تأملات في آية الكرسي...

أبو عبد المعز

Well-known member
إنضم
20/04/2003
المشاركات
744
مستوى التفاعل
48
النقاط
28
تأملات في آية الكرسي



اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة : 255]



1- هذا التناوب البديع بين الإثبات والنفي:

إثبات : اللَّهُ...

نفي: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ...

إثبات: الْحَيُّ الْقَيُّومُ...

نفي: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ...

إثبات: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ...

نفي : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( الاستفهام هنا بمعنى النفي بدليل الاستثناء)

إثبات : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...

نفي: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ...

إثبات: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...

نفي: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا...

إثبات: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

لعل في تناوب الإثبات والنفي في هذه الآية الشريفة إشارة رمزية إلى بناء كلمة التوحيد على الشقين: الإثبات والنفي، فلا يقبل الإثبات إلا مقترنا بالنفي ...فعبادة الله لا تعتبر إلا مع نفي كل إله عداه...وإلا فكل مشرك هوعابد لله بالضرورة- لكنه ليس بموحد إذ يعبد معه غيره-!
 
2-

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ


لماذا قدم "السنة" على "النوم"، وهل يجوزعكس الترتيب؟

نحتاج- قبل الجواب - إلى تقديم نظرية من علم البلاغة التداولية تتعلق بقاعدة عطف الوحدات المنتمية إلى جنس واحد (أو حقل دلالي واحد)عندما تتفاوت في الكم أو الكيف...فهل يعطف الأدنى والأصغر على الأعلى والأكبرأم العكس...

في المسألة تفصيل صغير:

في حال النفي يقدم الأكبر والأكثر.

في حال الإثبات يقدم الأصغر و الأقل...

والعلة في ذلك هي أصالة (التأسيس) في تقديم المعنى ورجحانه على (التأكيد)...

وبالمثال يتضح المقال كما يقال:

"فلان يعطي الدرهم والدينار"

الدرهم والدينارمتجانسان لكنهما متفاوتان كما ونوعا ( الدرهم فضة والدينار ذهب والدينار يساوي عشرة دراهم على الأقل). في الإثبات يقدم الدرهم- كما في المثال- لأن المتلقي عندما يسمع "فلان يعطي الدرهم ..." فقد يتبادر إلى ذهنه أنه يعطي القليل فقط، وعندما يسمع تتمة الكلام ".....والدينار" سيدرك عندئذ أن الرجل كريم يعطي القليل والكثير...بخلاف لو قلت له:

"فلان يعطي الدينارو الدرهم " فيكون ذكر الدرهم قريبا من اللغو، لأن ذكرالدينار يغني عن ذكر الدرهم، فلا تأسيس هنا لمعنى زائد، و إنما هو مجرد توكيد لما هو معروف مسبقا...كما في قول مشابه:" فلان يعطي المئة والعشرة " فلا فائدة في ذكر العشرة بعد ذكر المئة لأن الأولى متضمنة في الثانية.

العكس هو الصحيح في النفي، فيقال :

"فلان لا يعطي دينارا ولا درهما "

لا تكون الفائدة إلا في هذا الترتيب لأن المتلقي عندما يسمع "فلان لا يعطي دينارا" فقد يقدر في نفسه أن هذا الرجل لا يعطي الكثير ولكنه لا يبخل بالقليل، وعندما يسمع تتمة الكلام "....ولا درهما" ينتفي ما قدره في نفسه بفضل المعلومة الجديدة . بخلاف لو قيل "فلان لا يعطي درهما ولا دينارا" إذ سيكون ذكر الدينار قريبا من اللغو لأن ذكرالبخل بالدرهم يغني عن ذكر البخل بالدينار، فمن يبخل بالدرهم لا يتصور أنه يعطي الدينار، فلا تأسيس لمعنى زائد و إنما هو مجرد توكيد لما هو معروف مسبقا.

