انقطعت عني تكبيرات إمامي، والسبب تلاوة للقرآن - «ولا يجهرْ بعضكم على بعضٍ بالقرآنِ»

إنضم
5 نوفمبر 2023
المشاركات
3
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
العمر
33
الإقامة
السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم​


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد، الذي يُروى عنه أنه قال: «ولا يجهرْ بعضكم على بعضٍ بالقرآنِ»، والذي يروي عن الله عز وجل قوله: «يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا»[1] … والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته…


حدث في رمضانات مضت انقطاع صوت تكبيرات الإمام الذي أصلّي خلفه -في جماعة ثانية-، وذلك بسبب ارتفاع تلاوة إمام التراويح باستخدام مكبرات الصوت.


هذا موقف صعب، اُضطر فيه إلى استراق النظر أحيانا أثناء سجودي لأعلم ما إذا كان الإمام قد جلس أو قام، ولعلي هممت حينها أن انفرد بصلاتي وأترك الجماعة التي أصلي معها.


والأدهى من ذلك، حالة تركيزي على تجاهل التلاوة المرتفعة التي أسمع، التركيز الذي يشبه التدرب على تجاهل تلاوة تملأ سمعي في مفارقة مُرة بين سكينة الصلاة والخشوع فيها، وبين الاستماع لتلاوة القرآن والاطمئنان بمعانيه.


وحتى إن تركت الجماعة حينها أو كنت منفرداً بصلاة، ستظل تلك المفارقة تضيّق على تركيزي وتشغلني، وهذا الانفعال بتلاوة الإمام يذكرني بالحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: أن رسول الله صلى الله عليه وبارك صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ: «أيُّكُمْ قَرَأَ، أوْ أيُّكُمُ القَارِئُ»، فَقالَ رَجُلٌ أنَا، فَقالَ: «قدْ ظَنَنْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» -أي نازعنيها.-


فهلا انتظر إمام صلاة التراويح انقضاء صلاة الجماعة الثانية؟ وإذا فاتت أحدنا ركعة من إحدى أشفاع التراويح فأراد أن يقضيها، ألن يسهل عليه الإمام بأن يؤخر الشروع بالصلاة التي تليها شيئاً يسيراً؟


- جهر الجماعة الثانية بالقراءة -​


يمكن أن أناقش مسألة أخرى هنا، حيث أن اختلاف نفسي بين صلاتي وتلاوة غيري ليس شرطاً أن يحدث أثناء امتلاء أذني بصوت المكبرات أثناء التراويح، بل إن أي تلاوة مسموعة يمكن أن تحدث اضطراباً في نفسي، فوزن القرآن المعنوي وحاجتي إلى الاعتياد على الاستماع له -امتثالاً[2]- يشكلان رغبة في الاطمئنان إلى تلاوته تتدافع مع الانشغال في صلاة أو غيرها.[3]


وهنا أعود إلى الأصل الشرعي المتمثل في إنكار النبي صلى الله عليه وبارك حينما "خرج على الناسِ وهم يُصلُّونَ وقد عَلَتْ أصواتهم بالقراءةِ فقال : «إنَّ المُصلِّي يُناجِي ربهُ فلينظر بما يُنَاجِيهِ بهِ ولا يجهرْ بعضكم على بعضٍ بالقرآنِ» "[4]


اسمحوا لي أن أعرض أمام هذا جهر الجماعة الثانية بالقراءة على من سبقها إلى المسجد، أليس هذا منكراً بيناً؟


لعله يلطف هنا أن أذكُر جواز الإسرار في الصلوات الجهرية، كما يفعل المنفرد أو المنفردة مثلاً، فهذا في حق الجماعة الثانية أفضل من العودة إلى منعها بالكلية كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء سابقاً، حيث منعوها مخافة ضياع تآلف القلوب والأنس والمحبة الحاصلة بالمخالطة في المسجد[5].


أرجو في رمضان المقبل أن يصبر أئمة التراويح حتى تقضي الجماعة الثانية صلاتها، وأن لا يجهر بعضنا على بعض بالقرآن أثناء مكوثنا في المسجد وإن كانت جماعة أخرى.


________________
[1] أخرجه مسلم
[2] أي امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[3] هل يمكن أن يُحدث هذا مضاعفات تؤدي إلى أمراض نفسية؟
[4] لقد ذكرت طرفاً منه في المقدمة، أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، وروى مثله أبو داود وابن حبان وغيرهما. وصححه ابن باز والألباني، وصحح سنده شعيب الأرناؤوط، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
[5] للمزيد حول تاريخ مسألة الجماعة الثانية: http://saaid.org/bahoth/187.htm .
 
عودة
أعلى