إنّ أعظم ما يفتح للقلب أبواب التدبّر، وللعقل آفاق التذوّق لكلام الله، هو إدراك "البلاغة الاشتقاقية" في المفردة القرآنية. فالقرآن لم ينزل بلغة مجردة باردة، بل نزل بلغة العرب التي كانت تشتق معانيها المعنوية من واقعها الحسي الملموس، فجاء الخطاب الرباني ليحول الأفكار الغيبية والمفاهيم العقلية إلى صور "متجسدة" تكاد العين تراها واليد تلمسها.
حين أطلّ نور الإسلام على الإنسان العربي، خاطبه بلسانه الذي يألف غيبيات الإيمان، ودقائق الأحكام، ولطائف العلوم النورانية من تجريدٍ ذهني إلى واقعٍ حيٍّ تشهده الحواس. لقد انتقل البيان الإلهي بالعرب من علومهم الظاهرية المحدودة بآفاق الكرم والوفاء، إلى رحاب عقيدةٍ نابضة، لا تحبسها جلباب الألفاظ الجامدة، بل تجسدها لغةٌ تموجُ بالحياة؛ فصار الإيمان في وعيهم كائناً يتنفس، والكفر انخلاعاً مؤلماً من الفطرة، والعمل الصالح ثمرةً يانعةً تلمسها القلوب قبل الأيدي .
كنت اتساءل وانا اقرا قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) عن اختيار لفظ (الانسلاخ) دون غيره من مرادفات الانقضاء أو المرور.
فلناخذ مثالا ونحلله: قوله نعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)
في أصل اللغة، "الحَبَط" هو داء يصيب الماشية (الإبل أو الغنم) حين تأكل نوعاً من المرعى الخبيث، فينتفخ بطنها حتى تظن أنها سمنت وامتلأت لحماً، لكنها في الحقيقة تنتفخ من الغازات والسموم حتى تنقدّ (تنفجر) أو تموت.
(لقد نزل الوعيد الإلهي (أن تحبط أعمالكم) على نفوس الصحابة كالصاعقة ؛ لأنهم أدركوا بليغ لغتهم ما يعنيه 'الحَبَط' حقيقةً لا مجازاً. لقد تمثل أمام أعينهم مشهد الدابة التي ترعى نبتاً خبيثاً فتنتفخ بطنها وتلقى حتفها في مقتل، فخافوا أن تكون أصواتهم هي ذلك 'الرعي الفاسد' الذي ينفخ أعمالهم ثم يقتلها. هنا التقى الفهم اللغوي العميق بشرارة الإيمان ( خير القلوب وأزكاها بعد الانبياء)، فاشتعلت في نفوسهم لوعة الحذر؛ حتى رأينا 'ثابت بن قيس' -خطيب الأنصار- يعتزل الناس ويبكي في بيته، ظناً منه أن جهوريّة صوته الفطرية هي 'الحَبَط' الذي سيسلبُه شقاء عمره في الإسلام).
هنا تكمن بلاغة القران بدل ان تقول ان رفع الصوت يبطل العمل كالمربي للدابة: يتعب في علفها وتربيتها لسنوات حتى تكبر وتسمُن، وفجأة تأكل نبتة ضارة "تُحبط" كل ذلك الجهد في لحظة واحدة وتتحول الدابة إلى جثة. عبر عنه بفعل واحد .
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾
هذا وصف الله تعالى حال من آتاه الله العلم والآيات ثم تركها. يقال انه بلعام بن باعوراء …
المعاني المشتركة للانسلاخ في المعنى الحسي والمعنى المعنوي
1- الالتصاق التام : لان هذا الرجل كان عالماً بالآيات، متمكناً ولذلك شبه به وليس مثل المنافقين و المتأسلمين الذين لم يخالط الايمان بشاشة قلوبهم ولذلك وصفوا بالفسق لانهم لم يدخلوا حتى يخرجوا والفسْقُ: هو خروج اللب (الثمرة) من قشرتها. وهو اسهل من الانسلاخ
2- الستر والحماية : الشاة حين تُسلخ، تصبح "لحماً مكشوفاً" بلا حماية، عرضة للذباب والقذر. وكذلك هذا الذي ترك الآيات، تعرّى من ستر الله، فأصبح صيداً سهلاً للشيطان ( فأتبعه الشيطان).
ولذلك عبر للتقوى باللباس (ولباس التقوى ذلك خير )
وهذا يجسد الفرق الجوهري: فالمنافق لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه أصلاً، فخروجه (فسقٌ) يسير، أما العالم المتمكن الذي ذاق حلاوة اليقين ثم ارتد، فخروجه (سلخٌ) أليم وفجيعة كبرى؛ لأنه نزع درعه الواقي بيديه، فاستحق أن يكون من الغاوين. اعاذنا الله واياكم من الانتكاسة.
كذلك قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ)، صوّر البيان الإلهي هذه الشهور وكأنها جلدٌ يحيط بالمشركين ويستر دماءهم من الفتك. هؤلاء الذين لا إيمان لهم ولا عهود صادقة، لم يكن يحميهم من سيوف المؤمنين إلا المدة الموقتة. فبمجرد انتهاء المدة، "انسلخ" هذا الغطاء الزمني عنهم، فبرزوا كالشاة المسلوخة التي فقدت حماية جلدها، فصاروا مكشوفين بلا حصانة ولا ملجأ: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).
النكث: هو نقض الشي بعد ابرامه
المعنى الحسي : هو نقض غزل الصوف أو الشعر بعد إبرامه وإحكام فتله. تخيل امرأة جلست ساعات طوالاً تغزل الصوف، تشده وتفتله ليصبح خيطاً قوياً صالحاً للنسيج، ثم فجأة وبلا سبب، تبدأ بفك هذا الخيط وإرجاعه شعراً متفرقاً مبعثراً.