وعلى ضوء هذه القاعدة في البلاغة التداولية نتأمل حكمة التقديم والتأخير في الآية :

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

السِنَةٌ هي مقدمة النوم، وتسمى النعاس ، والوسنان هو النعسان الذي يكون في حالة تتنازعه فيها الرغبة في اليقظة والاستسلام للنوم...لكن الترتيب في الآية جاء على غير القياس لأنه إذا انتفت السِنَةٌ - وهي مقدمة النوم - فقد انتفى النوم بالضرورة، فلا يكون في ذكرنفي النوم فائدة كبيرة لأنه معلوم عند المتلقي كلازم لعلمه بنفي السنة...فكيف ندفع الاشكال؟

اعلم أنه ما من معنى صحيح في تأويل آية من آيات القرآن إلا وجعل الله عليه مؤشرا وقرينة ، وما من معنى ضعيف أو باطل إلا وجعل الله عليه مؤشرا وقرينة كذلك، فما على المتدبر إلا استكناه القرائن والانتباه إلى المؤشرات ...في هذه الآية تكمن القرينة في فعل " أخذ" فلم يقل لا ينعس ولا ينام بل قال : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

وفعل الأخذ يوحي بالقوة والسلطة، فلا يكون مقصود العبارة بيان المسارالزمني للنوم (نعاس ثم نوم) ولكن المقصود هو الإشارة إلى مواجهة قوتين: قوة السنة وقوة النوم، ومعلوم أن قوة النوم أعظم من قوة السِنَةٌ ، ففي السِنَةٌ تكون للمرء بعض مقاومة لأنه لا يزال عنده وعي وإرادة، أما النوم فيزيل الوعي والإرادة ويستسلم المرء استسلاما كليا وهكذا يأتي العطف موافقا للبلاغة :عطف الأقوى على الأضعف احترازا من ذكر ما لا فائدة فيه ....فالمتلقي عندما يسمع "لا تاخذه سِنَةٌ..." قد يقول : سلمنا، ولكن ما حاله مع النوم الذي هو أقوى وأطغى؟ فيكون الجواب "....وَلَا نَوْمٌ" ...لكن لو عكس العطف وقال : لَا يأْخذُهُ نوم وَلَا سنة... لكانت زيادة "ولا سنة" حشوا فارغا من معنى تأسيسي لأن ذكر عجز الأقوى يغني عن ذكرعجز الأضعف.
 
3-

الْحَيُّ الْقَيُّومُ

أسماء الله الحسنى المقترنة تدل – في الغالب -على الإحاطة والشمول، فيكون الاسم الأول متعلقا بشق من الفضاء الدلالي ثم يأتي الاسم الثاني متعلقا بالشق الثاني ، ومن مجموع الاسمين تتحقق الإحاطة بالفضاء كله...هذا مثال توضيحي : (الغفور- الرحيم)

الاسمان محيطان بكل المخلوقات ، فالمخلوقات – في حدود ما نعلم – إما مكلفة كالإنسان وإما غير مكلفة كالحيوان... واسم الله (الغفور) متجه إلى المكلفين الذين يذنبون ، واسمه (الرحيم ) متجه إلى غير المكلفين... فيقال:" الله غفور لبني آدم" ولا يقال" الله غفورللنمل والطير"بل رحيم بها...ولا شك أن الرحمة أعم مطلقا من المغفرة ، فمغفرته من رحمته، و إنما اقترانهما للتنبيه على نوعي المخلوقات المستفيدة من تجليات الاسمين ...

الْحَيُّ الْقَيُّومُ

الاسمان يمثلان النوعين في صفات الله، فالحي نموذج للصفات الذاتية ، والقيوم نموذج للصفات الفعلية، واعلم أن الضابط المميز بين النوعين هو أن صفة الذات لا تتعلق بها المشيئة، فلا يقال إن شاء كان حيا أو إن شاء كان عالما، أما صفة الفعل فتتعلق بها المشيئة فيقال رحيم بمشيئته وقيوم بمشيئته...والراجح أن القيوم تعني- كما قال مجاهد-: القائم على كل شيء، وتأويله: أنه قائم بتدبير أمر الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم...

