امتحان أهل الفترة في الآخرة ؟

إنضم
03/01/2021
المشاركات
949
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
السؤال

سؤالي عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : أخرج الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " والبيهقي في كتاب " الاعتقاد " ـ وصححه ـ عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربعة يمتحنون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا ، ورجل أحمق ، ورجل هرِم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا ، وأما الأحمق فيقول : رب لقد جاء الإسلام والصبيان يقذفوني بالبعر ، وأما الهرِم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه ، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها يسحب إليها ) . استفساري : هل يوجد يوم القيامة امتحان ؟ وأنا الذي أعرفه أن يوم القيامة يوم الحساب فقط ، دون امتحان وابتلاء ؟ . والملاحظة الأخرى : امتحانهم يوم القيامة أن يدخلوا على النار هذا امتحان صعب جدًّا لا يخاطب العقل ؛ لأن العقل يدرك أن النار فيها خطورة ، وطبيعي الإنسان يخاف أن يدخلها بعكس امتحان في الدنيا الالتزام في تعاليم الدين الحنيفة .




نص الجواب

الحمد لله

أولاً:
اختلف العلماء رحمهم الله في أهل الفترة – وهم من عاش في زمن لم يأتهم فيه رسول ، أو كانوا في مكان لم تصلهم فيه الدعوة – ومن في حكمهم – كأطفال المشركين - على أقوال ، وأرجح هذه الأقوال : أنهم يُمتحنون يوم القيامة ، فمن أطاع أمر الله نجا ، ومن عصاه هلك ، وقد جاءت في السنة النبوية أحاديث كثيرة يترجح هذا القول بها ، ومنها ما ذكره الأخ السائل في سؤاله ، وقد استوفاها الإمام ابن كثير في تفسيره ، عند قوله تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/من الآية 15 ، فلتنظر هناك لمن أراد الاستزادة والاستفادة ، ومجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً ، ويشهد أن لهذا القول ما يؤيده من السنَّة النبوية ، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة .
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله - :
أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح ، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يقوَى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط : أفادت الحجة عند الناظر فيها .
" تفسير ابن كثير " ( 5 / 58 ) .
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في سياق بيان الأقوال في المسألة - :
سابعها : أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار ، فمن دخلها : كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن أَبَى : عُذِّب ، أخرجه البزار من حديث أنس ، وأبي سعيد ، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة ، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح .
" فتح الباري " ( 3 / 246 ) .

ثانياً:
وقد ردَّ هذا القول بعض أهل العلم – كالإمام ابن عبد البر – وقالوا : إن الآخرة دار جزاء ، وليست دار تكليف ، وليس ثمة أوامر ونواهي في الآخرة ، وأُجيب عن هذا الاعتراض بردود مجملة ، ومفصَّلة ، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ، والإمام ابن كثير – وغيرهما – ردوداً مجملة ، وردَّ الإمام ابن القيم ردّاً مفصلاً أوصل وجوه الرد إلى تسعة عشر وجهاً .
أ. أما الردود المجملة : فملخصها : وجود امتحان في القبر ، وفي عرصات القيامة ، وأما كون الآخرة ليست دار تكليف فنعم ، لكن بعد استقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار .

1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار ، وأما عَرَصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ : مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟ ، وقال تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الْآيَةَ ، وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله لعباده في الموقف إذا قيل : ( لِيَتَّبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ؛ فَيَتَّبِعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ، وذكر قوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الْآيَةَ .
" مجموع الفتاوى " ( 4 / 303 ، 304 ) .

