بيع الحسنات

إنضم
03/01/2021
المشاركات
944
مستوى التفاعل
4
النقاط
18
العمر
59
الإقامة
مصر
بسملات لتزيين المواضيع روووعة (بسم الله الرحمن الرحيم متحركة) - صفحة 2 13602623


ما أروع ذلكم المسلم الذي يتقرب إلى الله -تعالى- في الليل والنهار، وفي العشي والإبكار؛ لكي يجمع الحسنات! لكي ينال أرفع الدرجات! وتغفر له الزلات! وتقال عنه العثرات! وتمحى عنه الخطيئات! ويرفعه الله -جل وعلا- في الجنات!.


ما أروع ذلكم المسلم الصائم القائم الذي أطاع الله -جل وعلا-، وتقرب إلى خالقه، أراد أن ينال ما عند الله، وأراد أن الله -جل وعلا- يجعله من صفوة الطائعين، وصفوة العابدين، ويجعله ممن اجتباهم وانتقاهم، واصطفاهم واختارهم.


ما أروع ذلكم المسلم الذي هو في رمضان وفي غير رمضان يتقرب إلى الله -تعالى-! كم أنفق من الوقت والمال! وأنفق من الجهد! وأنفق من العمل! وأنفق من كل شيء! كل ذلك من أجل حالة قال الله عنها: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طـه: 84].



ما أروع مسارعته في الخيرات، وإنفاقه للدنانير والأموال في الصدقات، وإنفاقه من جهده وطاقته في الطاعات، يتقرب إلى الله -تعالى- في كل حين، ويتعامل مع الطاعات بتنوعها وأشكالها.


دعونا اليوم نعظ أنفسنا بموعظة، هي من أهم مواعظ الحياة!.



دعوانا -أيها المسلمون-: نتكلم عن واقع الطاعات والقربات: لماذا يذهب أجرها؟ ولماذا لا نرى أثرها علينا في حياتنا؟


وربما نخشى من لحظة: أن يفقدنا الله -جل وعلا- ثوابها يوم القيامة، قال الله –عز وجل: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الكهف: 103-104].



إن أعظم البلية يوم أن تأكل حسناتك وأنت تعلم!.


إن أعظم البلية: أن يذهب أجر صلاتك التي صليتها، وصيامك الذي صمته، وقيامك الذي قمته، وزكاتك التي بذلتها!.


إن أعظم البلية: أن ينطبق في وفيك: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا)[الفرقان: 23].

يظن الظان: أنه صاحب طاعات، وصاحب خيرات، كلما نظر نظر إلى الحسنة التي قدمها، لكن الشيطان أعماه عن الخطيئة التي فعلها!.


كلما رأى صدقة تصدق بها، أو صلاة صلاها، أو عبادة فعلها؛ نظر إليها، وما نظر إلى الخطيئة التي هدمتها!.


لقد بكى الفاروق عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، وهو يقرأ قول الله -تعالى-: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)[الغاشية: 1-4].

يوم أن تصلى نارا حامية، وهي كانت من الوجوه والأنفس الخاشعة!

ما الذي أكل الخشوع بنار حامية؟!

ومن الذي أكل تلك الدمعات التي بذلت لرب الأرض والسماوات بنار حامية؟!


ما الذي جعل تلك الحسنات تزول، ويذهب خيرها؟! تلك الطاعات ما الذي بددها؟! وما الذي قتلها؟!

أما تقرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وينتابك شعور عجيب، عندما يقول عليه الصلاة والسلام: "رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ".

يوم أن تذهب أثر هذه الحسنات! ما الذي أذهبها؟! وما الذي بدد خيرها؟ ما الذي جعل تلك الحسنات لا نرى أثر بركتها في حياتك؟! ولا نرى أثر بركتها في أمورنا؟! نرى أحوالنا ونرى أمورنا فما الذي بدد تلك الحسنات؟!


