أمال ابراهيم أبو خديجة
New member
ذكرى هجرة رسول الله
ليس المقصد في هذه الذكرى، أن ننشغل بها في توزيع الحلوى، والاحتفال بالزينة والأناشيد المحمدية، بل الهدف الأعظم أن ننشغل في التدبر بمعاني الهجرة، واحداثها وما نتج عنها من مقومات القوة والعزة للاسلام .
نزل الوحي على الهادي المجتبى، ليعلن أن الأرض تتهيأ لتغير جذري، مخاطبا رسول الله بإقرأ ليكون البداية مع علم الله وكلامه واحكامه .
يهرع رسول الله الة لحضن خديجة رصى الله عنها، زملوني من عظمة وهول ما رأى، فنطقت الحكمة من فمها، والربط على قلب زوجها، فكانت أول من صدقت واسلمت، كيف لا وهي العالمة بدين ربها، القائمة على ملة الحق منذ منشأها.
جاءت المبشرات بأنك يا رسول الله، ستبلغ دين الله ورسالته للعالمين، وانك ستخوض معركة يتصدى لك فيها قومك، وستلقى منهم أذى لن تصمد الجبال أمامه .
لكن الاعداد الالهي والتربية الربانية، قد أتمت نشأة رسول الله، واعداده لتلك الامانة الكبرى والمهمة العظمى، أمام طوفان الطغيان والفساد .
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته للحق سرا، فمكث ثلاث سنين لا يظهر مظاهر الدين الجديد والشريعة الربانية أمام قومه، واختفى عن أنظارهم ليخاطب ويعمل من تبعه من الصحابة، بعيدا عن أنظار قومه وملأهم .
حتى جاء الخبر من السماء لرسول الله، بالجهر بالدعوة، وأن ينذر عشيرته الاقربين، فخرج رسول الله الى حضن الكعبه، ونادي بالناس هلمو الي، واخبرهم بأن لو اخبرتكم بان قافلة من الشام، الان قادمة عليكم اكنتم مصدقي، فأجمعو على صدق خبره ومانته حديثه، كيف لا وهو الصادق الأمين عندهم .
نطق رسول الله جهرا بأولى خطابه الدعوي لدين الله، ليعلن لهم أن التغير بدأ، وأن شمس نور الحق، ستضيء الارض من مشرقها لمغربها، فخاطبهم أني النذير البشير لكم، واني لا اغني عنكم من الله شيئا، فاعملوا وسابقوا الى ربكم، فخاطبهم بكنيتهم للايمان والعمل، حتى فاطمة يا بنت محمد اعملي، فإني لا اغني لك عند الله شيئا .
عند ذلك اهتزت قلوب وعقول صناديد الكفر، وبدأ العدوان من بدايته، فلفظ أبو لهب بقوله لرسول الله، تبا لك الهذا جمعتنا، ساخرا مستهينا بعظمة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، فكان من تبت يداه الى يوم الدين، والمسد في جيد امرأته .
ومع اعلان الدعوة الجهرية، بدأ الكفر يعلو بسهامهم وطرق التصدي لمحمد صلى الله عليه وسلم، فتفننوا في طرق الايذاء له ولصحابته، فبدأت الملاحق بالتعذيب والقتل والحصار والتجويع، ونهب المدخرات والبيوت والاموال وغير ذلك .
فوقع على الصحابة الايذاء الكبير، في سبيل الثبات على الحق ودعوة التوحيد، فضرب المثال في أل ياسر وصبرهم فكانت سمية اول شهيدة بالاسلام، وبلال العبد الحبشي الذي عذبه ابو جهل في حر الرمضاء، والقى الصخر على صدره،طالبا منه الشرك والكفر بدين محمد صلى الله عليه وسلم، فكان لا يرد الا أحد أحد، بقوة الثبات والرباط والصبر .
كان يمر رسول الله على صحابته، وهو يراهم كيف يعذبون ويأذون في دين الله، ولا يملك لهم شيئا، الا ان يقول لهم صبرا إن موعدكم الجنة، وكان يخاطبهم في المجالس ليذكرهم بحال من سبقهم، كيف كان يأتى بالمنشار فيقطع المؤمن به نصفين، فلا يدعوه ذلك على ترك دين الحق .
عانى رسول الله من الأذى والالم الشيء الكثير، فقد القي على رسول الله امعاء الجزور، وهو ساجد عند الكعبة، وحاول احد الصناديد قتله وخنقه من الخلف، فجاء ابو بكر وانقذه، وحاولوا دس السم في طعامه، كما حاولوا القاء الصخرة عليه لقتله، كما لاحقه عمه ابو لهب وامرأته في الايذاء الشديد، فكان يمشي وراءه ويقول لا تصدقوه انه مجنون، وكانت امرأته تهجوه وتسبه وتقول عنه مذمما، وهو المحمود محمدا صلى الله عليه وسلم .
عندما وصل حال الايذاء، الي اجتماعهم واتفاقهم على قتل رسول الله، ليتفرق دمه بين القبائل، اذن الله لرسوله بالهجرة، بعد ان سبق ذلك هجرة الصحابة للحبشة، عند ملك لا يظلم احد عنده، ورغم ملاحقتهم للصحابة في الحبشة، لتقليب رأي النجاشي عليهم، الا ان الله نصرهم، وايد النجاشي رايهم فسهد ان ما معهم من الحق، عو الناموس الذي جاء به عيسى عليه السلام، فعاد الكافرون خائبون بحيلتهم ضد الحق .
اخبر الوحي رسول الله بالاذن له بالهجرة الى المدينة، فطلب ابو بكر صحبته، وهيء رسول الله الخطة للخروج، دون ان يشعر اهل مكة وصناديد الكفر فيها، فانام علي في فراشه، وجهز الفرس والزاد لخروجه، واختار طريق الخروج خفية عن اعينهم، وامن وسيلة وصول الطعام اليهم، وكيف تمسح الاثار لاقدامهم، فكانت اسماء بنت ابي بكر لها مهمة الطعام، ولاخيها مهمة مسح الاثار، فكان ال ابي بكر لهم الحظوة الكبرى، في نصرة رسول الله، وتأمين هجرته صلى الله عليه وسلم .
حاصر صناديد الكفر بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من اول الليل، وانتظروا على بابه لخروجه لصلاة الفجر، لكن امر الله ومكره فوق امرهم ومكرهم، خرج رسول الله من بينهم، والقى على وجوههم الرمال، فعميت ابصارهم عن رؤيته، خرج سالما غانما من بين ايدهم، وعندما استيقظوا من عمههم، استطالوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتحموا بيته وهجموا على فراشه، فصعقوا بالمفاجأة ان عليا عليه السلام هو من في فراش رسول الله، عندها جن جنونهم، وبدأوا عدوانهم على علي رضي الله عنهم، واستجوابه عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عندما اكتشف الكفر خروج رسول الله، كان قد قطع مسافة بعيدة عن مكة، بصحبة ابا بكر رضى الله عنه، ورغم ذلك اعدت قريش العدة للحاق به، فخرجت تقص الاثر خلفه،وتبحث في كل طريق ومسار، عن خطواته، حتى كادوا أن يصلوا اليه، ووقفوا فوق الصخرة التي اختبأ تحتها، وعندها خاف ابو بكر على رسول الله، فقال يا رسول الله لو نظر احدهم الى قدمه لرأنا، فكان جواب الثقة بالله من رسول الله، لا تحزن ان الله معنا .
عادت قريش خائبة، لم تصل الى رسول الله، فدعاها غيظها، ان تعلن الجائزة الكبرى لمن جاء بمحمد حيا او ميتا، عندها يسمع سراقة بذلك، وهو من كان فارسا شديد المعرفة بقص لاثر، فيلحق برسول الله حتى يصل اليه، ولكن الرعاية الربانية، تجلت على رسول فيمنع من الاقتراب منه، فكل محاولة من سراقة للاقتراب من رسول الله، كانت فرسه تغوس بالرمال، حتى قال له رسول الله، كيف لك يا سراقة أن ابشرك ، أنك ستلبس سواري كسرى، مبشرا له باسلامه وجهاده في سبيل الله، وبيان أن كل وسائل الايقاف للحق وانتشاره لن تنفع مع الكفر وأهله .
فعاد سراقة مستبشرا حافظا لرسول الله محرضا على عدم اتباع الطريق التي سلكها، حتى جاء الزمن الذي فتح به عمر رضي الله عنه بيت المقدس، والبس سراقة ما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
نجحت خطة الهجرة لرسول الله، وبدات الخطوات تقترب من المدينة، وقد اعدو اهلها المؤمنين العدة لاستقباله صلى الله عليه وسلم، وفي طريقة يلتقي بخيمة ام معبد، التي استضافت رسول الله وابو بكر، ولكنها لم تجد ما تسقيه وتطعمه الا شاتها الضعيفه، فاخذها رسول الله بين يديه، ومسح على درعها ففاض اللبن منها، وقويت حتى فاقت غيرها، فشربوا من لبنها وفاض وعاء ام معبد منها، ثم تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعندما عاد زوجها ابو معبد، ذهل مما وجد من حال الشاة، وفيض اللبن منها، فقالت له انه زارها اليوم، رجلا لم ترى العين مثل حسنه، وجمال مطلعه صلى الله عليه وسلم، ووصفته في ابيات شعر، بينت فيه كمال الصفات والجمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
اهل رسول الله صلى الله على المدينة، وكان اول من اعلن وصوله يهودي، صدع للمسلمين ان صاحبكم قد وصل، فخرج المسلمون مهللين مكبرين لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غمرتهم السعادة والفرحة على اعظم ضيف يدخل مدينتهم، فقد دخل النور والحياة اليهم .
تقاتل الصحابة على من يستضيف رسول الله صلى الله في بيته، فكان الاختيار على ابو ايوب الانصاري، الذي اكرم رسول الله فجعل مجلسه فوق رأسه، وابى ان يجلس وزوجه في السطح العلوي من المنزل، كي لا تكون اقدامه فوق رسول الله .
سارت ناقة رسول الله، حيث امرهم ان يتركوها كونها مأمورة، حتى استراحت في ارض لايتام، فاشتراها رسول الله، ليعلن بناء المسجد النبوي في ذلك المكان .
بدا رسول الله باول ايام هجرته، بالاعداد لمقاومات القوة لبناء المجتمع الاسلامي، فأمر ببناء المسجد، ليكون مقر اجتماع المسلمين، وايقام صلواتهم وانصالهم بربهم، كما يكون مقر العلم والتعلم، ومقر انتشار فكرة الحق وقوة العقيدة، والتحدث بامور المسلمين، ووضع الحلول والشورى فيما بينهم .
ثم بدا خطوة اخرى، بأن اخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار، ليكون هناك قوة وحدوية، وقوة الاخوة في الدين، ومساواة الطبقة الاجتماعية، ونبذ اي عصبية جاهلية، فسارع الانصار الي الاسجابة، حتى كان الواحد منهم يقدم ماله وزوجه وبيته لنصرة اخيه المهاجر .
ثم اسس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوة اقتصادية، فبنى السوق القائم على المعاملات الربانية، فأضعف معاملات اليهود والمشركين، ليصبح سوق المسلمين اقوى قوة اقتصادية، تنتشر بين الناس ومعاملاتهم .
بدأت اقدام الدولة الاسلامية بالتثبت، ورغم ان الرسول صلى الله عليه وسلم، ما زالت تحيط به الكثير من المؤمرات، لصد ومنع نجاح دعوته، وقد زاد الاعداء عليه في المدينة، فقريش بقيت تلاحقه بتحالفاتها، واليهود والنصارى كان يحاججونه، ليثبتوا انهم احق بالرسالة، وان ما معهم هو الحق، ووجد النفاق واهله، وبدأ يبرز على السطح، ووجدت القبائل المحيطة التي تخشى امتداد دعوة محمد .
فلم يكن التاسيس للمدنية، سهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تهيأ له الظروف كلها، بسهولة الانتشار للدين ليبلغ العالمية، لكن الثقة بالله والصبر وقوة الفكرة الايمانية، والتحدي والتصدي لكل العقبات، كان اقوى من اي مؤامرة او قوة تحاول صد دين الله ورسالته .
اذن للذين يقاتلون وظلموا، أن يقاتلون عدوهم، فابتدأت المعارك ضد الكفر واهله، فوقعت اولى المعارك ببدر الكبرى، فنصر الله المرمنين وأيدهم، واعز الاسلام واهله، وبرزت معالم القوة العالمية الجديدة، لتبشر بتوسعها قريبا، فبدأ الخوف يجتاح قلوب الحاقدين، و كل من يسمع عن محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه .
جاءت معركة احد، لتكون مدرسة تربوية، للامة الى يوم الدين، لمعرفة سنة الله في النصر والتمكين، وان اي مخالفة لامر الله ورسوله، ستؤدي لكارثة الهلاك للامة، فحذر الله المؤمنين من الفشل في الدين، اي عدم ضعف الوزاع الايماني، وسيطرة الهوي على النفس، مما يؤدي للتنازع بينهم، ثم حدوث المعصية لله ورسوله .
فطمع بعض من وضعوا على الجبل لحماية ظهر المسلمين، فأغوتهم انفسهم بطمع قليل من الدنيا، وانساهم الشيطان امر الله ورسوله، وتنازعوا مع من رفضوا الاستجابة للهوى، فلم يمكثوا مكانهم كما امرهم رسول الله، ونازعتهم انفسهم لمطمع الغنائم، فوقع منهم المعصية، فكان ذلك ان دارت الدائرة عليهم بالهزيمة، فحاصر الكافرين رسول الله من خلفه وامامه، حتى كاد ان يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرزت قوة النفاق في اشاعة الفوضى والاضطراب بالمعركة، والادعاء ان محمد قد قتل، وانه لو كان رسولا لانتصر، فعاد ثلث الجيش الى المدينة، تاركا خلفه رسول الله وصحابته الثابتين، وارتد بعض منهم لجيش الكفار، وقتل سبعين من خيرة صحابة رسول الله، ومنهم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
صدع ابا سفيان بصوت الباطل، أن اعلو هبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته محاصرين في احد، فقال رسول الله لصحابته قولوا له: الله اعلى واعز، ثم استحلف ابا سفيان عمر، ان يخبره ان كان قتل رسول الله، فرد عليه انه حي يرزق، فصدقه بما قال، ثم اعلنت عزة الحق بان تصدع من فوق أحد، بأنا قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، والدائرة ستكون للحق قريبا، فينتصر ويعلو الكفر ويدمغه .
وهكذا بدأت المعارك تتوالى في التصدي للكفر، وانتشار فكرة الحق وقوتها، حتى بلغت فتحوحات الاسلام لاقصى المشارق والمغارب، كما بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
اهم فوائد الهجرة النبوية :
في احداث مكه:
١- ان الصبر والثبات والرباط اهم مقومات النصر والتمكين
٢- ان سنة الله في نشر دينه ودعوته، لا بد ان تلاحق من الكفر واهله .
٣- ان التغير لا بد ان يواجهه بمعركة قوية، تحتاج الى النفس الطويل والحكمة .
٤- ان الحصار والتجويع والقتل والتعذيب والاسر ونهب ممتلكات المؤمنين، سوف تمارس ضدهم من اهل الكفر .
٥- ان الهجرة والخروج من ارض الوطن، الى ارض ولو كانت ارض كفر، وجد فيها الامن على الدين والعقيدة، جائز ومستحب، فرار بدين الله .
٦- الاعداد المسبق لخطة ذكية ومحكمة، واخذ الاسباب كلها، بالحذر من الكقر واهله، بهجرة رسول الله، وتأمين وسائل النجاة كلها مع التوكل على الله .
٧- اختيار الصحبة الصالحة في الخروج لله
٨- بركة رسول الله وما اختصه الله من حفظ وحماية، سواء من سراقة، او شاة ام معبد .
٩- تحقق ما وعد الله لسراقة من سواري كسرى بعد سنوات .
١٠- ان العمل سرا للدعوة افضل، في حالة الخوف وعدم الامن .
١١- ان المراة لها دور كبير في الدعوة وتثبيت الدين ونصرة الحق.
بعض الفوائد في هجرة رسول الله للمدينة:
١- ابتدا رسول الله بتأسيس مكان للقوة العقدية والفكرية، ببناء المسجد ليعلن وحدة الفكرة وقوتها، فيكون المسجد مصدر الاتصال بالله، ونشر العقيدة والفكرة الايمانية، وحدة الامة براية التوحيد .
٢- تاسيس رسول الله للقوة الوحدوية واختفاء الطبقية الاجتماعية، والمساواة في العدالة الاجتماعية، ونفي للعصبية القبيلية وغيرها، لتكون وحدة الامة وقوتها بدينها وكتابها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم .
٣- القوة الاقتصادية، ببناء السوق على معاملات اسلامية، ونفي معاملات الربا والحرام، ليؤسس اقتصاد دولة الاسلام على ما احل الله، فيبارك في اقتصادها وينتشر بين العالمين ، كقوة اقتصادية مهيمنه بخيريتها ونجاحها .
٤- القوة العسكرية والجيش الاسلامي المؤمن، الذي تربي على منهج الله والرسول، فتارة يؤيد وينصر من الله، وتارة يربى ويؤدب، عند حدوث الخلل عما نهى الله عنه ورسوله، فكان خير جيش فتح البلاد، ونشر الاسلام لبقاع الارض .
انها اهم المقومات لقوة الامة، وانتشار فكرها ومنهجها، ليسود العالم، بما حمل فيه، من قوة الحق ومنبعه، وقوة الوحدة بالله ومنهجه، وقوة المال والاقتصاد ومنعته، وقوة الجيش واعداده عسكريا ومنهجيا على كتاب الله وسنته .
أمال ابو خديجة
ليس المقصد في هذه الذكرى، أن ننشغل بها في توزيع الحلوى، والاحتفال بالزينة والأناشيد المحمدية، بل الهدف الأعظم أن ننشغل في التدبر بمعاني الهجرة، واحداثها وما نتج عنها من مقومات القوة والعزة للاسلام .
نزل الوحي على الهادي المجتبى، ليعلن أن الأرض تتهيأ لتغير جذري، مخاطبا رسول الله بإقرأ ليكون البداية مع علم الله وكلامه واحكامه .
يهرع رسول الله الة لحضن خديجة رصى الله عنها، زملوني من عظمة وهول ما رأى، فنطقت الحكمة من فمها، والربط على قلب زوجها، فكانت أول من صدقت واسلمت، كيف لا وهي العالمة بدين ربها، القائمة على ملة الحق منذ منشأها.
جاءت المبشرات بأنك يا رسول الله، ستبلغ دين الله ورسالته للعالمين، وانك ستخوض معركة يتصدى لك فيها قومك، وستلقى منهم أذى لن تصمد الجبال أمامه .
لكن الاعداد الالهي والتربية الربانية، قد أتمت نشأة رسول الله، واعداده لتلك الامانة الكبرى والمهمة العظمى، أمام طوفان الطغيان والفساد .
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته للحق سرا، فمكث ثلاث سنين لا يظهر مظاهر الدين الجديد والشريعة الربانية أمام قومه، واختفى عن أنظارهم ليخاطب ويعمل من تبعه من الصحابة، بعيدا عن أنظار قومه وملأهم .
حتى جاء الخبر من السماء لرسول الله، بالجهر بالدعوة، وأن ينذر عشيرته الاقربين، فخرج رسول الله الى حضن الكعبه، ونادي بالناس هلمو الي، واخبرهم بأن لو اخبرتكم بان قافلة من الشام، الان قادمة عليكم اكنتم مصدقي، فأجمعو على صدق خبره ومانته حديثه، كيف لا وهو الصادق الأمين عندهم .
نطق رسول الله جهرا بأولى خطابه الدعوي لدين الله، ليعلن لهم أن التغير بدأ، وأن شمس نور الحق، ستضيء الارض من مشرقها لمغربها، فخاطبهم أني النذير البشير لكم، واني لا اغني عنكم من الله شيئا، فاعملوا وسابقوا الى ربكم، فخاطبهم بكنيتهم للايمان والعمل، حتى فاطمة يا بنت محمد اعملي، فإني لا اغني لك عند الله شيئا .
عند ذلك اهتزت قلوب وعقول صناديد الكفر، وبدأ العدوان من بدايته، فلفظ أبو لهب بقوله لرسول الله، تبا لك الهذا جمعتنا، ساخرا مستهينا بعظمة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، فكان من تبت يداه الى يوم الدين، والمسد في جيد امرأته .
ومع اعلان الدعوة الجهرية، بدأ الكفر يعلو بسهامهم وطرق التصدي لمحمد صلى الله عليه وسلم، فتفننوا في طرق الايذاء له ولصحابته، فبدأت الملاحق بالتعذيب والقتل والحصار والتجويع، ونهب المدخرات والبيوت والاموال وغير ذلك .
فوقع على الصحابة الايذاء الكبير، في سبيل الثبات على الحق ودعوة التوحيد، فضرب المثال في أل ياسر وصبرهم فكانت سمية اول شهيدة بالاسلام، وبلال العبد الحبشي الذي عذبه ابو جهل في حر الرمضاء، والقى الصخر على صدره،طالبا منه الشرك والكفر بدين محمد صلى الله عليه وسلم، فكان لا يرد الا أحد أحد، بقوة الثبات والرباط والصبر .
كان يمر رسول الله على صحابته، وهو يراهم كيف يعذبون ويأذون في دين الله، ولا يملك لهم شيئا، الا ان يقول لهم صبرا إن موعدكم الجنة، وكان يخاطبهم في المجالس ليذكرهم بحال من سبقهم، كيف كان يأتى بالمنشار فيقطع المؤمن به نصفين، فلا يدعوه ذلك على ترك دين الحق .
عانى رسول الله من الأذى والالم الشيء الكثير، فقد القي على رسول الله امعاء الجزور، وهو ساجد عند الكعبة، وحاول احد الصناديد قتله وخنقه من الخلف، فجاء ابو بكر وانقذه، وحاولوا دس السم في طعامه، كما حاولوا القاء الصخرة عليه لقتله، كما لاحقه عمه ابو لهب وامرأته في الايذاء الشديد، فكان يمشي وراءه ويقول لا تصدقوه انه مجنون، وكانت امرأته تهجوه وتسبه وتقول عنه مذمما، وهو المحمود محمدا صلى الله عليه وسلم .
عندما وصل حال الايذاء، الي اجتماعهم واتفاقهم على قتل رسول الله، ليتفرق دمه بين القبائل، اذن الله لرسوله بالهجرة، بعد ان سبق ذلك هجرة الصحابة للحبشة، عند ملك لا يظلم احد عنده، ورغم ملاحقتهم للصحابة في الحبشة، لتقليب رأي النجاشي عليهم، الا ان الله نصرهم، وايد النجاشي رايهم فسهد ان ما معهم من الحق، عو الناموس الذي جاء به عيسى عليه السلام، فعاد الكافرون خائبون بحيلتهم ضد الحق .
اخبر الوحي رسول الله بالاذن له بالهجرة الى المدينة، فطلب ابو بكر صحبته، وهيء رسول الله الخطة للخروج، دون ان يشعر اهل مكة وصناديد الكفر فيها، فانام علي في فراشه، وجهز الفرس والزاد لخروجه، واختار طريق الخروج خفية عن اعينهم، وامن وسيلة وصول الطعام اليهم، وكيف تمسح الاثار لاقدامهم، فكانت اسماء بنت ابي بكر لها مهمة الطعام، ولاخيها مهمة مسح الاثار، فكان ال ابي بكر لهم الحظوة الكبرى، في نصرة رسول الله، وتأمين هجرته صلى الله عليه وسلم .
حاصر صناديد الكفر بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من اول الليل، وانتظروا على بابه لخروجه لصلاة الفجر، لكن امر الله ومكره فوق امرهم ومكرهم، خرج رسول الله من بينهم، والقى على وجوههم الرمال، فعميت ابصارهم عن رؤيته، خرج سالما غانما من بين ايدهم، وعندما استيقظوا من عمههم، استطالوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتحموا بيته وهجموا على فراشه، فصعقوا بالمفاجأة ان عليا عليه السلام هو من في فراش رسول الله، عندها جن جنونهم، وبدأوا عدوانهم على علي رضي الله عنهم، واستجوابه عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عندما اكتشف الكفر خروج رسول الله، كان قد قطع مسافة بعيدة عن مكة، بصحبة ابا بكر رضى الله عنه، ورغم ذلك اعدت قريش العدة للحاق به، فخرجت تقص الاثر خلفه،وتبحث في كل طريق ومسار، عن خطواته، حتى كادوا أن يصلوا اليه، ووقفوا فوق الصخرة التي اختبأ تحتها، وعندها خاف ابو بكر على رسول الله، فقال يا رسول الله لو نظر احدهم الى قدمه لرأنا، فكان جواب الثقة بالله من رسول الله، لا تحزن ان الله معنا .
عادت قريش خائبة، لم تصل الى رسول الله، فدعاها غيظها، ان تعلن الجائزة الكبرى لمن جاء بمحمد حيا او ميتا، عندها يسمع سراقة بذلك، وهو من كان فارسا شديد المعرفة بقص لاثر، فيلحق برسول الله حتى يصل اليه، ولكن الرعاية الربانية، تجلت على رسول فيمنع من الاقتراب منه، فكل محاولة من سراقة للاقتراب من رسول الله، كانت فرسه تغوس بالرمال، حتى قال له رسول الله، كيف لك يا سراقة أن ابشرك ، أنك ستلبس سواري كسرى، مبشرا له باسلامه وجهاده في سبيل الله، وبيان أن كل وسائل الايقاف للحق وانتشاره لن تنفع مع الكفر وأهله .
فعاد سراقة مستبشرا حافظا لرسول الله محرضا على عدم اتباع الطريق التي سلكها، حتى جاء الزمن الذي فتح به عمر رضي الله عنه بيت المقدس، والبس سراقة ما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
نجحت خطة الهجرة لرسول الله، وبدات الخطوات تقترب من المدينة، وقد اعدو اهلها المؤمنين العدة لاستقباله صلى الله عليه وسلم، وفي طريقة يلتقي بخيمة ام معبد، التي استضافت رسول الله وابو بكر، ولكنها لم تجد ما تسقيه وتطعمه الا شاتها الضعيفه، فاخذها رسول الله بين يديه، ومسح على درعها ففاض اللبن منها، وقويت حتى فاقت غيرها، فشربوا من لبنها وفاض وعاء ام معبد منها، ثم تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعندما عاد زوجها ابو معبد، ذهل مما وجد من حال الشاة، وفيض اللبن منها، فقالت له انه زارها اليوم، رجلا لم ترى العين مثل حسنه، وجمال مطلعه صلى الله عليه وسلم، ووصفته في ابيات شعر، بينت فيه كمال الصفات والجمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
اهل رسول الله صلى الله على المدينة، وكان اول من اعلن وصوله يهودي، صدع للمسلمين ان صاحبكم قد وصل، فخرج المسلمون مهللين مكبرين لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غمرتهم السعادة والفرحة على اعظم ضيف يدخل مدينتهم، فقد دخل النور والحياة اليهم .
تقاتل الصحابة على من يستضيف رسول الله صلى الله في بيته، فكان الاختيار على ابو ايوب الانصاري، الذي اكرم رسول الله فجعل مجلسه فوق رأسه، وابى ان يجلس وزوجه في السطح العلوي من المنزل، كي لا تكون اقدامه فوق رسول الله .
سارت ناقة رسول الله، حيث امرهم ان يتركوها كونها مأمورة، حتى استراحت في ارض لايتام، فاشتراها رسول الله، ليعلن بناء المسجد النبوي في ذلك المكان .
بدا رسول الله باول ايام هجرته، بالاعداد لمقاومات القوة لبناء المجتمع الاسلامي، فأمر ببناء المسجد، ليكون مقر اجتماع المسلمين، وايقام صلواتهم وانصالهم بربهم، كما يكون مقر العلم والتعلم، ومقر انتشار فكرة الحق وقوة العقيدة، والتحدث بامور المسلمين، ووضع الحلول والشورى فيما بينهم .
ثم بدا خطوة اخرى، بأن اخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار، ليكون هناك قوة وحدوية، وقوة الاخوة في الدين، ومساواة الطبقة الاجتماعية، ونبذ اي عصبية جاهلية، فسارع الانصار الي الاسجابة، حتى كان الواحد منهم يقدم ماله وزوجه وبيته لنصرة اخيه المهاجر .
ثم اسس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوة اقتصادية، فبنى السوق القائم على المعاملات الربانية، فأضعف معاملات اليهود والمشركين، ليصبح سوق المسلمين اقوى قوة اقتصادية، تنتشر بين الناس ومعاملاتهم .
بدأت اقدام الدولة الاسلامية بالتثبت، ورغم ان الرسول صلى الله عليه وسلم، ما زالت تحيط به الكثير من المؤمرات، لصد ومنع نجاح دعوته، وقد زاد الاعداء عليه في المدينة، فقريش بقيت تلاحقه بتحالفاتها، واليهود والنصارى كان يحاججونه، ليثبتوا انهم احق بالرسالة، وان ما معهم هو الحق، ووجد النفاق واهله، وبدأ يبرز على السطح، ووجدت القبائل المحيطة التي تخشى امتداد دعوة محمد .
فلم يكن التاسيس للمدنية، سهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تهيأ له الظروف كلها، بسهولة الانتشار للدين ليبلغ العالمية، لكن الثقة بالله والصبر وقوة الفكرة الايمانية، والتحدي والتصدي لكل العقبات، كان اقوى من اي مؤامرة او قوة تحاول صد دين الله ورسالته .
اذن للذين يقاتلون وظلموا، أن يقاتلون عدوهم، فابتدأت المعارك ضد الكفر واهله، فوقعت اولى المعارك ببدر الكبرى، فنصر الله المرمنين وأيدهم، واعز الاسلام واهله، وبرزت معالم القوة العالمية الجديدة، لتبشر بتوسعها قريبا، فبدأ الخوف يجتاح قلوب الحاقدين، و كل من يسمع عن محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه .
جاءت معركة احد، لتكون مدرسة تربوية، للامة الى يوم الدين، لمعرفة سنة الله في النصر والتمكين، وان اي مخالفة لامر الله ورسوله، ستؤدي لكارثة الهلاك للامة، فحذر الله المؤمنين من الفشل في الدين، اي عدم ضعف الوزاع الايماني، وسيطرة الهوي على النفس، مما يؤدي للتنازع بينهم، ثم حدوث المعصية لله ورسوله .
فطمع بعض من وضعوا على الجبل لحماية ظهر المسلمين، فأغوتهم انفسهم بطمع قليل من الدنيا، وانساهم الشيطان امر الله ورسوله، وتنازعوا مع من رفضوا الاستجابة للهوى، فلم يمكثوا مكانهم كما امرهم رسول الله، ونازعتهم انفسهم لمطمع الغنائم، فوقع منهم المعصية، فكان ذلك ان دارت الدائرة عليهم بالهزيمة، فحاصر الكافرين رسول الله من خلفه وامامه، حتى كاد ان يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرزت قوة النفاق في اشاعة الفوضى والاضطراب بالمعركة، والادعاء ان محمد قد قتل، وانه لو كان رسولا لانتصر، فعاد ثلث الجيش الى المدينة، تاركا خلفه رسول الله وصحابته الثابتين، وارتد بعض منهم لجيش الكفار، وقتل سبعين من خيرة صحابة رسول الله، ومنهم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
صدع ابا سفيان بصوت الباطل، أن اعلو هبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته محاصرين في احد، فقال رسول الله لصحابته قولوا له: الله اعلى واعز، ثم استحلف ابا سفيان عمر، ان يخبره ان كان قتل رسول الله، فرد عليه انه حي يرزق، فصدقه بما قال، ثم اعلنت عزة الحق بان تصدع من فوق أحد، بأنا قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، والدائرة ستكون للحق قريبا، فينتصر ويعلو الكفر ويدمغه .
وهكذا بدأت المعارك تتوالى في التصدي للكفر، وانتشار فكرة الحق وقوتها، حتى بلغت فتحوحات الاسلام لاقصى المشارق والمغارب، كما بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
اهم فوائد الهجرة النبوية :
في احداث مكه:
١- ان الصبر والثبات والرباط اهم مقومات النصر والتمكين
٢- ان سنة الله في نشر دينه ودعوته، لا بد ان تلاحق من الكفر واهله .
٣- ان التغير لا بد ان يواجهه بمعركة قوية، تحتاج الى النفس الطويل والحكمة .
٤- ان الحصار والتجويع والقتل والتعذيب والاسر ونهب ممتلكات المؤمنين، سوف تمارس ضدهم من اهل الكفر .
٥- ان الهجرة والخروج من ارض الوطن، الى ارض ولو كانت ارض كفر، وجد فيها الامن على الدين والعقيدة، جائز ومستحب، فرار بدين الله .
٦- الاعداد المسبق لخطة ذكية ومحكمة، واخذ الاسباب كلها، بالحذر من الكقر واهله، بهجرة رسول الله، وتأمين وسائل النجاة كلها مع التوكل على الله .
٧- اختيار الصحبة الصالحة في الخروج لله
٨- بركة رسول الله وما اختصه الله من حفظ وحماية، سواء من سراقة، او شاة ام معبد .
٩- تحقق ما وعد الله لسراقة من سواري كسرى بعد سنوات .
١٠- ان العمل سرا للدعوة افضل، في حالة الخوف وعدم الامن .
١١- ان المراة لها دور كبير في الدعوة وتثبيت الدين ونصرة الحق.
بعض الفوائد في هجرة رسول الله للمدينة:
١- ابتدا رسول الله بتأسيس مكان للقوة العقدية والفكرية، ببناء المسجد ليعلن وحدة الفكرة وقوتها، فيكون المسجد مصدر الاتصال بالله، ونشر العقيدة والفكرة الايمانية، وحدة الامة براية التوحيد .
٢- تاسيس رسول الله للقوة الوحدوية واختفاء الطبقية الاجتماعية، والمساواة في العدالة الاجتماعية، ونفي للعصبية القبيلية وغيرها، لتكون وحدة الامة وقوتها بدينها وكتابها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم .
٣- القوة الاقتصادية، ببناء السوق على معاملات اسلامية، ونفي معاملات الربا والحرام، ليؤسس اقتصاد دولة الاسلام على ما احل الله، فيبارك في اقتصادها وينتشر بين العالمين ، كقوة اقتصادية مهيمنه بخيريتها ونجاحها .
٤- القوة العسكرية والجيش الاسلامي المؤمن، الذي تربي على منهج الله والرسول، فتارة يؤيد وينصر من الله، وتارة يربى ويؤدب، عند حدوث الخلل عما نهى الله عنه ورسوله، فكان خير جيش فتح البلاد، ونشر الاسلام لبقاع الارض .
انها اهم المقومات لقوة الامة، وانتشار فكرها ومنهجها، ليسود العالم، بما حمل فيه، من قوة الحق ومنبعه، وقوة الوحدة بالله ومنهجه، وقوة المال والاقتصاد ومنعته، وقوة الجيش واعداده عسكريا ومنهجيا على كتاب الله وسنته .
أمال ابو خديجة