2. وقال الإمام ابن كثير – رحمه الله -
وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان ، ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجة ، وأهل العلم ينكرونها ؛ لأن الآخرة دار جزاء ، وليست دار عمل ، ولا ابتلاء ، فكيف يكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟! .
وأجاب عن ذلك ببيان قوة الأحاديث الواردة في الباب ، كما نقلناه عنه سابقا ، ثم قال : وأما قوله : " إن الآخرة دار جزاء " : فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة مِن امتحان الأطفال ، وقد قال الله تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) ن/42 ، وقد ثبتت السنَّة في الصحاح وغيرها : أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأما المنافق : فلا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره طبقاً واحداً ، كلما أراد السجود : خَرَّ لقفاه .
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها : أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مراراً ، ويقول الله تعالى : ( يا ابن آدم ، ما أغدرك ! ) ثم يأذن له في دخول الجنة .
وأما قوله : " وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم ؟ " : فليس هذا بمانع من صحة الحديث ؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف ، وأدق من الشعرة ، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والرِّكاب ، ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبواً ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم ، وأعظم .
وأيضاً : فقد ثبتت السنَّة بأن الدجال يكون معه جنَّة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً ، فهذا نظير ذلك .
وأيضاً : فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضاً ، حتى قتلوا ـ فيما قيل ـ في غداة واحدة : سبعين ألفاً ، يقتل الرجل أباه ، وأخاه ، وهم في عمايةِ غمامةٍ أرسلها الله عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضاً شاق على النفوس جدّاً ، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، والله أعلم . " تفسير ابن كثير " ( 5 / 58 ) .
ب. وقد فصل ابن القيم رحمه الله وجوه الجواب السابقة ، كما أشرنا إليه ، وزاد فيها وجوها أخرى ، منها :
* أن موجب هذه الأحاديث هو الموافق للقرآن وقواعد الشرع ؛ فهي تفصيل لمَا أخبر به القرآن أنه لا يعذَّب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه ، وهؤلاء لم تُقَم عليهم حجة الله في الدنيا ، فلا بُدَّ أن يقيم حجته عليهم ، وأحق المواطن أن تُقام فيه الحجة : يوم يقوم الأشهاد ، وتُسمع الدعاوى ، وتُقام البينات ، ويَختصم الناس بين يدي الرب ، وينطق كلُّ أحدٍ بحجته ومعذرته ، فلا تنفع الظالمين معذرتهم ، وتنفع غيرهم .
* أنه قد صحَّ بذلك القول بها عن جماعة من الصحابة ، ولم يصح عنهم إلا هذا القول ، والقول بأنهم خدَم أهل الجنة : صح عن سلمان ، وفيه حديث مرفوع ، وأحاديث الامتحان : أكثر ، وأصح ، وأشهر .
* أن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم ، وكيف يعاقبهم على غير ذنب ؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم ، هل يطيعونه أو يعصونه ، فلو أطاعوه ودخلوها : لم تضرهم ، وكانت عليهم برداً وسلاماً ، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها : استوجبوا عقوبةَ مخالفةِ أمرِه ، والملوك قد تمتحن مَن يُظهر طاعتهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه ، فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر ، هل يوطِّن نفسه عليه أم لا ، فإن أقدم عليه ووطن نفسه على فعله : أعفوه منه ، وإن امتنع وعصى : ألزموه به ، أو عاقبوه بما هو أشد منه .
وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده ، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم ، وتقديم محبة الله على محبة الولد ، فلما فعل ذلك : رَفع عنه الأمر بالذبح .

وأما أن ذلك "ليس ذلك في وسع المخلوقين " فقد أجاب عنه ابن القيم من وجهين :
أحدهما : أنه في وسعهم ، وإن كان يشق عليهم ، وهؤلاء عبَّاد النار ، يتهافتون فيها ، ويُلقون أنفسهم فيها ؛ طاعةً للشيطان ، ولم يقولوا " ليس في وسعنا " ، مع تألمهم بها غاية الألم ، فعبَاد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار : كيف لا يكون في وسعهم ، وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم ؟ .
الثاني : أنهم لو وطَّنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته : لكانت عين نعيمهم ، ولم تضرَّهم شيئاً .

