تأملات في آية الكرسي...

أبو عبد المعز

Well-known member
إنضم
20/04/2003
المشاركات
737
مستوى التفاعل
47
النقاط
28
تأملات في آية الكرسي



اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة : 255]



1- هذا التناوب البديع بين الإثبات والنفي:

إثبات : اللَّهُ...

نفي: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ...

إثبات: الْحَيُّ الْقَيُّومُ...

نفي: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ...

إثبات: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ...

نفي : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( الاستفهام هنا بمعنى النفي بدليل الاستثناء)

إثبات : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...

نفي: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ...

إثبات: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...

نفي: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا...

إثبات: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

لعل في تناوب الإثبات والنفي في هذه الآية الشريفة إشارة رمزية إلى بناء كلمة التوحيد على الشقين: الإثبات والنفي، فلا يقبل الإثبات إلا مقترنا بالنفي ...فعبادة الله لا تعتبر إلا مع نفي كل إله عداه...وإلا فكل مشرك هوعابد لله بالضرورة- لكنه ليس بموحد إذ يعبد معه غيره-!
 
2-

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ


لماذا قدم "السنة" على "النوم"، وهل يجوزعكس الترتيب؟

نحتاج- قبل الجواب - إلى تقديم نظرية من علم البلاغة التداولية تتعلق بقاعدة عطف الوحدات المنتمية إلى جنس واحد (أو حقل دلالي واحد)عندما تتفاوت في الكم أو الكيف...فهل يعطف الأدنى والأصغر على الأعلى والأكبرأم العكس...

في المسألة تفصيل صغير:

في حال النفي يقدم الأكبر والأكثر.

في حال الإثبات يقدم الأصغر و الأقل...

والعلة في ذلك هي أصالة (التأسيس) في تقديم المعنى ورجحانه على (التأكيد)...

وبالمثال يتضح المقال كما يقال:

"فلان يعطي الدرهم والدينار"

الدرهم والدينارمتجانسان لكنهما متفاوتان كما ونوعا ( الدرهم فضة والدينار ذهب والدينار يساوي عشرة دراهم على الأقل). في الإثبات يقدم الدرهم- كما في المثال- لأن المتلقي عندما يسمع "فلان يعطي الدرهم ..." فقد يتبادر إلى ذهنه أنه يعطي القليل فقط، وعندما يسمع تتمة الكلام ".....والدينار" سيدرك عندئذ أن الرجل كريم يعطي القليل والكثير...بخلاف لو قلت له:

"فلان يعطي الدينارو الدرهم " فيكون ذكر الدرهم قريبا من اللغو، لأن ذكرالدينار يغني عن ذكر الدرهم، فلا تأسيس هنا لمعنى زائد، و إنما هو مجرد توكيد لما هو معروف مسبقا...كما في قول مشابه:" فلان يعطي المئة والعشرة " فلا فائدة في ذكر العشرة بعد ذكر المئة لأن الأولى متضمنة في الثانية.

العكس هو الصحيح في النفي، فيقال :

"فلان لا يعطي دينارا ولا درهما "

لا تكون الفائدة إلا في هذا الترتيب لأن المتلقي عندما يسمع "فلان لا يعطي دينارا" فقد يقدر في نفسه أن هذا الرجل لا يعطي الكثير ولكنه لا يبخل بالقليل، وعندما يسمع تتمة الكلام "....ولا درهما" ينتفي ما قدره في نفسه بفضل المعلومة الجديدة . بخلاف لو قيل "فلان لا يعطي درهما ولا دينارا" إذ سيكون ذكر الدينار قريبا من اللغو لأن ذكرالبخل بالدرهم يغني عن ذكر البخل بالدينار، فمن يبخل بالدرهم لا يتصور أنه يعطي الدينار، فلا تأسيس لمعنى زائد و إنما هو مجرد توكيد لما هو معروف مسبقا.

وعلى ضوء هذه القاعدة في البلاغة التداولية نتأمل حكمة التقديم والتأخير في الآية :

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

السِنَةٌ هي مقدمة النوم، وتسمى النعاس ، والوسنان هو النعسان الذي يكون في حالة تتنازعه فيها الرغبة في اليقظة والاستسلام للنوم...لكن الترتيب في الآية جاء على غير القياس لأنه إذا انتفت السِنَةٌ - وهي مقدمة النوم - فقد انتفى النوم بالضرورة، فلا يكون في ذكرنفي النوم فائدة كبيرة لأنه معلوم عند المتلقي كلازم لعلمه بنفي السنة...فكيف ندفع الاشكال؟

اعلم أنه ما من معنى صحيح في تأويل آية من آيات القرآن إلا وجعل الله عليه مؤشرا وقرينة ، وما من معنى ضعيف أو باطل إلا وجعل الله عليه مؤشرا وقرينة كذلك، فما على المتدبر إلا استكناه القرائن والانتباه إلى المؤشرات ...في هذه الآية تكمن القرينة في فعل " أخذ" فلم يقل لا ينعس ولا ينام بل قال : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

وفعل الأخذ يوحي بالقوة والسلطة، فلا يكون مقصود العبارة بيان المسارالزمني للنوم (نعاس ثم نوم) ولكن المقصود هو الإشارة إلى مواجهة قوتين: قوة السنة وقوة النوم، ومعلوم أن قوة النوم أعظم من قوة السِنَةٌ ، ففي السِنَةٌ تكون للمرء بعض مقاومة لأنه لا يزال عنده وعي وإرادة، أما النوم فيزيل الوعي والإرادة ويستسلم المرء استسلاما كليا وهكذا يأتي العطف موافقا للبلاغة :عطف الأقوى على الأضعف احترازا من ذكر ما لا فائدة فيه ....فالمتلقي عندما يسمع "لا تاخذه سِنَةٌ..." قد يقول : سلمنا، ولكن ما حاله مع النوم الذي هو أقوى وأطغى؟ فيكون الجواب "....وَلَا نَوْمٌ" ...لكن لو عكس العطف وقال : لَا يأْخذُهُ نوم وَلَا سنة... لكانت زيادة "ولا سنة" حشوا فارغا من معنى تأسيسي لأن ذكر عجز الأقوى يغني عن ذكرعجز الأضعف.
 
عودة
أعلى