تأملات في بعض آيات

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,179
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر



السعيد كتاب ربِّه قراءةً وسماعًا وحفظًا وتدبرًا وعملًا، والعبد التعيس البائس هو من خلَّف الكتاب وراء ظهره، لا يأتمر بأوامره، ولا ينتهي عن نواهيه، ثم جعل إله هواه، هذا وقد ندبنا الله في أكثر من آية إلى تدبُّر كتابه، فقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]،﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون: 68]، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29].


وها هي بعض التأمُّلات لي في بعض آيات استوقفتني:

الآية الأولى:

فرغم وجازة ألفاظها فدروسها وفوائدها كثيرةٌ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14].

١- الموت قضاء من الله على العباد لن يفلت منه أحد حتى الأنبياء والملائكة.

٢- تحريم أجساد الأنبياء على الأرض أن تأكلها، فقد قيل: إنه ظلَّ سنةً ميتًا وهو متكئ على المنسأة وهي العصا.

٣- قدرة الله تعالى حيث أمسك سليمان عن السقوط رغم مفارقته للحياة على خلاف عادة من يموت.

٤- ملك سليمان عليه السلام الكبير وتسخير الجن له.

٥- الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، فقد مات الملك وترك ملكه وذهب إلى مولاه ليحاسبه.


٦- الحشرات والدوابُّ وإن صغرت من جنود الله تعالى سخرها لإظهار حكمته.


٧- لا يعلم الجن الغيب؛ فمفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله، ففي الآية إبطال لاعتقاد البعض بأن الجن يعلم الغيب.


.٨- إثبات حكمة الله ولطفه سبحانه.


فسبحان من أودع كتابه العبر والعظات رغم وجازة العبارات.

❤❤❤

الآية الثانية:

تأمَّل دعاء سليمان عليه السلام وتدبره: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19].



من درر الآية:

١- المسلم ديدنُه شكرُ ربِّه، فهذا سليمان لما رأى نِعَم الله تنزل عليه فزع إلى الشكر.



٢- لن تستطيع شكر ربِّك إلا بتوفيقه وإلهامه لك ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾، والتوفيق للشكر يحتاج إلى شكر آخر، فستظل دائمًا يلهج لسانُك وقلبُك بقول: ((أبوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عليَّ وأبُوءُ لكَ بذَنْبي))، وبقول: ((لا أُحصي ثناءً عليكَ أنت كما أثنيتَ على نفسِكَ)).



٣- ﴿ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾: لم ينس والديه، فهما سبب وجوده، ولهما فضل عليه ما يسرهما يسرُّه، وما يحزنهما يقلقه، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41]، قدَّم والديه على سائر المؤمنين؛ لمكانتهما وفضلهما وكذا فعل نوح فقال: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾ [نوح: 28].



٤- ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾؛ المهم هو تعليق قلبك برضا الله، هل سيرضى بعد العمل فضلًا منه ورحمة أم سيردُّ العمل عدلًا منه وحكمةً.



٥- صلاح العمل يقتضي أمرين: الإخلاص، والاتِّباع، وبعد ذلك سَلْ ربَّك القَبول والرِّضا.



٦- أعمالك الصالحة كلها بتوفيق الله وإلهامه لك، فلمَ تعجب بها وأنت لا حول ولا قوة لك إلا بالله، فلولاه ما فعلت شيئًا؟!



٧- ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾: علم عليه السلام أنه لا دخول للجنة بعمله رغم كونه نبيًّا صالحًا؛ وإنما برحمة الله ابتداءً، وهذا يُذكِّرك بسيِّد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: ((لن يُنجِّيَ أحدًا منكم عملُه))، قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((ولا أنا، إلَّا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمةٍ، سدِّدوا وقارِبوا، واغْدُوا ورُوحوا، وشيءٌ من الدُّلجةِ، والقصدَ القصدَ تبلُغوا))؛ رواه البخاري ومسلم، هذا حال الأنبياء، فما حالنا نحن مع الله.



٨- ﴿ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾، فالشرف كل الشرف أن تعيش وتموت وتُحشَر عبدًا لله صالحًا مع عباده الصالحين تأنس بهم، ويأنسون بك.



9- أهمية الثناء على الله بين يدي الدعاء، ومَن تأمَّل الفاتحة وكذا أدعية النبي يفهم ذلك جيدًا، فانظر إلى ثناء سليمان بين يدي دعائه هنا، وكذا دعاء الرجل الصالح في الآية الأخرى.