أيها المسلمون: إن العبد المؤمن كلما تقرب إلى الله -تعالى-، كلما تقرب إلى مولاه واستشعر: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".

فلمذا لم يتحقق لنا ذلك؟

والناظر اليوم لا بد أن يعلم يقينا: كيف يمكن أن نحافظ على الحسنات؟!

يقول أحد السلف -رحمه الله-: "لو كنت مهديا حسنة -أي بغيبة- لأهديتها أمي، فهي أولى بالحسنات!".


فكيف بحال اليوم من يحرق حسناته وهو لا يعلم؟!.


اليوم ربما نصاب بمرض، وهو حرق الحسنات! وحرق أثرها! وعدم وجود خيرها! وعدم وجود أثرها!.


أعظم البلية -عباد الله-: كما قال الحسن: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق".


يوم أن يبتلى ببلية الخطيئة، ونحن نرى هذه المساجد التي تمتلئ بكثرة المصلين، وكثرة الصائمين، وكثرة العابدين، وكثرة المقبلين، ما أروع هذه الأيام! وأنت ترى الناس كيف يحافظون ويكثرون من الحسنات!.


لكن على الطرف الآخر: يوم أن ترى من لم يعظم شأن حسناته! وكيف يحافظ عليها!.


كان السلف يبكون إذا قرؤوا قول الله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة: 7-8].


يوم أن تقسم الأمور والأحوال والأعمار في ليلة القدر، ثم لا يكون اسمي ولا اسمك من أولئك! ما الذي حجب عنا هذا؟


(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) [الدخان: 3].


وقال الله عنها: (يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)[الدخان: 4-5].


(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 1-5].


يوم أن نحجب عن قضائها! ونمنع من خيرها!.


إن أعظم البلية: أن ينال الإنسان اللعن وهو لا يعلم، قال الله -تعالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22].


ثم قال الله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)[محمد: 23].

يوم أن ابتلينا بما يأكل حسناتنا وطاعاتنا وقرباتنا! فإنها من أعظم البلية.


ألا فلنتق الله -أيها المؤمنون-: ولنجعلها بداية انطلاقة للحسنات، ولا نكن مما قال الله فيهم: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) [النحل: 92].

قصة هذه المرأة؛ كما في تفسير ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه" فقال الله: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)[النحل: 92].


إن هذا الغزل الذي نقضته من الطاعات! كم آية قرأتها؟! وصلاة صليتها؟! وزكاة أديتها؟! وبرا فعلته؟! وخيرا عملته؟! أما تخشى أن تكون ممن نقضت غزله؟! وأحبطت عمله؟! فلا بارك الله فيه! ولا بارك الله في أثره! ولا بارك الله في أجره!.


ألا فاعلموا -عباد الله-: أننا ينبغي علينا أن نتواصى بالصبر، ونتواصى بالمرحمة، وأن نتواصى بالصبر، ونتواصى بالحق، ونكون بعضنا لبعض دعاة خير، حتى يسعى بعضنا لكي يحافظ على طاعته، وعلى قرباته، وعلى خيراته، وعلى جميع أموره -بإذن الله تعالى-.


وإذا حقق العبد الإخلاص صان الله -جل وعلا- طاعاته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن الخطاب موصيا إياه، ولكل الأمة؛ كما عند البخاري: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".


فيوم أن تنوي الخير، وتخلص في الخير، وتقصد الخير، قال الله: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)[البقرة: 112].


أي مخلصا صادقا عابدا، ولا تكن ممن قال الله -جل وعلا- فيهم: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك: 1-2].


قال الفضيل بن عياض -عليه رحمة الله تعالى-: "أحسن عملاً أي أخلصه وأصوبه" قيل: ما أخلصه وما أصوبه؟! قال: "أخلصه ما كان خالصا لله وأصوبه ما كان على السنة".


أن تكثر الأعمال! وتكثر الطاعات! على غير سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.