المعاني المشتركة للنكث في المعنى الحسي والمعنى المعنوي
1-تصوير الجهد الضائع: الإيمان والعهد بناء عظيم، بذل فيه المؤمن جهداً في البناء والالتزام. فمن يترك عهده مع الله، يصفه القرآن بصورة "الخرق والحمق"؛ كمن يهدم بيده ما بناه بجهد وتعب.
ولذا صرح الله سبحانه وتعالى بدون استعارة في خطابه للمؤمنين وهو رحيم بهم وليكون قاعدة لهم (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ):
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا).
2-التفكك والضعف: العهد "قوة" (كحبل مفتول)، ونقضه "ضعف" وتفرق (كشعر منثور لا يستر ولا ينفع).
فالحبل المبرم يفيد في التعلق والاحكام والعقل واما النكث لا فائدة منها.
ونسترسل معكم في ذكر الأفعال النابضة بالحياة والمعاني المتجسدة
لا تأتي الأفعال لمجرد الإخبار عن الحدث، بل لتجسيد المعاني وجعلها تنبض بالحياة أمام عين القارئ. ومن أعمق هذه الأفعال دلالةً فعل "الخوض"؛ ذلك الفعل الذي استعاره القرآن من عالم الحركة المادية ليصف به حركة اللسان في باطل الأقوال.
في أصل اللغة، يُستخدم "الخوض" للمشي في الماء أو الوحل. يقال: "خاض الرجل النهر"، أي دخل فيه وتخلله برجليه متحملاً اضطراب الماء أو لزوجة الطين. هذا الأصل المادي هو المفتاح لفهم لماذا اختار الخالق سبحانه هذا الفعل تحديداً لوصف "الكلام الباطل".
لقد ورد "الخوض" في القرآن الكريم دائماً في سياقات الذم، ليرسم صورة ذهنية لمن يجعل دينه ولغته ألعوبة:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾
المعاني المشتركة للخوض في المعنى الحسي والمعنى المعنوي
1. الاختلاط والارتباك: كما أن الذي يمشي في الماء المضطرب أو الوحل لا يثبت قدمه في مكان محدد وتختلط عليه الأمور، فكذلك الذي "يخوض" في الباطل؛ كلامه مضطرب، ليس له أساس علمي، ويخلط الحق بالباطل.
2. الانغماس (الضياع): "الخوض" يوحي بأن المتحدث قد غرق في الموضوع وتجاوز حده، تماماً كما يغرق الإنسان في لُجة الماء. لذا غالباً ما يأتي الخوض في القرآن في سياق الذم (الاستهزاء بآيات الله، الكذب، الغيبة).
ولذلك لم يسامح الشرع في الهازل مثل المكره والناسي والمغلق في امور الطلاق والبيع والشراء
إذا جاءك من يجادل في آيات الله بسخرية فأعرض عنه ولا تجادله فإنك تخوض في الوحل معه (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ).
هؤلاء ليس غايتهم الخير والصلاح بل مجرد اللعب فلا تدخل الوحل معهم بل اخرجهم الى الصراط المستقيم.
الوضع : وأصله من " إيضاع الخيل والركاب ", وهو الإسراع بها في السير.
بين الرصّ والإيضاع: مشهد التفكك
"ضعْ في مخيلتك ذلك البنيان المرصوص؛ جيشٌ تلاحمت أكتافه حتى غدا جداراً من فولاذ، لا يرى الرائي فيه ثغرةً ولا نتوءاً، تجسيداً لرضوان الله: {صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}.
وفي ذروة هذا التماسك المهيب، تأمل الاندفاع المفاجئ لخبث المنافقين؛ إنهم لا يكتفون بمجرد الكلام، بل يصورهم القرآن بلفظ {لأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}. تخيل مجموعة من الإبل الهائجة التي انفلتت فجأة، لا لتسير بهدوء، بل لتركض بأقصى سرعة (إيضاع) وتقتحم تلك المسافات البينية (الخلال) الضيقة بين الجنود.
هذا (الإيضاع) ليس حركةً عابرة، بل هو زلالٌ يضرب القواعد؛ فبينما يحاول المؤمنون الحفاظ على وحدة (البنيان)، يندفع هؤلاء بفتنتهم كخيلٍ جامحة تشق الصفوف طولاً وعرضاً. إنك لا تسمع في الآية مجرد نميمة، بل تسمع "صليل التفكك" وجلبة الاضطراب، وترى بأم عينك كيف تتحول (الكلمة المسمومة) إلى (ناقةٍ مسرعة) تهدم بضربات أخفافها ما بناه الإيمان من تراصٍّ وتلاحم.
هل لاحظتَ الفرق؟
(الرصّ) الذي يبني الثبات (البنيان): يوحي بالثبات، الصمت، والقوة.
(الإيضاع): يوحي بالضجيج، السرعة، والتخلخل.الذي يبحث عن الثغرات ليزلزل البناء من داخله.
المعاني المشتركة بين الحسي والمعنوي
1-السرعة والنشاط: المنافق الذي يتكاسل عن الصلاة (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)، تراه في "الإرجاف" ونشر الإشاعات والفتن "يعدو كالحصان السريع"
2- الاضطراب والتفكك : الإيضاع في وسط الجيش يسبب "الجفلة" والارتباك. وهذا تماماً ما يفعله المنافق بكلمات السوء؛ يرميها بسرعة ويمضي ليترك القلوب مضطربة.