قال رحمه الله :
" فالسنَّة ، وأقوال الصحابة ، وموجب قواعد الشرع وأصوله : لا تُردُّ بمثل ذلك ، والله أعلم "
انظر : " أحكام أهل الذمة " ( 2 / 1148 – 1158 ) .
وهذا كلام متين ، فيه بيان المسألة وتجليتها ، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع ، والعمل الصالح ، وأن يتوفانا على الإيمان .
والله أعلم

الاسلام سؤال وجواب
 
حُكمُ أهلِ الفَترةِ


الدرر السنية


أهلُ الفَترةِ هم الأُمَمُ الكائِنةُ بين أزمِنَةِ الرُّسُلِ الذين لم يُرسَلْ إليهم الأوَّلُ، ولا أدركوا الثَّانيَ، كالأعرابِ الذين لم يُرسَلْ إليهم عيسى، ولا لحِقوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. والفَترةُ بهذا التفسيرِ تشمَلُ ما بين كُلِّ رَسولَينِ، والفُقَهاءُ إذا تكَلَّموا في الفترةِ فإنَّما يَعْنُون التي بين عيسى عليه السَّلَامُ ومحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
ويُطلَقُ مُصطلَحُ أهلِ الفترةِ عند كثيرٍ مِن العُلَماءِ على كُلِّ من لم تبلُغْهم الدَّعوةُ، بما فيهم أطفالُ المشركينَ .


وقال الألوسي: (الفترةُ عند جميعِ المفَسِّرين: انقِطاعُ ما بين الرَّسولينِ) .


أقوالُ العُلَماءِ في حُكمِ أهلِ الفَترةِ:
اختلف العُلَماءُ في ذلك على عِدَّةِ أقوالٍ، من أشهَرِها:


=القَولُ الأوَّلُ:!= أنَّ من مات ولم تبلُغْه الدَّعوةُ مات ناجيًا.
وقد نصَّ بعضُ العلماء على دخول أطفال المشركين الجنة -دون غيرهم من أهل الفترة- منهم: ابنُ حَزمٍ ، والنَّوويُّ ، والقُرطبيُّ ، وابنُ حَجَرٍ، وذكر أنَّه ترجيحُ البخُاريِّ .


=القَولُ الثَّاني:!= أنَّ من مات ولم تبلُغْه الدَّعوةُ فهو في النَّارِ.


قال ابنُ القَيِّمِ: (هو قَولُ جماعةٍ من المتكَلِّمين، وأهلِ التفسيرِ، وأحَدُ الوجهَينِ لأصحابِ أحمَدَ، وحكاه القاضي نَصًّا عن أحمَدَ، وغَلَّطه شيخُنا) ، وهو قَولُ جماعةٍ من أصحابِ أبي حنيفةَ .


=القَولُ الثَّالثُ:!= أنَّهم يُمتَحَنون في عَرَصاتِ القيامةِ بنار ٍيأمُرُهم اللهُ سُبحانَه وتعالى بدُخولِها، فمن دخلها كانت عليه بَرْدًا وسَلامًا، ومن لم يَدخُلْها فقد عصى اللهَ تعالى؛ فهو من أهلِ النَّارِ.
وهذا قَولُ جُمهورِ السَّلَفِ، حكاه الأشعريُّ عنهم ، وممن قال به: البيهقيُّ ، وابنُ تيميَّةَ ، وابنُ القَيِّم ، وابنُ كثيرٍ ، وغيُرهم.


قال ابنُ تيميَّةَ: (من لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ في الدُّنيا بالرِّسالةِ؛ كالأطفالِ، والمجانينِ، وأهلِ الفَتَراتِ؛ فهؤلاء فيهم أقوالٌ؛ أظهرُها: ما جاءت به الآثارُ؛ أنَّهم يُمتَحَنون يومَ القيامةِ، فيَبعَثُ إليهم من يأمُرُهم بطاعتِه، فإن أطاعوه استحَقُّوا الثَّوابَ، وإن عَصَوه استحَقُّوا العَذابَ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ بعد حكايتِه للأقوالِ في أطفالِ المُشرِكين وأدِلَّتِها: (المذهَبُ الثَّامِنُ: أنَّهم يُمتَحَنون في عَرصةِ القيامةِ، ويُرسَلُ إليهم هناك رَسولٌ، وإلى كُلِّ من لم تبلُغْه الدَّعوةُ، فمن أطاع الرَّسولَ دخل الجنَّةَ، ومن عصاه أدخَلَه النَّارَ، وعلى هذا فيكونُ بعضُهم في الجنَّةِ، وبعضُهم في النَّارِ، وبهذا يتألَّفُ شَملُ الأدِلَّة كُلِّها، وتتوافَقُ الأحاديثُ) ، ثمَّ ساق أدِلَّةً لهذا القولِ، وقال: (فهذه الأحاديثُ يَشُدُّ بعضُها بعضًا، وتشهَدُ لها أصولُ الشَّرعِ وقواعِدُه، والقَولُ بمضمونِها هو مَذهَبُ السَّلَفِ والسُّنَّةِ، نقله عنهم الأشعريُّ رحمه اللهُ) .


