امانى يسرى محمد
New member
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].
قال العلماء: صلاة الملائكة على المؤمنين دعاؤهم واستغفارهم لهم.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43].
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا مَلَكَانِ ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))؛ [أخرجه البخاري ومسلم].
وفي رواية: ((إن مَلَكًا بباب من أبواب الجنة يقول: من يُقرِضِ اليومَ يُجْزَ غدًا، ومَلَكًا بباب آخرَ يقول: اللهم أعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))؛ [أخرجه أحمد].
قال ابن هبيرة: في هذا الحديث من الفقه أنَّ الله سبحانه وتعالى خَلَقَ مَلَكَين، وجعل شغلهما الذي خلقهما لأجله أن يَدْعُوَا الله سبحانه وتعالى بأن يخلُفَ على الْمُنْفِق، ويُتلف على الْمُمْسِك، وأن يكون ذلك هِجِّيراهما صباحًا ومساءً، فحذَّر الْمُمْسِكين، وبشَّر الْمُنْفِقين.
ومن الأعمال التي ورد أن الملائكة تصلي على صاحبها:
1- تعليم الناس الخيرَ:
عن أبي أمامة الباهلي قال: ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالِمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم)).
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرَضين، حتى النملةَ في جُحرِها، وحتى الحوتَ، لَيُصلُّون على معلِّم الناس الخيرَ))؛ [معلول بالإرسال، وحسنه بعضهم، أخرجه الترمذي].
وعن قيس بن كثير قال: قدِم رجل من المدينة على أبي الدرداء، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؟
فقال: حديثٌ بلغني أنك تحدِّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أمَا جئتَ لحاجةٍ؟
قال: لا.
قال: أمَا قدِمتَ لتجارة؟
قال: لا.
قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لَتضعُ أجنحتها رضاءً لطالب العلم، وإن العالم لَيستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالِم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظٍّ وافر))؛ [سنده ضعيف، ولبعضه شواهد، أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، وفيه داود بن جميل مجهول، وكثير بن قيس وعاصم بن رجاء ضعيفان].
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحيتانُ في البحار)) [في سنده بعض المقال، أخرجه الطبراني في الأوسط].
قلت: وهذه الأحاديث الثلاثة لا تخلو من مقالٍ، لكن أرى محل الشاهد؛ وهو: ((إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرَضين حتى النملة في جُحْرِها، وحتى الحوت لَيُصلُّون على معلِّم الناس الخيرَ))، فإنه يُحسَّن بمجموع الشواهد، والله أعلم.
قال العلماء: قيل: أراد بالخير هنا عِلْمَ الدين وما به نجاة الرجل، ولم يُطلِق المعلم ليُعلَم أن استحقاق الدعاء لأجل تعليمِ علمٍ موصِّلٍ إلى الخير.
قال الفضيل بن عياض: "عالم عامل معلِّمٌ يُدعى كبيرًا في ملكوت السماوات".
والصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ولا رتبةَ فوق رتبةِ مَن تشتغل الملائكة وجميعُ المخلوقات بالاستغفار والدعاء له إلى القيامة؛ ولهذا كان ثوابه لا ينقطع بموته، وإنه لَيُتنافَس في دعوة رجل صالح، فكيف بدعاء الملأ الأعلى؟
وأما إلهام الحيوانات الاستغفار له؛ فقيل: لأنها خُلِقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعلماء هم المبيِّنون ما يحِلُّ منها وما يحرُم، ويُوصُون بالإحسان إليها ودفع الضرِّ عنها، حتى بإحسان القِتلةِ والنَّهيِ عن الْمُثْلَة، فاستغفارهم له شُكْرٌ لتلك النعمة.
2- جلوس المصلِّي في مُصلَّاه الذي صلى فيه:
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مُصلَّاه الذي صلَّى فيه، ما لم يُحدِث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))؛ [أخرجه البخاري ومسلم].
وعن عطاء بن السائب قال: دخلت على أبي عبدالرحمن السلمي، وقد صلى الفجر وهو جالس في المسجد، فقلت: لو قمت إلى فراشك، كان أوطأ لك.