ويمكن الزيادة في بيان الفرق بين النوعين من الصفات باستحضار ثنائية ( اللزوم والتعدي) في علم اللغة، فالفعل اللازم يشترط وجود الفاعل فقط ، والفعل المتعدي يحتاج بعد الفاعل إلى مفعول به ، فإن لم يوجد فلا بد من تقديره..وهكذا صفات الله عز وجل منها صفات لا تتعلق إلا بذاته- سبحانه- فالله (حي) قبل أن يخلق أي مخلوق ، أما صفة (المحيي) فهي من النوع المتعدي التي تفترض وجود ذات أخرى ليتجلى فيها فعل الإحياء ،وكذلك صفة القيوم...

وهنا اعتراض وجيه : لا شك أن اسم (الله) من صفات الذات ،بل هو الاسم الأعظم عند فريق من أهل العلم، والله معناه: "المعبود" في التأويل الصحيح، فكيف يكون معبودا في الأزل ولم يكن هناك أي مخلوق فلا معنى لصفة معبود إلا بوجود عابد!

(جاء في الحديث الصحيح من رواية البخاري : "كان الله ولم يكن شيء غيره"وفي رواية: لم يكن شيء قبله. قال ابن حجر : وفي رواية غير البخاري : ولم يكن شيء معه.)

هذا الاعتراض لم يغب عن أهل العلم فقالوا :الله هو "المستحق" للعبادة ( أو المعبود بحق) فهي صفة ذات سواء وجد من يعبده أم لم يوجد...فهو( الله) قبل أن يخلق الخلق، وهو (الله) ولو استكبر الخلق كلهم عن عبادته... فالنظر إلى استحقاق العبادة لا الى العبادة الفعلية.
 
4-
الحي القيوم

هذا استطراد وجيز بصدد ترشيح (الحي القيوم) ليكون هو الاسم الأعظم الذي مجده الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعينه ...وممن رجحه من المتقدمين الإمام النووي ومن المتأخرين العلامة ابن عثيمين وقد يكون من دواعي الترجيح وروده في سنام القرآن وبالضبط في آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله بنص الرسول -عليه الصلاة والسلام- وقد يكون من دواعي الترجيح أيضا دلالة الاسمين على كل أنواع الصفات :صفات الذات وصفات الفعل كما بينا في الفقرة السابقة..

التحقيق – فيما نرى- أن الاجتهاد لتعيين اسم الله الأعظم لن يأتي بطائل فالمسألة توقيفية محضة لن تعلم يقينا إلا وحيا من تبليغ الرسول، فمن أخبر الناس أن لله اسما أعظم ؟، هو الرسول ،ومن ثمة لا يمكن لأحد تعيينه إلا الرسول...
وقد اختلف العلماء في تعيين اسم الله الأعظم ، على أربعة عشر قولاً ، ذكرها الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " .ومعنى هذا أن النبي مجد الاسم لكنه لم يعينه تعيينا بينا بدلالة اختلاف الأئمة قديما وحديثا فهذا ابن القيم رحمه الله يقول :

اسم (الله ) دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث " . انتهى من " مدارج السالكين "

(ويقصد بالدلالات الثلاث المطابقة والتضمن واللزوم .)

وهذا الشيخ ابن عثيمين يقول : من أسمائه تعالى (الحي القيوم) وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى " انتهى من " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين.

هذا اجتهاد من الشيخين ولا اجتهاد مع وجود نص ، إذن لم يرد عن النبي نص قطعي في المسألة...وهنا سؤال:
كيف مجد النبي ﷺ الاسم الأعظم وشوق الناس إليه بقوله عنه : إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى،ثم تركه بدون تعيين !

الجواب : هناك حكمة بالغة ، كما في حديث دعاء يوم الجمعة:

عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: فِيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقها عَبْدٌ مُسلِمٌ، وَهُو قَائِمٌ يُصَلِّي يسأَلُ اللَّه شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاه وَأَشَارَ بِيدِهِ يُقَلِّلُهَا، متفقٌ عليه.

فلو عين النبي تلك الساعة لاهمل المسلمون ذكر الله إلا في تلك الساعة، ولو عين لهم اسم الله الأعظم لفرطوا في الأسماء الأخرى، فكان من حكمته ﷺ أن شوق الناس إلى دعاء الله أولا ثم أخفى الاسم والساعة ثانيا ، ليذكر الناس ربهم طوال اليوم وبكل الاسماء ليكثروا من حظهم في الموافقة ...فيكون الإخفاء أدعى إلى العبادة من البيان!! فتأمل.
 