10- قال تعالى في آية أخرى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15].

فبضم هذه الآية إلى تلك إذا ما قدمت هذا الثناء الذي نقله لنا الله في كتابه من أجل أن يُقال ثم تذكر هذه الأدعية الدعاء بالدخول برحمة الله في الصالحين وصلاح الذرية بعد تقديم التوبة والاستسلام.

❤❤❤

الآية الثالثة:

بينما أنا أقرأ في وردي استوقفتني هذه الآية وكررتها من حلاوتها وما انقدح في ذهني من معانٍ ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76].

1- الله بعظمته وجلاله كاد لعبد من عباده.



2- أثبت مشيئته سبحانه لشيئين:

أ- بقاء بنيامين مع أخيه يوسف.

ب- ورفع أناس درجات، فلولا مشيئته لما تمَّ الأمرانِ.



3- ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾: فيها إشارة إلى أن العلم من أسباب رفعة الدرجات، وهذا قد قرَّره الله في قوله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11].



4- لا بد للمرء من زيادة علمه وفقهه في الدين بإخلاص ليكتسب:

أ. رفعة درجته في الجنة.

ب. معرفة أن الله أراد به خيرًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يُرِد اللهُ بهِ خَيْرًا يفقهه في الدِّين)).



الخلاصة: أرِ الله من نفسِك خيرًا وفقهًا وعلمًا لتستشعر إرادته الخير بك، وليرفع درجتك في الجنة.

❤❤❤

الآية الرابعة:

حينما تسمع قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النحل: 93] لا بُدَّ أن توقن أن إضلاله لأحد أو هدايته لا يكون إلا بمشيئته، ومشيئته مبنية على عدله وحكمته، وذلك المعنى يحصل لك بجمع النصوص، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ [الرعد: 27]، فأخبر هنا أنه يهدي من أناب إليه، وأخبر أنه يضل من يشاء، وربما تتساءل من هم الذين يُضلهم الله، فيخبرك سبحانه فيقول: ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].



انظر قال: ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ﴾ لما ظلموا أضلَّهم، ولما زاغوا أزاغ قلوبهم، ولما لم يؤمنوا أول مرة قلب أفئدتهم وأبصارهم، ولما انصرفوا صرف الله قلوبهم؛ لكنه قال: ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ ليعلم الناس أنه هو الرب سبحانه وحده، لا معقب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون؛ ولكنه من رحمته بعباده يخبرهم بتعليلاته وحِكَمِه، ومن هذا قوله: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإنسان: 30، 31]، فهنا أخبر أن مشيئة الخلق تابعة لمشيئته، وطمأنهم بقوله: إن الله كان عليمًا حكيمًا، فمشيئته عن علم وحكمة؛ لذا يدخل من يشاء في رحمته فضلًا منه ونعمة، ﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ عدلًا منه وحكمة سبحانه وبحمده ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4].

❤❤❤

الآية الخامسة:

قال تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ [النور: 31]:

١- شدة ميل المرأة للرجل لدرجة أنها تضرب برجلها الأرض ليسمع الرجال صوت خلخالها ولينظروا لها وزينتها.



٢- ضعف قلوب الرجال تجاه المرأة وزينتها لدرجة أن صوت الخلخال يهزُّ ويُزلزل قلوبَهم، فما بالك بباقي الزينة!



٣- خطورة أمر الاختلاط على الفرد والمجتمع.



٤- الكعب العالي الذي يُحدِث صوتًا عند المشي يأخذ نفس الحكم.



٥- علم الله لما بذات الصدور بالنسبة للمرأة والرجل أيضًا.



٦- أن الحجاب ليس مظهرًا خارجيًّا فقط؛ إنما ينبغي معه الاهتمام بأمر القلب وعفَّته وطهارته وسلامته.



٧- البون الشاسع بين مُتبرِّجات الأمس ومتبرِّجات اليوم بالأمس كن يضربن بالأرجُل ليعلم الرجال الزينة المخفية، أما اليوم فالزينة لم تعد مخفيةً، فكل شيءٍ قد ظهَرَ وبان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

❤❤❤

الآية السادسة:

يا لدهشة زكريا وتعجبه ﴿ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ [آل عمران: 37]، فلما أجابته مريم قائلة: ﴿ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37] توجه داعيًا بالذرية الطيبة، ولم يحدد جنسها، فإذا به يسمع نداء الملائكة مبشرة له في أحب وقت له وهو قائم يُصلي في المحراب، فليت شعري كيف كان صوت الملائكة وكيف كان إحساس زكريا ساعتها لما سمِع صوت الملائكة ثم يندهش أكثر بقولهم: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾ [آل عمران: 39] فيقول: ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ [آل عمران: 40]، فتأتيه الإجابة الفاصلة الدالة على قدرة الله البالغة: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40].

