نتدبر معكم في هذه الخطبة سورةً قصيرة، لكنها كثيرةُ المعاني والهدايات؛ قال بعض العلماء عن هذه السورة: لوما تدبَّر الناس إلا هذه السورة لَكَفَتْهُم؛ إنها سورة العصر، ثلاث آيات جمعت الدين كلَّه، وفيها من التذكير والموعظة ما فيه كفاية:
يقول الله تعالى: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 – 3].
أقسم الله في هذه السورة قسمًا عظيمًا لتأكيد خبرٍ مُخيف؛ وهو أن جميع الناس خاسرون، وإلى النار صائرون، أقسم الله بالعصر وهو الزمن، كما يُقال: عصر الصحابة أي: زمنهم، والعصر القديم والعصر الحاضر، وقيل: المراد بالعصر وقت صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي يُضيِّعها كثير من الناس، وكلا القولين صحيح، أقسم الله بالزمن، وأقسم بوقت صلاة العصر على أن جميع الناس في خسارة، كل الناس في ضلال، وكل الناس إلى جهنم؛ كما قال الله سبحانه: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف: 103]، وقال عز وجل: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، وقال سبحانه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ [ص: 24].
فالناجون من الخسارة هم القليل، وهم الذين اتَّصفوا بأربع صفات بيَّنها الله في هذه السورة:
الصفة الثانية: العمل الصالح، وهو الخالي من الرِّياء الْمُقيَّد بالسُّنَّة، فليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وأعظم الأعمال بعد الشهادتين: إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها، وصوم شهر رمضان، وإيتاء الزكاة، وحجُّ البيتِ الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا.
الصفة الثالثة: التواصي بالحق، والمراد بالتواصي أن يوصي كلٌّ من المؤمنين الآخرَ، فلا أحد منا يستغني عن الوصية والنصيحة، مهما بلغ علمُه وفضلُه، فتُوصيني وأُوصيك، وتنصحني وأنصحك، فالدين النصيحة، ومن صفات المؤمنين والمؤمنات الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما قال الله سبحانه: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾ [التوبة: 71].
الصفة الرابعة: التواصي بالصبر؛ والصبر ثلاثة أقسام: • صبرٌ على الطاعات، فالطاعات فيها نوعُ مشقة، فتحتاج إلى صبر على أدائها؛ كما قال سبحانه: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65].
• صبرٌ عن المعاصي، فالنفس أمَّارةٌ بالسوء، فعلى المسلم أن ينهى نفسه عن هواها؛ قال سبحانه: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 37 - 41].
• صبرٌ على أقدار الله المؤلمة، فالله يبتلي عباده بما يشاء؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 155، 156].
فمن أراد النجاة من الخسارة، فعليه أن يقوم بهذه الصفات الأربع المذكورة في هذه السورة؛ يُحقِّق الإيمان، ويعمل الأعمال الصالحة، ويُوصي غيره بالحق، ويوصي غيره بالصبر، وهذه الصفات تجمع الدين كلَّه، تجمع العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، فلنتواصَ بالصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا التواصي بالصبر من أعظم الحق الذي يجب أن نتواصى به، فمن التواصي بالحق التواصي بالصبر، والتواصي بالحق من أعظم الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة من الإيمان، فالإيمان اعتقاد في القلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
هذا القرآن حبل النجاة، من اعتصم به نجا، ومن تركه هَلَكَ؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، ومن اتبع القرآن فلا خوف عليه بعد موته، ولا يحزن على ما ترك في دنياه، ولا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38]، ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123، 124].