فقال: سمعت عليًّا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صلَّى الفجر، ثم جلس في مُصلَّاه، صلَّت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ومن ينتظر الصلاةَ، صلَّت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))؛ [سنده معلول، ولبعضه شواهدُ، وحسَّنه بعضهم، أخرجه أحمد].
قال العلماء: قوله: (ما دام في مُصلَّاه) مفهومه أنه إذا انصرف عنه انقضى ذلك، وفي لفظ: (ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)، فأثبت للمنتظِرِ حُكْمَ الْمُصلِّي، فيمكن أن يُحمَل قوله: (في مُصلَّاه) على المكان الْمُعَدِّ للصلاة لا الموضع الخاص بالسجود.
قلت: الظاهر لي - والله أعلم - أنه يدخل في هذا الفضل والثواب من جَلَسَ في مُصلَّاه ينتظر الصلاة القادمة، سواء كان ذلك قبلها بزمن طويل أو قصير، ومن جلس بعد الصلاة ينتظر الصلاة الأخرى، ومن جلس بعد الصلاة يذكر الله تعالى، والله أعلم.
قال ابن بطال: "فمن كان كثيرَ الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تَعَبٍ، فلْيَغْتَنِمْ ملازمةَ مكانِ مُصلَّاه بعد الصلاة؛ ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجوٌّ إجابته؛ لقوله: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء: 28]، وقد أخبر عليه السلام أنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام، ودعاؤهم لمن قعد في مُصلَّاه دائمًا أبدًا ما دام قاعدًا فيه، فهو أحرى بالإجابة.
3- الصلاة في الصف الأول:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلَّل الصفَّ من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم)).
وكان يقول: ((إن الله وملائكته يُصلُّون على الصفوف الأُوَلِ)).
وفي رواية: ((على الصف الأول أو الصفوف الأولى)).
وفي رواية: ((على الصف الأول))؛ [صحيح: أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي].
عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته يُصلُّون على الصف الأول))؛ [سنده حسن، وأعلَّه بعضهم بالإرسال، أخرجه ابن ماجه].
عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل وملائكته يُصلُّون على الصف الأول، أو الصفوف الأُوَلِ))؛ [سنده حسن، أخرجه أحمد].
4- الصلاة في ميامن الصفوف:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته يُصلُّون على ميامن الصفوف))؛ [شاذ بهذا اللفظ، أخرجه ابن ماجه وأبو داود].
5- وَصْلُ الصفوف في الصلاة:
عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل وملائكته عليهم السلام يُصلُّون على الذين يَصِلُون الصفوفَ))؛ [سنده حسن، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه].
قال العلماء: يَصِلُونها إذا كان فيها فُرجَةٌ فيسُدُّونها، أو نقصانٌ فيُتمُّونها.
6- التسحُّر:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته يُصلُّون على المتسحِّرين))؛ [كل طرقه ضعيفة، وحسَّنه بعضهم بشواهده، أخرجه ابن حبان].
7- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما صلَّى عليَّ أحدٌ صلاةً إلا صلَّت عليه الملائكة، ما دام يصلي عليَّ؛ فَلْيُقِلَّ عبدٌ من ذلك أو ليُكْثِر))؛ [حسنه بعض العلماء، وهو معلول، أخرجه أحمد وابن ماجه].
8- الصائم إذا أكل عنده:
عن أمِّ عمارة بنت كعب الأنصارية ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فقدَّمت إليه طعامًا، فقال: كُلِي، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصائم تصلي عليه الملائكة، إذا أُكِلَ عنده، حتى يفرَغوا، وربما قال: حتى يشبعوا))؛ [حسَّنه بعض العلماء، وهو معلول، أخرجه أحمد والترمذي، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه].
لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع: راجع كتاب (الملائكة) لسعيد القاضي، صاحب هذا المقال ص: (157-166)، وقد اختصرته منه ليعُمَّ به النفع، والله الموفِّق.
أبو حاتم سعيد القاضي
شبكة الألوكة