❤❤❤

الآية السابعة:

قول النصارى: إن عيسى هو ابن الله، وهو جزء منه، وقد أرسله ليُخلِّص الناس من خطيئة آدم فيه، نقص ينسبونه لله من جهات الأولى نسبوا الولد لله، والله سبحانه هو الغني.

الثانية: نسبوا له صاحبة تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.



الثالثة: كيف يسمح الإله بتعذيب جزء منه بزعمهم الباطل بصلبه والتنكيل به.



الرابعة: كيف يموت الإله ويكون إلهًا.



الخامسة: ألم يك قادرًا على غفران خطيئة آدم دون هذه الترهات، ففي ذلك انتقاص من قدرة الله.



السادسة: لا تلازم بين خلقه سبحانه لعيسى من أُمٍّ بلا أب، وبين زعمهم أن الله هو الأب.



فآدم آية خلقه أكبر، استمع لقول ربك: ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم: 35، 36].

❤❤❤

الآية الثامنة:

كي تستقيم تحتاج إلى أمرين هامَّينِ: الأول: القرآن والعناية به وبفهمه، الثاني والأهم: الإلحاح على الله في الدعاء أن يرزقك الاستقامة، فلو لم يشأ لن تستقيم ومن داوم طرقَ البابِ فُتِح له تأمل قول الله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 27 - 29].

❤❤❤

التأمل التاسع:

سؤالات إجابتها جميعًا لا، ولا ينفع ساعتها الندم، فاستعدَّ من الآن حبيبي، تأمَّل السؤالات، وزحزح نفسك عن النار بفعل ما يُرضي مولاك وترك ما يسخطه: ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ [الأعراف: 53]، ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [إبراهيم: 21]، ﴿ فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [غافر: 11]، ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴾ [غافر: 47].

❤❤❤

التأمل العاشر:

تأملات في المراقبة لم تغب عن عينه أبدًا؛ يرقب حركاتك وحركات عينيك وخطراتك ونياتك، يبصرك ويمهلك ريثما يلقاك فاضبط حالك ﴿ ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ [المدثر: 21، 22] ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴾ [القيامة: 33]، ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ [القلم: 23، 24]، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، ﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ [الانشقاق: 15]، ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴾ [مريم: 84].

❤❤❤

التأمل الحادي عشر:

التفكُّر في خلق الله: تأملت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجد فيها كثير حديث في أمر التفكُّر في خلق الله، سواء كان أمرًا من الرسول أو نهيًا عن الإعراض عن التفكُّر، أو كان الحديث في الترغيب فيه، أو ذكر فضله، اللهم إلا نذرًا يسيرًا، فقلت في نفسي: لماذا؟ والإجابة والعلم عند الله أن القرآن قد قام بهذه المهمة كاملة، فلا تكاد تجد صفحةً في القرآن إلا وفيها تفكُّر في خلق الله؛ ذلكم لأن إيمان كل واحد منَّا يشحن ويزيد ويسمو بالتفكُّر في خلق الله (آيات الله الكونية)، وكذا التفكُّر والتدبُّر لآيات القرآن (آيات الله الشرعية)، فجعل الله القرآن محلًّا للتفكُّر في آياته الكونية.



ولو ذهبت للإتيان بكل الآيات التي تتكلَّم عن التفكُّر في خلق الله أو الحث عليه أو ذم الإعراض عنه، لطال المقام جدًّا، فهو أمر يحتاج تفصيله إلى مجلدات؛ لكن تأمل معي هذه الآيات: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 99]، ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 6]، ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101]، ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105].



﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 2 - 4]، ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد: 8، 9]، ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 12، 13]، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم: 32، 33].



ناهيك عن سورة النحل التي لو سميت سورة التفكُّر لما كنت مبالغًا، وجزء من سورة النور والفرقان والمؤمنون والنمل وغيرها من السور.