5-

الحي القيوم

بعد "الحي القيوم " جاءت جملتان مناسبتان للاسمين الشريفين على نفس الترتيب:

(الحي) يناسبه: "لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ".

(القيوم) يناسبه : "لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ".

ووجه التناسب أن النوم موت ، والموت مضاد للحياة :"سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقيل : يا رسولَ اللهِ أينامُ أهلُ الجنةِ ؟ قال : النومُ أخو الموتِ"

وقال تعالى:

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر : 42]

جملة "لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ" تأكيد لاسمه الحي، وتم التأكيد بذكرالصفة وذكر نفي نقيض الصفة.

أما مناسبة" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" لاسمه القيوم فبين لأن القيومية تتعلق بما في السماوات والارض، كما جاء في الدعاء الشريف المأثور عن النبي :

(....ولَكَ الحمدُ أنتَ قيُّومُ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ...)
 
6-

6-

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

قبل المواصلة هذا استطراد منهجي هام جدا:

لعل أهم وجه في انحراف المتكلمين عن الجادة هو الفصل بين العلم بأسماء الله والعمل بها، فكل جهدهم ينصب على الجدال في معنى الاسم وتخريجه بحسب القواعد المقررة عندهم، ولا يلتفتون إلى المقصد العملي أدنى التفات ، وهو المقصد الذي لا مقصد غيره في شريعة رب العالمين...فعندما يصف الله نفسه ب(السميع) - وهي صفة معلومة بالبديهة يعرف معناها كل عربي - فالمقصود العملي أن تدعوه لأنه سميع، وأن تتقيه فتجتنب الغيبة والنميمة وشهادة الزور والكذب لأن الله سميع ، وهذه الاستلزامات العملية لا تهم المتكلم فذهنه متجه أصلا إلى معنى السميع ليتوه في قفار الميتافزيقا : هل السمع يليق بالله، هل يسمع بآلة، هل يؤول السمع بالعلم، هل العلم من الأعراض، هل تحل الأعراض بالذات الالهية.... هل...هل...هل فيتبعون خطوات الشيطان إلى أن يلقيهم في الكفر!

قارن بين منهج هؤلاء ومنهج الفطرة عند الصحابة : لما سمع صحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله يضحك .. قال:

( لم نعدم من رب يضحك خيراً).

فحول العلم مباشرة إلى عمل قلبي هو زيادة حبه لله وزيادة الرجاء فيه..... ودخل المعركة بدون تردد، فقاتل فقتل، لأن نبيه أخبره أن الله سبحانه يضحك إلى الشهيد !

هذا مذهب الصحابي فما مذهب المتفلسف عندما يسمع إن الله يضحك!

عند هذا الصفة تؤول بالعمل ، وعند ذاك تؤول بالجدل!
 
7-

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

هذه الجملة لها وظائف على ثلاث مستويات :

1- على المستوى البياني توكيد لاسمه ( الحي) - كما أشرنا فيما سبق-

2- وعلى المستوى الحجاجي تنسف ذرائع المشركين: الله حاضر دائما لا يغفو ولا ينام فكيف تقصدون غيره!

3- وعلى المستوى العملي تشعر المرء بأن فوقه رقابة دائمة ليلا ونهارا، الرقيب لا يغفو ولا ينام فلا مناص من التقوى.
 
8-

أسماء الله الحسنى ترد في التنزيل بحسب المقام، ففي مقام الترغيب أسماء الجمال ، وفي مقام الترهيب أسماء الجلال وهكذا ...لكن ، ما المعيار في اختيار الاسماء عندما يكون المقام هو التعريف بالله كما في سورة (الإخلاص ) وآية الكرسي التي نحن بصددها!

كل أسماء الله وصفاته تعرف به، ولكن لا يمكن ذكرها كلها ...فما السر في اختيار أسماء وصفات بعينها!

