السفر والانتقال بهذه الحيوانات،وإلا صَعُبَ على الناس التلاقي والانتقال.

ومن عادة القرآن الكريم حين يحدثنا عن فضل الله المادّيّ علينا ينتقل بنا إلى فضله المعنوي من هداية وإيمان . يتلطف بنا إذ ينقلنا إلى كرمه ، حين هدانا إلى الصراط المستقيم . ألا ندعو دائماً :
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، نكررها عشرات المرات كل يوم في صلاتنا، وحين نقرأ سورة الفاتحة دون صلاة أيضاً . والصراطُ هو الطريق الصحيح إلى مرضاة الله تعالى ورضوانه .

مثال ذلك الانتقال قولُه تعالى :
{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ... (26)} (الأعراف) ،
فمن اللباس المادي الذي يستر عوراتنا إلى لباس الإيمان والتقوى الذي يستر أخطاءنا وذنوبنا ويمحوها. فالله تعالى يكرمنا في الدنيا يالثياب التي تخفي العورات التي دَأَبَ الفسقَةُ والفجرةُ في إظهارها كما تظهرعياناً في الحيوانات والدوابّ، ومن العجب أن هؤلاء يودون أن يهبطوا إلى درك البهيمية الحيوانية ليعيشوا متفلّتين من الأخلاق والآداب ، ويرون الستر مذَمّة ورجعية ، ولا يدرون أنهم سقطوا في حمأة الرذيلة ومستنقع الفساد.

إن الله سبحانه وتعالى حين أرسل أنبياءه أوضح للبشر الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه،فقال :
{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... (9)} (النحل) ،
ومن معاني قصد: التوجّه باعتدال ، والسير استواءً، وكذلك: بيان الطريق الموصل إلى الحقِّ، والقصدُ : استقامة الطريق.وكلها تعني طريق الهداية والوصول إلى الهدف بسلام ،يؤكده قول الله تعالى في سورة يونس :
{ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (25)} ،
أما شياطين الإنس والجن فيدعون إلى البوار والهلاك لأن طريقهم ملتوٍ يتوه تابعُهم في صحارى الموت والبوار،وصفه القرآن الكريم بالجَور فقال عز وجلّ :
{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ... (9)} (النحل) وهو التمادي في الظلم والابتعاد عن العدل،ومن معانيه كذلك: الظلم والاستبداد. ومن طريف معنى الجائر: "الحَرُّ والحموضة في الحلق والصدرِ من غيظ أو جوع". وهي لا شك معبرة عن الألم والحنق لمن يسلكون سبيل الجور والظلم .

وما أروع قوله تعالى يوضح قصده الهادي إلى الاستقامة ويحذر مَيَلان الطريق لذي الأهواء في سورة النساء :
{ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)}.
 
عودة
أعلى