الخلاصة التفكُّر عبادة عظيمة هُجِرت من الأكثرين، اجعل لك منها نصيبًا وافرًا تسعد في دنياك وآخرتك بإذن الله، وسِّع حدقة تفكُّرك وتأمُّلك في الكون لتُعظِّم ربَّك ذي الجلال والإكرام، فتزداد منه خشية وإليه إنابة ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27، 28].



هناك مَن يَعِظُك وهو صامت، هناك من يعطيك اليقين بلا كلمة واحدة منه، هناك كون جميل متناسق عجيب يدلك على الله وصفاته وعظمته، كونٌ يجعلك كلما تفكَّرت فيه تخاف من خالقه وتحبه في نفس الوقت، تأمَّل قول الله فيمن تَفَكَّر في الكون فأصاب ذلك قلبه بالخوف ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27، 28].



ا ❤❤❤

التأمل الثاني عشر:

الرزق في سورة الشورى: مَن تأمَّل الآيات الثلاث علم أن اسم الله الرازق يستلزم العلم المسبق باحتياجات العباد، وكذا سمعه وبصره وخبرته، وكذلك القوة في إيصال الأرزاق لكل الخلائق وعدم ممانعة أحد لقوَّته، فهو العزيز الذي لا يعز ولا يصعب عليه شيء، فاسم الله الرزاق يستلزم معاني أسمائه العليم والخبير والسميع والبصير والعزيز والقوي والمتين ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 12]، ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: 19]، ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27].

❤❤❤

التأمل الثالث عشر:

تأمل في سورة النحل: من تدبَّر سورة النحل يشعر أنه كلما يقرأ أو تُتلى عليه آياتها زاد شعوره بفيض أنعم الله عليه، وزاد شعوره بعجزه عن الإحصاء فضلًا عن الشكر، وهذا من مقاصد السورة أن تبوء إلى الله بنعمه عليك، وتبوء بذنبك وتقصيرك في الشكر، تأمَّل قوله سبحانه في سورة النحل ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 14]، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18]، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53]، ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [النحل: 71]، ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ [النحل: 72]، ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل: 81]، ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [النحل: 83]، ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، ﴿ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: 114]، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 120، 121].



وقد رُوي أن موسى عليه السلام قال: ((يا رب، كيف أشكرك حق شكرك، وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليَّ؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني حين علمت أنَّ ذلك مني)).


شبكة الالوكة



​
 
[td]
تأملات في سورة الفاتحة


﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ [الفاتحة: 2]:

كل كلمة في قاموس الشخص مرتبطة بمعنى خاص عنده، فالكلمة قد تغضب شخصًا، ونفسها قد تفرح شخصًا آخر، وتكرار الكلام المحبب للنفس يزيدها حبورًا، وكلمة "الحمد لله" مرتبطة في قاموس كل مسلم بالخير والسعادة، وتكرارها يشعر النفس بالارتياح والسكون، ومن رحمة الله بنا أن أوجب علينا تكرارها في كل يوم.. فالحمد لله.. الحمد لله.​



﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾:
​

الذي خلقنا من العدم، وربانا هو المستحق للحمد، والشكر، والتوجه إليه، كلمة "رب" تعطي معنى عميقًا جدًا، الذي ربانا ونحن صغار لن يضيعنا ونحن كبار، الذي حمانا من أخطار لم نكن نعرفها، ويسر لنا مصادر الرزق، وأكرمنا بنعمة الإسلام، لن يجعلنا لقمة سائغة للمعتدين متى ما عرفناه حق معرفته، عندما تضيق بك السبل، وترى شخصًا يكبر في عينيك، وتريد بث الشكوى إليه، تذكر أن الذي رباه رباك، وأن الذي أعطاه يعطيك.. لا تشكُ الخالق للمخلوق.. المخلوق ضعيف مثلك.​



﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]:
​

الكون في ظل الرحمن؛ فمزق ورقة همومك فإن ما أصابك هو الخير، والله كتبه لحكمة..​

لا تظن أنك أعرف بمصالحك، الذي خلقك أعلم بك وبخطرات نفسك، ويرى ويسمع دبيب همومك..​

ارحم نفسك، ارحم زوجك، ارحم أطفالك، لا تبك على الماضي، ولا تقلق للمستقبل، الرحمن هو الذي يدير الكون، إذا أخطأت وأذنبت لا تظن أنك الفاشل الذي لا أمل في نجاحه، سامح نفسك، وأيقظ قلبك..​

هيَّا سر فالجنة والفوز لك، والبشائر تنتظرك..​



﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]:
​

عندما تستأسد الشياه، ويُستسمن الورم.. ويُسند الأمر إلى غير أهله..​

عندما تظلم ويؤكل حقك، لا تظن أن الأمر قد انتهى.. هناك يوم الدين...​

عندما تريد ظلم بشر.. تمهل قليلًا.. وتذكر يوم الدين..​

لا تظلم من لا يجد ناصرًا عليك إلا الله..​

الدنيا بداية وليست نهاية.. فمالي أراك في كل مجلس تنوح على حقك المسروق؟!.. سيأتيك، لا تقلق.​



﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]:
​

الحق يا الله أنك أنت المعبود.. وما الدنيا إلا ذلك الفتات الساقط.. لعبنا بها.. ولعبت بنا.. حاولنا التهامها.. فغصصنا.. لم تهضم، ولم تُلفظ..​

كلما أردنا مناداتك ياألله خرجت حروف متقطعة " ي ا أ ل ل ا ه" لا تتركنا.. توجهنا إليك أنت المستحق للعبادة.. إن لم تصرف عنا كيد الدنيا نَصْبُ إليها ونكن من الجاهلين.. "ياألله".​

إياك نستعين.. أمدنا بقوة منك نكسر بها شوكة شهواتنا، أمدنا بقوة منك نحقق مرضاتك، أعنا على أنفسنا والشيطان.​

"إياك نستعين" فلن نصل لأهدافنا دون عونك يا معين أعنا.​

في هذه الآية تحديد نقطة الانطلاق..​



﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]:
​

الهداية هي أول مطلوب نتوجه إليك لتحقيقه ياألله.. أهدنا الصراط المستقيم في جميع شؤوننا.​

"نا" هذا الضمير فيه طلب الهداية لي، وللناس جميعًا، فيه استشعار معاني الأخوة.. ديننا يربي على المعاني النبيلة حتى في الموقف العظيم الذي لا يذكر فيه الإنسان إلا نفسه، يربينا الدين على أن لنا إخوانًا هم بأمس الحاجة لمساعدتنا بالدعاء.. ويمتد الشعور إلى جميع المساعدات الإنسانية.​

تناقض عجيب أن تدعو في وقت إجابة الدعاء لأخيك بأفضل شيء.. بالهداية، ثم عندما تخرج تحسده على لقيمات لا تقيم صلبه.​

في هذه الآية تحديد الهدف.. الهداية.​



﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]:
​

أنعمتَ.. أنتَ ياألله عليهم، فكل نعمة منك.​

قلِّب نظرك كيف شئت.. فالله هو الذي سخر لك هذا.. وما كنا له مقرنين.. وإنا إلى ربنا لمنقلبون..​

لا تنظر في عطفيك، ولا تقل أوتيته على علم عندي، حتى لا تُخسف في غيابات الجحود.​

عندما ترى أن لك فضلًا.. وأنه لولا ولولاك.. وأنك طلاع الثنايا.. تلفت يمنه ويسره وطأطئ رأسك ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ [الإنسان: 2].. أنت مسخر مخلوق، لست الخالق الرازق، سخرك الله لخلقه كي يثيبك، وهو قادر على أن يصرف الخير لغيرك.. فطأطئ رأسك.​

في هذه الآية فائدة أن كل هدف لا بد له من قدوات.. والذين أنعم الله عليهم هم القدوات إلى الجنة.. فالتمعن في سيرهم.. يوصلنا إلى ما وصلوا إليه-بإذن الله-.​



﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]:
​

المغضوب عليه هو الذي يعرف الحق ويعرض عنه، لم يقل (غضبت عليهم)، بل قال (المغضوب) دلالة على أن المتكبر على الحق الكل غاضب عليه؛ الله وملائكته والناس أجمعون.. حتى الأرض التي يمشي عليها.. حتى اللقمة لا تود أن تكون زاده حتى لا يتمادى في كبره.. والضال هو كل من يعمل على جهل.. والكبر والجهل هما أعداء النجاح.. وهما عوائق الوصول للهدف.​

في هذه الآية بيان مزالق الطرق والسبل المضللة عن الهدف.​

اللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.. آمين.. آمين..​


د. مرضي بن مشوح العنزي
​

شبكة الالوكة ​

​
[/td]​
[td]
​
[/td]​
[td]
​
[/td]​
 
عودة
أعلى