وقال ابنُ كثيرٍ: (اختلف الأئمَّةُ -رحمهم اللهُ تعالى- فيها قديمًا وحديثًا، وهي الوِلدانُ الذين ماتوا وهم صِغارٌ وآباؤهم كُفَّارٌ ماذا حُكمُهم؟ وكذا المجنونُ، والأصَمُّ، والشَّيخُ الخَرِفُ، ومن مات في الفترةِ ولم تَبلُغْه الدَّعوةُ، وقد ورد في شأنِهم أحاديثُ أنا ذاكِرُها لك بعَونِ اللهِ وتوفيقِه) ، ثمَّ ساق عَشَرةَ أحاديثَ في هذه المسألةِ، ثمَّ أشار إلى الأقوالِ في المسألةِ، ورَجَّح أنَّهم يُمتَحَنون يومَ القيامةِ؛ حيثُ قال: (وهذا القَولُ يجمَعُ بين الأدِلَّة كُلِّها، وقد صَرَّحت به الأحاديثُ المتقَدِّمةُ المتعاضِدةُ، الشَّاهِدُ بَعضُه لبَعضٍ) .


وقال الشِّنقيطي بَعْدَما رجَّح هذا القولَ: (إنَّ الجَمعَ بين الأدِلَّةِ واجِبٌ متى ما أمكَنَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ إعمالَ الدليلينِ أَولى من إلغاءِ أحَدِهما، ولا وَجْهَ للجَمع ِبين الأدِلَّةِ إلَّا هذا القَولُ بالعُذرِ والامتحانِ)


ومِن أهَمِّ أدِلَّتِهم على هذا القَولِ دليلانِ:

الدَّليلُ الأوَّلُ: عمومُ الآياتِ الدَّالَّةِ على نَفيِ التَّعذيبِ قَبلَ بُلوغِ الحُجَّةِ.
كقَولِه تعالى عن أهلِ النَّارِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا [الملك: 8، 9].
وقَولِه سُبحانَه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15]، وغيرِها من الآياتِ الدَّالَّةِ على عُذرِ أهلِ الفَترةِ بأنَّهم لم يأتِهم نَذيرٌ.
قال السعديُّ في تفسيرِه لهذه الآيةِ: (اللهُ تعالى أعدَلُ العادِلينَ، لا يُعَذِّبُ أحدًا حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ بالرِّسالةِ، ثمَّ يعانِدُ الحُجَّةَ، وأمَّا من انقاد للحُجَّةِ، أو لم تَبلُغْه حُجَّةُ اللهِ تعالى؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يُعَذِّبُه، استُدِلَّ بهذه الآيةِ على أنَّ أهلَ الفَتراتِ، وأطفالَ المُشرِكين، لا يُعَذِّبُهم اللهُ، حتى يَبعَثَ إليهم رَسولًا؛ لأنَّه مُنَزَّهٌ عن الظُّلمِ) .


الدَّليلُ الثَّاني: آثار مُصَرِّحةِ بأنَّ أهلَ الفَترةِ ومن لم تَبلُغْه الدَّعوةُ يُمتَحَنونَ يومَ القيامة.
فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: (إذا كانَ يومُ القيامةِ جَمعَ اللَّهُ أَهلَ الفَترةِ والمعتوهَ , والأصمَّ , والأبكمَ والشِّيوخَ الَّذينَ لم يدرِكوا الإسلامَ ، ثمَّ أرسلَ إليهِم رسولًا أنِ ادخُلوا النَّارَ ، فيقولونَ : كيفَ ولَم يأتِنا رُسُلٌ ؟ قالَ : وأَيْمُ اللَّهِ لو دخلوها لَكانت عليهم بردًا وسلامًا , ثُمَّ يرسِلُ إليهِم رسولًا فيطيعُه مَن كانَ يريدُ أن يطيعَهُ ثُمَّ قالَ أبو هُريرةَ : اقرَأوا إن شِئتُم وَمَا كُنَّا مَعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)


قال ابنُ تيميَّةَ: (وهذا التفصيلُ يُذهِبُ الخُصوماتِ التي كَرِهَ الخَوضَ فيه لأجْلِها من كَرِهَه؛ فإنَّ من قَطَع لهم بالنَّارِ كُلِّهم، جاءت نصوصٌ تَدفَعُ قَولَه، ومن قَطَع لهم بالجنَّةِ كُلِّهم، جاءت نصوصٌ تَدفَعُ قَولَه) .


وقال الشِّنقيطي بعد ترجيحِه لهذا القَولِ: (هذا ثبَتَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وثُبوتُه عنه نَصٌّ في محَلِّ النِّزاعِ، فلا وَجْهَ للنِّزاعِ البتَّةَ مع ذلك) .


وردُّوا على ما ذَكَر بَعضُ العُلَماءِ؛ كالحليميِّ، وابنِ عبدِ البَرِّ، والقرطبيِّ، بأنَّ هذه الأحاديثَ لا تَصِحُّ، وأنَّها مخالِفةٌ لأصول المُسلِمين؛ لأنَّ الآخِرةَ ليست بدارِ امتحانٍ بما يلي:
1- أنَّ هذه الأحاديثَ صحيحةٌ، وَرَدت من طُرُقٍ مُختَلِفةٍ.
2- قال ابنُ تيميَّةَ: (التكليفُ إنَّما ينقَطِعُ بدُخولِ دارِ الجَزاءِ، وهي الجنَّةُ والنَّارُ، وأمَّا عَرَصاتُ القيامةِ فيُمتَحَنونَ فيها كما يُمتَحَنونَ في البَرْزخِ، فيقالُ لأحَدِهم: من رَبُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟ وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42-43] ) .


وقال الطيبي: (الدُّنيا وإن كانت دارَ ابتلاءٍ فقد يتحَقَّقُ الجزاءُ في بعضِ الأحوالِ، كما قال اللهُ تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] فهكذا الآخِرةُ، وإن كانت دارَ جَزاءٍ فقد يقَعُ فيها الابتِلاءُ، بدليلِ أنَّ القَبْرَ وهو أوَّلُ مَنِزٍل مِن مَنازِلِ الآخِرة يَجري فيه الابتلاءُ) .


وقال ابنُ القَيِّمِ مُلَخِّصًا الرَّدَّ على ذلك: (فإن قيل: فالآخِرةُ دارُ جَزاءٍ، وليست دارَ تكليفٍ، فكيف يُمتَحَنون في غيرِ دارِ التكليفِ؟ فالجوابُ: أنَّ التكليفَ إنَّما ينقَطِعُ بعد دُخولِ دارِ القَرارِ، وأمَّا في البَرْزخِ وعَرَصاتِ القيامةِ فلا ينقَطِعُ، وهذا معلومٌ بالضَّرورةِ مِنَ الدِّينِ مِن وُقوعِ التكليفِ بمسألةِ الملَكَينِ في البَرْزخِ وهي تكليفٌ، وأمَّا في عرصةِ القيامةِ، فقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42] ، فهذا صريحٌ في أنَّ اللهَ يَدعو الخلائِقَ إلى السُّجودِ يومَ القيامة، وأنَّ الكُفَّارَ يُحالُ بينهم وبين السُّجودِ إذ ذاك) ، وذكروا أحاديثَ على جوازِ التَّكليفِ في الآخِرةِ، ذكَرَها ابنُ القَيِّمِ، وابنُ كثيرٍ، وغيرُهما .


قال ابنُ باز: (إذا مات غيرُ المكَلَّفِ بين والِدَينِ كافِرَينِ فحُكمُه حُكمُهما في أحكامِ الدُّنيا؛ فلا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مقابرِ المُسلِمين، أمَّا في الآخِرةِ فأمْرُه إلى اللهِ سُبحانَه، وقد صَحَّ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لَمَّا سُئِلَ عن أولادِ المُشرِكين قال: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين )) ، وقد ذهب بعضُ أهلِ العِلْم إلى أنَّ عِلمَ اللهِ سُبحانَه فيهم يَظهَرُ يومَ القيامةِ، وأنَّهم يُمتَحَنون كما يُمتَحَنُ أهلُ الفَترةِ ونحوُهم، فإن أجابوا إلى ما يُطلَبُ منهم دَخَلوا الجنَّةَ، وإن عَصَوا دخلوا النَّارَ، وقد صَحَّت الأحاديثُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امتحانِ أهلِ الفترةِ يومَ القيامةِ، وهم الذين لم تَبلُغْهم دعوةُ الرُّسُلِ، ومن كان في حُكمِهم كأطفالِ المُشرِكين؛ لقَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وهذا القَولُ هو أصَحُّ الأقوالِ في أهلِ الفَترةِ ونحوِهم ممَّن لم تبلُغْهم الدَّعوةُ الإلهيَّةُ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، وتلميذِه العَلَّامةِ ابنِ القَيِّمِ، وجماعةٍ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ، رحمةُ اللهِ عليهم جميعًا) .


وقال ابنُ باز أيضًا: (فالخُلاصةُ: أنَّ من لم تَبلُغْه الدَّعوةُ، كالذين في أطرافِ الدُّنيا، أو في أوقاتِ الفَتَراتِ، أو كان بلَغَتْه وهو مجنونٌ ذاهِبُ العَقلِ، أو هَرِمٌ لا يَعقِلُ؛ فهؤلاء وأشباهُهم مِثلُ أولادِ المُشرِكين الذين ماتوا وهم صِغارٌ؛ فإنَّ أولادَ المُشرِكين الذين لم يبلُغوا الحُلُمَ كُلُّهم أمرُهم إلى اللهِ، فاللهُ يَعلَمُ بما كانوا عامِلين، كما أجاب بذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِمَن سأله عنهم، ويَظهَرُ عِلمُه فيهم سُبحانَه يومَ القيامةِ بالامتحانِ، فمن نجَحَ منهم دخل الجنَّةَ، ومن لم ينجَحْ دَخَل النَّارَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ) .


وقال ابنُ عثيمين: (الصَّحيحُ أنَّ أهلَ الفَترةِ قِسمان:
القِسمُ الأوَّلُ: من قامت عليه الحُجَّةُ، وعَرَف الحَقَّ، لكِنَّه اتَّبَع ما وجد عليه آباءَه، وهذا لا عُذرَ له فيكونُ مِن أهلِ النَّارِ.
القِسمُ الثَّاني: من لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ، فإنَّ أمْرَه للهِ عزَّ وجَلَّ، ولا نعلَمُ عن مصيرِه، وهذا ما لم يَنُصَّ الشَّارعُ عليه، أمَّا من ثبت أنَّه في النَّارِ بمُقتضى دليلٍ صحيحٍ فهو في النَّارِ) .
وقال أيضًا: (إذا مات أطفالُ الكُفَّارِ وهم لم يَبلُغوا سِنَّ التَّمييزِ وكان أبواهم كافِرَينِ، فإنَّ حُكمَهم حُكمُ الكُفَّارِ في الدُّنيا، أي: لا يُغَسَّلون، ولا يُكَفَّنون، ولا يُصَلَّى عليهم، ولا يُدفَنون مع المُسلِمين؛ لأنَّهم كُفَّارٌ بوالِديهم. هذا في الدُّنيا، أمَّا في الآخِرةِ فاللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلين، وأصحُّ الأقوالِ فيهم أنَّ الله سُبحانَه وتعالى يختَبِرُهم يومَ القيامةِ بما يشاءُ من تكليفٍ، فإن امتَثَلوا أدخَلَهم اللهُ الجَنَّةَ، وإن أبَوا أدخَلَهم النَّارَ، وهكذا نقولُ في أهلِ الفَترةِ، ومن لم تبلُغْهم الرِّسالاتُ؛ فاللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلين، يُختَبَرون ويُكَلَّفون بما يشاءُ اللهُ عزَّ وجَلَّ، وما تقتضيه حِكْمَتُه؛ فإن أطاعوا دخَلوا الجنَّةَ، وإن عَصَوا دَخَلوا النَّارَ) .
 
عودة
أعلى