1- قال اللهُ تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ أَقْسَمَ سُبحانَه وتعالى بالدَّهرِ -الَّذي هو زمنُ الأعمالِ الرَّابحةِ والخاسرةِ- على أنَّ كلَّ واحدٍ في خُسْرٍ إلَّا مَن كَمَّلَ قوَّتَه العِلميَّةَ، وقوَّتَه العَمَليَّةَ ، والمراتِبُ أربعةٌ، وباستِكمالِها يحصُلُ للشَّخصِ غايةُ كمالِه: إحداها: مَعرِفةُ الحَقِّ. الثَّانيةُ: عَمَلُه به. الثَّالثةُ: تعليمُه مَن لا يحسِنُه. الرَّابعةُ: صَبرُه على تعَلُّمِه والعَمَلِ به وتعليمِه؛ فذكَرَ تعالى المراتِبَ الأربعةَ في هذه السُّورةِ، وأقسَمَ سُبحانَه في هذه السُّورةِ بالعَصْرِ إنَّ كُلَّ أحدٍ في خُسْرٍ إلَّا الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ، وهم الَّذين عَرَفوا الحَقَّ وصَدَّقوا به. فهذه مرتبةٌ. وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وهم الَّذين عَمِلوا بما عَلِموه مِن الحَقِّ، فهذه مرتبةٌ أُخرى. وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وصَّى به بعضُهم بعضًا؛ تعليمًا وإرشادًا، فهذه مرتبةٌ ثالثةٌ. وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ صَبَروا على الحَقِّ، ووصَّى بعضُهم بعضًا بالصَّبرِ عليه والثَّباتِ، فهذه مرتبةٌ رابعةٌ. وهذا نهايةُ الكمالِ؛ فإنَّ الكمالَ أن يكونَ الشَّخصُ كامِلًا في نَفْسِه، مُكَمِّلًا لغيرِه، وكَمالُه بإصلاحِ قوَّتَيه العِلميَّةِ والعَمَليَّةِ؛ فصلاحُ القُوَّةِ العِلميَّةِ بالإيمانِ، وصلاحُ القُوَّةِ العَمليَّةِ بعمَلِ الصَّالحاتِ، وتكميلِه غَيرَه بتعليمِه إيَّاه، وصَبرِه عليه، وتوصيتِه بالصَّبرِ على العِلمِ والعَملِ؛ فهذه السُّورةُ على اختِصارِها هي مِن أجمَعِ سُوَرِ القُرآنِ الكريمِ للخَيرِ بحذافيرِه، والحَمدُ للهِ الَّذي جَعَل كِتابَه كافيًا عن كُلِّ ما سِواه، شافيًا مِن كُلِّ داءٍ، هاديًا إلى كُلِّ خَيرٍ؛ لذا قال الشَّافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: (لو فكَّر النَّاسُ كُلُّهم في هذه السُّورةِ لَكَفَتْهم) ، فهذه السُّورةُ ميزانٌ للأعمالِ يَزِنُ المؤمنُ بها نفْسَه، فيَبينُ له بها رِبحُه مِن خُسرانِه . لذا كان حقيقًا بالإنسانِ أن يُنفِقَ ساعاتِ عُمرِه -بل أنفاسَه- فيما يَنالُ به المطالبَ العاليةَ، ويخلصُ به مِن الخُسرانِ المُبينِ، وليس ذلك إلَّا بالإقبالِ على القرآنِ وتفَهُّمِه وتدَبُّرِه، واستِخراجِ كُنوزِه، وإثارةِ دفائنِه، وصَرفِ العنايةِ إليه، والعُكوفِ بالهمَّةِ عليه؛ فإنَّه الكفيلُ بمصالحِ العبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، والموصلِ لهم إلى سبيلِ الرَّشادِ .
2- في قَولِه تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ أنَّ الَّذين اتَّصفوا بهذه الصِّفاتِ الأربَعِ هم الرَّابِحونَ، ومَن سِواهم فهو خاسِرٌ عصْرَه، وهذه الحِكمةُ مِن أنَّ اللهَ أَقْسَمَ بالعَصرِ دونَ غيرِه؛ لأنَّ العصرَ هو خزائنُ الأعمالِ، فإذا لم يَقُمِ الإنسانُ بهذه الصِّفاتِ الأربَعِ خَسِرَ عصْرَه، وكان عُمُرُه خَسارةً .
3- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ فيه سُؤالٌ: الآيةُ يدُلُّ ظاهِرُها على أنَّ هذا المخبَرَ عنه أنَّه في خُسرٍ إنسانٌ واحِدٌ، بدليلِ إفرادِ لَفظةِ الإنسانِ، واستثناؤُه مِن ذلك الإنسانِ الواحِدِ لَفظًا قَولَه: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَقتضي أنَّه ليس إنسانًا واحِدًا؟
الجوابُ: أنَّ لَفظَ (الإنسانِ) وإنْ كان واحِدًا فالألِفُ واللَّامُ للاستِغراقِ، يَصيرُ المفرَدُ بسَبَبِهما صيغةَ عُمومٍ، وعليه فمعنى إِنَّ الْإِنْسَانَ أي: إنَّ كُلَّ إنسانٍ؛ لدَلالةِ (أل) الاستغراقيَّةِ على ذلك .
4- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، فيه سُؤالٌ: قال تعالى في سُورةِ التِّينِ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: 4-5] ، فهناك يدُلُّ على أنَّ الابتِداءَ مِن الكَمالِ، والانتِهاءَ إلى النُّقصانِ، وهاهنا يدُلُّ على أنَّ الابتِداءَ مِن النُّقصانِ، والانتِهاءَ إلى الكَمالِ، فكيفَ وَجهُ الجَمْعِ؟
الجوابُ: أنَّ المَذكُورَ في سُورةِ التِّينِ أَحوالُ البَدَنِ -وذلك على قَولٍ في التَّفسيرِ-، وهاهنا أَحوالُ النَّفْسِ، فلا تَناقُضَ بيْن القَولَينِ .
5- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ لم يبيِّنْ نوعَ الخُسرانِ في أيِّ شَيءٍ، بل أطلَقَ؛ ليَعُمَّ .
6- تأمَّلْ حِكمةَ القرآنِ؛ لَمَّا قال: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ فإنَّه ضَيَّقَ الاستثناءَ وخَصَّصَه، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، ولَمَّا قال: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: 5] وَسَّعَ الاستثناءَ وعَمَّمَه، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: 6] ولم يَقُلْ: «وتَواصَوا»؛ فإنَّ التَّواصيَ هو أمْرُ الغَيرِ بالإيمانِ والعمَلِ الصَّالحِ -وهو قَدْرٌ زائدٌ على مجرَّدِ فِعْلِه- فمَن لم يكُنْ كذلك فقد خَسِرَ هذا الرِّبحَ، فصار في خُسْرٍ، ولا يَلْزَمُ أنْ يكونَ في أسفَلِ سافِلينَ؛ فإنَّ الإنسانَ قد يقومُ بما يجبُ عليه ولا يأمُرُ غيرَه؛ فإنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكَرِ مرتبةٌ زائدةٌ، وقد تكونُ فرضًا على الأعيانِ، وقد تكون فرضًا على الكفايةِ، وقد تكون مُستحَبَّةً.
والتَّواصِي بالحَقِّ يَدخُلُ فيه الحَقُّ الَّذي يجِبُ، والحَقُّ الَّذي يُستحَبُّ، والصَّبرُ يَدخُلُ فيه الصَّبرُ الَّذي يجِبُ، والصَّبرُ الَّذي يُستحَبُّ، فهؤلاء إذا تَواصَوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبرِ حصلَ لهم مِن الرِّبحِ ما خَسِرَه أولئك الَّذين قامُوا بما يجِبُ عليهم في أَنفُسِهم ولم يَأمُروا غيرَهم به، وإنْ كان أولئك لم يَكونوا مِن الَّذين خَسِروا أنفُسَهم وأَهْلِيهم؛ فمُطلَقُ الخَسارِ شَيءٌ، والخَسارُ المُطلقُ شَيءٌ، وهو سُبحانَه إنَّما قال: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ومَن رَبِحَ في سِلعةٍ وخَسِرَ في غيرِها قد يُطلقُ عليه أنَّه في خُسرٍ وأنَّه ذو خُسرٍ؛ كما قال عبدُ الله بنُ عُمرَ رَضِيَ الله عنهما: (لقد فَرَّطْنا في قَراريطَ كثَيرةٍ ) ، فهذا نَوعُ تَفريطٍ، وهو نَوعُ خُسرٍ بالنِّسبةِ إلى مَن حَصَّلَ رِبْحَ ذلك.
ولَمَّا قال في سُورةِ (والتِّينِ): ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، قال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فقَسَّمَ النَّاسَ إلى هَذينِ القِسمَينِ فقط، ولَمَّا كان الإنسانُ له قُوَّتانِ: قُوَّةُ العِلمِ وقُوَّةُ العَمَلِ، وله حالَتانِ: حالةُ يَأتَمِرُ فيها بأَمْرِ غيرِه، وحالةٌ يأمُرُ فيها غيرَه؛ استَثنَى سُبحانَه مَن كمَّلَ قُوَّتَه العِلميَّةَ بالإيمانِ، وقُوَّتَه العَمَليَّةَ بالعمَلِ الصَّالِحِ، وانقادَ لأمْرِ غيرِه له بذلك، وأمَرَ غيرَه به- مِن الإنسانِ الَّذي هو في خُسرٍ، فإنَّ العبدَ له حالتانِ: حالةُ كَمالٍ في نَفْسِه، وحالةُ تَكمِيلٍ لغيرِه؛ وكَمالُه وتَكمِيلُه مَوقوفٌ على أمْرَينِ: عِلمٌ بالحَقِّ وصَبرٌ عليه، فتَضمَّنَت الآيةُ جَميعَ مَراتِبِ الكَمالِ الإنسانيِّ؛ مِن العِلمِ النَّافعِ، والعَملِ الصَّالحِ، والإحسانِ إلى نَفْسِه بذلك وإلى أَخيهِ به، وانقِيادِه وقَبولِه لِمَن يَأمُرُه بذلك .
7- قولُه تبارك وتعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: 6] ، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج: 19] ، وقولُه: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7] ، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34] ، وقولُه: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72] هذا شَأْنُ الإنسانِ مِن حيثُ ذاتُه ونفْسُه، وأمَّا خروجُه عن هذه الصِّفاتِ فهو بفَضلِ ربِّه وتوفيقِه له ومِنَّتِه عليه، لا مِن ذاتِه؛ فليس له مِن ذاتِه إلَّا هذه الصِّفاتُ، وما به مِن نِعمةٍ فمِن اللهِ وَحْدَه .