لعل السريكمن في ( التنويع)، وأعني بالتنويع ذكر الاسم المفرد مع الإشارة إلى نوعه المميز، وفي النوع يدخل عدد كبير من الأفراد ومن ثم يكون الاسم المذكور عنوانا لما لا يحصى من الاسماء والصفات التي ينصرف اليها الذهن...

( يوضح ذلك ما تراه في مصنفات المتون فيقول اللغوي – مثلا-:

" الكلمات اسم وفعل وحرف والفعل مثل نام وعلم"

المقصود بالفعلين "نام" و"علم " الدلالة على النوعين اللازم والمتعدي، فيتحقق التنويع فضلا عن التمثيل).

في آية الكرسي جاءت الاسماء والصفات المثبتة على هذا الترتيب:

الحي- القيوم- لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.

التنويع شامل ...سبقت الاشارة الى التنويع في اسمه الحي القيوم فالحي صفة ذات والقيوم صفة فعل ،وجاءت الصفة الثالثة (الملكية) للإحاطة التامة:

فليس في الوجود إلا خالق ومخلوق، والمخلوق مملوك لله، والله حي في ذاته، قيوم على مخلوقاته...

ومن هنا ندرك بلاغيا سر قوله" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" ولم يقل (خلق مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) إذ في "له" تأسيس لصفة الملكية وليس في "خلق" إلا بيان صفة الفعل المذكورة: القيوم.
 
9-

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ

الاستفهام بمعنى النفي، بتقدير لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ، و استعمال الاستفهام بدلا من التقرير لافادة التبكيت كما لاحظ أهل التفسير، والواقع إن دلالة الاستفهام أكبر من ذلك بكثير... فمن شأن الاستفهام تنشيط الملكة التخييلية عند المتلقي فتتحول الفكرة المجردة إلى مشهد حسي، فيكون الفرق بينهما كالفرق بين المسرحية المقروءة في كتاب والمسرحية المشخصة على الخشبة حيث حركات الممثلين والمؤثرات الصوتية – البصرية...انظر – مثلا- إلى الفرق بين تلقي جملة :"جاء زيد" وتلقي جملة: "هل جاء زيد؟"

في الأولى يفهم الفكرة المجردة فقط ، في الثانية لا بد أن يستحضر صورة السائل، ولا بد أن يستحضرإزاءها صورة المسؤول، ولا بد أن يموضعهما في فضاء مكاني معين...الخ .. فضلا عن ادراكه الذهني للفكرة المجردة المتعلقة باسناد المجيء لزيد...وهكذا يتحقق مع الاستفهام تأثيث المخيلة أكثر من التقرير!

عندما نقرأ في التنزيل:

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر : 16]

المخيلة تستحضرفضاء الحشروالناس كلهم مجموعون على صعيد واحد ومن بينهم ألوف الملوك الطغاة ، ثم يعلو الاستفهام: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟

وتنصرف المخيلة إلى تصفح وجوه الملوك الطغاة ... كيف يسقط عليهم هذا الاستفهام، وكيف تكون ردة فعلهم : أ وجوم أم يودون لو تسوى بهم الأرض؟...

ما ثمة إلا صمت مطبق شامل ، حتى إن السائل هو نفسه يجيب: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار...ِلأن الذين كانوا مستعلين في الأرض لن ينبسوا من الذل ببنت شفة ولو انتظر السائل منهم الجواب دهورا!!

وهذا المقام مماثل لمقام استفهام آية الكرسي : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ

لا يكون الناس أحوج إلى شفعائهم من يوم الحشر...وتستحضر المخيلة وجوه الشفعاء عند الاستفهام ويتجسد من خلال حرجهم التبكيت الشديد للمشركين ...فهم المقصودون بالاستفهام أولا ،لأن من شفعائهم صالحين كالانبياء والملائكة كما في قوله تعالى :

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة : 116]

فليس المراد تبرئة المسيح ولكن المراد تبكيت النصارى فإذا ثبتت براءة المسيح - التي لا شك فيها - فقد سقطت الذريعة التي يمكن للنصارى الاختباء خلفها ويصبحون وجها لوجه مع شركهم الشنيع بلا حجة أو ذريعة!!
 
عودة
أعلى