أيها المسلمون: يوم أن يوضع الكتاب، ويوضع الميزان، فيعرف كل إنسان منا ما قدم وما أخر، فكل أولئك النفر الذين إذا وقفوا؛ كما قال أبو ذر -رضي الله عنه وأرضاه-: إذا وقفوا بين يدي الله يوم القيامة للجزاء والحساب، قال أبو ذر: يقول أحدهم -أي الطائع العابد الصادق المخلص مهما كان عنده من خطيئة، مهما كان عنده من معصية، فإنما يقف بين يدي الله، ويقول: ربي إن لي حسنة لا أراها اليوم، فيقول الله -جل وعلا- للملائكة انظروا في سجل عبدي، فإذا بهم يرون له رصيدا من الحسنات، فتطيش سجلات الخير، وعلامات الإيمان، فيرفعه الله -جل وعلا-!.


صاحب السيئة، صاحب خبيئة السوء!.


رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها


فابدأ الطريق، ولا تحقرن الصغيرة، ولا تقل هذا ذنب صغير، فإن النار من مستصغر الشرر! احذرها: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه".


قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)[النحل: 97].


نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرفعنا والحاضرين الدرجات، وأن يقينا شر النيران والحسرات، وأن يغفر لنا الزلات، ويعاملنا برحمته، يا رب الأرض والسماوات.



أيها المسلمون: فقد روى الإمام مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- فقال لهم: "أتدرون من المفلس؟" قالوا: يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم ولا دينار عنده، قال صلى الله عليه وسلم: "المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ثم يجعلها الله هباءً منثوراً!".


يأتي بصلاة! بصيام! بطاعات! بخيرات! لكن عنده ما يهدم هذه الحسنات: "وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته".


ثم يقول صلى الله عليه وسلم: "حتى إذا فنيت حسناته؛ أخذ من سيئاتهم، ثم طرحت عليه!".


ما أعظم هذه اللحظة! تخيل يوم أن يوضع لك في رصيدك سيئات أنت ما فعلتها بحياتك! تخيل أي معصية من المعاصي! وأي ذنب من الذنوب! سوف يأتي يوم القيامة! فيأتي النداء: خذوا من سيئات هذا وضعوها على هذا! لأن الحسنات فنيت! أخذت الحسنات: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا)[الفرقان: 23].



تخيل هذه اللحظة يوم القيامة! أين صدقتك؟! أين عبادتك؟! أين طاعتك؟! لم يسلم منك من غيبة! ولم يسلم فلانا منك من نميمة! ولم يسلم فلانا منك من طعن! ولم يسلم! ولم يسلم!.



إنه لن ينظر إلى كثرة حسناتك، إنما ينظر إلى ذنوبك! تلك الذنوب لم تتب منها! ولم تستغفر الله منها! ولم تسأل الله أن يعفو عنك! ويتجاوز عنك!.


ولذلك ما أعظم أن تجد سيئات وخطيئات! فتكون مفاجأة تلك اللحظة التي غفلت عنها!.


صليت مع الناس القيام! لكن بعد الصلاة ما تركت فلانا! وفلانا!.


صمت رمضان! لكنك لم تستشعر أن يكون هذا العمل حافظت عليه! فعلا تصدقت! لكن صدقتك كانت بالمن والأذى! فعلا دعوت واعتمرت وحججت لكن تلك الأعمال لم تدافع عنك! فإن حسناتك تلك التي تعبت فيها كلها قد أخذت منك كلها! وأعطيت لفلان! فلان هذا الذي تراه أنه عاص! هو الذي أصبح رصيد حسناته أكثر منك! أصبحت من المفلسين!.


تخيل أنك تريد أن تشتري شيئا من الدنيا! ولا تمتلك المال! لكي تشتري هذا الشيء! ما هو الشعور الذي عندك؟!


تخيل أنت أن ولدك يريد أن يشتري شيئا! وليس عندك مال! لكي تشتري له! ولو من أبسط الأشياء! ما هو شعورك؟! فكيف وليس عندك رصيد أن تشتري في الآخرة؟!


يوم أن تدخل بطاقة الصراف، فيقول لك صاحب البنك والنظام: "الرصيد لا يكفي!".


تخيل يوم أن تدخل البطاقة! والجمهور أمامك! وأنت تريد أن تسحب لتدفع شيئا! اشتريت بمبلغ بسيط! فيقول لك: "المعاملة مرفوضة! والرصيد لا يكفي!".


إذا كنت تحرج من أجل المال! فكيف يكون موقفك يوم القيامة؟!


تظن أن عندك رصيدا! وإذا بالرصيد قد سحب منك! أخذ منك! خصم منك! فيا لهذه البلية تلك اللحظة! (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [عبس: 34-36].


قال الله: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)[عبس: 37].

فيا ترى ما هو حالك يوم أن ينشغل الناس بالحسنات! وينظرون في الطاعات! وأنت تكون مشغولا بسؤال الله مغفرة الزلات! وإقالة العثرات! وأن تطلب في تلك اللحظة رحمة الله التي لم تستعد لها!.

فكن -أيها المسلم-: من الطائعين، تقرب إلى الله، تقرب إلى الله! فلعلك لا تحضر معنا الجمعة القادمة!.


اللهم أعز الإسلام، وانصر المسلمين...


إبراهيم بوبشيت
ملتقى الخطباء


 
ملامح تربوية مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا﴾

هناك آيات مشابهة للآية موضوع المقال، منها:​


♦ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264].


♦ وقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 117].


♦ وقوله جل جلاله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18].


♦ وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39].


أقوال العلماء في تفسير الآية موضوع المقال:

قال ابن كثير رحمه الله: "هذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحَصَّل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا، فتكون أبعد من القبول حينئذٍ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

وقال أبو بكر الجزائري رحمه الله: "أي: وعمدنا إلى أعمالهم التي لم تقم على مبدإ الإيمان والإخلاص والموافقة للشرع فصيرناها هباءً منثورًا؛ كالغبار الذي يُرى في ضوء الشمس الداخل مع كُوَّة، أو نافذة لا يقبض باليد، ولا يلمس بالأصابع لدقته وتفرُّقه، فكذلك أعمالهم لا ينتفعون منها بشيء لبطلانها وعدم الاعتراف بها".


الملامح التربوية المستنبطة من الآية موضوع المقال:

أولاً: الآية موضوع المقال، والآيات المشابهة لها يتضح منها مدى الخذلان والحرمان وقلة التوفيق والعياذ بالله لمن حاد وابتعد عن منهج الله تعالى والتَّمَسُّك بشرعه القويم، فمهما عمل في الدنيا من أعمال ظاهرها الخير والصلاح، لكن ليس له منها في الآخرة من نصيب، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، قال المراغي رحمه الله: "ومن كان سعيه موجهًا إلى شؤون الدنيا، وطلب طيباتها واكتساب لذاتها، وليس له همٌّ في أعمال الآخرة نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في ثواب الآخرة حظٌّ، فالأعمال بالنيَّات، ولكل امرئ ما نوى".


ثانيًا: قد يسأل سائل: إن بعض الكُفَّار لديهم أعمالُ خيرٍ وبِرٍّ للفقراء والمحتاجين من: إطعام، وعلاج للمرضى، وبناء مساكن للمعوزين... إلخ، فهل ينتفعون بها، وتكون شافعةً لهم يوم القيامة؟ أقول: ابتداءً إن الله جل جلاله عدل، ولا يظلم ربك أحدًا، وقد أوْضَحَ النووي رحمه الله في شرح مسلم تحت باب: (جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا)، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بها في الدُّنْيا ويُجْزَى بها في الآخِرَةِ، وأَمَّا الكافِرُ فيُطْعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حتَّى إذا أفْضَى إلى الآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها"، وعَلَّق رحمه الله على هذا الحديث قائلًا: "أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يُجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا، مُتقرِّبًا إلى الله تعالى، وصرح في هذا الحديث بأن يُطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات؛ أي: بما فعله متقربًا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية؛ كصلة الرحم والصدقة والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها، وأما المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة، ويُجزى بها مع ذلك أيضًا في الدنيا، ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة".


ثالثًا: إن أساس قبول الأعمال الصالحة تقوى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، قال الطبري رحمه الله: "أي: الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كَلَّفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته"، وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: أي: "الذين يتقون الشرك الأكبر والأصغر، وهو الرياء والشحُّ واتِّباع الأهواء، فاحمل نفسك على تقوى الله والإخلاص له في العمل، ثم تقرَّب إليه بالطيبات يتقَبَّل منك، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيِّبًا".


رابعًا:هناك ثلاثة شروط لقبول الأعمال الصالحة، أوضحها الشنقيطي رحمه الله بأدلتها عند تفسير قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، وهي:

الأول:موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].


الثاني: أن يكون خالصًا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 14، 15].


الثالث: أن يكون مبنيًّا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: 97]، فَقُيِّد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح.


خامسًا: إن إكرام الله تعالى للعبد بنعمة الإسلام اصطفاء، وفضل، وإحسان من رب العالمين، فكم من خليقة على وجه الأرض لم يُكرمهم الله بهذه النعمة الجليلة التي لا عدل لها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125].


قال السعدي رحمه الله: "إن من انشرح صدره للإسلام- أي: اتَّسَع وانفسح- فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوَّعت له نفسه فعله، متلذذًا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق، وأن علامة من يرد الله أن يضله، أن يجعل صدره ضيقًا حرجًا؛ أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، ولا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصَّعَّد إلى السماء".


سادسًا: إن النِّعَم التي أنعم الله بها على عباده لا تُعَد ولا تُحْصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، ومن أجَلِّها وأعظمِها نعمة الإسلام، فالواجب على العبد الموفق أن يتذكَّر دائمًا نِعَم الله عليه، ويلهج لسانه بحمد الله وشكره مع كل نفس، فالله تعالى يحب أن يُشكَر، وأمر عباده بشكره، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، والشكر تعظيم لله وتقديره، ومن كمال عبادة العبد لربه جل جلاله، والشكر نفعه للعبد نفسه؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عن عباده، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12].

سابعًا: الواجب على المسلم الموفق قبل الشروع في أي عمل يتقَرَّب به إلى الله تعالى أن يكون على بصيرة وعلم وفقه في الدين، حتى لا يذهب عمله في مهبِّ الريح كالهباء المنثور، وتنطبق عليه الآية الكريمة موضوع المقال؛ قال صلى الله عليه وسلم: "مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"؛ (صحيح البخاري، حديث رقم: 71، صحيح مسلم، حديث رقم: 1037).

قال النووي رحمه الله: "فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين، والحث عليه، وسببه: أنه قائد إلى تقوى الله تعالى"؛ (شرح النووي على مسلم، 7/128)، وقال ابن باز رحمه الله يفهم من الحديث: "مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"، "الذي ما تفقه في الدين ما أراد الله به خيرًا"، فالذي نال قسطًا من العلم الشرعي أقرب الناس إلى معرفة ربه عز وجل؛ فيجتهد في عبادته سبحانه بما شرع مراعيًا شروط وضوابط قبول العمل: (الإخلاص، الاتباع، العقيدة الصحيحة)، ولا شك لا يستوى بين من يعلم ومن لا يعلم بنص القرآن الكريم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

هذا ما تيسَّر إيراده، والله أسأل بمَنِّه أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وابتغاء مرضاته، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

شبكة الألوكة
 
عودة
أعلى