8- قال اللهُ تعالى: وَتَوَاصَوْا، ولم يقلْ: (ويَتواصَونَ)؛ لأنَّ الغَرضَ مَدحُهم بما صدَر عنهم في الماضي، وذلك يُفيدُ رَغبتَهم في الثَّباتِ عليه في المُستقبَلِ .
9- قال اللهُ تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ اختِيرَ التَّعبيرُ بالوصيَّةِ؛ إشارةً إلى الرِّفقِ في الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، واستعمالِ اللِّينِ بغايةِ الجُهدِ .
- أقسَمَ اللهُ تعالَى بالعَصْرِ قَسَمًا يُرادُ به تَأكيدُ الخبَرِ، كما هو شَأنُ أقسامِ القرآنِ الكريمِ، والمُقسَمُ به مِن مَظاهرِ بَديعِ التَّكوينِ الرَّبَّانيِّ الدَّالِّ على عَظيمِ قُدرتِه وسَعةِ عِلمِه، وأيًّا ما كان المرادُ منه هنا؛ فإنَّ القسَمَ به باعتبارِ أنَّه زمَنٌ يُذكِّرُ بعَظيمِ قُدرةِ اللهِ تعالَى في خلْقِ العالَمِ وأحوالِه، وبأُمورٍ عَظيمةٍ مُبارَكةِ، مِثل الصَّلاةِ المَخصوصةِ، أو عصْرٍ مُعيَّنٍ مُبارَكٍ؛ فقيل: أقسَمَ بصَلاةِ العصْرِ؛ لفَضْلِها، ولأنَّ التَّكليفَ في أدائِها أشقُّ؛ لتَهافُتِ النَّاسِ في تِجاراتِهم ومَكاسِبِهم آخِرَ النَّهارِ، واشتِغالِهم بمَعايِشِهم. أو أقسَمَ بالعَشيِّ كما أقسَمَ بالضُّحى؛ لِما فيهما جَميعًا مِن دَلائلِ القُدرةِ. أو أقسَمَ بالزَّمانِ؛ لِيُذَكِّرَ بما فيه مِن النِّعَمِ وأضْدادِها لتَنبيهِ الإنسانِ على أنَّه مُستعِدٌّ للخُسرانِ والسَّعادةِ، والتَّعريضِ بنَفْيِ ما يُضافُ إلى الزَّمانِ مِن الخُسرانِ؛ لأنَّ النَّاسَ تُضيفُ كلَّ شَيءٍ له، ووجهُ نفيِه عنه أنَّ اللهَ لَمَّا أقسَمَ به وعظَّمَه، عُلِم أنَّه لا خُسرانَ له، ولا دخْلَ له فيه، وإضافتُه للإنسانِ تُشعِرُ بأنَّه صِفةٌ له لا للزَّمانِ
- التَّعريفُ في الْإِنْسَانَ للجِنسِ؛ ولذلك استثنى منه الَّذين آمَنوا، فهو استثناءٌ متَّصِلٌ .
- ومَجيءُ هذا الخبَرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ على العُمومِ، مع تَأكيدِه بالقسَمِ، وحرْفِ التَّوكيدِ في جَوابِه؛ يُفيدُ التَّهويلَ والإنذارَ بالحالةِ المُحيطةِ بمُعظَمِ النَّاسِ .
فقَرَن الله تعالى بهذه الآيةِ قرائِنَ تدُلُّ على مُبالَغتِه تعالى في بيانِ كَونِ الإنسانِ
في خُسرٍ:
أحَدُها: قَولُه: لَفِي خُسْرٍ يفيدُ أنَّه كالمغمورِ في الخُسرانِ، وأنَّه أحاط به مِن كُلِّ جانبٍ.
وثانيها: كَلِمةُ (إنَّ)؛ فإنَّها للتَّأكيدِ.
وثالثُها: حرفُ اللَّامِ في لَفِي خُسْرٍ .
- وأعقَبَ بالاستثناءِ بقولِه: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا الآيةَ، فيَتقرَّرُ الحُكْمُ تامًّا في نفْسِ السَّامعِ مُبيِّنًا أنَّ النَّاسَ فَريقانِ: فريقٌ يَلحَقُه الخُسرانُ، وفَريقٌ لا يَلحَقُه شَيءٌ منه
- وقدْ أفاد استثناءُ المُتَّصِفينَ بمَضمونِ الصِّلةِ ومَعطوفِها إيماءً إلى عِلَّةِ حُكمِ الاستثناءِ، وهو نَقيضُ الحُكمِ الثَّابتِ للمُسْتثنى منه؛ فإنَّهم لَيسوا في خُسرٍ مِن أجْلِ أنَّهم آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ .