بلاغة الأبهام في القرأن وأثره التربوي

إنضم
31/01/2016
المشاركات
18
مستوى التفاعل
1
النقاط
3
العمر
50
الإقامة
العراق
بلاغة الأبهام في القرأن وأثره التربوي

المبهم : كل لفظ في القرآن لم يُعيَّن تحديده، كأن يُذكر شخص أو مكان أو زمن دون تسمية صريحة.
أمثلة: (قال قائل منهم ﴾ ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾

الابهام : الإبهام البلاغي هو إيراد اللفظ على وجه الإجمال والتعمية قصداً، مع قدرة المتكلم على التعيين والتصريح، لكنه يعدل عنه لغرض بلاغي يقتضيه السياق. وهو بذلك ليس نقصاً في البيان، بل هو ضرب من الإحكام البياني الرفيع.
والفرق الجوهري بينه وبين الغموض: أن الغموض عجز، والإبهام اختيار.

ذكر العلماء عدة أغراض لهذا الاسلوب البلاغي منها :
1. التركيز على المعنى لا على الشخص 2. التعميم وشمول الدلالة 3- التشويق وإثارة التفكير 4- الستر أو الأدب 5- التعظيم أو التحقير. 6- تأديب العقل وردّه إلى حدوده.

وكذلك صور الإبهام البلاغي منها :
1-الإبهام بالتنكير 2-الإبهام في الزمان والمكان 3- الإبهام في العدد
4- الإبهام بـ"ما" و"من" الموصوليتين

وإذ يضيق المقام عن الإحاطة بأطراف هذا العلم لغزارة ما صنف فيه المختصون، ومع اعترافي بقصور باعي في مضماره؛ آثرتُ أن أحصر حديثي في تجلية أبعاده التربوية؛ لتكون زاداً للمسلم في تدبره، وقنديلا يتبصر به. ولو كان من الاحسن ان يكون مكانه في قواعد التدبر…..


1- تحويل "القصة" إلى "تشريع" (تعميم العبرة وتجاوز الخصوصية)
غرس مفهوم التعميم و تأصيل القاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)
التفاصيل الزائدة تُحوّل النص إلى "حكاية تاريخية" بينما إبهام التفاصيل يُحوّل النص إلى "تشريع"
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ...}

اختلف المفسرون والصحابة في تعيين هذا المسجد على قولين مشهورين:
القول الأول: أنه مسجد قِباء (وهو رأي ابن عباس وجماعة)، لأن الآية نزلت في سياق المقارنة بينه وبين مسجد الضرار الذي بني بجانبه.
القول الثاني: أنه المسجد النبوي (وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: "هو مسجدي هذا").

تطبيق القاعدة (عموم اللفظ)
النتيجة: كل مسجد بُني بإخلاص ونية صادقة لله تعالى منذ أول يوم لتأسيسه، فهو مسجد أسس على التقوى، وهو أحق بالصلاة فيه من مساجد السمعة والرياء.

2. اقتصاد المعرفة ( تأديب العقل وردّه إلى حدوده)

عندما يبهم القرآن اسم الشخص، فهو يوجه الى التركيز مباشرة نحو الفعل أو الموقف.
في قصة مؤمن آل فرعون، قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}.
لم يذكر اسمه، لأن "الاسم" معلومة باردة، بينما "السعي" و "النصح" هما الحرارة التي يجب أن تنتقل إلى قلب القارئ. لو ذُكر اسمه، لربما انشغل الناس بالبحث عن نسبه وقبيلته وتركوا الاقتداء بشجاعته.

3- سد أبواب الجدل العقيم (تربية النفس على عدم الفضول المذموم).

القرآن أدّب المسلمين في سورة الكهف حين ذكر الجدل في العدد:
(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ).
هذا الوصف (رجماً بالغيب) هو تنبيه تربوي بأن الخوض في هذه التفاصيل هو ضياع للوقت والجهد فيما لا ينفع.
(قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ).وامرهم بتفويض العلم الى الله .
(فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). لا تجادل الا (مراءا ظاهرا).اي ما ثبت من العلم النافع من القران والسنة.
التركيز على "المهم" وهو {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}؛ هذا هو الجوهر الذي يبني الأجيال، أما هل كانوا خمسة أو سبعة، فلا يغير من حقيقة "معية الله لأوليائه" شيئاً.

4- عدم التشتيت والتركيز على الفائدة ( التركيز على المعنى لا على الشخص)

تركيز المؤمن على نفسه ووضع نفسه مكان الشخص المقصر او الشخص الساعي الى الخير فعندما يذكر الاسم, القاري يبحث عن ذلك الشخص وينسى نفسه او يغفل عن نفسه ويقوم بنقد المسمى وليس نقد الفعل الذي يتكرر عبر الزمن.
لذا جاءت النكرات مثل: (فتية، رجل، عبد، امرأة) لتجريد الفعل من قيود الأشخاص؛ فحين يقرأ المؤمن عن (رجلٍ) سعى للخير، لا يراه غريباً عنه، بل يرى فيه نفسه، فيقول: 'هو رجلٌ وأنا رجل'، وبذلك يتحول النص من سردٍ لتاريخ مضى، إلى نقدٍ وتوجيهٍ لفعلٍ بشري يتكرر عبر كل زمان."

(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)
طوى القرآنُ ذِكْرَ المكان والزمان والعدد؛ ليحصرَ المشهدَ في جوهر القصة: {آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}. هذا التنكير المقصود في كلمة (فِتْيَةٌ) يُحوّل النصَّ إلى مأوى لكل شابٍّ يُصارع الفتنَ في بيئةٍ مشحونة بالشرك والاباطيل فحين يقرأها، يستشعرُ أنه هو المَعنيُّ بالخِطاب، فتنتعشُ روحُه بيقينِ التوحيد
وتعلوا همته .

5- تعظيم المعنى بتحرير الذهن من القيد
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا )
التنكير في ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾
عبدا من عبادنا اي ان عباد الله مشتركون في هذه الرحمة والعلم الذي يرزقه الله ولكن بدرجات متفاوتة
هذا العبد الصالح (يقال خضر عليه السلام) ليس مركز القضية
فالآية لم تقل "فوجدا الخضر" أو "فوجدا نبيّنا فلاناً" لأن الشخص ليس محور القصة
انما التركيز على العلم الشرعي وعلم الغيب فالاول نعمل له والاخر نؤمن به.
1- العلم الشرعي علم موسى عليه السلام
وهو علم التوراة والشريعة، الذي يُقرِّر أن النفس البريئة لا تُزهق بغير حق. وهذا العلم فريضة على كل عبد، وهو المقياس الذي يحاسَب به الناس في دار التكليف.

2- علم الغيب القدر الكوني ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾
الله سبحانه اصطفى هذا العبد الصالح وأطلعه (بوحي خاص لا باكتساب)على شيء مما سطره في اللوح المحفوظ: أن هذا الغلام بعينه لو أدرك البلوغ وبقي في دنياه سيكون فتنةً لأبويه المؤمنين.
وهذا العلم من الايمان بالقدر خيره وشره .

﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ النكرة ومن التبعيضية يدل على علم ولو قليل ولكنه علم نفع صاحبه وليس كالعفريت الذي اعتمد على القوة البدنية الذي اتاه الله في الدنيا.
وهو يدعوا المؤمن الى استحصال العلم النافع وتدبر القران وانشغال القلب به والله اعلم وله الحمد في الاول والاخر…
 
عودة
أعلى